ورقة سياسات اقتصادية-أ. خالد أبو عامر خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية
| الملخص التنفيذي دمّرت حرب 2023-2025 أكثر من 86% من الأراضي الزراعية في غزة، وأكثر من 82% من آبارها، وما بين 71% و87% من دفيئاتها، بخسائر تتجاوز ملياري دولار واحتياجات إعمار تبلغ 4.2 مليار دولار، وفي هذا السياق، يُطلق المشروع المشترك بين الجمعية التعاونية الزراعية وأوكسفام مبادرةً لإعادة تأهيل وتسوية الأراضي، استصلحت حتى الآن 300 دونم وتستهدف 1,000 دونم في مرحلتها الأولى؛ وهي خطوة ضرورية لكنها تقف عند عتبة التجهيز دون استكمال دورة الإنتاج، تُحلّل هذا الورقة -عبر مقارنة تجارب الحروب الثلاث- أربعة أنماط متكررة في دورة الدمار والإعمار الناقص، وتخلص إلى أن التعافي المستدام مشروط بثلاثة شروط متزامنة: سد الفجوة التمويلية الحادة التي لا تتجاوز تغطيتها 10% من النداء العاجل للفاو، ورفع القيود البنيوية على الوصول وإدخال المستلزمات، ومعالجة الأضرار البيئية العميقة في التربة والمياه. وتُقدّم الورقة توصيات مُدرَّجة زمنياً وموزَّعة على ثلاثة مستويات لصانعي القرار والشركاء الدوليين. |
مقدمــــة
قبل أكتوبر 2023، كان القطاع الزراعي ركيزةً اقتصادية واجتماعية أساسية في غزة، فقد كانت الأراضي الزراعية تمتد على نحو 117 كيلومتراً مربعاً، تمثل ثلث المساحة الكلية للقطاع، وتغطي نحو 44% من الاحتياجات الغذائية للسكان، واستوعب هذا القطاع نحو 50,000 عامل مباشر، و150,000 شخص في أعمال مرتبطة به، فيما تجاوزت قيمة صادراته 30 مليون دولار سنوياً، وكانت غزة تنتج نحو 1,400 طن من المحاصيل يومياً، يصدر منها 300 طن إلى الضفة الغربية وأسواق الداخل الفلسطيني.
غير أن ما حلّ بهذا القطاع خلال حرب 2023-2025 يتخطى بكثير نماذج “التعافي الاعتيادي” التي عرفتها غزة في الماضي فالدمار لم يطل المحاصيل أو المواسم فحسب، بل طال الأرض ذاتها وبنيتها الحيوية وبيئتها المائية.
وتشير تقييمات متخصصة إلى أن تلوث التربة بالمعادن الثقيلة ومخلفات الذخائر، وانهيار منظومة المياه الجوفية بسبب تلوثها بالملوحة والنترات، وانتشار المخلفات المتفجرة، تُشكّل جميعها عوائق بنيوية لا تُعالَج بمشاريع تسوية الأراضي التقليدية.
في هذا الإطار، تتناول هذه الورقة ثلاثة أسئلة محورية: أولاً، ما الذي أنجزه مشروع إعادة التأهيل الراهن وما حدوده الموضوعية؟، ثانياً، ماذا تكشف المقارنة مع تجارب إعادة الإعمار السابقة من أنماط متكررة ودروس مستخلصة؟،وثالثاً ما الشروط الفعلية للتعافي المستدام وكيف يمكن بناء استراتيجية متكاملة تتجاوز التدخلات الجزئية؟.
أولًا : مشروع إعادة التأهيل الراهن: التفاصيل والإنجازات والقيود
1. الإطار العام للمشروع
أطلقت الجمعية التعاونية الزراعية بالشراكة مع منظمة أوكسفام الدولية مشروع إعادة تأهيل الأراضي الزراعية بعد نحو سبعة أشهر من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، ويُعدّ هذا المشروع من أوائل التدخلات المنظمة على مستوى القطاع الزراعي في مرحلة ما بعد الحرب، ويعمل وفق منهجية متسلسلة المراحل:[1]
المرحلة الأولى: إجراء فحص ميداني بالتنسيق مع مؤسسة UNMAS للتثبت من خلو الأراضي من الألغام والمتفجرات ومخلفات الحرب.
المرحلة الثانية: تسوية الأراضي باستخدام الجرافات، وإزالة الركام وجذور الأشجار وكل العوائق الميكانيكية.
المرحلة الثالثة: توزيع وتركيب خطوط نقل المياه من الآبار إلى الأراضي المستصلَحة.
2. ما أنجزه المشروع
حتى تاريخ إعداد هذه الورقة، أتمّ المشروع استصلاح 300 دونم في ثلاث مناطق: بلدة المغراقة وسط القطاع، وحي الزيتون جنوبي مدينة غزة، وحي الشيخ عجلين غربها، ويستهدف المشروع في مرحلته الأولى الوصول إلى 1,000 دونم. ويُعدّ هذا الإنجاز لافتاً من حيث المنهجية المتبعة والتنسيق مع الجهات الأممية، لكنه يبقى محدوداً إذا ما قيس بالحجم الكلي للأضرار.
3. ما ينقص المشروع: فجوات دورة الإنتاج
يقف المشروع الحالي عند مرحلة “تجهيز الأرض” دون أن يُكمل دورة الإنتاج الزراعي، والفجوات القائمة تجعل المزارع قادراً على الوقوف على أرضه دون أن يزرعها فعلياً، وتشمل هذه الفجوات توفير مصادر طاقة مستدامة لتشغيل الآبار، إما عبر الطاقة الشمسية أو المولدات المتنقلة، واستيراد البذور الزراعية وتوزيعها، لا سيما في ظل ارتفاع أسعارها وشحّتها، وتوفير الأسمدة والمبيدات الزراعية والأدوية البيطرية، وإجراء تقييم شامل للتربة وعلاجها كيميائياً في المناطق التي تضررت خصائصها الطبيعية.
ثانيًا : حجم الدمار وأبعاده: دمار بلا سابقة
1. الأرقام الرسمية وما تعنيه
تُشكّل بيانات الفاو ويونوسات المرجعَ الأكثر موثوقية لقياس حجم الدمار، وعلى الرغم من الطابع التراكمي لهذه البيانات، فإن دلالتها السياسية واضحة: ما حدث في غزة ليس أزمة زراعية عابرة، بل انهيار منظومي لم تشهده المنطقة من قبل.[2]
فقد رصدت هذه التقييمات أن نسبة الأراضي الزراعية المتضررة ارتفعت من نحو 42.6% في فبراير 2024، إلى 67.6% في سبتمبر 2024، ثم إلى أكثر من 80% في أبريل 2025، لتتجاوز 86% في أواخر 2025، أما الدفيئات الزراعية فقد تضررت بنسبة تصل إلى 80-87%، والآبار الزراعية بنسبة تتجاوز 82%، ولا تبقى سوى مساحة تُقدَّر بين 232 و688 هكتاراً قابلة للزراعة فعلاً وفق تباين التقييمات وتواريخها.
الجدول الأول: مقارنة الأضرار الزراعية عبر الحروب الثلاث (2009 – 2025)
| 2023-2025 | 2014 | 2008-2009 | المؤشر |
| اكثر من 2 مليار دولار | 550 مليون دولار | 268 مليون دولار | إجمالي الأضرار المباشرة وغير المباشرة |
| أكثر من 86% | 40% | 30-35% | نسبة الأراضي الزراعية المتضررة |
| اكثر من 82% | جزئية | جزئية | نسبة الآبار الزراعية المتضررة |
| 71-87% | جزئية | جزئية | نسبة الدفيئات المتضررة |
| 4.2 مليار دولار | نحو 550 مليون | نحو 1.3 مليار | احتياجات إعادة الإعمار |
| + 10 سنوات | 2-3 سنة | 1-2 سنة | مدة التعافي التقديرية |
| غير محدد / قيد التقييم | تعافٍ تدريجي ومحدود | تعافٍ جزئي | نمط التعافي الفعلي |
المصادر: تقارير الفاو ويونوسات، تقارير UNDP، تقييمات الأضرار الأممية المتعددة.
2. الأبعاد البيئية: ما وراء أرقام الدمار
يُضاف إلى ما سبق بُعدٌ بيئي يُغفله كثير من تحليلات التعافي؛ إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الحرب أفرزت ما يتراوح بين 39 و61 مليون طن من الركام، يحتوي نحو 15% منه على مواد خطرة كالأسبستوس والمعادن الثقيلة والمتفجرات غير المنفجرة، وتُقدّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) أن مجرد إزالة هذا الركام -في ظل ظروف مواتية- قد تستغرق 15 عاماً.
كما تشير التقييمات العلمية إلى أن تلوث التربة بالمعادن الثقيلة والمركبات المتفجرة الناجمة عن القصف، وارتفاع نسب الملوحة في المياه الجوفية بسبب تضرر شبكات الصرف الصحي، وانتشار المخلفات المتفجرة في الحقول، كلها عوامل تجعل بعض المناطق غير قابلة للزراعة لسنوات قد تمتد لعقود دون تدخل علمي مكثف وتمويل ضخم.
يُضاف إلى ذلك أن قطاع الثروة الحيوانية انهار شبه كلياً، إذ لا تزيد نسبة الأبقار الباقية على 3.8%، والدواجن على 1.4%، فيما فُقد أكثر من 90% من خلايا النحل، وهو ما يستلزم إعادة بناء منظومة الثروة الحيوانية من الصفر تقريباً.
ثالثًا: التحليل المقارن: أنماط التعافي عبر الحروب الثلاث ودروسها
يُسهم التحليل المقارن لتجارب إعادة الإعمار الزراعي بعد حروب 2008-2009 و2014 و2023-2025 في الكشف عن أربعة أنماط متكررة، يمكن تسميتها “دورة الدمار والإعمار الناقص”، وهي أنماط تؤشر على خلل بنيوي في نهج التعافي لا مجرد قصور في الموارد.
النمط الأول: التدمير التراكمي المتصاعد
في كل حرب، يبدأ الدمار من نقطة أعلى مما أورثته الحرب السابقة، فالبنية التحتية التي أُعيد بناؤها جزئياً بعد 2009 كانت هي ذاتها ما استُهدف عام 2014، وما أُعيد جزء منه بعد 2014 كان مما دُمّر بين 2023 و2025. يُفضي هذا التراكم إلى تآكل مستمر في قدرة القطاع على الصمود، وإلى “إرهاق المانحين” الذين يرون استثماراتهم تتبخر في كل جولة من جولات النزاع.
النمط الثاني: التعافي الجزئي غير المكتمل
تُظهر التجارب الثلاث نمطاً ثابتاً: نجاح نسبي في أعمال “الإصلاح الخفيف” وإعادة التأهيل السريع، مقابل إخفاق متكرر في الإعمار الكامل وإعادة البناء الشامل، ففي أعقاب 2009، قُدّر التمويل المُعلَن بـ4.5 مليار دولار للأراضي الفلسطينية، لكن التنفيذ الفعلي ظل جزئياً بفعل الحصار وتقييد المواد، وبعد 2014، أفضى آلية إعادة الإعمار الغزاوية (GRM) إلى تسهيل دخول مواد البناء لكن بقيود صارمة أبطأت الإعمار وجعلته انتقائياً.
النمط الثالث: تحوّل عائق التعافي
بينما كانت القيود على إدخال المواد تمثل العائق الأساسي بعد 2009، تحوّل العائق الجوهري بعد 2021 نحو ندرة التمويل وإرهاق المانحين، أما في مرحلة 2023-2025، فيبدو أن العائق بات مزدوجاً: قيود هيكلية على الوصول وإدخال المواد، مضافاً إليها فجوة تمويلية حادة لا تتجاوز تغطيتها 10% من النداء العاجل للفاو وحده.
النمط الرابع: الهشاشة البنيوية لنماذج إعادة الإعمار
لا يتمكن قطاع زراعي يُعاد بناؤه في ظل حصار مستمر وقيود على حركة البضائع والأشخاص، من تحقيق إعادة إعمار حقيقية مستدامة، إذ تغدو مشاريع التعافي بمثابة إبقاء على قطاع زراعي في حالة “حياة دنيا” لا إعادة بناء فعلية، وما لم تُعالَج القيود البنيوية -كسيطرة الاحتلال على المناطق الحدودية الخصبة وتصنيف المستلزمات الزراعية كمواد مزدوجة الاستخدام- فإن مسيرة التعافي ستبقى مقيّدة بسقف سياسي لا تقني أو مالي.
رابعاً: الخسائر الاقتصادية والفجوة التمويلية
تُقدّر الفاو الخسائر الإجمالية للقطاع الزراعي في غزة جراء حرب 2023-2025 بما يزيد على ملياري دولار، وتُقدّر احتياجات إعادة الإعمار الكاملة بنحو 4.2 مليار دولار، غير أن التمويل المتاح لا يكاد يُغطي النداء العاجل البالغ 75 مليون دولار، إذ لا تتجاوز نسبة التمويل الفعلي 10% منه[3]، والجدول التالي يوضح هذه الفجوة بصورة مفصلة:
الجدول الثاني: الخسائر الزراعية واحتياجات التعافي والفجوة التمويلية
| القيمة التقديرية | المكوّن |
| 835 مليون دولار | الأضرار المباشرة (تدمير الأصول) |
| 1.3 مليار دولار | الأضرار غير المباشرة (خسائر الإنتاج والدخل) |
| أكثر من 2 مليار دولار | إجمالي الأضرار والخسائر |
| 4.2 مليار دولار | احتياجات التعافي وإعادة الإعمار الكاملة |
| 75 مليون دولار | نداء الفاو العاجل لعام 2025 |
| أقل من 7.5 مليون دولار | التمويل المتوفر فعلياً )أقل من 10%) |
| أكثر من 67.5 مليون دولار | الفجوة التمويلية في النداء العاجل وحده |
المصدر: تقارير الفاو 2025، بيانات البنك الدولي، النداء العاجل للفاو 2025.
لا يُمثّل مبلغ الـ4.2 مليار دولار مجرد تضخيم في التقديرات؛ فهو يعكس الواقع المُعقَّد لإعادة إعمار منظومة زراعية متكاملة: من استصلاح الأراضي وإزالة التلوث وإعادة بناء شبكات الري وبرامج الثروة الحيوانية، وصولاً إلى دعم سبل العيش وتوفير التمويل الأصغر للمزارعين، وهذا الرقم -بحسب الفاو ذاتها- يُرجَّح أن يكون أعلى فعلياً بالنظر إلى استمرار الأضرار خلال 2025.
خامسًا : العوائق الهيكلية أمام التعافي
1. العوائق التشغيلية
تواجه مشاريع التعافي الزراعي جملةً من العوائق التشغيلية التي تعيق كفاءة التنفيذ وترفع تكاليفه:
– شحّ الوقود وارتفاع أسعاره، مما يُثقل التكاليف التشغيلية لتشغيل الجرافات والآليات الزراعية
– غياب قطع الغيار اللازمة للآليات، مما يتسبب في توقفات متكررة غير مخططة
-انتشارمخيمات النزوح داخل مناطق الأراضي الزراعية المستهدفة بالاستصلاح، مما يُضيّق نطاق العمل.
لذا من الضرورة إجراء تقييمات بيئية وكيميائية قبل الزراعة في كثير من الأراضي التي فقدت خصائصها الطبيعية
2. العوائق السياسية والبنيوية
تُشكّل القيود المفروضة من الاحتلال الإسرائيلي العائق الأعمق أمام أي مسار للتعافي الزراعي المستدام، وتتجلى في ثلاثة أبعاد:
السيطرة على الأراضي الزراعية الأخصب: يُسيطر الاحتلال على مناطق واسعة عبر ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، تضم أكثر الأراضي غزارةً وخصوبةً في الحزام الزراعي: بيت حانون وبيت لاهيا شمالاً، وجحر الديك في الوسط، وخزاعة والشوكة جنوباً، ووفق تقييمات الفاو، فإن أكثر من 90% من الأراضي باتت غير متاحة للمزارعين بفعل أوامر التهجير وقيود الحركة.[4]
تصنيف المستلزمات الزراعية ضمن المواد مزدوجة الاستخدام: يحول تصنيف الأسمدة، والمبيدات الحشرية ضمن هذه الفئة دون إدخالها بالكميات اللازمة للزراعة على نطاق واسع.
القيود على إدخال معدات الفحص البيئي: تمنع القيود الإسرائيلية إدخال بعض الأجهزة اللوجستية اللازمة لفحص مستويات التلوث في التربة والمياه.
سادسًا: فرص التعافي وأسسه الموضوعية
على الرغم من الحجم الهائل للتحديات، تتشكّل فرص موضوعية للتعافي ينبغي استثمارها ضمن استراتيجية متكاملة.
– (37%) من الأراضي المتضررة بات قابلاً للتأهيل من الناحية التقنية، وفق تقييمات الفاو، وهو ما يُمثّل نقطة انطلاق واقعية[5].
– وقف إطلاق النار أتاح زيادة في المساحات الجغرافية المتاحة للدفيئات بنسبة 17%، مما يُوفر أساساً ملموساً لجهود التعافي.
– الخبرة التنظيمية للمجتمعات الزراعية المحلية والجمعيات التعاونية تُشكّل رصيداً تنظيمياً لا يُستهان به.
– الحاجة الإنسانية الملحة توفر مبرراً أخلاقياً وسياسياً للضغط على المانحين الدوليين لتعبئة الموارد اللازمة.
– بروز نماذج زراعية بديلة كالزراعة العمودية والأنظمة الهيدروبونية والدفيئات الصغيرة قد تتيح استئناف الإنتاج في ظروف قاسية.
الخلاصة
تمثل مشاريع إعادة تأهيل الأراضي الزراعية كمبادرة الجمعية التعاونية الزراعية وأوكسفام خطوة ضرورية ومشروعة في مسار التعافي المبكر، غير أن التحليل المقارن لتجارب الحروب الثلاث يُظهر أن هذه المبادرات -مهما بلغ تميزها التنفيذي- محكومة بسقف بنيوي إذا لم تتأطر ضمن استراتيجية شاملة تتجاوز التدخل الطارئ.
فالدمار الذي لحق بالقطاع الزراعي في غزة بين 2023 و2025 يختلف نوعياً عن الحروب السابقة: فهو لم يدمر الأصول فحسب، بل اخترق البنية البيئية والمائية والحيوية للأرض ذاتها، واستصلاح 300 دونم أو حتى 1000 دونم أمر بالغ الأهمية ولا شك، لكنه يبقى في مواجهة ( 12,5370) دونمًا من الأراضي المتضررة، وثروة حيوانية انهارت شبه كلياً، وشبكة مياه مدمرة بنسبة تتجاوز 82 %.
والمفارقة الحادة تكمن في أن التمويل المتاح لا يُغطي إلا أقل من 10% من النداء العاجل البالغ 75 مليون دولار، في حين أن الاحتياجات الفعلية تبلغ 4.2 مليار دولار .
هذا التفاوت الصارخ بين حجم الكارثة وحجم الاستجابة يستوجب مقاربة مختلفة جذرياً: من الاستجابة الإنسانية الطارئة إلى الاستثمار التنموي المُدرَّج والمستدام.
لن تنجح إعادة الإعمار الزراعي في غزة طالما ظلت تدور في فلك ثلاثة قيود هيكلية: الفجوة التمويلية الهائلة، والقيود السياسية على الوصول وإدخال المواد، والغياب شبه التام لمعالجة الأضرار البيئية العميقة.
ومعالجة هذه القيود الثلاثة في آنٍ واحد هي الشرط الذي لا يُستغنى عنه لتحوّل مسار التعافي من “إعادة إنتاج الهشاشة” إلى “بناء الصمود”.
التوصيات
1. ضرورة حشد موارد مالية إضافية لسد الفجوة الكبيرة بين الاحتياجات المقدرة وحجم التمويل المتاح، بما يضمن استمرارية مشاريع التعافي الزراعي وتوسيع نطاقها.
2. الانتقال من مرحلة تأهيل الأراضي إلى دعم كامل للعملية الإنتاجية، عبر توفير البذور، الأسمدة، المبيدات، وشبكات الري، لضمان عودة فعلية للنشاط الزراعي.
3. إعطاء أولوية لإصلاح الآبار الزراعية وشبكات المياه، وتوفير مصادر طاقة مستدامة (مثل الطاقة الشمسية) لتشغيلها.
4. تقديم منح مالية ومدخلات إنتاج للمزارعين المتضررين، إلى جانب برامج دعم سبل العيش لتعزيز قدرتهم على العودة للعمل.
5. الاستثمار في أنظمة زراعية حديثة وأكثر صمودا، مثل الزراعة الذكية للتكيف مع الظروف الصعبة.
6. الضغط الدولي لرفع القيود على إدخال المستلزمات الزراعية، خصوصا تلك المصنفة كمزدوجة الاستخدام، لضمان تنفيذ المشاريع بكفاءة.
7. توفير الوقود وقطع الغيار للآليات الزراعية، وتحسين القدرة التشغيلية للمشاريع على الأرض.
8. العمل على إزالة التعديات المؤقتة مثل مخيمات النزوح من الأراضي الزراعية، بالتوازي مع توفير بدائل إنسانية مناسبة.
9. توحيد الجهود بين المنظمات الدولية والمؤسسات المحلية لضمان تكامل التدخلات وتجنب الازدواجية.
10. تطوير خطة شاملة لإعادة إعمار القطاع الزراعي لا تقتصر على التدخلات الطارئة، بل تركز على الاستدامة والأمن الغذائي على المدى البعيد.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-مايو 2026
[1] الزراعة في غزة… تعافٍ متعثر وسط نقص الموارد وارتفاع التكاليف. صحيفة فلسطين. اضغط هنا.
[2] Ceasefire opens window for rehabilitation as over a third of cropland becomes accessible. اضغط هنا.
[3] FAO pilot initiative kickstarts limited local food production amid severe access constraints. اضغط هنا.
[4] [4] Gaza’s agricultural infrastructure continues to deteriorate at alarming rate. اضغط هنا.
[5] Humanitarian operations in Gaza severely hampered; famine risks increasing، اضغط هنا.



