الماء في غزة: من خدمة عامة إلى معركة يومية تعيد تشكيل الحياة

غزة من الداخل: دراسات في الحياة اليومية تحت الحرب وبعدها

أ. أحمد أبو كميل
خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
تتناول هذه الورقة تحوّل أزمة المياه في قطاع غزة من خلل خدمي مزمن إلى معركة يومية تؤثر في مختلف تفاصيل الحياة تحت وطأة الحرب والتدمير واسع النطاق، وتبيّن أن تراجع كميات المياه وتدهور جودتها لا يرتبط فقط بالأضرار المادية، بل يعكس تداخلًا بين القيود المفروضة على الموارد، وضعف القدرة التشغيلية، وتراجع فاعلية المنظومة المؤسسية.  وتوضح الورقة كيف أدى هذا الواقع إلى إعادة تنظيم أنماط الحياة اليومية، حيث أصبح الوصول إلى الماء عاملًا حاكمًا للوقت والسلوك داخل الأسر والمجتمع، كما تسلط الضوء على نشوء أنماط توزيع غير رسمية و”اقتصاد ماء” يومي يعيد تشكيل فرص الوصول ويُنتج تفاوتات جديدة. وتخلص إلى أن معالجة الأزمة تتطلب تجاوز التدخلات الإغاثية الجزئية نحو مقاربة شاملة تعيد بناء المنظومة المائية، وتعزز العدالة في التوزيع، وتتعامل مع الماء كحق إنساني أساسي غير قابل للتقييد.

مقدمــــة

لم يعد الماء في قطاع غزة مجرد خدمة عامة أساسية يفترض أن تصل إلى السكان بصورة منتظمة وآمنة، بل تحوّل في سياق الحرب والتدمير واسع النطاق إلى مورد نادر يخضع لمعادلات معقدة من السيطرة والندرة والتوزيع غير المتكافئ، وفي ظل بنية تحتية منهكة أصلًا بفعل سنوات طويلة من الحصار والتقييد، أدت الضربات المتكررة لمنظومة المياه والصرف الصحي، إلى جانب القيود المفروضة على الوقود ومواد التشغيل والصيانة، إلى انتقال أزمة المياه من حالة العجز المزمن إلى مستوى الانهيار شبه الكامل.

ضمن هذا السياق، لم تعد أزمة المياه في غزة مسألة فنية أو خدمية يمكن تفسيرها بعوامل نقص الموارد أو ضعف الإمكانيات فقط، بل أصبحت تعبيرًا مكثفًا عن تداخل العوامل السياسية والاقتصادية والبيئية في تشكيل شروط الحياة اليومية، فالماء، بوصفه موردًا حيويًا، بات يلعب دورًا مركزيًا في إعادة تنظيم أنماط العيش، وتحديد أولويات الأسر، وإعادة تشكيل العلاقات داخل المجتمع، بل وإنتاج أشكال جديدة من التفاوت والسلطة على المستوى المحلي.

تطرح هذه الورقة إشكالية رئيسية مفادها: كيف تحوّل الماء في قطاع غزة من خدمة عامة إلى “معركة يومية”، وما الذي يكشفه هذا التحول عن طبيعة الحياة اليومية، وإعادة تشكل العلاقات الاجتماعية في سياق الحرب؟

تنطلق الورقة من فرضية مفادها أن أزمة المياه في غزة لم تعد مجرد أزمة نقص في الموارد، بل تحولت إلى أزمة حوكمة وهشاشة مركبة، يتداخل فيها التدمير المادي مع القيود السياسية، وينتج عنها أنماط غير رسمية لإدارة المورد، تعيد تشكيل علاقات القوة والتضامن داخل المجتمع.

ولمعالجة هذه الإشكالية، تعتمد الورقة على تحليل وصفي-تحليلي يستند إلى دمج البيانات الكمية المتاحة حول إنتاج المياه وجودتها وتوزيعها، مع قراءة نوعية للواقع الميداني كما يتجلى في أنماط الوصول اليومي للمياه، والأدوار الاجتماعية الناشئة، والتأثيرات على الحياة الأسرية والمجتمعية، وتهدف الورقة من خلال ذلك إلى تقديم فهم أعمق لأزمة المياه بوصفها مدخلًا لتحليل تحولات أوسع في بنية المجتمع تحت الضغط.

الماء في غزة: مورد نادر ومعركة يومية

لم يعد الماء في قطاع غزة خدمة عامة أساسية يمكن الاعتماد عليها ضمن نمط حياة مستقر، بل تحوّل في سياق الحرب والتدمير واسع النطاق إلى مورد نادر يخضع لقيود مركبة، جعلت الوصول إليه فعلًا يوميًا محفوفًا بعدم اليقين، ففي بيئة تعاني أصلًا من هشاشة بنيوية نتيجة سنوات طويلة من الحصار، أدى التدمير المتكرر للبنية التحتية المائية، إلى جانب القيود المفروضة على الوقود ومواد التشغيل والصيانة، إلى تقويض قدرة المنظومة على توفير الحد الأدنى من الخدمة، وتحويل الماء إلى عنصر ضاغط يعيد تشكيل تفاصيل الحياة اليومية.

ولا يمكن فهم هذه الأزمة بوصفها خللًا فنيًا أو نقصًا في الموارد فقط، إذ تتجاوز في طبيعتها حدود الأعطال التشغيلية لتطال بنية الحياة الاجتماعية نفسها، فالماء في هذا السياق لم يعد مجرد مدخل خدمي، بل أصبح عاملًا منظمًا لإيقاع اليوم، يحدد أولويات الأسر، ويعيد توزيع الوقت والجهد داخلها، ويؤثر في أنماط السلوك الفردي والجماعي، بدءًا من مواعيد الاستيقاظ، وصولًا إلى قرارات الطهي والنظافة والرعاية الصحية الأساسية.

قبل الحرب الأخيرة، كانت حصة الفرد اليومية من المياه في قطاع غزة تُقدّر بنحو 80–84 لترًا، وهي نسبة تقل أصلًا عن المعايير الدولية اللازمة لضمان حياة مستقرة، إلا أن هذه الحصة شهدت تراجعًا حادًا في أعقاب الحرب، لتصل في كثير من الحالات إلى ما بين 3 و15 لترًا يوميًا، وهي كميات لا تفي بالحد الأدنى الطارئ الموصى به، فضلًا عن أن جزءًا كبيرًا منها غير صالح للشرب بصورة آمنة، ويعكس هذا التراجع اختلالًا عميقًا في منظومة الإنتاج والتوزيع، حيث انخفض إنتاج المياه من نحو 300 ألف متر مكعب يوميًا إلى أقل من 120 ألف متر مكعب، مع عجز يتجاوز في بعض الفترات 60–90%.

ويتفاقم هذا العجز الكمي مع تدهور نوعي خطير في جودة المياه، إذ تشير التقديرات إلى أن غالبية العينات لا تلبي المعايير الصحية، الأمر الذي يرفع من مخاطر انتشار الأمراض المنقولة بالمياه، مثل الإسهال المائي الحاد والتهاب الكبد الوبائي، ورغم أن تلوث المياه الجوفية في غزة يمثل مشكلة مزمنة تعود إلى ما قبل الحرب، حيث كانت النسبة الأكبر منها غير صالحة للاستخدام الآدمي بسبب الملوحة والتلوث بالنترات، إلا أن التدمير الواسع للآبار والشبكات ومحطات التحلية سرّع من انتقال الأزمة من حالة مزمنة يمكن التكيف معها جزئيًا، إلى حالة انهيار حاد ذات أبعاد إنسانية وصحية شاملة.

على مستوى البنية التحتية، تعرضت أجزاء واسعة من الشبكات لأضرار جسيمة، بما في ذلك مئات آلاف الأمتار من خطوط المياه، فيما تراجع عدد الآبار العاملة بشكل كبير، وتعمل محطات التحلية بطاقة محدودة نتيجة نقص الوقود والأضرار الفنية، ونتيجة لذلك، لم تعد الشبكة المركزية قادرة على أداء دورها التقليدي، ما دفع بالسكان للاعتماد المتزايد على مصادر بديلة، أبرزها شاحنات المياه ونقاط التوزيع التي تديرها الجهات الإنسانية، رغم محدودية قدرتها على تلبية احتياجات السكان في ظل الكثافة السكانية المرتفعة واتساع رقعة النزوح.

كيف يحصل السكان فعليًا على المياه يوميًا؟

في هذا السياق، تتجلى كيفية الحصول على المياه بوصفها عملية يومية معقدة، تتجاوز البعد الخدمي إلى كونها ممارسة بقاء، ففي مناطق النزوح المكتظة، حيث يعيش ما يقارب 1.9 مليون نازح، يبدأ يوم كثير من الأسر بمحاولة تأمين المياه عبر الوقوف في طوابير طويلة أمام نقاط التوزيع أو انتظار وصول الصهاريج، في ظروف تتسم بعدم الانتظام وطول فترات الانتظار، وغالبًا ما تنتهي هذه العملية بالحصول على كميات محدودة من المياه، لا تكفي لتغطية احتياجات الشرب والطهي والنظافة الأساسية.

وبينما يُقدّر الحد الأدنى الطارئ للاستهلاك بنحو 15 لترًا للفرد يوميًا، تشير المعطيات الميدانية إلى أن كثيرًا من السكان يحصلون على أقل من 6–9 لترات فقط، وهو ما يفرض على الأسر إعادة ترتيب أولوياتها بشكل يومي وفق منطق الندرة، فالاستخدامات الأساسية للمياه تتحول إلى موضع مفاضلة مستمرة، بين الشرب والطهي والنظافة، بما يعكس انتقال المورد من كونه حقًا متاحًا نسبيًا إلى عنصر نادر يُدار بمنطق تقشفي صارم.

وتزداد تعقيدات الوصول إلى المياه في المناطق الشمالية من القطاع، حيث تتراجع الخدمات بشكل أكبر، ويضطر السكان للاعتماد على مصادر محدودة أو غير آمنة، بما في ذلك الآبار الملوثة أو المياه المخزنة بطرق بدائية، الأمر الذي يرفع من احتمالات التعرض للمخاطر الصحية، كما أن الأزمة لا تقتصر على الندرة الفيزيائية للمياه، بل تمتد إلى بعدها الاقتصادي، إذ أدى انهيار مصادر الدخل إلى جعل الحصول على المياه عبئًا ماليًا إضافيًا، في ظل ارتفاع أسعارها في السوق غير الرسمية، ونتيجة لذلك، تجد كثير من الأسر نفسها أمام معادلات قاسية، تفرض الاختيار بين تأمين الماء أو تلبية احتياجات أساسية أخرى، وعلى رأسها الغذاء.

من يتحكم بتوزيع المياه وتنظيم الوصول إليها؟

لا يمكن فهم أزمة المياه في قطاع غزة بمعزل عن بنية التحكم التي تحكم إنتاجها وتوزيعها، والتي تتسم بتعدد مستوياتها وتداخلها بين عوامل خارجية وداخلية، رسمية وغير رسمية، ففي المستوى الأول، تلعب سلطات الاحتلال دورًا حاسمًا في تشكيل حدود الوصول إلى المياه، سواء من خلال التحكم بالكميات الواردة عبر الخطوط المرتبطة بشركة “ميكوروت”، أو عبر القيود المفروضة على إدخال الوقود وقطع الغيار والمواد الكيميائية اللازمة لعمليات التحلية والتطهير، ولا تقتصر آثار هذه القيود على تقليص الإمدادات المباشرة، بل تمتد إلى تعطيل القدرة التشغيلية للمنظومة ككل، بما يجعل استعادة الخدمات- في فترات التهدئة-عملية بطيئة ومحدودة الأثر.

أما على المستوى الداخلي، فتتولى المؤسسات المحلية، بما في ذلك البلديات وسلطة المياه الفلسطينية ومصلحة مياه بلديات الساحل، إدارة ما تبقى من البنية التحتية، إلا أن قدرتها على التدخل الفعّال باتت مقيدة بفعل حجم الأضرار، ونقص مصادر الطاقة، وغياب المواد اللازمة للصيانة والتشغيل، وفي ظل هذا التراجع في فاعلية المنظومة المركزية، برزت الجهات الإنسانية، مثل الأونروا واليونيسف وشركاء قطاع المياه والصرف الصحي والنظافة، بوصفها فاعلًا رئيسيًا في إدارة التوزيع الطارئ، من خلال تشغيل نقاط ثابتة أو تسيير شاحنات متنقلة لتغطية الاحتياجات الأكثر إلحاحًا.

غير أن هذا الانتقال من نظام مركزي إلى نمط طارئ لم يقتصر على إعادة توزيع الأدوار بين الفاعلين الرسميين والدوليين، بل أدى أيضًا إلى نشوء طبقة ثالثة من الفاعلين غير الرسميين، الذين أصبحوا جزءًا لا يتجزأ من منظومة الوصول إلى المياه، فقد برزت أدوار مثل “السقّاء” و”الناقل” و”الموزع المحلي”، كاستجابة مباشرة لفراغ التوزيع الذي خلّفه تراجع الشبكة المركزية، ويقوم هؤلاء الفاعلون بنقل المياه أو تخزينها أو إعادة بيعها بكميات محدودة، ضمن شبكات محلية تعتمد على الإمكانيات الفردية والعلاقات الاجتماعية، وغالبًا ما تعمل في ظروف لوجستية وأمنية معقدة.

ويعكس هذا التحول ما يمكن وصفه بـ “حوكمة مجزأة للمياه”، حيث لم تعد السيطرة على المورد محصورة بجهة واحدة، بل توزعت بين مستويات متعددة، لكل منها أدواتها وحدودها، وفي هذا السياق، لم يعد الوصول إلى المياه يعتمد فقط على توفرها الفيزيائي، بل أصبح مرتبطًا بعوامل إضافية، مثل القدرة على الدفع، والقرب الجغرافي من نقاط التوزيع، والقدرة على التخزين أو النقل، فضلًا عن المعرفة المسبقة بمواعيد التوزيع أو شبكات العلاقات المحلية.

ومن هنا، يتجاوز الماء كونه موردًا حيويًا ليصبح أيضًا مصدرًا لإعادة إنتاج علاقات القوة داخل المجتمع، فالأفراد أو الأسر الذين يمتلكون خزانات، أو وسائل نقل، أو قدرة على الوصول المنتظم إلى نقاط التوزيع، يجدون أنفسهم في موقع أفضل نسبيًا مقارنة بغيرهم، ما يخلق تفاوتات جديدة داخل مجتمع يعاني أصلًا من مستويات مرتفعة من الهشاشة، وبهذا المعنى، لا تعكس أزمة المياه نقصًا في الموارد فقط، بل تكشف عن تحولات أعمق في أنماط السيطرة المحلية، حيث يُعاد توزيع النفوذ اليومي حول مورد أساسي للحياة.

وفي حين تعكس هذه الديناميات قدرة المجتمع على التكيف مع ظروف الانهيار، فإنها في الوقت ذاته تطرح تحديات تتعلق بعدالة التوزيع، وإمكانية الوصول المتكافئ، ومخاطر تحول إدارة المورد إلى مساحات غير منظمة تخضع لمنطق الندرة والقدرة الفردية، بدلًا من أن تكون جزءًا من نظام عام منظم يضمن الحد الأدنى من الحقوق الأساسية.

كيف يغيّر توفر الماء أو غيابه أنماط الحياة اليومية؟

أدى التراجع الحاد في توفر المياه في قطاع غزة إلى إعادة تشكيل الحياة اليومية بصورة جذرية، بحيث لم يعد تنظيم اليوم قائمًا على متطلبات العمل أو الدراسة أو إدارة شؤون المنزل، بل أصبح مرهونًا أولًا بإمكانية الوصول إلى الماء، فالسؤال الذي يفتتح به كثير من الأسر يومها لم يعد متعلقًا ببرامجها المعتادة، بل بمدى توفر هذا المورد الأساسي: هل وصلت شاحنة المياه؟ أين نقطة التوزيع؟ ومن سيتولى مهمة الانتظار؟ وهل تكفي الكمية المتاحة حتى اليوم التالي؟

يعكس هذا التحول انتقال الماء من كونه خدمة اعتيادية إلى عامل حاكم لتنظيم الزمن اليومي، حيث تضطر الأسر إلى إعادة توزيع وقتها وجهدها حول مهمة تأمينه، ويظهر ذلك في الاستيقاظ المبكر للوقوف في الطوابير، أو تخصيص ساعات طويلة لنقل المياه وتخزينها، أو إشراك الأطفال في هذه العملية بوصفها جزءًا من استراتيجيات التكيف، كما أن نقص الوقود وصعوبة غلي المياه أو تعقيمها يضع الأسر أمام خيارات مقيدة، تتراوح بين استهلاك مياه غير آمنة أو تقليل الاستهلاك إلى مستويات قد تهدد الصحة العامة.

وتتفاقم هذه التحولات في بيئات النزوح ومراكز الإيواء، حيث تتداخل ندرة المياه مع الاكتظاظ وضعف البنية التحتية، ما يؤدي إلى تراجع مستويات النظافة الشخصية والعامة، وصعوبة الحفاظ على بيئة صحية، وارتفاع احتمالات انتشار الأمراض الجلدية والمعوية، كما تتغير أنماط التعرض للمخاطر البيئية تبعًا للفصول؛ ففي الشتاء تتفاقم مشكلة اختلاط مياه الأمطار بالمخلفات، بينما يتضاعف في الصيف أثر الجفاف والعطش، وتزداد حدة التنافس على الموارد المحدودة.

ضمن هذا السياق، يتحمل الأطفال -وخاصة الفتيات- نصيبًا متزايدًا من أعباء تأمين المياه، سواء من خلال الوقوف في الطوابير أو نقل الجالونات لمسافات طويلة، ولا يقتصر أثر ذلك على الجهد الجسدي، بل يمتد إلى أبعاد تعليمية ونفسية، حيث يؤدي إلى انقطاع جزئي أو كلي عن التعليم، ويعزز شعورًا مبكرًا بالمسؤولية والضغط، في بيئة تفتقر أصلًا إلى الاستقرار.

وبالتوازي مع ذلك، أدت ندرة المياه إلى نشوء أنماط تكيف اجتماعي واقتصادي جديدة، تمثلت في بروز أدوار غير رسمية ضمن ما يمكن وصفه بـ “اقتصاد الماء اليومي”، وتشمل هذه الأدوار فاعلين محليين مثل ناقلي المياه، ومشغلي نقاط التعبئة الصغيرة، وموزعين يعملون بشكل فردي أو بالتعاون مع جهات إغاثية. وقد ساهمت هذه الأنماط في سد جزء من فجوة التوزيع، وتوفير مصادر دخل محدودة في سياق اقتصادي متدهور، إلا أنها في الوقت ذاته أعادت تشكيل شروط الوصول إلى المياه، بحيث أصبحت مرتبطة بعوامل مثل القدرة على الدفع، والقرب الجغرافي، وامتلاك وسائل النقل أو التخزين.

وتكشف هذه الديناميات عن مفارقة مزدوجة: فمن جهة، تعكس قدرة المجتمع على التكيف وإنتاج حلول من داخل الأزمة، ومن جهة أخرى، تفتح المجال أمام أشكال جديدة من عدم المساواة والتوتر، نتيجة تفاوت القدرة على الوصول إلى المورد، فالماء، في هذا السياق، لم يعد متاحًا بصورة متكافئة، بل أصبح يخضع لمنطق الندرة وإمكانيات الأفراد، ما يعيد إنتاج الفوارق داخل مجتمع يعاني أصلًا من مستويات مرتفعة من الهشاشة.

ولا تتوقف آثار الأزمة عند حدود الممارسات اليومية، بل تمتد إلى بنية العلاقات داخل الأسرة والمجتمع. فعلى مستوى الأسرة، تتحمل النساء والأمهات العبء الأكبر في إدارة الموارد المحدودة، واتخاذ قرارات مستمرة حول أولويات الاستخدام، ما قد يفضي إلى توترات يومية حول أبسط الاحتياجات، في المقابل، يواجه بعض الرجال شعورًا متزايدًا بالعجز عن تأمين متطلبات أساسية لأسرهم، بينما يعيش الأطفال تجربة فقدان تدريجي لروتين الطفولة الطبيعي، في ظل انشغالهم الدائم بمهمة تأمين الماء.

أما على المستوى المجتمعي، فتؤدي الندرة والضغط على نقاط التوزيع إلى بروز أشكال من التنافس والتوتر، قد تصل في بعض الحالات إلى نزاعات مباشرة، خاصة عندما تكون الكميات المتاحة غير كافية، ومع ذلك، لا تلغي هذه الضغوط إمكانيات التضامن، إذ تظهر في المقابل ممارسات تعاونية، مثل تقاسم المياه بين الجيران، أو تنظيم التوزيع داخل مراكز الإيواء، أو مساعدة الفئات الأكثر هشاشة، ويعكس هذا التداخل بين التنافس والتضامن طبيعة الاستجابة المجتمعية في ظروف الأزمات، حيث تتجاور ديناميات التفكك والتماسك في آن واحد.

وبذلك، يمكن القول إن أزمة المياه في غزة لا تعيد تشكيل أنماط الاستهلاك فقط، بل تعيد أيضًا تشكيل الزمن، والأدوار الاجتماعية، والعلاقات داخل الأسرة، وبنية التفاعل داخل المجتمع، ما يجعلها مدخلًا كاشفًا لتحولات أعمق في بنية الحياة تحت ضغط الندرة والحرب.

الخلاصــــة

تكشف أزمة المياه في قطاع غزة عن تحوّل عميق يتجاوز حدود الخلل الخدمي أو النقص في الموارد، ليطال بنية الحياة اليومية وأنماط التنظيم الاجتماعي تحت ضغط الحرب والندرة، فالماء، الذي يُفترض أن يكون حقًا أساسيًا وموردًا عامًا منتظمًا، أصبح في هذا السياق عنصرًا نادرًا يُدار ضمن شروط قسرية، تعيد تشكيل علاقات الوصول إليه، وتفرض على الأفراد والأسر أنماطًا معيشية قائمة على التكيّف المستمر مع عدم اليقين.

وقد أظهرت الورقة أن هذا التحول لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل هو نتاج تداخل مركب بين التدمير المادي للبنية التحتية، والقيود المفروضة على التشغيل والإمداد، وتراجع قدرة المؤسسات المحلية، إلى جانب بروز أنماط توزيع طارئة وغير رسمية.

وفي ظل هذه الحوكمة المجزأة، لم يعد الوصول إلى المياه مسألة تقنية فحسب، بل أصبح مرتبطًا بعوامل اجتماعية واقتصادية ومكانية، ما أفرز تفاوتات جديدة داخل المجتمع، وأعاد توزيع أشكال القوة والنفوذ حول مورد أساسي للحياة.

كما بينت الورقة أن ندرة المياه لا تعيد تشكيل أنماط الاستهلاك فقط، بل تمتد آثارها إلى إعادة تنظيم الزمن اليومي، وإعادة توزيع الأدوار داخل الأسرة، وإنتاج ضغوط نفسية واجتماعية متراكمة، تتجلى في التوترات اليومية كما في ممارسات التضامن، وبهذا المعنى، تصبح أزمة المياه مدخلًا تحليليًا لفهم تحولات أوسع في بنية المجتمع، حيث تتداخل ديناميات الهشاشة مع محاولات التكيف، ويتجاور التفكك الجزئي مع أشكال من التماسك الاجتماعي.

وفي ضوء ذلك، فإن استعادة الماء بوصفه خدمة عامة مستقرة لا يمكن أن تتحقق عبر تدخلات تقنية أو إنسانية جزئية فقط، بل تتطلب معالجة الجذور البنيوية للأزمة، بما في ذلك إنهاء القيود التي تعيق تشغيل وتطوير البنية التحتية، وإعادة بناء المنظومة المائية ضمن إطار مؤسسي قادر على ضمان الحد الأدنى من العدالة في التوزيع والاستدامة في الإمداد، ومن دون ذلك، سيبقى الماء في غزة ليس مجرد مورد نادر، بل مؤشرًا مستمرًا على اختلال شروط الحياة، وعنصرًا فاعلًا في إعادة إنتاج الهشاشة على المستويين الاجتماعي والإنساني.

التوصيــــات

1. زيادة كميات المياه المورّدة فورًا عبر الشاحنات ونقاط التوزيع بما يضمن الوصول إلى الحد الأدنى الطارئ (15 لترًا للفرد يوميًا)، مع إعطاء أولوية لمناطق النزوح وشمال القطاع.

2. ضمان إدخال الوقود ومواد التشغيل بشكل منتظم لتأمين استمرارية عمل الآبار ومحطات التحلية والمضخات.

3. توسيع توزيع وسائل التخزين والتعقيم (خزانات، جالونات، مواد كلورة)، مع تنفيذ حملات توعية عاجلة للحد من الأمراض المنقولة بالمياه.

4. تحسين تنظيم نقاط التوزيع للحد من الازدحام وتعزيز عدالة الوصول، خصوصًا للفئات الأكثر هشاشة.

5. إصلاح الخطوط والآبار المتضررة ذات الأولوية لإعادة تشغيل الشبكة تدريجيًا في المناطق الأكثر كثافة سكانية.

6. رفع كفاءة تشغيل محطات التحلية عبر توفير الوقود والدعم الفني وقطع الغيار اللازمة.

7. تعزيز التنسيق بين الجهات المحلية والدولية لرفع كفاءة التوزيع وتقليل الازدواجية.

8. تنظيم السوق غير الرسمية للمياه بشكل مؤقت للحد من الاستغلال وضبط التفاوت في الأسعار.

9. إطلاق خطة شاملة لإعادة إعمار قطاع المياه تشمل الشبكات والآبار ومحطات التحلية والصرف الصحي بتمويل دولي مستدام.

10. تطوير مصادر مياه مستدامة، خاصة مشاريع التحلية المرتبطة بالطاقة الشمسية، وتحسين أنظمة التخزين.

11. حماية الخزان الجوفي من الاستنزاف والتلوث كأولوية استراتيجية طويلة الأمد.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-أبريل 2026

شارك:

المزيد من المقالات