دراسة تحليلية اقتصادية
إعداد أ. خالد أبو عامر
خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية
الملخص التنفيذي
تستعرض هذه الورقة التحول في السياسات الاقتصادية الإسرائيلية تجاه قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، من الحصار التقليدي إلى الاحتكار المُدار، وتوضح كيف تم حصر الاستيراد وفرض الوساطة القسرية وبيع “التنسيقات” لتشكيل سوق تابع للسوق الإسرائيلي.
وتبين أثر هذه السياسات في تفكيك القطاع الخاص الفلسطيني، تقويض المنافسة، وارتفاع التكاليف، كما تسلّط الضوء على تسييس المساعدات الإنسانية وإدخال العنف في السوق.
وتخلص الورقة إلى أن هذه الإجراءات تهدد استدامة النشاط التجاري المحلي، وتوصي بإلغاء الآليات الاحتكارية، فتح الاستيراد لجميع التجار، فصل المسار الإنساني عن التجاري، وتعزيز الشفافية والمسؤولية المؤسسية.
مقـدمــــة
في سياق الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة، لم تقتصر سياسات الاحتلال على البعد العسكري، بل امتدت إلى إعادة هندسة شاملة للواقع الاقتصادي والتجاري، بما يخدم أهدافًا سياسية وأمنية طويلة المدى، ويكشف مسار الإجراءات التي اتخذتها سلطات الاحتلال منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 عن انتقال تدريجي من سياسة الحصار والتقييد إلى سياسة الاحتكار المُدار، حيث لم يعد الهدف تعطيل النشاط الاقتصادي فحسب، بل إعادة تشكيله وفق بنية تخدم السيطرة الإسرائيلية.
في هذا السياق، أعلن مكتب تنسيق الحكومة الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية (COGAT) في 8 كانون الأول/ديسمبر 2023 عن تغيير جذري في آلية إدخال البضائع والمساعدات إلى قطاع غزة، عبر حصر عمليات الاستيراد بعشرة تجار فلسطينيين فقط، وإسناد التوريد إلى أربع شركات إسرائيلية تتولى توفير احتياجات القطاع من السوق الإسرائيلي والأسواق الأخرى وفق اعتبارات تحددها سلطات الاحتلال[1].
وقد قوبل القرار برفض واسع من مؤسسات القطاع الخاص الفلسطيني، التي اعتبرت الإجراء امتدادًا لسياسات العقاب الجماعي، وتكريسًا للاحتكار، وتحويلًا للنشاط التجاري الفلسطيني إلى أداة خاضعة لشروط الاحتلال.
تسعى هذه الورقة إلى تحليل الأدوات الاقتصادية التي استخدمها الاحتلال لإعادة تشكيل السوق في قطاع غزة، وبيان أثرها في بنية القطاع الخاص، وتفكيك آليات المنافسة، وإنتاج نموذج اقتصادي تابع، مع التركيز على البعد السياسي للاحتكار الاقتصادي بوصفه أحد أدوات السيطرة الاستعمارية المعاصرة.
أولًا: الإطار المفاهيمي – من الحصار إلى الاحتكار المُدار
يمثل الحصار الاقتصادي إحدى الأدوات التقليدية التي تستخدمها قوى الاحتلال للضغط السياسي والأمني، عبر تقييد حركة السلع والأفراد وتعطيل الدورة الاقتصادية بهدف إضعاف القدرة على الصمود وإعادة تشكيل السلوك السياسي للمجتمع الواقع تحت الاحتلال، غير أن التجربة في قطاع غزة تكشف عن انتقال تدريجي من هذا النموذج إلى نمط أكثر تركيبًا يمكن توصيفه بـ”الاحتكار المُدار”، حيث لا يقتصر دور الاحتلال على المنع والتقييد، بل يمتد إلى إعادة تنظيم النشاط الاقتصادي ذاته ضمن منظومة احتكارية خاضعة لإشرافه المباشر أو غير المباشر.
في نموذج الاحتكار المُدار، تتحول أدوات السيطرة من الإغلاق الشامل إلى التنظيم الانتقائي، ومن المنع المطلق إلى الإتاحة المشروطة، بحيث تُعاد صياغة قواعد السوق وفق منطق سياسي وأمني، لا وفق اعتبارات اقتصادية تنافسية، وتُستبدل آليات السوق الحرة بآليات قسرية تقوم على حصر الفاعلين الاقتصاديين، وفرض الوساطة الإجبارية، وإدخال تكاليف غير قانونية في عملية الاستيراد والتوزيع، بما يؤدي إلى تركّز النشاط التجاري في أيدي عدد محدود من الفاعلين المرتبطين بشبكات السلطة والاحتلال.
يفضي هذا التحول إلى نشوء اقتصاد مشوَّه تتراجع فيه ديناميات المنافسة، وتضعف فيه استقلالية القطاع الخاص الفلسطيني، ويتحول فيه التجار من فاعلين اقتصاديين مستقلين إلى وسطاء وظيفيين ضمن منظومة اقتصادية يهيمن عليها الاحتلال، وبذلك يصبح الاحتكار المُدار أداة مزدوجة: فهو من جهة وسيلة للسيطرة الاقتصادية، ومن جهة أخرى آلية لإعادة تشكيل البنية الاجتماعية والطبقية للقطاع الخاص، بما يحدّ من قدرته على لعب دور وطني مستقل، ويعمّق تبعية الاقتصاد المحلي للسوق الإسرائيلية.
ثانيًا: الإطار القانوني الناظم للعلاقات التجارية
يُعد بروتوكول باريس الاقتصادي، الموقع في نيسان/أبريل 1994، الإطار القانوني الرئيسي الذي ينظم العلاقات الاقتصادية والتجارية والمالية بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي في مرحلة ما بعد اتفاق أوسلو، وقد أسس البروتوكول لنظام اقتصادي شبه جمركي موحد، وحدد قواعد الاستيراد والتصدير، والسياسات الضريبية والجمركية، وآليات التحصيل المالي، بما جعل الاقتصاد الفلسطيني مرتبطًا بنيويًا بالاقتصاد الإسرائيلي ضمن منظومة غير متكافئة[2].
نصّ البروتوكول على فترة انتقالية مدتها خمس سنوات تنتهي عام 1999، يفترض خلالها إعادة النظر في ترتيباته بما يتلاءم مع تطور الاقتصاد الفلسطيني ومتطلبات السيادة الاقتصادية، غير أن تعثر المسار السياسي، وغياب الإرادة الدولية لإعادة التفاوض على أسس عادلة، حال دون إدخال أي تعديلات جوهرية، ما أدى إلى استمرار العمل بالبروتوكول خارج سياقه الزمني والسياسي، وتحوله من إطار مؤقت إلى بنية دائمة لإدارة التبعية الاقتصادية.
عمليًا، مكّن بروتوكول باريس الاحتلال من الاحتفاظ بالسيطرة على المعابر والحدود والسياسات الجمركية، ومن فرض قيود على الاستيراد والتصدير بحجج أمنية، في الوقت الذي حُرمت فيه السلطة الفلسطينية من أدوات السياسة الاقتصادية المستقلة، وقد أتاح هذا الخلل البنيوي للاحتلال توظيف البروتوكول بصورة انتقائية، بحيث يُستخدم أحيانًا كمرجعية قانونية لتبرير القيود، ويُتجاوز في أحيان أخرى عندما يتعارض مع المصالح الإسرائيلية.
في هذا السياق، لم يعد بروتوكول باريس مجرد إطار قانوني للعلاقات الاقتصادية، بل تحول إلى أحد أدوات السيطرة الاقتصادية، حيث أسهم في تكريس تبعية الاقتصاد الفلسطيني للسوق الإسرائيلية، وتحويله إلى اقتصاد تابع وظيفيًا، محدود القدرة على تطوير سياسات تجارية وصناعية مستقلة، وتُظهر التجربة الغزية أن سياسات الاحتكار المُدار لم تكن خروجًا عن بروتوكول باريس بقدر ما كانت امتدادًا منطقيًا لاختلالاته البنيوية، واستثمارًا سياسيًا لثغراته القانونية.
ثالثًا: تطور الواقع التجاري في قطاع غزة (1994–2023)
يمثل تطور الواقع التجاري في قطاع غزة مسارًا تراكميًا لتحولات بنيوية في علاقة الاقتصاد الفلسطيني بمنظومة الاحتلال، حيث انتقلت السياسات الإسرائيلية تدريجيًا من إدارة محدودة للحركة التجارية إلى منظومة مركبة من القيود والتحكم الهيكلي في سلاسل التوريد.
في المرحلة الأولى (1994–2004)، اتسم النشاط التجاري بدرجة نسبية من الاستقرار، مستندًا إلى ترتيبات بروتوكول باريس التي وفرت إطارًا قانونيًا للتبادل التجاري، رغم ما انطوت عليه من اختلالات بنيوية، وخلال هذه الفترة، حافظ القطاع الخاص الفلسطيني على هامش محدود من الحركة، واستطاعت السوق المحلية استيعاب جزء من احتياجاتها عبر الاستيراد المنتظم، وإن ظل ذلك ضمن سقف القيود الإسرائيلية.
غير أن التحول النوعي بدأ بعد انسحاب الاحتلال من قطاع غزة عام 2005، إذ أعقب ذلك فرض حصار مشدد منذ عام 2006، ما أدى إلى تراجع حاد في حجم التبادل التجاري، وانخفاض عدد الشاحنات الواردة إلى مستويات تقل بكثير عن الاحتياجات الفعلية للسوق المحلية، ولم يكن الحصار مجرد إجراء أمني، بل مثّل بداية تفكيك ممنهج للبنية التجارية، عبر تعطيل آليات السوق الطبيعية، وإضعاف قدرة القطاع الخاص على العمل في بيئة مستقرة.[3]
مع تصاعد المواجهات العسكرية وتكرار جولات العدوان، ولا سيما بعد عدوان عام 2014، انتقلت السياسات الإسرائيلية من مجرد التقييد إلى إدارة تفصيلية للسلع المسموح بإدخالها، وقد فرضت سلطات الاحتلال آلية إعادة إعمار غزة(GRM)، التي قيدت إدخال مواد البناء والمواد الصناعية الأساسية، كما وسعت قائمة السلع المصنفة ضمن “الاستخدام المزدوج” لتشمل مئات الأصناف، الأمر الذي أدى إلى شلل واسع في القطاعات الإنتاجية، وتعميق هشاشة الاقتصاد المحلي، وتحويل النشاط التجاري من عملية اقتصادية طبيعية إلى عملية خاضعة لإجراءات أمنية وإدارية معقدة.[4]
في هذا السياق، تراجعت قدرة القطاع الخاص الفلسطيني على التخطيط والاستثمار طويل الأمد، وتزايدت حالة عدم اليقين في السوق، ما أدى إلى انكماش القاعدة الإنتاجية، وتنامي الاعتماد على الاستيراد المحدود والخاضع للقيود، وتآكل الدور التنموي للتجارة، ويمكن النظر إلى هذه المرحلة بوصفها تمهيدًا موضوعيًا للانتقال لاحقًا من سياسة الحصار إلى سياسة الاحتكار المُدار، حيث جرى إضعاف البنية التجارية التقليدية تمهيدًا لإعادة تشكيلها وفق منطق السيطرة والانتقاء.
رابعًا: التحول في السياسة التجارية خلال الحرب (2023–2025)
تمثل الحرب التي اندلعت في تشرين الأول/أكتوبر 2023 نقطة انعطاف حاسمة في السياسة التجارية تجاه قطاع غزة، حيث انتقلت إجراءات الاحتلال من إدارة الحصار إلى إعادة هندسة منظومة التجارة بشكل جذري، فمنذ اليوم الأول للحرب، أعلنت سلطات الاحتلال فرض حصار شامل شمل إغلاق المعابر ووقف الاستيراد والتصدير، ما أدى إلى انهيار شبه كامل للدورة التجارية، وتعطّل سلاسل التوريد، وانقطاع تدفق السلع الأساسية إلى السوق المحلية[5].
غير أن الحصار الشامل لم يدم بوصفه سياسة مستقرة، إذ سرعان ما تعرض لضغوط دولية متزايدة، دفعت الاحتلال إلى السماح بإدخال مساعدات إنسانية محدودة عبر معبر رفح، وقد شكّل ذلك متنفسًا مؤقتًا للمواطنين الفلسطينيين، لكنه لم يؤسس لعودة النشاط التجاري الطبيعي، بل أسهم في تكريس الفصل بين المسار الإنساني والمسار التجاري، وتحويل المساعدات إلى بديل هش عن السوق.[6]
في أيار/مايو 2024، ومع السيطرة الإسرائيلية على مدينة رفح وإغلاق المعبر، عاد قطاع غزة إلى حالة الإغلاق شبه الكامل، ما كشف هشاشة الاعتماد على القنوات الإنسانية بوصفها بديلًا عن منظومة تجارة مستقرة، وفي محاولة لتجاوز الأزمة الإنسانية، طُرح مشروع الميناء العائم بتمويل أمريكي لإدخال المساعدات، غير أن المشروع سرعان ما تعثر بسبب التعقيدات الأمنية واللوجستية، ما أكد محدودية الحلول التقنية عندما تُفصل عن السياق السياسي والاقتصادي الأوسع[7].
تُظهر هذه المرحلة أن الاحتلال لم يكتفِ باستخدام الحصار كأداة ضغط، بل استثمر حالة الانهيار الاقتصادي لإعادة صياغة قواعد التجارة في قطاع غزة، فقد جرى الانتقال من سياسة المنع الشامل إلى سياسة الإتاحة المشروطة، حيث أصبحت حركة السلع خاضعة لمنطق انتقائي يحدد من يحق له الاستيراد، وما هي السلع المسموح بإدخالها، وبأي كلفة وشروط، وبذلك تحولت الحرب من حدث عسكري إلى فرصة لإعادة بناء منظومة التجارة وفق بنية احتكارية مُدارة، تمهّد لاحقًا لحصر الاستيراد وتركيز السيطرة على سلاسل التوريد.
خامسًا: الميليشيات المسلحة كأداة لإدارة السوق
في سياق تفكك البنية الإدارية والمؤسسية في قطاع غزة نتيجة الحرب والحصار، برزت التشكيلات المسلحة المحلية بوصفها فاعلًا اقتصاديًا غير رسمي، جرى توظيفه ضمن منظومة السيطرة على حركة السلع وسلاسل التوريد، ولم يعد دور هذه التشكيلات مقتصرًا على الوظائف الأمنية، بل امتد ليشمل إدارة جوانب أساسية من النشاط التجاري، عبر فرض رسوم غير قانونية على الشاحنات، واحتكار خدمات التأمين والحماية، والتدخل في مسارات النقل والتوزيع[8].
أسهم هذا التحول في إدخال القوة كعنصر بنيوي في تنظيم السوق، حيث أصبحت التجارة مرتبطة بدرجة عالية من المخاطر السياسية والأمنية، ولم تعد خاضعة لقواعد العرض والطلب أو لمعايير المنافسة الاقتصادية، بل لمنطق القوة والقدرة على الوصول إلى شبكات الحماية المسلحة، ونتيجة لذلك، ارتفعت تكاليف الاستيراد بشكل كبير، وانتقلت جزء من القيمة الاقتصادية للسلع من السوق إلى شبكات الريع المرتبطة بالعنف.
يمكن النظر إلى هذه الظاهرة بوصفها نشوء “اقتصاد وساطة قسرية”، حيث تتحول الميليشيات إلى حلقة إلزامية في سلاسل التوريد، وتصبح عملية الاستيراد مشروطة بالمرور عبر شبكات غير رسمية تفرض شروطها الخاصة، وقد أدى هذا النمط إلى إقصاء عدد واسع من التجار المستقلين الذين لا يمتلكون القدرة على التكيف مع هذه البيئة القسرية، وتعزيز نفوذ فاعلين محدودين مرتبطين بشكل مباشر أو غير مباشر بآليات الاحتلال.
لا يقتصر أثر هذا النموذج على رفع تكاليف التجارة، بل يمتد إلى إعادة تشكيل البنية الطبقية للقطاع الخاص، حيث تتراجع مكانة التجار التقليديين لصالح شبكات جديدة تجمع بين القوة المسلحة والقدرة الاقتصادية، وبذلك تتحول الميليشيات من ظاهرة أمنية عابرة إلى مكوّن بنيوي في منظومة الاحتكار المُدار، وتصبح جزءًا من آلية إعادة هندسة السوق في قطاع غزة.
سادسًا: بيع “التنسيقات” وتشويه آليات السوق
مع إعادة فتح المعابر جزئيًا في آب/أغسطس 2024، استحدثت سلطات الاحتلال آلية غير رسمية تسمح بإدخال سلع غير أساسية عبر إعادة تصنيفها كشاحنات إغاثية، مقابل دفع مبالغ مالية تحت مسمى “التنسيق”، إضافة إلى الرسوم التي تفرضها الجهات المسلحة المحلية.
أفضت هذه الآلية إلى إعادة تشكيل قواعد النفاذ إلى السوق، بحيث أصبحت القدرة على الاستيراد مرهونة بالقدرة على تحمل تكاليف غير قانونية، لا بالجدوى الاقتصادية أو الحاجة الفعلية للسوق، وقد أدى ذلك إلى خروج شريحة واسعة من التجار الصغار والمتوسطين من النشاط التجاري، وتركيز عمليات الاستيراد والتوزيع في أيدي عدد محدود من الفاعلين المرتبطين بشبكات النفوذ.
وتشير تقديرات اقتصادية محلية إلى أن حجم الأموال المدفوعة ضمن منظومة “التنسيقات” تجاوز في كثير من الحالات القيمة الحقيقية للسلع المستوردة، ما يعكس تحولًا بنيويًا في طبيعة النشاط التجاري من اقتصاد قائم على التبادل والإنتاج إلى اقتصاد ريعي احتكاري، تتحكم فيه علاقات القوة والوساطة، وتُهمَّش فيه قواعد المنافسة والشفافية[9].
سابعًا: تسييس المساعدات الإنسانية
خلال عام 2025، اعتمد الاحتلال آليات جديدة لتوزيع المساعدات الغذائية عبر نقاط تمويل دولية، لكنها لم تعد أدوات إنسانية بحتة، بل انعكست كمكون اقتصادي وسياسي ضمن استراتيجية التحكم في السوق والغذاء، فقد أدى تداخل المسار الإنساني مع الاعتبارات الأمنية والسياسية إلى تحويل المساعدات من آلية دعم مباشر للسكان إلى أداة لإعادة تنظيم الاقتصاد المحلي وفق منطق الاحتكار والوساطة القسرية.
أسفر هذا التوجه عن ارتفاع المخاطر المرتبطة بالحصول على المساعدات، وتراجع الثقة في المنظومة الإنسانية بين المواطنين الفلسطينيين، فضلاً عن تعزيز الاعتماد على قنوات خاضعة لشبكات احتكارية مرتبطة بالاحتلال، ويمكن النظر إلى هذه العملية بوصفها مثالًا على كيفية توظيف الحروب والأزمات الإنسانية لإعادة هندسة السوق، حيث تُستغل المساعدات كأداة لإعادة توزيع الموارد الاقتصادية ضمن إطار يضمن تبعية السكان للسياسات الإسرائيلية، ويحد من استقلالية القطاع الخاص في قطاع غزة.
ثامنًا: حصر الاستيراد وإعادة إنتاج الاحتكار
في آب/أغسطس 2025، قررت سلطات الاحتلال حصر الاستيراد بعدد محدود من الشركات الفلسطينية، قبل أن يتم توسيع العدد إلى عشر شركات في كانون الأول/ديسمبر، مع ربطها بأربع شركات إسرائيلية تتولى توريد السلع، وتمثل هذه الخطوة ذروة الانتقال من سياسة الحصار التقليدي إلى نموذج الاحتكار المُدار، حيث جرى إعادة تنظيم السوق وفق بنية احتكارية تضمن السيطرة الإسرائيلية على سلاسل التوريد[10].
أدى هذا النظام إلى تركّز النشاط التجاري في أيدي عدد محدود من الفاعلين المرتبطين بالاحتلال، وإقصاء غالبية التجار المستقلين، وتحويل السوق الفلسطينية إلى امتداد وظيفي للسوق الإسرائيلي، كما ساهم في تفكيك الطبقة التجارية التقليدية، وإعادة تشكيلها وفق معايير الولاء والقدرة على الامتثال لشروط الاحتلال، بما يعكس استخدام أدوات الاحتكار كوسيلة لإعادة هندسة الاقتصاد المحلي وتحقيق أهداف السيطرة طويلة المدى.
تاسعًا: التداعيات الاقتصادية البنيوية
تمثل السياسات الاقتصادية الإسرائيلية الأخيرة بحق قطاع غزة تحولًا بنيويًا في طبيعة السوق، مع انعكاسات عميقة على الاقتصاد المحلي، وتشمل أبرز هذه التداعيات:
- تعميق التبعية للسوق الإسرائيلي وتقليص هامش الاستيراد المستقل، ما يجعل الاقتصاد المحلي عرضة للتقلبات والقرارات الإسرائيلية.
- ارتفاع تكاليف الاستيراد والأسعار النهائية للسلع الأساسية، ما يزيد العبء المالي على المستهلكين ويضعف القدرة الشرائية.
- تآكل المنافسة وتراجع ديناميات السوق الحرة، ما يحول السوق إلى بيئة احتكارية محدودة الفاعلية.
- نشوء اقتصاد ريعي احتكاري قائم على الوساطة القسرية، حيث تتحكم شبكات مرتبطة بالاحتلال في تدفق السلع.
- زيادة الأعباء المالية غير القانونية على القطاع الخاص، بما في ذلك الرسوم والإتاوات غير الرسمية.
- تهديد استدامة آلاف المنشآت الاقتصادية وفرص العمل، خاصة للشركات الصغيرة والمتوسطة.
- تفكيك البنية التقليدية للقطاع الخاص وتحويله إلى قطاع تابع، يفقد استقلاليته وقدرته على المبادرة.
- إضعاف القدرة على التخطيط الاقتصادي المستقل وتعميق هشاشة الاقتصاد المحلي، ما يزيد من الاعتماد على آليات الدعم الخارجية ويحد من القدرة على التنمية المستدامة.
توضح هذه التداعيات أن الانتقال من الحصار إلى الاحتكار المُدار لا يشكل مجرد تغيير في السياسات، بل يشكل إعادة هندسة شاملة للاقتصاد المحلي، مع آثار مستمرة على الطبقة التجارية، سوق العمل، والاستقرار الاجتماعي في قطاع غزة.
الخــلاصــــة
تظهر السياسات الاقتصادية الإسرائيلية تجاه قطاع غزة انتقالًا نوعيًا في أدوات السيطرة من الحصار التقليدي إلى الاحتكار المُدار، حيث لم يعد الهدف مجرد تعطيل النشاط الاقتصادي، بل إعادة تشكيله وفق بنية احتكارية تضمن التبعية الوظيفية للسوق الإسرائيلي، وإضعاف استقلالية القطاع الخاص الفلسطيني.
ويتسم هذا النموذج بتركيز النشاط التجاري في أيدي عدد محدود من الفاعلين، واستغلال الوساطة القسرية والميليشيات، وتسييس المساعدات الإنسانية، وتحويل النشاط الاقتصادي إلى امتداد وظيفي للاقتصاد الإسرائيلي، كما يعكس الانتقال من الحصار إلى الاحتكار استراتيجيات السيطرة متعددة الأبعاد، تشمل التأثير على الأسعار، تآكل المنافسة، وإضعاف القدرة على التخطيط الاقتصادي المستقل.
يمثل هذا النموذج تحديًا مركزيًا لمستقبل القطاع الخاص الفلسطيني، ويطرح أسئلة جوهرية حول إمكانية إعادة بناء منظومة اقتصادية وطنية مستدامة، وتعزيز قدرة السوق المحلية على العمل ضمن قواعد العدالة والشفافية، في ظل استمرار سياسات الاحتلال الاحتكارية والقيود البنيوية المفروضة على النشاط التجاري.
التــوصيــــات
انطلاقًا من تحليل السياسات الاقتصادية الإسرائيلية تجاه قطاع غزة، تقدم الورقة التوصيات التالية لتعزيز استقلالية السوق والقطاع الخاص الفلسطيني، وتفادي التحول إلى اقتصاد احتكاري تابع:
- إلغاء الآليات الاحتكارية الحالية والعودة إلى نظام استيراد مفتوح وشفاف، قائم على قواعد واضحة وقابلة للمراجعة.
- فتح باب الاستيراد أمام جميع التجار الفلسطينيين المرخصين دون حصر أو محاصصة، لضمان العدالة والمنافسة.
- إلغاء جميع آليات التنسيق غير القانونية والرسوم غير الرسمية، لضمان حرية النشاط التجاري وتقليل التكاليف الإضافية.
- فصل المسار الإنساني عن المسار التجاري، لضمان أن المساعدات لا تستخدم كأداة تحكم اقتصادي.
- اعتماد معايير مكتوبة وشفافة لإدارة الاستيراد والتجارة، تشمل قواعد واضحة للتصنيف، الأسعار، والجودة.
- تفعيل دور المؤسسات الفلسطينية الرسمية، بما في ذلك وزارة الاقتصاد الوطني والغرف التجارية، في متابعة وتنظيم النشاط التجاري.
- إعادة بناء جهة وطنية مستقلة لتنسيق السياسة التجارية، تكون مسؤولة عن ضمان الشفافية والمساءلة.
- توسيع قائمة السلع المسموح باستيرادها وفق احتياجات السوق المحلية الحقيقية، لتجنب نقص الموارد الأساسية.
- ضمان حق التجارة الحرة وفق قواعد القانون الدولي والاتفاقيات المعمول بها، بما يحمي التجار والمستهلكين.
- تطبيق قواعد المساءلة القانونية على المخالفات دون تعميم العقوبات على جميع الفاعلين، لضمان العدالة وعدم إعاقة النشاط الاقتصادي المشروع.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-يناير 2026
[1] غرفة تجارة وصناعة محافظة غزة، 5/1/2026.
[2] اتفاقية باريس الاقتصادية 29/4/1994، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية
[3] حصار غزة.. من البداية في انتظار النهاية، 2/6/2016.
[4] Gaza Reconstruction Mechanism (GRM)، مكتب تنسيق أعمال الحكومة، 1/9/2014.
[5] لا كهرباء، لا طعام ولا ماء… إسرائيل تعلن فرض “حصار كامل” على غزة، فرانس برس، 9/10/2023.
[6] شاحنات محملة بالمساعدات الإنسانية تنتظر أمام معبر رفح لدخول غزة، فرانس برس، 19/10/2023.
[7] ميناء غزة العائم.. رصيف “للمساعدات” أقامه الجيش الأميركي وكسرته الأمواج، الجزيرة نت، 12/7/2024.
[8] خريطة انتشار لصوص المساعدات بغزة وتفاصيل الدعم الخفي من الاحتلال، شهاب، 21/11/2024.
[9] 3.5 مليار شيكل خسائر غزة جراء ظاهرة “بيع تنسيقات المساعدات”، الاقتصادي، 16/4/2025
[10] وزارة الاقتصاد الفلسطينية تدين القيود الإسرائيلية المفروضة على إمدادات البضائع إلى غزة، وفا، 24/12/2025.



