اقتصاد الركام في غزة: من إدارة الدمار إلى نموذج سياساتي للتعافي المستدام

ورقة سياسات اقتصادية-تنموية- أ. خالد أبو عامر خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
تتناول الورقة مشروع إعادة تدوير الركام في قطاع غزة بوصفه تدخلا أساسيًا في مرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، في ظل الكميات الضخمة من الأنقاض الناتجة عن الدمار الواسع للبنية التحتية والمساكن، وتستعرض الورقة الإطار العام للمشروع من حيث بنيته التشغيلية، وخبرة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في إدارة مشاريع إزالة الركام، إضافة إلى آليات التمويل والتقديرات المالية المرتبطة به. كما تتناول المراحل التحضيرية لعمليات الإزالة وآليات معالجة الركام عبر تصنيفه وإعادة استخدامه في مشاريع البنية التحتية، مع الإشارة إلى أهم التحديات التي تواجه المشروع، وفي مقدمتها القيود اللوجستية، ونقص المعدات، والتعقيدات السياسية والمالية، والفجوة بين التمويل المتاح والاحتياجات الفعلية. وتخلص الورقة إلى أن المشروع يمثل فرصة استراتيجية لتحويل الركام إلى مورد تنموي يسهم في دعم الاقتصاد المحلي وتوفير فرص العمل وتحسين الواقع البيئي، إلا أن نجاحه يتطلب تعزيز التمويل، وتوسيع الشراكات، وتخفيف القيود على حركة المعدات والمواد.

مقدمــــة

في أعقاب الدمار الواسع الذي لحق بقطاع غزة، يبرز ملف الركام بوصفه أحد أكثر التحديات تعقيداً وإلحاحاً في مسار التعافي وإعادة الإعمار، إذ تشير التقديرات إلى تراكم ما يزيد عن 61 مليون طن من الأنقاض، ما يشكل عائقاً مادياً ولوجستياً أمام استعادة الحياة الطبيعية، وفي الوقت ذاته يطرح تساؤلات حول كيفية إدارة هذا الحجم غير المسبوق من مخلفات الحرب.

وفي هذا السياق، لم يعد التعامل مع الركام يقتصر على كونه عبئاً خدمياً يتطلب الإزالة، بل برز اتجاه متزايد نحو إعادة تعريفه كمورد اقتصادي محتمل، يمكن توظيفه ضمن منظومة إنتاجية تسهم في دعم جهود الإعمار وتقليل الاعتماد على الموارد الخارجية، وهو ما يُعرف بمفهوم “اقتصاد الركام”.

وانطلاقاً من ذلك، أطلقت وزارة الأشغال العامة والإسكان، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، مشروعاً لإعادة تدوير الركام، في محاولة لتحويل هذا التحدي إلى فرصة تنموية، ويأتي هذا المشروع في سياق سياسي ولوجستي معقد، يتزامن مع مرحلة وقف إطلاق النار والمفاوضات الجارية، وما يرتبط بها من تحولات محتملة في حركة الأفراد والمواد وإمكانيات تنفيذ مشاريع الإعمار.

وتسعى هذه الورقة إلى تحليل مشروع إدارة الركام في قطاع غزة، ليس فقط من حيث أبعاده التشغيلية، بل بوصفه مدخلاً لبناء نموذج تعافٍ قائم على استثمار الموارد المحلية، مع بحث التحديات التي تواجهه، واستشراف السيناريوهات الممكنة لتطويره في ظل القيود السياسية والاقتصادية القائمة.

إطار مفاهيمي: اقتصاد الركام كمدخل للتعافي في سياقات ما بعد النزاعات

يشير مفهوم “اقتصاد الركام” إلى منظومة متكاملة لإدارة مخلفات الدمار الناتجة عن النزاعات المسلحة، بوصفها مورداً اقتصادياً قابلاً لإعادة التوظيف ضمن سلاسل إنتاج جديدة، بدلاً من التعامل معها باعتبارها عبئاً بيئياً أو لوجستياً فقط. ويقوم هذا المفهوم على دمج مبادئ الاقتصاد الدائري في سياقات ما بعد النزاعات، من خلال إعادة تدوير المواد الإنشائية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتعظيم القيمة المضافة محلياً.

في هذا الإطار، لا تقتصر إدارة الركام على عمليات الإزالة والنقل، بل تمتد لتشمل إنشاء سلاسل قيمة متكاملة تبدأ بجمع وفرز الأنقاض، مروراً بعمليات المعالجة والتدوير، وانتهاءً بإعادة استخدامها في مشاريع البنية التحتية والإسكان. ويسهم هذا التحول في خلق فرص عمل، وتحفيز القطاعات الإنتاجية، وتقليل الكلفة الإجمالية لإعادة الإعمار.

وتبرز أهمية هذا المفهوم في قطاع غزة بشكل خاص، نظراً لحجم الدمار الكبير، والقيود المفروضة على إدخال مواد البناء، ما يجعل من إعادة تدوير الركام خياراً استراتيجياً لتقليص فجوة الموارد، كما أن تعقيد البيئة السياسية واللوجستية يعزز من الحاجة إلى نماذج تعافٍ تعتمد على الموارد المحلية، وتحد من الارتهان للمساعدات الخارجية.

وعليه، يمكن النظر إلى مشروع إعادة تدوير الركام في غزة ليس فقط كمشروع خدمي مرحلي، بل كنواة لنموذج اقتصادي قابل للتطوير، يسهم في إعادة تشكيل جزء من البنية الإنتاجية المحلية في مرحلة ما بعد الحرب.

أولا: البنية التشغيلية للمشروع وأسس اختيار الموقع

كشف وكيل وزارة الأشغال العامة والإسكان، محمد عبود، أنه جرى الاتفاق مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) على اختيار منطقة “نتساريم” وسط قطاع غزة لتكون مركزا رئيسيا لعمليات جمع الركام وفرزه ومعالجته، على أن يستقبل الموقع مئات الشاحنات المحمّلة بالأنقاض من مختلف المناطق المتضررة، تمهيدًا لبدء عمليات المعالجة.[1]

ويركز المشروع على معالجة الركام وتحويله إلى مواد إنشائية أولية يمكن استخدامها في إعادة تأهيل الطرق الحيوية التي تضررت بفعل الاجتياحات الإسرائيلية، إلى جانب المساهمة في إعادة ربط الأحياء التي تقطعت أوصالها.

ووفقا للخطط الموضوعة، يتوقع توسيع نطاق المشروع مستقبلا ليشمل استخدام المواد المعاد تدويرها في تدعيم الشريط الساحلي وحمايته من التآكل، كما يجري دراسة تنفيذ مشاريع ردم هندسي منظم بهدف استثمار المساحات البحرية في مشاريع تنموية مستقبلية.

ويعد اختيار الموقع عاملا حاسما في نجاح المشروع، إذ تتمتع منطقة “نتساريم” الواقعة في وسط القطاع بعدة مزايا لوجستية، من أبرزها:

– أنها تقع في منتصف القطاع، وهو ما يسهل نقل الركام من شمال وجنوب القطاع بسهولة.

– انخفاض الكثافة السكانية نسبيا مقارنة بباقي مناطق القطاع.

– سهولة الوصول إلى الموقع عبر شارعي صلاح الدين والرشيد دون عوائق تذكر.

– مساحتها الواسعة التي تقدر بـ21 كيلومترا مربعا، ومعظمها أراضٍ شبه خالية؛ إذ كانت سابقا موقعا لأكبر قاعدة عسكرية إسرائيلية في غزة، ما يجعلها مهيأة من حيث الطبيعة الجغرافية.

– محدودية تأثير وجود النازحين في المنطقة على سير المشروع، نظرا لوجود مخيم واحد فقط أُنشئ بدعم من اللجنة المصرية لإعادة إعمار غزة.

ثانيًا: الخبرة الفنية لـ(UNDP) في إزالة الركام ومعالجته

يتمتع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بخبرة واسعة في إدارة مشاريع إزالة الركام في قطاع غزة تمتد لما يقارب من عشرين عامًا، ويمكن الاستدلال على هذه الخبرة من خلال تجارب التعامل مع آثار العمليات العسكرية في أعوام (2008–2009)، و(2012)، و(2014)، و(2021)، حيث نجح في تنفيذ مشاريع إزالة ومعالجة الركام الناتج عنها، والذي بلغ إجماله نحو 2.5 مليون طن خلال تلك الفترات مجتمعة.[2]

ويشير ذلك إلى امتلاك البرنامج خبرة تشغيلية متراكمة، إلا أن الفجوة بين الكميات السابقة والحجم الحالي للركام (60 مليون طن) تعكس تحديا غير مسبوق يتطلب توسيعا كبيرا في القدرات والتمويل.

تجربة العدوان 2008-2009

أسفر العدوان الإسرائيلي على غزة في شتاء 2008-2009، والمعروفة بمعركة “الفرقان” عن تدمير نحو 15 ألف وحدة سكنية منها 4 آلاف بشكل كلي، ما نتج عنها ما يقدر بـ420 ألف طن من الركام، وقد بلغت تكلفة إزالة هذا الركام من المواقع المتضررة نحو 12 مليون دولار، في حين أسهمت عمليات الإزالة والمعالجة في توفير ما يقارب 200 ألف يوم عمل للعمال والمقاولين.[3]

تجربة العدوان 2014

خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة صيف عام 2014 المعروفة بمعركة “العصف المأكول”، قدرت الأمم المتحدة حجم الركام الناتج عن تدمير نحو 10 آلاف منزل، منها 1500 بشكل كلي، و8500 بشكل جزئي، بحوالي مليوني طن من الركام، وقد وضع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) خطة لإزالة ومعالجة ما يقارب نصف كمية الركام، في ظل قيام بعض الجهات من القطاع الخاص وأصحاب المنازل بإزالة جزء من الركام لأغراض خاصة.[4]

وتمكنت الأمم المتحدة من تنفيذ عمليات إزالة ومعالجة لنحو نصف الكمية المستهدفة، من خلال موقعين خصصا لهذا الغرض، أحدهما في رفح والآخر في مدينة غزة، وقد جرى توظيف الركام المعالج وفق تصنيفه؛ إذ استخدم الركام ذو الأحجام الكبيرة في أعمال الردم البحري لإنشاء كاسر أمواج في مرسى الصيادين بمنطقة أبو حصيرة شمال غرب مدينة غزة، في حين استخدم الركام الناعم في تسوية الطرق ورصفها.

وحقق المشروع عوائد اقتصادية ملحوظة، حيث وفر نحو 40 ألف يوم عمل، إلا أنه واجه في المقابل جملة من التحديات، أبرزها القيود الإسرائيلية على إدخال المعدات اللازمة لعمليات إزالة ونقل الركام؛ إذ طالبت الأمم المتحدة بإدخال عشرين آلية ثقيلة، غير أن ما سمح بإدخاله لم يتجاوز ثلاث آليات، الأمر الذي أسهم في إبطاء وتيرة تنفيذ المشروع والذي استغرق أكثر من عامين، رغم أن المخطط الزمني له لم يكن يتجاوز ستة أشهر.

تجربة إزالة الركام في عدوان 2023-2025

منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في قطاع غزة، شرع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تنفيذ عمليات إزالة الأنقاض وسحقها في خمسة مواقع داخل القطاع، بمتوسط يصل إلى نحو 1500 طن يوميا.

وقد استخدم الركام المعالج في تسوية الطرق ومراكز الإيواء، بالإضافة إلى تحسين الوصول إلى المخابز والمطابخ والمستشفيات، إلى جانب إعادة تأهيل 267 مقطعا من الطرق، بما أسهم في تسهيل حركة المواطنين والمركبات على مساحة إجمالية تجاوزت 80 ألف متر مربع.

وخلال فترة وقف إطلاق النار في يناير 2025، تمكن البرنامج من إزالة أكثر من 120 ألف طن من الأنقاض، إلا أن هذه الكمية تمثل نسبة ضئيلة لا تتجاوز 0.5% من إجمالي الركام الموجود في القطاع، ما يشير إلى فجوة كبيرة بين القدرات الحالية وحجم التحدي، الأمر الذي يبرز الحاجة إلى توسيع نطاق هذه الجهود وتطويرها.[5]

أما اقتصاديا، فساهمت مشاريع إزالة الركام التي أطلقت مع بدء وقف إطلاق النار في توفير فرص عمل لنحو 2800 عامل في مختلف المهن.

ثالثا: الخطط والسيناريوهات المقترحة للتعامل مع الركام

تشير التقديرات الأممية إلى أن تكلفة إزالة وإدارة الركام في قطاع غزة قد تصل إلى 909 مليون دولار، إلا أن التقارير المنشورة لا تقدم تفصيلا دقيقا لتوزيع هذه الكلفة، وإنما توردها كتقدير إجمالي يشمل عمليات الإزالة، والمعالجة، وإدارة المخاطر، والتشغيل طويل الأمد.

فيما تحتاج المرحلة الحالية إلى نحو 110 ملايين دولار لوضع المشروع على المسار الصحيح، وتعد اليابان الدولة الوحيدة التي أعلنت مساهمتها حتى الآن بمبلغ 9.1 مليون دولار، وهو ما يمثل نسبة محدودة من التمويل المطلوب، إذ لا يتجاوز 8% من الخطة الموضوعة له.[6]

ومن المتوقع، في حال البدء بالمشروع، أن يوفر أكثر من 36 ألف ساعة عمل تشمل أعمال مرتبطة بمزودي الوقود والمشرفين والمنسقين، إضافة إلى إتاحة نحو 200 فرصة عمل قصيرة الأجل للأسر لمدة ستة أشهر.

أما عن السيناريوهات المقترحة لإدارة الركام فتطرح (UNDP) نموذجين رئيسيين للتعامل مع الكميات الكبيرة من الأنقاض، يقوم السيناريو الأول على التخلص الكامل من الركام عبر نقله إلى مواقع مخصصة للتخلص النهائي، يتم إنشاؤها في مناطق مركزية ضمن كل من: شمال غزة، ومدينة غزة، ودير البلح، وخان يونس، ورفح، بما يضمن توزيعاً جغرافياً متوازناً وتقليل تكاليف النقل.[7]

أما السيناريو الثاني، فيعتمد نهجًا أكثر استدامة، بحيث يتم التخلص من نحو 50% من الركام في المواقع المخصصة كما في السيناريو الأول، في حين يعاد تدوير النسبة المتبقية (50%) من خلال إنشاء مراكز متخصصة لإعادة التدوير، ويشمل ذلك تشغيل منظومة نقل تعتمد على نحو 105 شاحنات، إلى جانب إنشاء ثلاثة مراكز رئيسية لإعادة تدوير الركام: مركز في شمال غزة، وآخر في مدينة غزة، وثالث في خان يونس، بحيث يخدم الأخير مناطق دير البلح وخان يونس ورفح، ويهدف هذا السيناريو إلى تقليل الأثر البيئي وتعظيم الاستفادة من الركام في مشاريع إعادة الإعمار.

ومن بين التكاليف الإجمالية للمشروع، يشكل بند أعمال إزالة الذخائر (EOD) نسبة 10% من إجمالي الميزانية، ويشمل هذا البند التعامل الآمن مع الذخائر غير المنفجرة أو الخطرة، مثل:[8]

– القنابل والصواريخ غير المنفجرة

– القذائف

– الألغام الأرضية

– مختلف مخلفات الحرب المتفجرة

كما تتضمن هذه الأعمال:

– فحص الذخائر وتقييم مستوى خطورتها

– تعطيلها أو تفكيكها بطرق آمنة

– تفجيرها بشكل مُسيطر عليه بعيدًا عن المناطق السكنية والمواطنين

ويهدف هذا المكون إلى الحد من المخاطر على المدنيين وتهيئة البيئة الآمنة لعمليات إعادة الإعمار.

وتعكس الأرقام السابقة ارتفاع التكلفة ليس فقط بسبب حجم الركام، بل نتيجة تعقيد البيئة التشغيلية في غزة، بما يشمل القيود اللوجستية والمخاطر الأمنية، وهو ما يميز المشروع عن مشاريع مشابهة في سياقات أكثر استقرارا.

رابعا: التمويل المرحلي وآليات توزيع الموارد

استنادا إلى التجارب السابقة في مشاريع إزالة الركام خلال الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة، وبالاعتماد على التقديرات المتعلقة بكميات الركام الناتجة عن الحرب الأخيرة، تشير التقديرات المالية إلى أن إزالة مليون طن من الركام يتطلب تمويلاً يتراوح ما بين 8 إلى 15 مليون دولار.

ويخصص هذا التمويل لتغطية مراحل عملية إزالة الركام ومعالجته، والتي تشمل:

– إزالة الركام من المواقع المتضررة.

– شراء المعدات الثقيلة اللازمة للعمليات الميدانية.

– إنشاء مواقع التكسير وإعادة التدوير.

– دعم توفير فرص العمل المرتبطة بالمشروع.

خامسا: الإجراءات التحضيرية لعملية إزالة الركام ومعالجته

تتطلب عملية إزالة الركام ونقله عبر الشاحنات تمهيدا لسحقه في الكسارات، تنفيذ مجموعة من الإجراءات التحضيرية، تشمل تدريبات ميدانية للفرق العاملة، وذلك بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (UNMAS) وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، بهدف إجراء تقييمات شاملة للمخاطر قبل البدء بعمليات إزالة الأنقاض[9].

كما يعد الركام مصدرا لمخاطر صحية وبيئية جسيمة، إذ غالبا ما يحتوي على مواد ملوثة مثل المتفجرات غير المنفجرة، والأسبستوس، وبقايا المنتجات الصناعية، إضافة إلى النفايات الطبية.

وفي هذا السياق، يتلقى المقاولون والعمال تدريبات متخصصة على التعامل مع الذخائر المتفجرة، بما يضمن تعزيز إجراءات السلامة وتقليل المخاطر أثناء عمليات الإزالة والمعالجة.

سادسا: التصنيف الفني للركام وطرق الاستفادة منه

تتم عملية معالجة الركام من خلال تصنيفه إلى ثلاث فئات رئيسية، وذلك بهدف إعادة تدويره والاستفادة منه في مجالات متعددة، على النحو الآتي:

الخرسانة الصلبة: وتشمل الكتل الأسمنتية الصلبة، حيث يتم نقلها إلى المناطق الساحلية لاستخدامها في أعمال الردم البحري وإنشاء كاسر أمواج.

المواد غير الخرسانية: ويتم فيها فصل المعادن مثل الحديد والنحاس، إضافة إلى الأخشاب والبلاستيك، تمهيدا لإعادة تدويرها واستخدامها في الصناعات المختلفة.

المواد الدقيقة: وتشمل الغبار والحصى الناعم الناتج عن عمليات التكسير، حيث يُعاد استخدامها في رصف الطرق وتسويتها، كما يستفاد من الحصى في خلطات الخرسانة.

يعكس هذا التصنيف توجها نحو تعظيم الاستفادة من الركام، وتحويله من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي، وهو ما يتماشى مع مبادئ الاقتصاد الدائري في إدارة النفايات.

سابعا: الجهود المحلية والدولية في التعامل مع الركام

خلال فترة وقف إطلاق النار، أطلقت جهات دولية ومحلية في قطاع غزة مشاريع متعددة مشابهة لإزالة الركام، من بينها اللجنة القطرية لإعادة إعمار غزة، التي شرعت مؤخرا في تنفيذ مشاريع تستهدف إزالة الأسقف والجدران الآيلة للسقوط، بهدف حماية المدنيين والحد من المخاطر المحتملة[10].

كما أطلق جهاز الدفاع المدني مشروعا مشابها ضمن جهوده للتعامل مع المباني المتضررة والمهددة بالانهيار، وإلى جانب ذلك، ساهمت شركات المقاولات المحلية في تنفيذ أعمال إزالة جزئية للركام، إضافة إلى مبادرات فردية من المواطنين، إلا أن هذه الجهود بقيت محدودة وغير كافية مقارنة بحجم الكارثة وحجم الركام المتراكم.

ثامنا: أهمية المشروع

تتعدد أهمية مشاريع إزالة الركام وإعادة تدويره على عدة مستويات، على النحو الآتي:

اقتصاديا: يسهم المشروع في تقليل الاعتماد على استيراد مواد البناء، من خلال توفير جزء من الاحتياجات الأساسية مثل الحديد والحصى، إضافة إلى إمكانية إعادة استخدام بعض مكونات الركام في إنتاج مواد بناء وحجارة إنشائية.

إعماريا: تعد مرحلة إزالة الركام الخطوة الأولى والأساسية في مسار إعادة الإعمار، إذ لا يمكن الشروع في عمليات البناء والتأهيل دون إزالة الأنقاض بشكل كامل ومنظم.

تشغيليا: يساهم المشروع في خلق عشرات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، كما يدعم عودة نشاط شركات المقاولات وقطاع البناء بشكل تدريجي بعد توقفه طيلة لأكثر من عامين متتاليين.

بيئيا: يساعد المشروع في الحد من التلوث البيئي الناتج عن تراكم النفايات الصلبة، التي تشكل خطرا صحيا وبيئيا متزايدا على السكان في ظل انتشار الأمراض المرتبطة بها.

تاسعا: المعيقات والتحديات التي تواجه المشروع:

المعيقات الإسرائيلية

– استمرار الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، بما يعيق إدخال الآليات الثقيلة والمعدات الفنية اللازمة لعمليات الإزالة والمعالجة.

– النقص الحاد في الجرافات الكبيرة والكسارات الحديثة اللازمة لتشغيل المشروع بكفاءة.

– استمرار السيطرة الإسرائيلية على أكثر من نصف مساحة القطاع ضمن ما يعرف بـ”الخط الأصفر”، ما يحد من الوصول إلى مناطق واسعة متضررة.

– استمرار العمليات العسكرية واختراقات وقف إطلاق النار، وهو ما يشكل خطرا مباشرا على سلامة العاملين واستمرارية عمل المقاولين والشركات المنفذة.

التحديات المالية والسياسية

عدم التزام الدول المانحة بتعهداتها المالية، ما يفاقم فجوة التمويل مقارنة بالاحتياجات الفعلية، ومحدودية بعض المساهمات الدولية، ومنها مساهمة اليابان رغم أهميتها، ولكنها لا تتناسب مع حجم التحديات القائمة، وكذلك تقييد عمل بعض المنظمات الدولية وتهديدها بسحب التراخيص، مما يخلق بيئة عمل غير مستقرة يؤثر على التنسيق بين الجهات الفاعلة.

ومن بين التحديات ارتباط تنفيذ التعهدات المالية بسياقات وشروط سياسية، رغم إعلان تعهدات بقيمة 17 مليار دولار خلال مؤتمر المانحين الذي عقد في واشنطن في  فبراير الماضي، من بينها تعهدات من دول أبرزها: الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، الكويت، وقطر، ولكنها بقيت مشروطة بتسليم الفصائل الفلسطينية لسلاحها وانسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة.

وتشير هذه المعيقات إلى أن التحدي الرئيسي أمام المشروع ليس فنيا فقط، بل سياسي ولوجستي، ما يعني أن نجاح المشروع مرهون بتغيرات في البيئة السياسية بقدر ارتباطه بتوفر الموارد.

الخلاصة:

تشير المعطيات الواردة في هذه الورقة إلى أن مشروع إدارة الركام في قطاع غزة يتجاوز كونه مشروعا خدميا أو هندسيا تقليديا، ليشكل تدخلا مركبا تتداخل فيه الأبعاد الاقتصادية والسياسية والبيئية، فعلى الرغم من توفر الخبرة الفنية لدى الجهات الدولية، إلا أن الفجوة بين حجم الركام والإمكانات المتاحة تعكس تحديا هيكليا يتطلب استجابة استثنائية. كما أن استمرار القيود اللوجستية والسياسية يحد من فاعلية التدخلات، ما يشير إلى أن نجاح المشروع لا يعتمد فقط على الجوانب الفنية أو التمويلية، بل يرتبط بشكل وثيق بالسياق السياسي والأمني المحيط.

النتائج:

أظهرت الورقة أن مشروع إعادة تدوير الركام في قطاع غزة يمثل أحد المشاريع الاستراتيجية في مرحلة التعافي المبكر، نظرا لحجم الركام الكبير وتأثيره المباشر على إعادة الإعمار.

بينت التجارب السابقة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) أن عمليات إزالة الركام تسهم في تحقيق فوائد اقتصادية وتشغيلية ملحوظة، من خلال خلق فرص عمل وإعادة استخدام المواد في مشاريع البنية التحتية.

كما تبين أن المشروع يواجه تحديات كبيرة، أبرزها القيود المفروضة على إدخال المعدات الثقيلة، واستمرار الحصار، ونقص التمويل، إلى جانب التحديات الأمنية والسياسية.

وأظهرت النتائج أن نسبة الإنجاز الحالية من إزالة الركام ما تزال محدودة جدًا مقارنة بالحجم الكلي للركام في القطاع، ما يعكس فجوة كبيرة بين الاحتياجات والإمكانات.

يتضح أن إشراك القطاع الخاص الفلسطيني يعزز من فعالية المشروع، ويساهم في دعم الاقتصاد المحلي وتوسيع قاعدة التشغيل.

بينت الورقة أن الأثر البيئي للمشروع إيجابي، خاصة في الحد من التلوث الناتج عن تراكم الأنقاض والنفايات الصلبة.

التوصيــــات

1. إنشاء صندوق دولي مخصص لإدارة الركام بقيمة أولية لا تقل عن 500 مليون دولار خلال فترة 12–18 شهراً، بإشراف مشترك بين الجهات الدولية والمؤسسات المحلية، لتمويل عمليات الإزالة والمعالجة والبنية التحتية المرتبطة بها.

2.  تطوير آلية دولية لإدخال المعدات الثقيلة تتيح إدخال ما لا يقل عن 100 آلية خلال المرحلة الأولى، تحت إشراف رقابي يضمن استخدامها للأغراض المدنية، بما يسهم في تسريع وتيرة إزالة الركام.

3.  إطلاق برنامج شراكة مع القطاع الخاص الفلسطيني يضمن تخصيص ما لا يقل عن 40% من عقود التشغيل للشركات المحلية، مع تقديم حوافز لتطوير صناعات إعادة التدوير خلال عامين.

4. إنشاء منظومة وطنية للسلامة المهنية وإدارة المخاطر تستهدف تدريب ما لا يقل عن 5000 عامل خلال 18 شهراً، مع اعتماد بروتوكولات إلزامية للتعامل مع الذخائر غير المنفجرة والمواد الخطرة.

5.  تأسيس مراكز إقليمية لمعالجة الركام (3–5 مراكز) موزعة جغرافياً خلال فترة لا تتجاوز عامين، لتقليل تكاليف النقل ورفع كفاءة الإنتاج.

6. تخصيص ممرات لوجستية داخل القطاع لحركة الشاحنات والمعدات المرتبطة بالمشروع، بما يسهم في تقليل زمن النقل وتحسين كفاءة العمليات الميدانية.

7. إعداد استراتيجية وطنية متكاملة لإدارة الركام خلال 6 أشهر، تتضمن أهدافاً مرحلية، وآليات تمويل، وتوزيعاً واضحاً للأدوار، ومؤشرات قياس أداء.

8. تعزيز الشفافية والرقابة على تنفيذ المشروع من خلال إنشاء نظام متابعة دوري يتضمن تقارير كل 3 أشهر، لضمان كفاءة استخدام الموارد وتقليل الهدر.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-أبريل 2026


[1] انطلاق مشروع لإعادة التدوير في غزة وسط تحديات الحصار، صحيفة فلسطين، اضغط هنا.

[2] Hands that rebuild، موقع (UNDP). اضغط هنا.

[3] الأمم المتحدة تبدأ إزالة ركام ومخلفات الحرب على غزة، وكالة صفا، اضغط هنا.

[4] برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يزيل ربع مليون طن من ركام المنازل المدمرة بغزة، الرأي، اضغط هنا.

[5] Humanitarian access to Gaza still insufficient for relief and rebuilding: UN development chief، اضغط هنا.

[6] Gaza with fresh contribution of $9.1 million، وكالة وفا. اضغط هنا.

[7] سيناريوهات أولية لإدارة الحطام مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. اضغط هنا.

[8] دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام في غزة، اضغط هنا.

[9] بدأت الأمم المتحدة إزالة ما يصل إلى 60 مليون طن من الأنقاض في غزة، الأمم المتحدة، اضغط هنا.

[10] اللجنة القطرية لإعادة إعمار غزة تبدأ إزالة الكتل الخرسانية الخطرة، العربي الجديد، اضغط هنا.

شارك:

المزيد من المقالات