دراسة اقتصادية تحليلية
إعداد أ. خالد أبو عامر
خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية
الملخص التنفيذي
تستعرض هذه الورقة الخطة الأمريكية لإعادة إعمار قطاع غزة، التي طُرحت في منتدى دافوس، بوصفها مشروعًا طويل الأمد يهدف إلى تحويل القطاع إلى مركز اقتصادي حديث عبر مراحل متدرجة.
توضح الورقة مكونات الخطة، وبرامج تمويلها المقدرة بنحو 112 مليار دولار، وأهدافها الاقتصادية، مع إبراز الشروط السياسية والأمنية المرتبطة بتنفيذها.
وتبرز الورقة المخاطر الأساسية التي قد تحد من نجاح الخطة، بما في ذلك غموض مصادر التمويل، ضعف الاستقرار السياسي والأمني، تركيز الاستثمارات الكبرى على مشاريع فاخرة على حساب الاحتياجات الأساسية للسكان.
تخلص الورقة إلى أن إعادة إعمار مستدامة وذات جدوى حقيقية تتطلب أولوية واضحة لحقوق السكان، دعم المؤسسات المحلية، استقرار سياسي وأمني، وتوجيه الاستثمارات نحو تلبية الاحتياجات الأساسية قبل المشاريع الرمزية أو الاستثمارية الكبرى.
مقـدمــــة
كشف جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي ومستشاره السابق، عن رؤية الولايات المتحدة لإعادة إعمار قطاع غزة بعد توقف الحرب، وذلك خلال عرض مقتضب استغرق نحو عشر دقائق على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، بتاريخ 22 كانون الثاني/يناير، ضمن إطلاق ما بات يُعرف بـ”مجلس السلام”، الذي يُفترض أن يتولى الإشراف على تنفيذ الخطة خلال السنوات القادمة.
وقد قُدّمت هذه الرؤية بوصفها مشروعًا تنمويًا شاملًا يمتد لعقدين أو أكثر، يهدف إلى إعادة بناء قطاع غزة وتحويله إلى منطقة ذات طابع اقتصادي حديث وجاذب للاستثمار، من خلال تطوير البنية التحتية والإسكان، ورفع مستوى الدخل، وتعزيز فرص التوظيف في القطاعين العام والخاص.
وتنطلق هذه الورقة من إشكالية مركزية مفادها: هل تمثل الخطة الأمريكية مسارًا واقعيًا لإعادة إعمار غزة وتنميتها، أم أنها تعيد إنتاج نموذج التنمية المشروطة والتبعية الاقتصادية تحت غطاء الإعمار؟ وتسعى الورقة للإجابة عن هذا السؤال من خلال تحليل مكونات الخطة، وفحص جدواها الاقتصادية، وتحليل اشتراطاتها السياسية والأمنية، وتداعياتها المحتملة على الواقع الاجتماعي والجغرافي في القطاع.
أولًا: مراحل الخطة
ترتكز الخطة الأمريكية لإعادة إعمار قطاع غزة على خارطة طريق زمنية وجغرافية تمتد لأكثر من عشرين عامًا، تبدأ بمرحلة إغاثة إنسانية واسعة النطاق، تليها إزالة الأنقاض، ثم الانتقال إلى عملية بناء تدريجية تُنفّذ وفق تسلسل مكاني يبدأ من جنوب القطاع ويتجه شمالًا.
وتبدأ المرحلة الأولى بإعادة تأهيل وبناء مدينة رفح، حيث تُقدَّم “رفح الجديدة” بوصفها المركز الإداري المستقبلي للقطاع، ووفق الخطة، تشمل هذه المرحلة بناء نحو 100 ألف وحدة سكنية قادرة على استيعاب ما يقارب نصف مليون نسمة، إلى جانب تشييد 200 مدرسة، و75 مرفقًا طبيًا، و180 مركزًا ثقافيًا ومهنيًا ودينيًا[1].
ولا يقتصر اختيار رفح كنقطة انطلاق على اعتبارات فنية أو عمرانية، بل يحمل دلالات سياسية وجغرافية عميقة، إذ تقع المدينة على تماس مباشر مع الحدود المصرية ومعبر رفح، ما يجعلها نقطة ارتكاز محتملة لإعادة تنظيم الحركة السكانية والتجارية، ويثير في الوقت ذاته تساؤلات حول احتمالات إعادة توزيع السكان، أو تكريس واقع ديموغرافي جديد، خاصة في ظل الدمار الواسع الذي لحق بمناطق الشمال ومدينة غزة.
أما المرحلة الثانية، فتشمل الانتقال إلى مدينة خان يونس، بوصفها امتدادًا جغرافيًا وعمرانيًا لعملية إعادة بناء جنوب القطاع، مع التركيز على الإسكان وخلق فرص العمل، ويعكس هذا التدرج محاولة لترسيخ مركز ثقل اقتصادي وسكاني في الجنوب قبل الانتقال إلى بقية مناطق القطاع.
وتستهدف المرحلة الثالثة المخيمات والمناطق المركزية في وسط قطاع غزة، من خلال إعادة تأهيلها وتحويلها إلى تجمعات حضرية حديثة ومتكاملة، غير أن هذه المقاربة تثير تساؤلات تتعلق بمستقبل المخيمات بوصفها فضاءً اجتماعيًا وسياسيًا مرتبطًا بقضية اللجوء وحق العودة، وما إذا كان “التحديث العمراني” المقترح قد يؤدي عمليًا إلى طمس الخصوصية التاريخية والرمزية لهذه المناطق.
وتختتم الخطة مراحلها بالمرحلة الرابعة التي تشمل مدينة غزة وشمال القطاع، حيث يُفترض إعادة إعمار المدينة وتطويرها لتكون مركزًا عمرانيًا وتجاريا رئيسيًا، ويكتسب تأجيل إعادة إعمار غزة المدينة إلى المرحلة الأخيرة دلالة خاصة، إذ إن المدينة تمثل القلب السكاني والاقتصادي والسياسي للقطاع، ما يجعل هذا الترتيب الزمني عرضة للتأويل بوصفه إعادة ترتيب للأولويات الجغرافية، وربما السياسية، في عملية الإعمار.
وبصورة عامة، يكشف هذا التسلسل المرحلي عن مقاربة تتجاوز إعادة البناء المادي، لتلامس إعادة تشكيل الحيز العمراني والاقتصادي لقطاع غزة وفق محاور جديدة، ورغم أن هذا التدرج قد يُبرَّر من زاوية فنية أو لوجستية، إلا أنه يثير تساؤلات جوهرية حول أثره الاجتماعي والسياسي، ومدى انسجامه مع احتياجات السكان الفعلية، وما إذا كان يمهّد لتنمية مستدامة ومتوازنة، أم يعيد إنتاج اختلالات جغرافية وديموغرافية قد تكون لها تداعيات بعيدة المدى.
ثانيًا: مكونات الخطة ونقاطها الأساسية
تتضمن الخطة الأمريكية لإعادة إعمار قطاع غزة حزمة واسعة من المشاريع والبنى التحتية، تعكس تصورًا شاملاً لإعادة تشكيل الحيز العمراني والاقتصادي في القطاع، ولا تقتصر على معالجة آثار الدمار المباشر، بل تمتد إلى بناء نموذج تنموي جديد قائم على الاستثمار وجذب رأس المال.
- البنية التحتية والإسكان
تشمل الخطة الشروع في بناء مجمعات سكنية جديدة بدلًا من إعادة ترميم الأحياء والمساكن التي دُمّرت خلال الحرب، وهو خيار يطرح تساؤلات حول جدوى تجاوز النسيج العمراني القائم، وما يترتب عليه من إشكاليات تتعلق بالملكية، والانتماء المكاني، وإعادة توزيع السكان.
2. التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية
تنص الخطة على إنشاء نحو 200 مدرسة ومرفق تعليمي، و75 مركزًا طبيًا، إلى جانب 180 مركزًا ثقافيًا ومهنيًا ودينيًا، ورغم أهمية هذه المرافق في إعادة بناء الخدمات الأساسية، إلا أن غياب تصور واضح لآليات إدارتها، وربطها بالأنظمة التعليمية والصحية القائمة، يثير تساؤلات حول استدامتها وقدرتها على تلبية الاحتياجات الفعلية للسكان.
3. شبكات النقل والربط الداخلي
تتضمن الخطة إنشاء طرق رئيسية تربط مدن القطاع وتسهّل الحركة بينها، وهو عنصر أساسي في أي عملية تنمية اقتصادية، غير أن فعالية هذه الشبكات تبقى مرهونة بحرية الحركة عبر المعابر، ورفع القيود المفروضة على تنقل الأفراد والبضائع، ما يجعل هذا المكون عرضة للتعطيل في حال استمرار الواقع السياسي القائم.
4. الميناء والمطار والتكامل الإقليمي
تقترح الخطة بناء ميناء ومطار جديدين لتعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي، وهو بند طالما ارتبط تاريخيًا بمسألة السيادة الفلسطينية، وفي ظل غياب ضمانات واضحة لإدارة فلسطينية مستقلة لهذين المرفقين، يبرز تساؤل جوهري حول ما إذا كان هذا التكامل سيخدم الاقتصاد المحلي فعلًا، أم سيبقى خاضعًا لقيود سياسية وأمنية خارجية.
5. المشاريع العمرانية الكبرى والنموذج الاستثماري
تشمل الخطة تشييد أبراج متعددة الاستخدامات بارتفاعات شاهقة، على غرار نماذج عمرانية في دبي وسنغافورة، إلى جانب إنشاء خمس مدن إسكانية جديدة، وممرات سياحية وتجارية ساحلية، ويعكس هذا التوجه تبني نموذج تنموي ذي طابع استثماري واستعراضي، قد لا ينسجم بالضرورة مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي لقطاع محاصر يعاني من هشاشة في الموارد والبنية الإنتاجية.
6. المناطق الخضراء والصناعية
تتضمن الخطة إنشاء مناطق خضراء وحدائق عامة وأحزمة بيئية داخل المدن، إلى جانب بناء مجمعات صناعية ومناطق إنتاج وتشغيل، ورغم أهمية هذه المشاريع في تحسين جودة الحياة وتوفير فرص العمل، إلا أن نجاحها يبقى مشروطًا بتوفر موارد مائية وطاقة مستقرة، وبيئة تنظيمية تتيح للصناعة المحلية النمو دون ارتهان كامل للشركات الخارجية.
قراءة تحليلية جامعة للمكونات
بصورة عامة، تعكس مكونات الخطة الأمريكية انتقالًا من منطق “إعادة الإعمار” إلى منطق “إعادة التنمية”، إلا أن هذا الانتقال يجري وفق تصور استثماري يغلّب المشاريع الكبرى والرمزية على حساب إعادة بناء النسيج الاجتماعي والاقتصادي القائم، كما أن غياب الأولويات الواضحة بين الاحتياجات الأساسية والمشاريع الكمالية يثير مخاوف من اختلال في توجيه الموارد، ومن احتمال تعميق الفجوة بين متطلبات الصمود المجتمعي ومتطلبات الجذب الاستثماري.
ثالثًا: برامج التمويل
تشير التصريحات الأمريكية إلى أن التكلفة الإجمالية لخطة إعادة إعمار قطاع غزة تُقدّر بنحو 112 مليار دولار تُصرف على مدار عشر سنوات، غير أن الخطة لم تُقدّم حتى الآن تفاصيل دقيقة أو ملزمة بشأن آليات التمويل، أو مصادره الفعلية، أو الشروط المصاحبة له، ما يترك هذا البند في دائرة الغموض رغم مركزيته في تحديد قابلية التنفيذ.
ووفق الطرح الأمريكي، يُتوقع أن يأتي نحو 60 مليار دولار من إجمالي التمويل في إطار المنح والديون، مع اقتراح تأمين ما يقارب 20% من التمويل ضمن بند “المنح وضمانات الديون”، وبمشاركة مؤسسات مالية دولية، في مقدمتها البنك الدولي، إلى جانب مستثمرين وشركاء دوليين من القطاعين العام والخاص.
ويفترض التصور الأمريكي انخفاض حجم التمويل المطلوب خلال العقد الثاني من تنفيذ الخطة، استنادًا إلى تقدير بأن الاستثمار في ساحل غزة ابتداءً من السنة العاشرة قد يولد عوائد طويلة الأجل تصل إلى 55 مليار دولار[2]، غير أن هذا الافتراض يقوم على مجموعة من الشروط المسبقة، أبرزها الاستقرار السياسي والأمني، وحرية الحركة والتجارة، واستمرارية تدفق الاستثمار، وهي شروط لا تتوافر في الواقع القائم بشكل مضمون.
مكونات التمويل المعلنة وإشكالياتها
تشمل برامج التمويل المعلنة استثمار:
- نحو 25 مليار دولار في المرافق الحديثة والخدمات العامة.
- نحو 3 مليارات دولار في المناطق التجارية وبرامج القروض والتمويل.
- نحو 1.5 مليار دولار في المدارس المهنية وبرامج إعادة التدريب.
ورغم أهمية هذه البنود، إلا أن توزيع التمويل يعكس ميلًا واضحًا نحو دعم القطاعات القابلة للربحية والعائد الاقتصادي، مقابل غياب تفاصيل كافية حول تمويل القطاعات ذات الطابع الاجتماعي الخدمي، مثل الإسكان الشعبي، وإعادة تأهيل الأحياء المدمّرة، وشبكات المياه والكهرباء، ما يثير مخاوف من اختلال أولويات الإنفاق.
المنح، القروض، وضمانات الديون: قراءة نقدية
تخلط الخطة بين أدوات تمويل مختلفة، تشمل المنح المباشرة، والقروض، وضمانات الديون، دون توضيح نسب كل منها أو شروطها، وفي تجارب دولية سابقة لإعادة الإعمار، أظهرت النماذج القائمة على القروض والضمانات التجارية آثارًا سلبية على الاقتصادات الهشة، حيث تحوّلت عمليات الإعمار إلى أعباء مالية طويلة الأمد، وأدّت إلى تآكل السيادة الاقتصادية بدل تعزيزها.
وفي حالة قطاع غزة، الذي يفتقر إلى اقتصاد منتج وسيادة مالية، فإن الاعتماد على القروض أو نماذج التمويل التجاري قد يفاقم من مستويات التبعية، ويقيد قدرة المؤسسات المحلية على التحكم في أولويات التنمية، خاصة إذا ارتبط التمويل بشروط تشغيلية أو ربحية لصالح شركات خارجية.
إشراك القطاع الخاص ومخاطر الربحية
تشير الخطة إلى دور محوري للقطاع الخاص والمستثمرين الدوليين في تنفيذ مشاريع الإعمار، وهو ما قد يسهم في تسريع بعض المشاريع، لكنه في المقابل يثير تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الإعمار والربح. فالتجارب المقارنة في دول ما بعد الصراع، مثل العراق وأفغانستان، أظهرت أن تغليب منطق الربحية أدى إلى تركّز الاستثمارات في مشاريع محدودة العائد الاجتماعي، مقابل إهمال القطاعات الأساسية الأقل ربحًا.
كما أن بعض التقارير غير الرسمية أشارت إلى تصورات تتعلق بفرض رسوم أو أدوات مالية على دخول البضائع والخدمات والمساعدات، ما يعمّق المخاوف من تحويل عملية الإعمار إلى مسار تجاري ربحي على حساب الاحتياجات الإنسانية والتنموية.
فجوة التمويل والتقديرات الدولية
تُظهر التقديرات الصادرة عن مؤسسات دولية، من بينها الأمم المتحدة والبنك الدولي، أن تكلفة إعادة إعمار غزة لتغطية الدمار في المساكن والبنية التحتية والخدمات الأساسية قد تتراوح بين 50 و70 مليار دولار خلال عقد واحد، دون احتساب مشاريع التحول الاقتصادي الكبرى، ويكشف هذا التفاوت بين التقديرات الدولية والتصورات الأمريكية عن فجوة تمويل محتملة قد تعيق تنفيذ الخطة أو تدفع نحو تقليص نطاقها أو إعادة ترتيب أولوياتها.
خلاصة تحليلية
يُعد التمويل الحلقة الأضعف في الخطة الأمريكية لإعادة إعمار غزة، ليس فقط بسبب ضبابية مصادره، بل أيضًا بسبب طبيعته المقترحة التي تمزج بين المنح والقروض والضمانات التجارية دون إطار واضح يضمن العدالة والاستدامة، وفي ظل غياب سيادة اقتصادية واستقرار سياسي، فإن أي نموذج تمويلي قائم على الربحية أو الديون يحمل مخاطر جدية بتحويل الإعمار من أداة للتعافي والصمود إلى آلية جديدة لإعادة إنتاج الهشاشة والتبعية الاقتصادية.
رابعًا: النتائج الاقتصادية المتوقعة
تسعى الخطة الأمريكية إلى تحقيق مجموعة من النتائج الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة، أبرزها:
- رفع الناتج المحلي الإجمالي
تستهدف الخطة رفع الناتج المحلي إلى أكثر من 10 مليارات دولار سنويًا خلال العقد الأول حتى 2035، مع استثمارات أولية تتراوح بين 25 و112 مليار دولار، تشمل قطاعات التكنولوجيا، ومراكز البيانات، والتصنيع المتقدم، والسياحة الساحلية.
التحليل:
هذا الهدف يفترض توافر استقرار سياسي وأمني كامل، وهو شرط غير متحقق على الأرض.
كما أن معدل النمو المطلوب يفترض ضخ استثمارات ضخمة بشكل مستمر، وهو غير مضمون بسبب ضبابية التمويل وشروط الاستثمار.
مقارنةً بالتجارب الدولية، تحويل اقتصاد قطاع مدمر إلى اقتصاد متكامل يتطلب أكثر من 50–70 مليار دولار خلال عقد واحد فقط لتغطية البنية التحتية الأساسية، دون احتساب المشاريع الكبرى.
2. خلق الوظائف وتطوير المهارات
تزعم الخطة إمكانية خلق 500 ألف فرصة عمل جديدة عبر قطاعات البناء والزراعة والصناعة والخدمات والاقتصاد الرقمي، مع الوصول إلى معدل بطالة 0 % ورفع متوسط دخل الفرد إلى 13 ألف دولار بحلول 2035.
التحليل:
هذه الفرضية متفائلة للغاية في قطاع يعاني من ضعف القاعدة الإنتاجية، وقيود الحركة، وموارد محدودة.
فرضية الوصول إلى 0 % بطالة أو رفع الدخل بهذا المعدل يحتاج إلى إعادة هيكلة كاملة لسوق العمل، وربطها بالاستثمار الخارجي المستدام، وهو أمر يصعب تحقيقه دون ضمان استقرار سياسي طويل الأمد.
هناك أيضًا خطر عدم مطابقة المهارات بين القوى العاملة المحلية ومتطلبات القطاعات الحديثة المقترحة، ما يستدعي خطط تدريبية واقعية ومكثفة.
3.تحسين مستوى المعيشة
تسعى الخطة إلى الانتقال بالسكان من حالة الفقر إلى الرفاهية عبر رفع مستوى الدخل الفردي وخلق فرص اقتصادية متعددة.
التحليل:
بينما يمثل هذا الهدف الطموح جانبًا تسويقيًا مهمًا للخطة، إلا أن التركيز على مشاريع فاخرة أو استثمارية (ناطحات سحاب، سياحة بحرية) قبل تلبية الاحتياجات الأساسية قد يقلل من الجدوى الاجتماعية الفعلية.
يجب ربط النتائج المتوقعة بالاحتياجات الفعلية للسكان: الإسكان، الصحة، التعليم، الكهرباء والمياه، لضمان أن الاستثمار يحقق صمودًا حقيقيًا وليس صورة رمزية للتنمية.
قراءة نقدية عامة للنتائج
- معظم التقديرات الأمريكية تعتمد على فرضيات مثالية (تمويل مستمر، استقرار أمني، حرية حركة، سوق عمل قابل للنمو السريع).
- هناك فجوة واضحة بين الطموح وعدد السكان الفعلي، والقدرة الإنتاجية، والموارد المحلية، مما يطرح مخاطر كبيرة على الجدوى العملية.
- النتائج المتوقعة تحتاج إلى ربط أكثر واقعية بالمرحلة الحالية من الإعمار وبالقدرات الاقتصادية المحلية لتجنب الإخفاقات المحتملة أو إعادة إنتاج هشاشة اقتصادية.
خامسًا: الشروط السياسية والأمنية
تشترط الخطة الأمريكية عدة اشتراطات سياسية وأمنية قبل الشروع في تنفيذ مشاريع الإعمار الكبرى، أبرزها:
- نزع سلاح حركة حماس كمطلب أساسي لإطلاق أعمال الإعمار الكبرى.
- توسيع وقف إطلاق النار واستقرار أمني دائم يشمل جميع مناطق القطاع.
- مشاركة دولية أو إشراف نوعي من الولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى على عملية الإعمار.
تحليل الشروط وأبعادها
الأبعاد السياسية:
- اشتراط نزع السلاح يمثل أداة سياسية واضحة لإعادة تشكيل السلطة المحلية في غزة، ويُعد شرطًا يمس السيادة الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن أنفسهم.
- يشير هذا الشرط أيضًا إلى أن الخطة ليست مجرد إعادة إعمار، بل أداة لإعادة ضبط السلطة المحلية وتوجيهها وفق مصالح دولية وإقليمية.
الأبعاد الأمنية:
- الربط بين الاستقرار الأمني ونجاح المشاريع يُحوّل التنمية إلى شرط مسبق للتحكم في الأرض والسكان، وليس أداة تحسين حياة الناس.
- استقرار مؤقت أو هش قد يؤدي إلى تنفيذ جزئي أو تأجيل المشاريع الكبرى، ما يجعل الاستثمار محفوفًا بالمخاطر.
أبعاد المشاركة الدولية:
- إشراك أطراف دولية في إدارة الإعمار يضمن التمويل والرقابة، لكنه في الوقت نفسه يضع القطاع في دوامة التبعية، حيث يصبح قرار الاستثمار مرتبطًا بالجهات الممولة وليس بحاجة السكان الفعلية.
قراءة نقدية شاملة
هذه الشروط تعكس منطقًا إداريًا/سياسيًا أكثر من كونه تنمويًا.
و غياب خطة فلسطينية موحدة للتعامل مع هذه الاشتراطات يجعل أي تنفيذ محتمل عرضة للتأخير أو الفشل.
ومرتبطة هذه الاشتراطات بشكل مباشر بجميع الأقسام السابقة:
- مراحل الخطة: التدرج المكاني مرتبط بتحقيق استقرار أمني أولًا.
- برامج التمويل: استمرار التمويل مشروط بتحقيق الشروط الأمنية والسياسية.
- النتائج المتوقعة: نجاح الأرقام الاقتصادية وخلق الوظائف مرتبط بتحقيق هذه الاشتراطات، وهو أمر غير مضمون.
مخاطر التنفيذ
- فشل المشاريع بسبب عدم استيفاء الشروط: أي تقصير في تحقيق الاستقرار أو نزع السلاح قد يؤدي إلى تعليق أو إلغاء مشاريع كبرى.
- إعادة إنتاج الهشاشة السياسية والاقتصادية: إذا أصبح التمويل مشروطًا بالامتثال الكامل للشروط، فقد تتحول الخطة إلى أداة ضغط على الفلسطينيين والمواطنين في غزة.
- تأجيل تلبية الاحتياجات الأساسية: التركيز على شروط أمنية وسياسية قبل المشاريع الخدمية قد يؤدي إلى استمرار المعاناة للسكان دون تحسن ملموس.
خلاصة تحليلية
الشروط السياسية والأمنية للخطة الأمريكية ليست مجرد تفاصيل تنفيذية، بل أداة مركزية للتحكم في غزة على المدى الطويل، أي تقييم واقعي لجدوى الخطة يجب أن يأخذ هذه الأبعاد في الاعتبار، ويضعها ضمن إطار صمود فلسطيني وسيادة محلية، لضمان أن إعادة الإعمار لا تتحول إلى آلية لإعادة هندسة الواقع السياسي والديموغرافي للقطاع على حساب السكان.
سادسًا: الجدل والنقد الاقتصادي
- النقد الفلسطيني الداخلي
تواجه الخطة الأمريكية لجدوى إعادة إعمار غزة انتقادات واسعة على المستوى الفلسطيني، من بينها[4]:
- غياب المشاركة الفلسطينية في رسم الخطة أو الاستشارات حول تفاصيلها، ما يضع سكان غزة خارج القرار.
- عدم معالجة قضايا الملكية والأراضي وحقوق السكان الأصليين، ما قد يؤدي إلى نزاعات مستقبلية ويقوّض العدالة المجتمعية.
- ضعف الاستجابة للاحتياجات الإنسانية العاجلة، إذ تركز الخطة على مشاريع كبرى واستثمارية أكثر من احتياجات البنية التحتية الأساسية.
- مخاطر إعادة تشكيل الجغرافيا والسيطرة الاقتصادية، بما قد يؤدي إلى تهجير السكان أو تقليص دورهم في الحياة الاقتصادية.
2. جدوى الخطة الاقتصادية
رغم الطموح الأمريكي لخلق مركز اقتصادي إقليمي في غزة، إلا أن التحليل الاقتصادي يشير إلى أن تحقيق هذا الهدف يحتاج:
- تمويل هائل ومستدام يفوق تقديرات الخطة الأولية، بما يتوافق مع التقديرات الدولية (50–70 مليار دولار لإعادة الإعمار الأساسية فقط).
- استقرار سياسي وأمني طويل الأمد، وهو شرط غير متوفر حاليًا.
- ربط الاستثمار الخارجي بالقدرات المحلية، لضمان نقل التكنولوجيا، وتطوير القوى العاملة، وعدم تحويل المشاريع إلى أدوات ربحية خارجية فقط.
3. العراقيل والعقبات
- ضبابية التمويل: التقديرات الأمريكية تتفاوت كثيرًا عن تقييمات الأمم المتحدة والبنك الدولي، ما يشير إلى احتمال عجز في تغطية تكلفة المشاريع[5].
- المقاربة الربحية والاعتماد على القطاع الخاص: خطر أن تصبح مشاريع الإعمار موجهة نحو الربحية بدلاً من تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.
- البيئة السياسية والأمنية: غياب الاستقرار وانعدام السيادة يجعل أي نمو اقتصادي هشًا وغير مستدام.
- ضعف الحوكمة المحلية: غياب هيكل إداري مستقل وواضح لإدارة المشاريع قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الهشاشة والتبعيات الاقتصادية.
قراءة نقدية شاملة
تُظهر جميع الأقسام السابقة أن الخطة الأمريكية تميل إلى إعادة هندسة الاقتصاد والجغرافيا السياسة في غزة، مع غلبة الطابع الاستثماري على الاحتياجات الإنسانية الأساسية.
ومن خلال ربط كل مكونات الخطة (المراحل، التمويل، الشروط الأمنية والسياسية، النتائج المتوقعة)، يتضح أن أي تقييم للجدوى يجب أن يأخذ في الاعتبار:
- حقوق السكان واحتياجاتهم الفعلية
- الاستقرار السياسي والأمني كشرط أساسي
- إطار إدارة فلسطيني مستقل وشفاف يضمن الأولويات المحلية ويحد من التبعية الاقتصادية
الخـلاصــــة
- التمويل وحده لا يكفي: غموض المصادر، واعتماد بعض أدوات التمويل على الربحية، يزيدان من مخاطر فشل المشاريع أو تحوّلها إلى مشاريع رمزية لا تخدم السكان.
- الشروط السياسية والأمنية محور نجاح أو فشل الخطة: نزع السلاح، الاستقرار، والإشراف الدولي قد يربط التنمية بخطوط حمراء سياسية، ما يجعل الخطة أكثر أداة رقابة وتحكم من كونها مشروع تنموي بحت.
- التركيز على مشاريع فاخرة مقابل الاحتياجات الأساسية: مثل ناطحات السحاب والسياحة البحرية قبل الإسكان والصحة والتعليم، يقلل من الجدوى الاجتماعية ويعكس عدم انسجام بين الطموح والواقع.
- إعادة إنتاج الهشاشة والتبعية: دون سيطرة فلسطينية كاملة على التمويل والإدارة، قد تتحول الخطة إلى أداة لتكريس التبعية الاقتصادية والسياسية للقطاع.
- ضرورة الموقف الفلسطيني الموحد: أي خطة إعمار مستدامة يجب أن تُحكم بالحقوق، وتدار عبر مؤسسات فلسطينية مستقلة، مع مراعاة أولوية الاحتياجات الإنسانية على الاستثمارات الكبرى.
التــوصيــــات
- رفض أي مقاربة تُحوّل إعادة إعمار غزة إلى مشروع اقتصادي معزول عن إنهاء الاحتلال ورفع الحصار، والتأكيد على أن الإعمار حق قانوني وإنساني غير قابل للمساومة.
- رفض الإعمار المشروط أمنيًا، والعمل على نزع الطابع الابتزازي عن خطط “اليوم التالي”.
- بلورة موقف فلسطيني موحّد وإعداد وثيقة موقف وطنية جامعة تُحدّد الخطوط الحمراء الفلسطينية في أي مشروع إعمار أو تنمية مستقبلية.
- إنشاء إطار وطني مستقل لإدارة الإعمار يشرف على التخطيط والتنفيذ، وتضمن الشفافية وحماية حقوق السكان، وتكون المرجعية أمام المانحين.
- حماية حقوق الأرض والملكية، وتوثيق الملكيات ومنع أي إعادة هندسة عمرانية أو جغرافية تمسّ بحقوق السكان أو تفرض واقعًا ديموغرافيًا جديدًا.
- إعادة ترتيب أولويات الإعمار، وتقديم الاحتياجات الأساسية (السكن، المياه، الكهرباء، الصحة، التعليم) على المشاريع الاستثمارية الرمزية أو الربحية.
- تعزيز الاقتصاد المحلي وتقليل التبعية، وإلزام مشاريع الإعمار بتشغيل العمالة والشركات المحلية، ونقل المعرفة، ومنع تحويل الإعمار إلى رافعة لرأس المال العابر للحدود فقط.
- تنويع مصادر التمويل وتجنب الديون المُرهِقة، وتفادي الارتهان لممول واحد، ورفض نماذج التمويل القائمة على القروض الثقيلة أو الرسوم التي تُثقل كاهل السكان.
- توظيف القانون الدولي في ملف الإعمار، والتحرك لتحميل الاحتلال مسؤولية الدمار والمطالبة بتعويضات، بدل تحويل الإعمار إلى عبء فلسطيني ذاتي.
- تبنّي خطاب موحد يوازن بين الانفتاح على الدعم الدولي والتحذير من المشاريع المشروطة أو ذات الأجندات الخفية.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-فبراير 2026
[1] U.S. Pitches ‘Project Sunrise’ Plan to Turn Gaza Into High-Tech Metropolis، وول ستريت جورنال، 22/10/2026، اضغط هنا.
[2] US pitches ‘Project Sunrise’ plan to turn Gaza into high-tech metropolis، لايف مينت، 20/12/2025، اضغط هنا.
[3] Kushner’s vision for rebuilding Gaza faces major obstacles، أسوشيتد برس، 23/1/2026، اضغط هنا
[4] خطة جاريد كوشنر لغزة: إعادة هندسة جغرافية وديمغرافية، العربي الجديد، 24/1/2026، اضغط هنا.
[5] Imperial’ agenda: What’s Trump’s Gaza development plan, unveiled in Davos?، الجزيرة نت، 23/1/2026، اضغط هنا.



