جنوب لبنان وحرب الاستنزاف الجديدة: المسيّرات وإعادة تشكيل قواعد الاشتباك

تحوّل في أدوات القتال وحدود التكيّف العسكري والسياسي

الدراسات العسكرية- قراءة إسرائيلية
خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
تشير التطورات في جنوب لبنان إلى تحوّل في طبيعة الاشتباك بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله، حيث لم يؤدِ وقف إطلاق النار إلى خفض التصعيد، بل إلى بروز نمط جديد من حرب الاستنزاف منخفضة الشدة. برزت المسيّرات الانتحارية، خاصة الموجّهة عبر الألياف البصرية، كأداة مركزية في استهداف القوات الإسرائيلية وإرباك منظوماتها الدفاعية. أظهرت المعطيات الميدانية خسائر بشرية ومادية، إلى جانب تأثير نفسي متزايد على القوات المنتشرة في بيئة شبه ثابتة، كما كشفت التجربة عن فجوة تكنولوجية وتشغيلية في قدرة الجيش الإسرائيلي على مواجهة هذا النوع من التهديدات، ورغم محاولات التكيّف، بما في ذلك الاستفادة من خبرات خارجية، بقيت الاستجابة محدودة وذات طابع ردّ الفعل. انعكست هذه التطورات على مستوى الانضباط والمعنويات داخل القوات، ما عمّق من حالة الاستنزاف. وتخلص الورقة إلى أن جنوب لبنان يشهد إعادة تشكيل لقواعد الاشتباك ضمن نموذج استنزاف طويل الأمد يقيّد الخيارات العسكرية والسياسية.

مقدمــــة

تشهد الساحة الجنوبية للبنان تحوّلًا لافتًا في طبيعة الاشتباك بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله، لا يقتصر على تغيير في أدوات القتال، بل يمتد إلى إعادة تشكيل قواعد إدارة الصراع نفسه.

فعلى الرغم من الإعلان عن وقف إطلاق نار وتمديده، وما رافقه من ترتيبات ميدانية شملت بقاء الجيش الإسرائيلي في شريط حدودي بعمق يقارب 10 كيلومترات جنوب نهر الليطاني، إلا أن الواقع العملياتي لم يتجه نحو التهدئة، بل نحو نمط جديد من الاشتباك منخفض الشدة عالي الاستنزاف.

في هذا السياق، برز استخدام المسيّرات الانتحارية -بما في ذلك المسيّرات الموجّهة عبر الألياف البصرية- كأداة مركزية في استهداف القوات الإسرائيلية، ما أفرز خسائر بشرية ومادية، وأحدث إرباكًا في المنظومات الدفاعية التقليدية، وكشف في الوقت ذاته عن فجوات تكنولوجية وتشغيلية في القدرة على المواجهة.

تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن ما يجري في جنوب لبنان لا يمكن قراءته بوصفه مجرد خروقات لوقف إطلاق النار، بل باعتباره انتقالًا تدريجيًا نحو حرب استنزاف جديدة بأدوات غير تقليدية، تُعيد تعريف مفاهيم الردع والسيطرة الميدانية، وتفرض إعادة تقييم أدوات وعقائد القتال في بيئة تتسم بتقليص الكلفة مقابل رفع الفاعلية العملياتية.

أولاً: من وقف إطلاق النار إلى استنزاف مقيّد

على الرغم من إعلان وقف إطلاق النار وتمديده، والذي تضمّن بقاء الجيش الإسرائيلي في شريط حدودي بعمق يقارب 10 كيلومترات جنوب نهر الليطاني، فإن هذا الترتيب لم يُفضِ إلى استقرار ميداني، بل أسهم في خلق بيئة عملياتية معقّدة.

فوجود قوات إسرائيلية في مواقع شبه ثابتة داخل بيئة معادية، مع تقييد نسبي لحرية العمل الهجومي خارج هذا النطاق، حوّل هذه القوات إلى أهداف مكشوفة ضمن معادلة استنزاف مستمرة، وفي هذا السياق، لم يعد وقف إطلاق النار إطارًا لخفض التصعيد، بل أصبح -فعليًا- آلية لإدارة الاشتباك ضمن سقف منخفض الشدة، يتيح للطرف المقابل استنزاف القوات دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

وتتضح ملامح هذا التحول من خلال الشهادات الصادرة عن داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، حيث نقل موقع “خدري خداريم” عن قادة في الجيش تحذيرهم من أن وجود القوات في مواقع محددة جنوبي لبنان يجعلها عرضة للاستهداف المستمر، في ظل غياب ديناميكية قتالية تقليدية، وفي توصيف دقيق لطبيعة هذا التموضع، قال بعضهم : “تحوّلنا إلى ما يشبه البط في ميدان الرماية حيث تم استبدال العمليات العسكرية بعمليات هندسية تكشف القوات أمام تهديد مستمر”.

كما يعكس تصريح ضابط ميداني لافت أوردته القناة “12” العبرية في الثامن والعشرين من نيسان، عمق هذا التحول في طبيعة المهمة العسكرية، إذ قال: “لا يوجد قتال جنوبي لبنان منذ وقف إطلاق النار، هنالك أعمال مهمة تكمن في هدم المباني ولكنها أعمال للمقاولين وليست للجنود… نعيش تحذيرات مستمرة على مدار 24 ساعة طيلة 7 أيام من الأسبوع بإطلاق المسيرات والصواريخ اللبنانية، لا أعتقد أن هدم المزيد من البيوت يساوي فقدان حياة المزيد من الجنود”.

تعكس هذه الشهادات تحوّلًا بنيويًا في وظيفة القوة العسكرية من أداة قتال ومناورة إلى قوة ثابتة تنفّذ مهام ذات طابع هندسي ضمن بيئة تهديد نشط، ما يقيّد قدرتها على المبادرة ويضعها في موقع رد الفعل الدائم.

وبهذا المعنى، يمكن القول إن وقف إطلاق النار لم يُنتج حالة “تجميد للصراع”، بل أعاد تشكيله ضمن نموذج حرب استنزاف مقيّدة، حيث تُفرض قيود سياسية على التصعيد، في مقابل إطلاق يد الخصم في استخدام أدوات منخفضة الكلفة وعالية الفعالية لاستنزاف القوات.

كما أن هذا النمط يعكس توازنًا هشًا بين الرغبة في تجنب حرب شاملة، والحاجة إلى الحفاظ على حضور ميداني، وهو ما يخلق حالة وسطية غير مستقرة، تتحول فيها الجغرافيا من خط تماس إلى مساحة استنزاف مفتوحة بزمن طويل وكلفة متراكمة.

ثانياً: المسيّرات الانتحارية كأداة استنزاف مركزية

تشير المعطيات الميدانية إلى أن حزب الله اعتمد بشكل متزايد على المسيّرات الانتحارية كأداة رئيسية في إدارة الاشتباك خلال فترة الهدنة، وقد أسفرت هذه الهجمات، وفق ما أعلنه الجيش الإسرائيلي، عن مقتل جندي وإصابة العشرات، إضافة إلى تدمير وإعطاب عدد من الآليات العسكرية، وإصابة طائرة مروحية خلال عملية إجلاء.

وفي حادثة لافتة، أُصيب 12 جنديًا إثر استهداف ناقلة جند في الجليل الغربي بمسيّرة انتحارية، ما يعكس قدرة هذه الوسائط على تجاوز الإجراءات الدفاعية التقليدية.

كما أوقعت هذه المسيّرات أضرارًا مباشرة في الآليات العسكرية، حيث تم تدمير عدد منها، في حين أصيبت مروحية بشكل طفيف أثناء محاولة إجلاء مصابين، نتيجة سقوط مسيّرة انتحارية على القوة، وهو ما يشير إلى قدرة هذه الوسائط على التأثير حتى في لحظات الإسناد والإخلاء، وليس فقط أثناء العمليات القتالية المباشرة.

تكمن أهمية هذا التحوّل في أن المسيّرات:

– منخفضة الكلفة مقارنة بالمنظومات التقليدية.

– صعبة الرصد والاستهداف.

– قادرة على تحقيق أثر نفسي وعملياتي مرتفع.

ثالثاً: فجوة تكنولوجية – المسيّرات الموجّهة بالألياف البصرية

يمثّل إدخال المسيّرات الموجّهة عبر الألياف البصرية تطورًا نوعيًا في ساحة المعركة، حيث يحدّ هذا النمط من فعالية وسائل الحرب الإلكترونية التقليدية، التي تعتمد على التشويش على الترددات.

وقد أقرّ ضباط في الجيش الإسرائيلي، خلال جلسات مغلقة، بأن هذا النوع من المسيّرات يشكّل نقطة ضعف عملياتية خطيرة، نظرًا لصعوبة اعتراضه أو التأثير عليه إلكترونيًا، وفي هذا السياق، أشار الضباط إلى أن التعامل مع المسيّرات التقليدية يظل ممكنًا عبر التشويش على إشاراتها، في حين أن المسيّرات الموجّهة عبر الألياف البصرية تُدار عبر اتصال مادي مباشر، ما يجعلها شبه محصّنة أمام وسائل الإعاقة الإلكترونية.

كما كشفت مذكرات داخلية صادرة عن شعبة العمليات عن إدراك مبكر لهذا التهديد، حيث وجّه رئيس شعبة العمليات آنذاك، عوديد بسيوك، مذكرة عاجلة إلى القيادات العسكرية شدّد فيها على ضرورة الاستعداد لمواجهة هذا النوع من المسيّرات، والدعوة إلى تطوير حلول عملياتية عاجلة، سواء على المستوى الدفاعي أو الهجومي، إلا أن الفجوة بين الإدراك المبكر والتنفيذ الفعلي بقيت قائمة، ما سمح بتفاقم التهديد وتحوله إلى عامل ضغط ميداني متصاعد.

وفي محاولة لمواجهة هذا التحدي، لجأ الجيش إلى حلول ميدانية وُصفت بأنها “بدائية”، مثل:

– إطلاق النار المباشر من أسلحة خفيفة.

– تركيب شبكات حماية على الآليات.

– استخدام ذخائر ذات رؤوس انشطارية.

وهي إجراءات تعكس طبيعة رد الفعل أكثر من كونها عقيدة دفاعية متكاملة، وتدل على غياب منظومة اعتراض مخصصة لمثل هذا النوع من التهديدات.

كما تتقاطع هذه المعطيات مع ما كشفته إذاعة الجيش الإسرائيلي “غالي تساهل” حول استعانة الجيش بضابط أوكراني مختص في مجال المسيّرات، في محاولة لاستخلاص العبر من الحرب في أوكرانيا، حيث باتت هذه الوسائط عنصرًا مركزيًا في العمليات القتالية، ووفقًا للمراسل العسكري للإذاعة، دورون كدوش، فقد تم تجنيد الضابط للعمل ضمن طاقم تخطيط خاص بهدف تطوير حلول مبتكرة، إلا أن التوصيات التي قدّمها لم تُطبّق، ما يعكس استمرار الخلل في آليات التكيّف المؤسسي.

وفي توصيف نقدي لهذه الحالة، أشار المحلل العسكري في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، يوسي يهوشع، إلى أن الحلول التي يعتمدها الجيش “بدائية ومحدودة وجاءت متأخرة جداً”، وهو ما يعزز فرضية وجود فجوة متزايدة بين طبيعة التهديدات الحديثة وأدوات مواجهتها.

وعليه، لا يمكن النظر إلى المسيّرات الموجّهة بالألياف البصرية بوصفها مجرد تطوير تقني، بل باعتبارها اختراقًا نوعيًا في معادلة الصراع، إذ تنقل التفوق من المجال الإلكتروني -حيث يمتلك الجيش الإسرائيلي ميزة نسبية- إلى مجال مادي يصعب التحكم به أو تعطيله.

كما أن هذا التحول يعكس اتجاهًا أوسع في الحروب المعاصرة، يقوم على تحييد نقاط القوة التكنولوجية للخصم عبر حلول بسيطة لكنها فعّالة، وهو ما يضع الجيوش التقليدية أمام تحدٍ مزدوج: ليس فقط تطوير أدوات جديدة، بل إعادة التفكير في عقيدتها القتالية بشكل كامل.

رابعاً: التعلم من أوكرانيا وحدود التكيّف المؤسسي

في سياق البحث عن حلول، استعان الجيش الإسرائيلي بضابط أوكراني مختص في حرب المسيّرات، في محاولة للاستفادة من خبرات الحرب في أوكرانيا، التي شهدت استخدامًا مكثفًا للطائرات المسيّرة، خاصة من نوع FPV، والتي أثبتت فعاليتها في استهداف الأفراد والآليات بكلفة منخفضة ودقة عالية.

وقد كشفت إذاعة الجيش الإسرائيلي “غالي تساهل” عن هذه الخطوة، حيث أشار مراسلها العسكري، دورون كدوش، إلى أن الجيش جنّد خلال العامين الماضيين ضابطًا خدم في الجيش الأوكراني، وضمّه إلى طاقم تخطيط خاص يعمل على تطوير حلول مبتكرة لمواجهة تهديد المسيّرات، في إطار محاولة لنقل الخبرة القتالية من ساحة تشهد أحد أكثر أشكال الحروب تطورًا في هذا المجال.

غير أن التقارير ذاتها تشير إلى أن التوصيات المقدمة من هذا الضابط لم تُترجم إلى سياسات عملية، وهو ما يعكس خللًا واضحًا في آليات التكيّف المؤسسي داخل الجيش، ويطرح تساؤلات حول قدرته على استيعاب دروس الحروب الحديثة وتحويلها إلى إجراءات تنفيذية.

ولا يقتصر هذا الخلل على البعد التقني، بل يمتد إلى بنية اتخاذ القرار، حيث يظهر أن الفجوة لا تكمن في غياب المعرفة، بل في ضعف القدرة على تحويل المعرفة إلى عقيدة عمل، فالتجربة الأوكرانية، التي تقوم على سرعة التكيّف والابتكار الميداني، تتطلب بنية تنظيمية مرنة تسمح بتجريب الحلول وتعميمها بسرعة، وهو ما يبدو أنه لا يتحقق بالقدر الكافي في الحالة الإسرائيلية.

وهنا تبرز مفارقة لافتة: الجيش يمتلك الوعي بالتهديد، لكنه يفتقر إلى سرعة الاستجابة له.

وتتجلى هذه المفارقة في التباين بين:إدراك مبكر لتهديد المسيّرات (كما في مذكرات شعبة العمليات)، واستمرار الاعتماد على حلول ميدانية بدائية أو مؤقتة.

ما يشير إلى وجود فجوة بين المستويين المعرفي والعملياتي داخل المؤسسة العسكرية.

كما يمكن تفسير هذا البطء في التكيّف بعدة عوامل، منها:

– البيروقراطية العسكرية وتعقيد مسارات اتخاذ القرار .

– الثقة المفرطة بالمنظومات التكنولوجية التقليدية.

– صعوبة تعديل العقيدة القتالية في ظل ظروف اشتباك نشطة.

وعليه، فإن تجربة الاستعانة بالخبرة الأوكرانية، رغم أهميتها، تكشف عن حدود التعلم المؤسسي عندما لا تقترن بقدرة فعلية على التغيير، ما يترك الجيش في حالة “تعلم غير مكتمل”، يدرك التهديد لكنه لا ينجح في احتوائه.

خامساً: أزمة داخلية – الانضباط والمعنويات

ترافقت التحديات الميدانية مع مؤشرات متزايدة على تراجع الانضباط داخل صفوف القوات الإسرائيلية، في انعكاس مباشر لضغوط بيئة الاشتباك الجديدة القائمة على الاستنزاف المستمر، فقد نقلت وسائل إعلام عبرية عن ضباط وجنود حديثهم عن:

– تحول القوات إلى “أهداف ثابتة”.

– حالة استنزاف نفسي نتيجة التهديد الدائم.

– انتشار ظاهرة السلب والنهب في بعض الوحدات.

وفي هذا السياق، نقلت صحيفة “هآرتس” عن ضباط تأكيدهم أن عمليات السلب والنهب تحوّلت إلى ظاهرة واسعة في صفوف الجنود، وبعلم قادتهم، ما يشير إلى تآكل في منظومة الضبط والانضباط العسكري، وليس مجرد سلوكيات فردية معزولة.

كما يعكس توصيف الجنود لطبيعة مهامهم اليومية عمق التحول في الدور العملياتي، حيث أشار أحد الضباط، في حديث للقناة “12” العبرية، إلى أن ما يجري على الأرض لا يشبه القتال التقليدي، قائلاً:

“لا يوجد قتال جنوبي لبنان منذ وقف إطلاق النار… هنالك أعمال مهمة تكمن في هدم المباني ولكنها أعمال للمقاولين وليست للجنود”.

هذا التحول من مهام قتالية إلى أعمال ذات طابع هندسي، ضمن بيئة تهديد نشطة، يفاقم الشعور بفقدان الجدوى العملياتية، ويضع الجنود في حالة تناقض بين طبيعة دورهم العسكري والواقع الميداني المفروض عليهم.

كما تتعزز هذه الحالة مع استمرار التهديد بالمسيّرات، الذي يفرض حالة يقظة دائمة، ويحوّل الخدمة الميدانية إلى تجربة استنزاف نفسي مستمر، وهو ما عبّر عنه الجنود بقولهم إنهم باتوا ينظرون “طيلة الوقت إلى الأعلى” تحسبًا لهجمات غير متوقعة.

وفي بُعد آخر، أشار ضباط إلى أن التموضع الثابت للقوات، إلى جانب القيود المفروضة على حرية الحركة، جعلها مكشوفة بشكل دائم، وهو ما يتقاطع مع توصيفهم لأنفسهم بأنهم أشبه بـ:”البط في ميدان الرماية”.

تعكس هذه المؤشرات مجتمعة أن حرب الاستنزاف الجارية لا تقتصر على استهداف القدرات العسكرية، بل تمتد إلى البنية المعنوية والتنظيمية للمؤسسة العسكرية، حيث يؤدي الضغط المستمر، وغياب الإنجاز الميداني الواضح، إلى تآكل تدريجي في الانضباط والدافعية.

وعليه، يمكن القول إن أحد أخطر أبعاد هذا النمط من الصراع يتمثل في قدرته على إحداث تآكل داخلي بطيء داخل الجيش، لا يظهر بالضرورة في شكل هزائم مباشرة، لكنه ينعكس في تراجع الأداء، وتزايد مظاهر الانفلات، وتآكل الثقة بالقيادة والمهام.

سادساً: مأزق سياسي–عسكري مزدوج

تُظهر المعطيات أن المستوى السياسي الإسرائيلي يواجه بدوره معضلة مركّبة، تتقاطع فيها الاعتبارات العسكرية مع الضغوط السياسية والأمنية الداخلية، ويمكن تلخيصها في معادلة صعبة:

– الاستمرار في وقف إطلاق النار يعرّض القوات للاستنزاف

– إنهاؤه قد يفتح الباب أمام تصعيد واسع وغير مضمون النتائج

هذه المعضلة تعكس حالة من اللايقين الاستراتيجي، حيث لا يملك صانع القرار خيارًا منخفض الكلفة، في ظل تآكل فعالية الأدوات العسكرية التقليدية أمام التهديدات المستجدة.

وقد عبّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن هذا المأزق بشكل غير مباشر، حين أشار إلى أنه أصدر تعليماته للجيش بالبدء بمشروع خاص لمواجهة تهديد المسيّرات، مؤكدًا أن التعامل مع هذا التحدي “سيستغرق وقتاً”، لكنه تعهّد بالقضاء عليه في نهاية المطاف.

كما طلب نتنياهو، في سياق متصل، من الإدارة الأمريكية تحديد جدول زمني لإنهاء وقف إطلاق النار، مشيرًا إلى أن استمرار الوضع القائم دون تحقيق تقدم سياسي أو ميداني قد يعرّض حياة الجنود للخطر، دون تحقيق أهداف واضحة للحرب.

تعكس هذه التصريحات إدراكًا متزايدًا داخل القيادة السياسية بأن الزمن لم يعد عاملًا محايدًا، بل بات يعمل لصالح نمط الاستنزاف، ويضاعف كلفته مع مرور الوقت.

في المقابل، يتعرض صانع القرار لضغوط داخلية متصاعدة، حيث عبّر رؤساء المجالس في المستوطنات الشمالية عن تراجع ثقتهم بقدرة الجيش على توفير الأمن، مشيرين إلى أن استمرار سقوط المسيّرات على المناطق الحدودية، رغم التواجد العسكري داخل الأراضي اللبنانية، يعكس خللًا في تحقيق الردع.

ويكشف هذا التباين بين: الواقع الميداني (استنزاف مستمر)، والتوقعات الداخلية (استعادة الأمن والردع)، عن فجوة آخذة في الاتساع، تضغط باتجاه إعادة تقييم الخيارات الاستراتيجية.

وعليه، يمكن القول إن الحكومة الإسرائيلية تجد نفسها أمام مأزق مزدوج:

عسكريًا: عجز نسبي عن تحييد تهديد منخفض الكلفة وعالي الفعالية.

سياسيًا: صعوبة اتخاذ قرار بالتصعيد أو التراجع دون كلفة كبيرة.

وفي ظل هذا الوضع، يتحول وقف إطلاق النار من أداة لاحتواء الصراع إلى قيد استراتيجي يحدّ من حرية القرار، ويُبقي الجيش في حالة انكشاف ميداني دون أفق حاسم، ما يعمّق من أزمة التوازن بين الضرورات العسكرية والحسابات السياسية.

الخلاصة والاستنتاجات

تكشف المعطيات الميدانية والسياسية المرتبطة بجنوب لبنان عن تحوّل نوعي في طبيعة الاشتباك بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله، حيث لم يعد وقف إطلاق النار إطارًا لتجميد الصراع أو خفض حدته، بل أصبح بيئة لإعادة إنتاجه ضمن نموذج حرب استنزاف منخفضة الشدة وعالية الكلفة التراكمية.

فعلى الرغم من الترتيبات الميدانية التي أبقت الجيش الإسرائيلي في شريط حدودي بعمق يقارب 10 كيلومترات جنوب نهر الليطاني، فإن هذا التموضع لم ينتج استقرارًا، بل أسهم في خلق حالة من الانكشاف العملياتي، جعلت القوات في مواقع شبه ثابتة داخل بيئة معادية، ومعرّضة لتهديدات مستمرة.

وفي هذا السياق، برزت المسيّرات الانتحارية كأداة مركزية في إدارة هذا النمط من الاستنزاف، حيث أظهرت قدرتها على إيقاع خسائر بشرية ومادية، وإرباك منظومات الحماية التقليدية، فضلًا عن تأثيرها النفسي المباشر على القوات الميدانية.

 وقد أكدت تصريحات جنود وضباط إسرائيليين أن هذا التهديد لم يعد ظرفيًا، بل أصبح جزءًا من البيئة العملياتية اليومية، بما يفرض حالة يقظة دائمة واستنزافًا مستمرًا.

كما أضافت المسيّرات الموجّهة عبر الألياف البصرية بُعدًا أكثر تعقيدًا، من خلال تقليص فاعلية منظومات الحرب الإلكترونية، ما كشف عن فجوة تكنولوجية بين طبيعة التهديدات الحديثة وأدوات المواجهة المتاحة، وأظهر محدودية الحلول الدفاعية المعتمدة حتى الآن، والتي وُصفت في بعض التقديرات بأنها حلول “بدائية” أو اضطرارية.

وعلى المستوى المؤسسي، برزت إشكالية التكيّف البطيء مع هذا النمط من الحروب، رغم وجود إدراك مبكر للتهديد، سواء عبر مذكرات داخلية أو محاولات للاستفادة من خبرات خارجية، كما في الحالة الأوكرانية، إلا أن الفجوة بين المعرفة والتطبيق بقيت قائمة، ما عمّق من حالة العجز النسبي في الاستجابة.

أما على المستوى البشري والتنظيمي، فقد انعكست حالة الاستنزاف في تراجع الانضباط وارتفاع الضغط النفسي داخل الوحدات، مع تحوّل جزء من المهام إلى أعمال ذات طابع هندسي أكثر من كونها عمليات قتالية، ما ساهم في تآكل الشعور بالجدوى العملياتية، وزيادة مؤشرات الإرهاق والانكشاف.

سياسيًا، أفرز هذا الواقع مأزقًا مركّبًا لصانع القرار الإسرائيلي، يتمثل في عدم القدرة على إنهاء حالة الاستنزاف دون المخاطرة بتصعيد واسع، وفي الوقت ذاته عدم القدرة على استمرار الوضع القائم دون خسائر تراكمية، وهو ما يعكس انتقال وقف إطلاق النار من كونه أداة لضبط الصراع إلى كونه عامل ضغط استراتيجي يقيّد خيارات القرار.

استنتاجات رئيسية

– يشهد جنوب لبنان تحولًا في نمط الاشتباك نحو حرب استنزاف تكنولوجية منخفضة الكلفة.

– تمثل المسيّرات الانتحارية، خاصة الموجّهة بالألياف البصرية، أداة حاسمة في إعادة تشكيل معادلة الردع.

– تكشف التجربة عن فجوة واضحة بين إدراك التهديدات الحديثة والقدرة على تطوير استجابة فعّالة لها.

– يؤدي التموضع العسكري الإسرائيلي في بيئة معادية شبه ثابتة إلى تحويل القوات إلى أهداف استنزاف مستمر.

– يمتد أثر هذا النمط من الصراع من المستوى العسكري إلى البنية النفسية والتنظيمية للمؤسسة العسكرية.

– يواجه المستوى السياسي مأزقًا استراتيجيًا مزدوجًا بين كلفة الاستمرار ومخاطر التصعيد.

تُظهر الحالة في جنوب لبنان أن الحروب المعاصرة لم تعد تُحسم فقط بتوازن القوة النارية أو السيطرة الميدانية، بل بقدرة الأطراف على إدارة الاستنزاف طويل الأمد وتكييف أدواتها مع تهديدات منخفضة الكلفة وعالية التأثير.

وفي هذا السياق، يبدو أن المسيّرات لم تعد مجرد وسيلة قتال، بل أصبحت عاملًا بنيويًا في إعادة تشكيل قواعد الاشتباك، بما يفرض على الجيوش التقليدية تحديًا أعمق من مجرد تطوير أدوات جديدة، يتمثل في إعادة صياغة العقيدة القتالية نفسها في مواجهة حروب لا تُحسم بالمعركة، بل بالاستنزاف الممتد.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-مايو 2026

شارك:

المزيد من المقالات