قـراءة إسرائيليـة
دراسة تحليلية في الشأن الإسرائيلي- المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
| الملخص التنفيذي تشير الانتخابات الإسرائيلية لعام 2026 إلى مرحلة سياسية تتسم باستمرار الجمود البنيوي في النظام الحزبي أكثر من كونها محطة لحسم سياسي واضح، فرغم بروز تحالف بينيت–لبيد كأبرز تطور في معسكر المعارضة، إلا أن استطلاعات الرأي تُظهر أن هذا التحالف لم ينجح في إحداث تغيير جذري في ميزان القوى، بل أعاد ترتيب الكتل القائمة دون كسر معادلة التوازن السياسي. ويعكس المشهد السياسي أزمة أعمق تتمثل في تفكك التمثيل الحزبي واحتدام الاستقطاب الداخلي، ما يجعل تشكيل ائتلافات مستقرة مهمة شديدة التعقيد، بغض النظر عن نتائج الانتخابات. كما تشير المعطيات إلى أن البعد الأمني، رغم حضوره التاريخي في التأثير على السلوك الانتخابي، لم يعد عاملًا حاسمًا لضمان مكاسب سياسية مباشرة، في ظل تراجع الثقة بقدرة العمليات العسكرية على إنتاج حسم واضح، وبناءً عليه، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في استمرار حالة الجمود السياسي أو إعادة إنتاجها بصيغ مختلفة، مع بقاء احتمالات إعادة الانتخابات أو تشكيل حكومات هشة قائمة بقوة. وعليه، لا تعكس انتخابات 2026 تحولًا في بنية النظام السياسي الإسرائيلي بقدر ما تؤكد استمرار أزمته المزمنة في إنتاج الاستقرار السياسي والحكم الفعّال. |
مقدمــة
يدخل الكيان الإسرائيلي عام 2026 مرحلة سياسية بالغة التعقيد مع اقتراب الانتخابات العامة للكنيست، في ظل استمرار أزمة الحكم وتآكل القدرة على إنتاج أغلبية مستقرة، وهي أزمة باتت سمة بنيوية في النظام السياسي الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة، فالانتخابات المقبلة لا تأتي في سياق تنافس حزبي تقليدي فحسب، بل في ظل إعادة تشكّل عميقة للخريطة السياسية، أبرز مظاهرها بروز تحالف بينيتي–لبيد بوصفه محاولة لإعادة ترتيب معسكر المعارضة في مواجهة هيمنة بنيامين نتنياهو، دون أن يعني ذلك بالضرورة تغييرًا جذريًا في موازين القوى القائمة.
وتكشف استطلاعات الرأي المتتالية عن حالة توازن هش بين المعسكرين الرئيسيين، حيث لا يقترب أي طرف من عتبة الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، وفي موازاة ذلك، يظل البعد الأمني حاضرًا بوصفه عنصرًا مؤثرًا في تشكيل المزاج الانتخابي، وإن كانت التجربة الأخيرة تشير إلى تراجع قدرته على إنتاج حسم سياسي مباشر كما كان في مراحل سابقة.
وانطلاقًا من ذلك، تتناول هذه الورقة التحولات في التحالفات السياسية الإسرائيلية، وحدود تأثير استطلاعات الرأي، وأزمة النظام السياسي البنيوية، إضافة إلى السيناريوهات المحتملة، مع تحليل البعد الأمني بوصفه متغيرًا سياسيًا متداخلًا مع الحسابات الانتخابية، وتسعى الورقة إلى تقديم قراءة تفسيرية تتجاوز الوصف الآني نحو فهم أعمق لطبيعة الجمود السياسي في الكيان الإسرائيلي وآفاقه المستقبلية.
أولاً: التحالفات الجديدة وإعادة تشكيل الخريطة الحزبية
يمثل التحالف الذي أُعلن عنه في 26 أبريل 2026 بين نفتالي بينيت ويائير لبيد، تحت قائمة “معًا”، محاولة متقدمة لإعادة هندسة معسكر المعارضة في الكيان الإسرائيلي، عبر دمج تيارين متمايزين أيديولوجيًا: يمين براغماتي ذو توجه أمني واضح يقوده بينيت، ومركز علماني ليبرالي يمثله لبيد.
ولا تنبع أهمية هذا التحالف من طبيعته الانتخابية فحسب، بل من كونه استجابة مباشرة لحالة التشرذم المزمنة داخل معسكر مناهضي نتنياهو، والتي شكّلت خلال السنوات الماضية أحد أهم عوامل بقاء بنيامين نتنياهو في الحكم.
وفي هذا السياق، حرص الطرفان على ترك الباب مفتوحًا أمام انضمام غادي آيزنكوت، في إدراك واضح للدور المرجّح الذي يمكن أن يلعبه في ترجيح كفة المعارضة، سواء عبر تعزيز الثقل الانتخابي للتحالف أو عبر توسيع قاعدته داخل التيار الأمني-المؤسساتي في الكيان الإسرائيلي.
غير أن هذا التحالف، رغم زخمه السياسي والإعلامي، يواجه جملة من التحديات البنيوية التي قد تحد من قدرته على التحول إلى بديل حكم فعلي، وأبرزها:
التباينات الأيديولوجية العميقة:إذ يجمع التحالف بين رؤيتين مختلفتين في قضايا مركزية مثل الدولة والدين، والمسألة الفلسطينية، وطبيعة النظام السياسي، حيث يعارض بينيت حل الدولتين، بينما أبدى لبيد في مراحل سابقة تأييدًا له.
إشكالية العلاقة مع الأحزاب العربية: وهي مسألة حاسمة في ضوء عجز أي معسكر يهودي عن بلوغ عتبة 61 مقعدًا دون دعم خارجي، في ظل حساسية هذا الخيار داخل قواعد اليمين.
القدرة على اختراق قاعدة اليمين التقليدي: حيث يسعى بينيت إلى تقديم نفسه كبديل يميني لنتنياهو، إلا أن انتقال أصوات من الليكود لا يزال محدودًا في ظل تماسك الكتلة اليمينية نسبيًا.
وعلى الرغم من أن التحالف يُقدَّم كـ”كتلة تغيير”، إلا أن المعطيات الأولية تشير إلى أنه لم يُحدث تحولًا جوهريًا في ميزان القوى، بل أعاد ترتيب مكونات المعارضة داخليًا دون كسر معادلة الكتل القائمة، إذ أظهرت استطلاعات حديثة أن القائمة المشتركة قد تحصد نحو 27 مقعدًا، دون أن يترجم ذلك إلى أغلبية حاكمة، فيما يبقى معسكر المعارضة بأكمله دون عتبة الحسم اللازمة لتشكيل حكومة.
في هذا الإطار، يمكن فهم هذا التحالف بوصفه محاولة لإعادة إنتاج تجربة عام 2021 التي نجح فيها الطرفان في إزاحة نتنياهو عبر ائتلاف واسع ومتناقض أيديولوجيًا، إلا أن تلك التجربة نفسها كشفت عن هشاشة هذا النوع من التحالفات وعدم قدرته على الاستمرار طويلًا، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول قابلية النموذج للتكرار في ظل بيئة سياسية أكثر استقطابًا وتعقيدًا.
وبالتالي، فإن التحالف بين بينيت ولبيد لا يعكس فقط إعادة تموضع انتخابي، بل يعبر عن محاولة لإعادة تشكيل بنية الصراع السياسي في الكيان الإسرائيلي من صراع بين يمين ويسار، إلى صراع بين معسكرين:
– معسكر يقوده نتنياهو
– ومعسكر “مناهضي نتنياهو” رغم تبايناته الداخلية
غير أن نجاح هذه المحاولة يظل مشروطًا بقدرة التحالف على تجاوز تناقضاته الداخلية، وتحويل التفوق التكتيكي في الاستطلاعات إلى قدرة استراتيجية على تشكيل حكومة مستقرة.
ثانيًا: استطلاعات الرأي وحدود القوة الانتخابية
تعكس استطلاعات الرأي المتعلقة بالانتخابات الإسرائيلية القادمة صورة مركّبة تتسم بدرجة عالية من السيولة وعدم الاستقرار، حيث تشير معظم القياسات الحديثة إلى تقارب واضح بين الكتل الرئيسية دون قدرة أي منها على تحقيق حسم انتخابي.
فبحسب عدد من الاستطلاعات المنشورة عقب إعلان تحالف بينيت–لبيد، يتوقع أن يحصل تحالف “معًا” على نحو 27 مقعدًا، مقابل نحو 28 مقعدًا لحزب الليكود بقيادة بنيامين نتنياهو، ما يعكس حالة توازن تنافسي بين الطرفين .
غير أن المؤشر الأكثر دلالة لا يكمن في ترتيب الأحزاب، بل في توزيع الكتل؛ إذ تشير نفس الاستطلاعات إلى أن معسكر المعارضة بمجمله لا يتجاوز نحو 59 مقعدًا، مقابل نحو 51 مقعدًا للائتلاف الحاكم، مع بقاء الأحزاب العربية عند حدود 10 مقاعد، وهو ما يعني عمليًا عجز أي معسكر عن بلوغ عتبة 61 مقعدًا اللازمة لتشكيل حكومة .
وتؤكد تقديرات أخرى أن هذا النمط يكاد يكون ثابتًا عبر عدة استطلاعات، حيث أجمعت تحليلات إسرائيلية على أن دمج قائمتي بينيت ولبيد لم يُحدث تحولًا جوهريًا في ميزان القوى، بل أعاد توزيع المقاعد داخل معسكر المعارضة دون توسيع كتلته الإجمالية .
أما على مستوى المنافسة الشخصية، فتشير بعض استطلاعات القيادة إلى تقدم نسبي لبينيت في ملاءمة رئاسة الحكومة مقارنة بنتنياهو، وهو مؤشر يعكس تراجعًا نسبيًا في الثقة بشخص نتنياهو، لكنه لا يترجم بالضرورة إلى تفوق انتخابي حاسم على مستوى الكتل .
دلالات الأرقام: بين التوازن العددي والجمود البنيوي
تكشف هذه المعطيات عن مجموعة من الدلالات المركزية:
استمرار معادلة “التوازن دون حسم: حيث يتقارب الحزبان الأكبران دون أن يتمكن أي منهما من قيادة كتلة حاكمة، ما يعكس أزمة بنيوية في النظام الحزبي الإسرائيلي القائم على التمثيل النسبي الكامل.
فشل التحالف في توسيع الكتلة المعارضة: إذ يظهر أن دمج القوائم أدى إلى”تجميع الأصوات” وليس “توليد أصوات جديدة”، وهو فارق حاسم في الانتخابات الإسرائيلية.
استمرار مركزية الأحزاب العربية كـ”بيضة قبان: حيث تبقى مشاركتها أو دعمها الخارجي شرطًا شبه حتمي لأي ائتلاف بديل، وهو خيار لا يزال يواجه رفضًا أو ترددًا داخل قطاعات واسعة من اليمين الإسرائيلي وحتى بعض مكونات المعارضة.
تماسك نسبي للكتلة اليمينية: رغم تراجعها في بعض الاستطلاعات، إلا أنها لا تزال تحتفظ بقاعدة صلبة تحول دون انهيارها، ما يعقّد مهمة خصومها في تحقيق اختراق انتخابي حاسم.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن المشكلة الأساسية لا تكمن في ضعف أي من المعسكرين بقدر ما تكمن في عجز النظام السياسي الإسرائيلي عن إنتاج أغلبية مستقرة في ظل الانقسام الحاد والتشظي الحزبي.
وعليه، فإن استطلاعات الرأي، رغم أهميتها، لا تشير إلى اتجاه حاسم بقدر ما تؤكد استمرار حالة “اللايقين الانتخابي”، حيث تبقى النتائج النهائية رهينة بتحولات محدودة في نسب التصويت، أو بإعادة تشكيل التحالفات بعد الانتخابات، أكثر من كونها انعكاسًا مباشرًا لموازين القوى الحالية.
ثالثًا: أزمة النظام السياسي واستمرار معادلة الجمود
تعكس الانتخابات الإسرائيلية القادمة أزمة بنيوية عميقة في طبيعة النظام السياسي، تتجاوز حدود التنافس الحزبي الظرفي، وتمتد إلى بنية التمثيل، وأنماط الاستقطاب، وآليات إنتاج السلطة في الكيان الإسرائيلي، ولا يمكن فهم مآلات هذه الانتخابات دون وضعها في سياق هذه الأزمة الممتدة.
1. تفكك التمثيل السياسي وتآكل الثقة
تشير الأدبيات الحديثة حول الحالة الإسرائيلية إلى تراجع الثقة بالمؤسسات السياسية، وازدياد الشعور بعدم تمثيل الأحزاب لقطاعات واسعة من الناخبين، وهو ما يرتبط بتفكك الخريطة الحزبية وتعددها بشكل مفرط، ويعزز ذلك النظام الانتخابي القائم على التمثيل النسبي الكامل، الذي يشجع على تكاثر الأحزاب الصغيرة ويضعف القدرة على إنتاج كتل سياسية متماسكة.
ولا يقتصر هذا التفكك على التمثيل الحزبي، بل يمتد إلى أزمة ثقة أوسع في النظام السياسي ذاته، حيث تشير دراسات إلى أن تكرار الأزمات الحكومية والانقسامات الحادة أسهم في إضعاف ثقة الجمهور بقدرة النظام على الحكم الفعّال.
2. الاستقطاب الحاد وإعادة تشكيل الانقسام السياسي
لم يعد الانقسام في الكيان الإسرائيلي تقليديًا بين يمين ويسار، بل أعيد تشكيله خلال السنوات الأخيرة حول محور شخصي–سياسي يتمحور حول بنيامين نتنياهو، وهو ما انعكس في ثنائية:
– معسكر نتنياهو (يمين قومي + أحزاب دينية/حريدية)
– معسكر “مناهضي نتنياهو” (تحالف غير متجانس يضم يمينًا ووسطًا ويسارًا)
وقد تجسد هذا الاستقطاب بشكل واضح خلال الأزمة السياسية بين 2019–2022، حيث تمحورت المواقف حول شعارين متقابلين: “فقط نتنياهو” مقابل “أي أحد إلا نتنياهو”، ما أدى إلى حالة انسداد سياسي مستمرة.
ويُظهر هذا التحول أن الصراع لم يعد فقط حول البرامج والسياسات، بل حول الشرعية السياسية وشخص القيادة، وهو ما يزيد من صعوبة بناء ائتلافات مستقرة.
3. تكرار الانتخابات كعرض لأزمة بنيوية
شهد الكيان الإسرائيلي واحدة من أكثر حالات عدم الاستقرار السياسي في الديمقراطيات البرلمانية، حيث جرت خمس انتخابات خلال أقل من أربع سنوات (2019–2022)، نتيجة العجز المتكرر عن تشكيل ائتلاف حكومي مستقر.
وقد دفعت هذه الحالة بعض التقديرات إلى وصف الكيان الإسرائيلي بأنه: “أكثر الديمقراطيات البرلمانية تكرارًا للانتخابات”، وهو مؤشر واضح على خلل في قابلية النظام للحكم.
كما أن هذه الدورات الانتخابية المتكررة لم تكن نتيجة تغيرات دراماتيكية في توجهات الناخبين، بل نتيجة توازن دقيق بين الكتل، وصعوبة بناء تحالفات عابرة للأيديولوجيا، ورفض مكونات رئيسية التعاون مع أطراف بعينها.
4. من التوازن العددي إلى الجمود البنيوي
تكشف هذه المعطيات أن ما يواجهه الكيان الإسرائيلي ليس مجرد حالة “تقارب انتخابي”، بل حالة أعمق يمكن وصفها بـ:”الجمود البنيوي“،حيث: لا يمتلك أي معسكر القدرة على الحسم، ولا يمتلك في الوقت ذاته المرونة الكافية لبناء ائتلافات مستقرة، ويرتبط ذلك بطبيعة النظام السياسي نفسه، الذي يجمع بين:
– تمثيل نسبي كامل (يُنتج تشظيًا حزبيًا)
– انقسامات أيديولوجية وهوياتية حادة
– مركزية فاعلين غير تقليديين (الأحزاب الدينية والعربية)
في ضوء ما سبق، لا يمكن النظر إلى الانتخابات القادمة بوصفها حدثًا تنافسيًا عاديًا، بل كحلقة جديدة في أزمة ممتدة للنظام السياسي الإسرائيلي.
فبدل أن تمثل الانتخابات أداة لحسم التنافس السياسي، تبدو أقرب إلى آلية لإعادة إنتاج التوازنات القائمة، ومن ثم إعادة إنتاج حالة الجمود ذاتها.
وعليه، فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه هذه الانتخابات ليس من سيفوز؟، بل هل يمتلك النظام السياسي الإسرائيلي القدرة على الخروج من دائرة الجمود التي باتت سمة بنيوية له؟
رابعًا: البعد الأمني كأداة انتخابية
تطرح الورقة فرضية مفادها أن الحكومة الإسرائيلية قد تلجأ إلى توظيف التصعيد الأمني كأداة لتحسين موقعها الانتخابي، وهي فرضية لها جذور في طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي، حيث يتداخل البعد الأمني بشكل وثيق مع الاعتبارات الحزبية والانتخابية.
فالتجربة الإسرائيلية تُظهر تاريخيًا أن القضايا الأمنية تشكّل محددًا رئيسيًا لسلوك الناخب، وأن القيادات السياسية غالبًا ما سعت إلى إبراز كفاءتها الأمنية بوصفها رصيدًا انتخابيًا، كما أن بنية النظام السياسي، في ظل بيئة إقليمية متوترة، تجعل من الأمن عنصرًا مركزيًا في الخطاب السياسي والتنافس الحزبي.
غير أن المعطيات المرتبطة بالمرحلة الحالية تشير إلى صورة أكثر تعقيدًا، بل وربما متناقضة، فيما يتعلق بجدوى هذا الخيار فمن جهة، لا يزال قطاع واسع من الجمهور الإسرائيلي يميل إلى دعم العمليات العسكرية في سياق إدراكه للتهديدات الأمنية، حيث أظهرت استطلاعات أن نسبًا مرتفعة دعمت استمرار العمليات ضد إيران، مع مستويات ثقة معتبرة بإدارة الحكومة للملف الأمني.
لكن من جهة أخرى، تكشف مؤشرات متزايدة عن تآكل العائد السياسي لهذه العمليات، إذ تشير تقديرات حديثة إلى أن الحروب متعددة الجبهات -رغم شدتها- لم تنجح في تحقيق “انتصار حاسم”، بل أدت إلى حالة من الإرهاق الشعبي وتراجع الثقة في القدرة على تحقيق أهداف استراتيجية واضحة
كما أظهرت تحليلات أن العمليات العسكرية، بما في ذلك المواجهة مع إيران، لم تُترجم إلى مكاسب سياسية مباشرة لنتنياهو، رغم التفوق العسكري، ما يعكس فجوة متزايدة بين الأداء العسكري والعائد السياسي.
وتتعمق هذه المفارقة أكثر في ضوء نتائج استطلاعات الرأي، التي تشير إلى أن نسبة الاعتقاد بقدرة الحرب على إحداث تغيير استراتيجي كبير تراجعت بشكل ملحوظ مع مرور الوقت، حيث انخفضت التوقعات بتحقيق نتائج حاسمة مقارنة ببدايات الحرب، بل إن بعض التقديرات تذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن جزءًا من الرأي العام الإسرائيلي بات ينظر إلى بعض العمليات العسكرية باعتبارها إنجازات تكتيكية محدودة لا ترقى إلى مستوى الحسم الاستراتيجي، وهو ما انعكس أيضًا في انتقادات داخلية لنتائج الحروب الأخيرة، وفي التشكيك بجدوى بعض التفاهمات أو وقف إطلاق النار، التي وُصفت بأنها لم تحقق الأهداف المعلنة وأثرت سلبًا على صورة القيادة السياسية.
بين التعبئة الأمنية وتآكل العائد السياسي
في ضوء ذلك، يمكن القول إن العلاقة بين التصعيد الأمني والسلوك الانتخابي لم تعد خطية كما في السابق، بل أصبحت محكومة بمعادلة أكثر تعقيدًا :”التصعيد قد يعزز التماسك الداخلي مؤقتًا، لكنه لا يضمن ترجمة هذا التماسك إلى مكاسب انتخابية مستدامة، بل قد يؤدي، في حال غياب الحسم، إلى نتائج عكسية تتمثل في تآكل الثقة السياسية.
بناءً على ما سبق، لا يمكن استبعاد لجوء الحكومة الإسرائيلية إلى التصعيد الأمني في المرحلة التي تسبق الانتخابات، سواء بدوافع استراتيجية أو انتخابية.
لكن في المقابل، تشير المعطيات الراهنة إلى أن التصعيد لم يعد أداة انتخابية مضمونة النتائج، بل خيارًا محفوفًا بالمخاطر السياسية، حيث يعتمد تأثيره على مستوى الحسم العسكري المتحقق، ومدة المواجهة، والكلفة البشرية والاقتصادية، وكذلك مدى قدرة القيادة على تحويل الإنجاز العسكري إلى سردية سياسية مقنعة.
وعليه، فإن البعد الأمني في الانتخابات القادمة سيظل حاضرًا بقوة، لكنه لن يكون -على الأرجح- العامل الحاسم الوحيد، بل أحد عناصر معادلة أكثر تعقيدًا تحكم سلوك الناخب الإسرائيلي.
خامسًا: السيناريوهات المحتملة للانتخابات
في ضوء المعطيات المتعلقة بإعادة تشكيل التحالفات، واستمرار توازن الكتل، وأزمة النظام السياسي، يمكن بلورة مجموعة من السيناريوهات الواقعية للانتخابات الإسرائيلية القادمة، وتستند هذه السيناريوهات إلى اتجاهات استطلاعات الرأي.
السيناريو الأول: استمرار الجمود السياسي
يقوم هذا السيناريو على:
حصول معسكر المعارضة على نحو 58–60 مقعدًا
حصول معسكر اليمين على نحو 50–52 مقعدًا
بقاء الأحزاب العربية كعامل مرجّح دون انخراط مباشر
وتشير استطلاعات حديثة إلى أن المعارضة تراجعت من 61 إلى نحو 59 مقعدًا، ما يعيد إنتاج حالة العجز عن تشكيل حكومة دون دعم خارجي .
وهذا السيناريو هو الامتداد الطبيعي للأزمة البنيوية التي تم عرضها سابقًا، حيث تستمر حالة “التوازن دون حسم”.
الترجيح: مرتفع
السيناريو الثاني: صعود المعارضة دون القدرة على الحكم
يقوم هذا السيناريو على:
تفوق تحالف بينيت–لبيد كأكبر كتلة
فشل المعارضة في تجاوز عتبة 61 مقعدًا
تردد أو رفض الاعتماد على الأحزاب العربية
ورغم أن التحالف قد يتصدر النتائج، إلا أن التجربة السابقة (2021) أظهرت هشاشة التحالفات الواسعة والمتناقضة، والتي لم تصمد سوى فترة قصيرة .
وهذا السيناريو يشير إلى تحقيق “نصر انتخابي شكلي” دون قدرة فعلية على الحكم.
الترجيح: متوسط – مرتفع
السيناريو الثالث: إعادة إنتاج حكم اليمين عبر إعادة التموضع
يفترض هذا السيناريو:
نجاح الليكود في الحفاظ على موقعه ككتلة مركزية
إعادة توحيد مكونات اليمين (الديني والقومي)
استثمار الانقسامات داخل المعارضة
ورغم تراجع شعبية نتنياهو، إلا أن قاعدته الانتخابية لا تزال متماسكة نسبيًا، ما يمنحه قدرة على البقاء فاعلًا رئيسيًا في المشهد السياسي .
ويشير هذا السيناريو إلى أن اليمين لا ينتصر بقوة، بل يستفيد من ضعف خصومه.
الترجيح: متوسط
السيناريو الرابع: تأثير المتغير الأمني على النتائج
يقوم هذا السيناريو على:
حدوث تصعيد أمني قبل الانتخابات
محاولة إعادة تشكيل الرأي العام لصالح الحكومة
لكن المعطيات الحديثة تشير إلى أن:
الأداء العسكري لم يترجم إلى مكاسب سياسية واضحة
بل أدى أحيانًا إلى تراجع شعبية القيادة
كما أظهرت تقديرات أن العمليات العسكرية لم تمنح نتنياهو تفوقًا انتخابيًا حاسمًا رغم شدتها ، بل إن بعض الانتقادات ركزت على غياب الحسم الاستراتيجي رغم “الإنجازات التكتيكية”.
ويشير هذا السيناريو إلى أن التصعيد لم يعد أداة مضمونة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية.
الترجيح: منخفض – متوسط
وهكذا تشير السيناريوهات الأربعة إلى حقيقة مركزية مفادها أن الانتخابات القادمة لا تدور حول “من سيفوز”، بل حول “من سيتمكن من تشكيل حكومة”.
حيث إن الفجوة بين الكتل ضيقة والتحالفات هشّة والبيئة السياسية غير قادرة على إنتاج حسم واضح، وبالتالي، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس صعود طرف على حساب آخر، بل استمرار حالة الجمود السياسي، مع احتمالية الدخول في جولة جديدة من المفاوضات أو حتى انتخابات مبكرة أخرى.
الخلاصـــة
تشير مجمل المعطيات المرتبطة بالانتخابات الإسرائيلية لعام 2026 إلى أن النظام السياسي يقف أمام لحظة اختبار حقيقية، لكنها ليست لحظة حسم بقدر ما هي لحظة إعادة إنتاج للأزمة، فبالرغم من بروز تحالفات جديدة، وعلى رأسها تحالف بينيت-لبيد الذي يسعى إلى كسر هيمنة بنيامين نتنياهو، إلا أن المؤشرات الانتخابية لا تعكس تحولًا جوهريًا في ميزان القوى، بقدر ما تعكس إعادة ترتيب داخل معسكرات قائمة دون تغيير قواعد اللعبة نفسها .
لقد أظهرت التجربة السياسية خلال السنوات الماضية -وخاصة سلسلة الانتخابات المتكررة- أن المشكلة في الكيان الإسرائيلي لم تعد مرتبطة بوزن هذا الحزب أو ذاك، بل بعجز بنيوي عن إنتاج أغلبية مستقرة، في ظل استقطاب حاد وانقسام يتمحور حول شخصية نتنياهو أكثر من تمحوره حول البرامج والسياسات، وفي هذا السياق، تبدو الانتخابات القادمة استمرارًا لهذا النمط، حيث يتقدم التنافس دون أن يُفضي بالضرورة إلى قدرة على الحكم .
في المقابل، فإن الرهان على العوامل الخارجية، وعلى رأسها البعد الأمني، لم يعد يحمل نفس الفعالية التي كان يتمتع بها في مراحل سابقة؛ إذ تشير المعطيات إلى أن الحروب الأخيرة، رغم شدتها، لم تُحدث تحولًا حاسمًا في اتجاهات الرأي العام، بل ساهمت في تعميق الشكوك حول قدرة القيادة السياسية على تحقيق إنجاز استراتيجي واضح .
وعليه، يمكن القول إن المشهد الانتخابي الإسرائيلي يتجه نحو أحد مسارين متداخلين: إما استمرار الجمود السياسي مع إعادة إنتاج التوازنات الحالية، أو محاولة كسر هذا الجمود عبر تحالفات هشة قد تعيد إنتاج الأزمة بشكل مختلف
لكن في كلا الحالتين، فإن النتيجة الأرجح، وفق المعطيات الراهنة، ليست انتقالًا حاسمًا في السلطة، بل استمرار أزمة الحكم في الكيان الإسرائيلي بوصفها سمة بنيوية للنظام السياسي، لا مجرد حالة عابرة.
وبذلك، فإن السؤال الجوهري الذي تطرحه انتخابات 2026 لا يتعلق فقط بمن سيفوز، بل بمدى قدرة النظام السياسي الإسرائيلي ذاته على تجاوز حالة الانقسام المزمن، والانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق إنتاج الاستقرار- وهو تحدٍ لم تظهر المؤشرات حتى الآن أنه في طريقه إلى الحل.
التوصيـــات
1. عدم بناء سياسات على افتراض تغيّر جذري في السياسة الإسرائيلية إذ تشير المعطيات إلى أن التحولات داخل الحكومات الإسرائيلية لا تعني بالضرورة تغيرًا في جوهر الموقف من القضية الفلسطينية، بل غالبًا ما تعكس إعادة توزيع داخل بنية سياسية ثابتة.
2. استثمار الانقسام الإسرائيلي دون المراهنة عليه، ويمكن توظيف حالة الاستقطاب بين المعسكرات الإسرائيلية لإبراز أزمة النظام السياسي الإسرائيلي دوليًا، دون تحويل ذلك إلى رهان على نتائج انتخابية محددة.
3. تعزيز الوحدة السياسية الفلسطينية كأولوية مركزية، ففي ظل انقسام المشهد الإسرائيلي، يبقى العامل الحاسم فلسطينياً هو القدرة على بناء موقف سياسي موحد، باعتباره شرطًا لأي تأثير فعّال في البيئة الإقليمية والدولية.
4. الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستراتيجي، أي تقليل الاعتماد على المتغير الإسرائيلي في صياغة القرار الفلسطيني، وتطوير سياسات مبادرة تستند إلى رؤية طويلة المدى.
5. تعزيز المسار القانوني والدوليعبر توظيف المؤسسات الدولية والمحاكم والآليات القانونية، خاصة في ظل تزايد التوتر والانقسام داخل الكيان الإسرائيلي، بما يفتح هامشًا أوسع للحضور الفلسطيني.
6. إدارة سيناريوهات التصعيد بحذر سياسي: مع إدراك أن أي تصعيد إقليمي أو عسكري قد يُستثمر انتخابيًا داخل الكيان الإسرائيلي، ما يتطلب ضبط التفاعل مع هذه التحولات بما يخدم المصلحة الفلسطينية لا الحسابات الإسرائيلية.
7. قراءة التحالفات الإسرائيلية بواقعية سياسية، بحيث يتم تقييم أي حكومة أو تحالف بناءً على سياساته الفعلية تجاه الفلسطينيين، وليس على خلفيته الخطابية أو طبيعة تركيبته الداخلية.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-مايو 2026



