التهديد بالحرب كأداة لإدارة الصراع: التحول في العقيدة الإسرائيلية واختلال التوازن التفاوضي في غزة

أ. إبراهيم الحواجري
تحليل سياسات
خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
تشير الورقة إلى أن الصراع في قطاع غزة يتجه نحو نموذج “إدارة الصراع” بدل الحسم أو التسوية، في ظل تعثر مفاوضات القاهرة وغياب آليات تنفيذ ملزمة للتفاهمات، وتبرز التهديدات الإسرائيلية المتكررة بالحرب كأداة ضغط تفاوضي وسياسي، أكثر من كونها خيارًا عسكريًا مباشرًا. كما يظهر تحول في العقيدة الإسرائيلية من الحسم السريع إلى إدارة التهديد عبر عمليات منخفضة الشدة واستنزاف تدريجي. في المقابل، يعكس مسار التفاوض اختلالًا في ميزان الالتزامات، ما أدى إلى تآكل الثقة وتعثر الانتقال بين المراحل، وتشير المعطيات إلى تداخل متزايد بين الميدان والتفاوض، حيث أصبح كل منهما يؤثر في الآخر بشكل مباشر. وترجح الورقة استمرار هذا النمط خلال المدى القريب مع تصعيدات محدودة دون تسوية أو حرب شاملة، وتخلص إلى أن غياب آليات تنفيذ وضمانات ملزمة يبقي الصراع في دائرة “اللا حسم المستمر”.  

مقدمـــة

تشير التطورات المتسارعة في مسار الحرب على قطاع غزة إلى أن المشهد لم يعد يُدار بمنطق المواجهة العسكرية التقليدية أو مسارات التهدئة المتعارف عليها، بل ضمن إطار أكثر تعقيدًا يقوم على تداخل أدوات القوة العسكرية مع أدوات التفاوض والضغط السياسي، وفي ظل تعثر المسارات التفاوضية، خصوصًا في القاهرة، وغياب آليات تنفيذ ملزمة للتفاهمات المرحلية، برز نمط متكرر من إدارة الصراع يقوم على التصعيد المحدود، والتهديد المستمر، وإعادة إنتاج الشروط التفاوضية دون انتقال فعلي نحو تسوية مستقرة.

تكتسب هذه الورقة أهميتها من كونها تحاول تحليل هذا النمط المركب، عبر تحليل التحول في العقيدة العسكرية الإسرائيلية، وفهم طبيعة التهديدات المتكررة كأداة وظيفية داخل عملية التفاوض، إضافة إلى دراسة اختلال ميزان الالتزامات بين الأطراف، وما ترتب عليه من تآكل في الثقة التفاوضية وإعادة تدوير للأزمات بدل حلها.

وتنطلق الورقة من فرضية أساسية مفادها أن الصراع في صورته الحالية لم يعد يسير نحو الحسم أو التسوية النهائية، بل نحو نموذج “إدارة الصراع طويل الأمد”، حيث تتداخل فيه العمليات العسكرية منخفضة الشدة مع مسارات تفاوضية متعثرة، في بيئة إقليمية ودولية غير قادرة على فرض تسوية ملزمة أو إعادة ضبط قواعد الاشتباك بشكل جذري.

أولًا: التحول في العقيدة الإسرائيلية تجاه قطاع غزة

تشير تطورات الخطاب السياسي والعسكري الإسرائيلي، منذ الحرب على غزة الممتدة بعد أكتوبر 2023، إلى انتقال تدريجي من مقاربة “الحسم السريع “إلى مقاربة أكثر تعقيدًا تقوم على “إدارة الصراع الممتد”، في ظل تعذر تحقيق أهداف الحرب المعلنة، وعلى رأسها تفكيك البنية العسكرية لحركة حماس أو إنهاء حكمها في قطاع غزة بالقوة.

وقد انعكس هذا التحول في ثلاثة مستويات مترابطة: تعريف الأهداف، نمط استخدام القوة، وإدارة الخطاب السياسي والإعلامي.

1. إعادة تعريف أهداف الحرب من “الحسم” إلى “تقليص القدرات”

في بداية الحرب، أعلنت القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية هدفًا صريحًا يتمثل في “القضاء على حماس” أو “تفكيك قدراتها العسكرية والحكومية بالكامل”، كما ورد في تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في أكتوبر 2023 أمام الكنيست، حين تحدث عن”تغيير الواقع الأمني في غزة جذريًا”.

لكن مع تعمق العمليات العسكرية وتعذر تحقيق حسم ميداني كامل، بدأ الخطاب الإسرائيلي يتحول تدريجيًا نحو أهداف أكثر قابلية للإدارة، مثل “تفكيك البنية القيادية”، “منع إعادة بناء القدرات العسكرية” ، “إضعاف حماس بدل القضاء عليها”.

2. الانتقال إلى نموذج “الحرب منخفضة الشدة” وإدارة العنف المستمر

تُظهر أنماط العمليات العسكرية الإسرائيلية خلال العام الأخير تحولًا واضحًا نحو نموذج “العمليات المتقطعة منخفضة الشدة”، بدل الحرب الشاملة ذات الإطار الزمني المحدد.

يمكن رصد ذلك من خلال:

– الانتقال من العمليات البرية الواسعة إلى عمليات موضعية متكررة

– الاعتماد على الغارات الجوية الدقيقة والاستهدافات المحددة

– إعادة الانتشار العسكري داخل مناطق دون احتلال دائم شامل

هذا النمط يعيد إنتاج مفهوم إسرائيلي قديم يُعرف باسم “جز العشب” ، والذي يقوم على منع تراكم القوة لدى الخصم عبر ضربات دورية، دون محاولة إنهاء التهديد جذريًا.

وقد أشار باحثون في مراكز دراسات أمنية إسرائيلية، مثل معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، إلى أن البيئة في غزة “لا تسمح بحسم نهائي، بل بإدارة دورية للتفوق العسكري ومنع التمركز”.

هذا التحول يعكس عمليًا انتقال الحرب من “حدث استثنائي” إلى “حالة دائمة منخفضة الوتيرة”.

3. توظيف الخطاب السياسي والإعلامي كأداة إدارة صراع

إلى جانب التحول العملياتي، برز تحول موازٍ في الخطاب السياسي الإسرائيلي، حيث أصبح خطاب “التهديد المستمر” عنصرًا بنيويًا في تبرير استمرار العمليات.

يمكن ملاحظة ذلك في ثلاث وظائف رئيسية للخطاب:

أ. تبرير استمرار العمليات العسكرية

يتم تقديم أي جولة تصعيد أو غارة جديدة باعتبارها “ردًا على تهديد قائم”، ما يُبقي الحرب ضمن منطق الاستمرارية لا النهاية.

ب. إدارة الرأي العام الداخلي

يُستخدم خطاب “عدم زوال التهديد” لتبرير طول أمد الحرب أمام الجمهور الإسرائيلي، خاصة في ظل تزايد الكلفة البشرية والاقتصادية.

ج. الضغط التفاوضي الخارجي

يُوظف التهديد بالتصعيد كأداة في المفاوضات غير المباشرة، بما يرفع سقف المطالب الإسرائيلية في أي تفاهمات مرحلية.

وقد عبّر نتنياهو في أكثر من مناسبة عن هذا المنطق حين أكد أن “الحرب لن تتوقف حتى ضمان ألا تشكل غزة تهديدًا لإسرائيل”، وهو تعريف مفتوح يسمح باستمرار العمليات دون سقف زمني واضح.

دلالة التحول: من الحسم إلى إدارة التهديد

لا يمكن فهم هذا التحول باعتباره مجرد تعديل تكتيكي في إدارة العمليات العسكرية، بل بوصفه إعادة صياغة أعمق للعقيدة الأمنية الإسرائيلية تجاه غزة.

فبدل السعي إلى “حسم نهائي”، بات النموذج الإسرائيلي أقرب إلى إدارة ثلاثة أهداف متزامنة:

تقليل الكلفة السياسية والعسكرية للحرب المفتوحة في ظل ضغط دولي متزايد وتآكل الدعم المطلق غير المشروط.

الحفاظ على مستوى ردع غير مستقر عبر إبقاء القدرة على التصعيد قائمًا دون الدخول في احتلال طويل الأمد مكلف.

إدارة التهديد بدل إنهائه عبر ضربات دورية تمنع إعادة تشكل قوة منظمة قادرة على تغيير قواعد الاشتباك.

يشير هذا التحول إلى أن الحكومة الإسرائيلية باتت تتحرك ضمن معادلة “اللا حسم المنظم”، حيث لا تسعى إلى إنهاء الصراع، بل إلى ضبطه ضمن مستويات يمكن التحكم بها، وهو ما يفسر تزامن: استمرار التهديد بالحرب، مع العمليات المحدودة المتكررة، مع تعثر أي مسار تفاوضي نهائي.

ثانيًا: مفاوضات القاهرة واختلال ميزان الالتزامات

تمثل مفاوضات القاهرة الإطار المركزي لمحاولات التوصل إلى ترتيبات تهدئة أو وقف إطلاق نار مرحلي في قطاع غزة، في سياق وساطة مصرية مدعومة بتفاهمات إقليمية ودولية غير مكتملة.

غير أن هذا المسار لم ينجح في الانتقال إلى مستويات تفاوضية مستقرة، بسبب ظهور فجوة واضحة بين “الالتزام التنفيذي” و”الالتزام السياسي” بين الأطراف، ما أدى إلى تعثر التدرج التفاوضي المفترض بين المراحل.

1. طبيعة المرحلة الأولى: اختبار الالتزام وليس التسوية

تشير بنية المرحلة الأولى من التفاهمات إلى أنها لم تكن مرحلة تسوية نهائية، بل مرحلة اختبار تهدف إلى خفض التصعيد الميداني بشكل جزئي، وفتح مسار تبادل إنساني وأمني تدريجي، وبناء حد أدنى من الثقة يسمح بالانتقال إلى مراحل لاحقة.

وقد تركزت هذه المرحلة على ثلاثة ملفات رئيسية:

– ملف الأسرى والمحتجزين

– ترتيبات التهدئة الميدانية (وقف أو تقليص العمليات)

– تسهيلات إنسانية وإدخال مساعدات

مؤشر مهم:

الملف الأكثر حساسية كان ملف الأسرى، الذي استخدم فعليًا كمؤشر لقياس جدية الالتزام من الطرفين، وليس فقط كبند تفاوضي تقني.

وبحسب مسار الأحداث، أظهرت المقاومة الفلسطينية درجة التزام تشغيلية في هذا الملف، باعتباره جزءًا من منطق “التدرج مقابل التدرج”، أي ربط التنفيذ الميداني بمسار سياسي لاحق.

2. اختلال الالتزام: فجوة التنفيذ بين الطرفين

على الجانب المقابل، تُظهر الوقائع المتراكمة وجود فجوة تنفيذية واضحة في الالتزامات المرتبطة بالجانب الإسرائيلي، يمكن تلخيصها في ثلاثة مستويات:

أ. المستوى العسكري

– استمرار تنفيذ ضربات جوية أو عمليات موضعية رغم وجود مسار تفاوضي قائم.

– عدم الانتقال إلى وقف إطلاق نار شامل أو مستقر خلال المرحلة الأولى.

ب. المستوى الإنساني

– تعثر أو تباطؤ في تنفيذ بعض الترتيبات المرتبطة بالمساعدات والإجراءات الإنسانية.

– ربط التحسينات الميدانية باعتبارات أمنية متغيرة وليست التزامات ثابتة.

ج. المستوى السياسي التفاوضي

– عدم الانتقال المنهجي إلى المرحلة الثانية من التفاهمات.

– إعادة فتح النقاش حول شروط أساسية تم اعتبارها محسومة مبدئيًا في المرحلة الأولى.

دلالة مركزية: هذا النمط خلق ما يمكن وصفه بـ “فجوة الامتثال” أي وجود اتفاقات جزئية دون التزام متوازن بتنفيذها.

3. أثر اختلال الالتزام على منطق التفاوض

أدى هذا الاختلال إلى تآكل أحد أهم أسس أي مسار تفاوضي ناجح، وهو مبدأ: “التدرج المشروط بالالتزام المتبادل”، وبدلًا من ذلك، برزت ثلاث نتائج مباشرة:

1.  تراجع منطق الثقة التدريجية

لم يعد الانتقال بين المراحل قائمًا على التراكم، بل أصبح مشروطًا بإعادة التفاوض على الأساسيات في كل مرحلة.

2. تآكل وظيفة الوساطة

تراجع دور الوسيط (القاهرة) من إدارة انتقال مرحلي إلى محاولة منع انهيار كامل للمسار.

3. إعادة مركزية المسار الميداني

مع تعثر التفاهمات، عاد “الميدان” ليكون أداة ضغط رئيسية، سواء عبر التصعيد أو التهديد به، بدل أن يكون تابعًا للمسار التفاوضي.

يمكن القول إن مفاوضات القاهرة لم تتعثر بسبب غياب الإطار التفاوضي، بل بسبب غياب آلية تنفيذ ملزمة للتفاهمات المرحلية، ما أدى إلى تحولها من مسار تراكمي إلى مسار دائري يعيد إنتاج نفس الملفات دون انتقال فعلي بين المراحل.

وبذلك، أصبح التفاوض نفسه جزءًا من الصراع، وليس أداة لحله، وهو ما يفسر استمرار حالة “التعثر المستقر” بدل الوصول إلى تسوية أو انهيار كامل للمسار.

ثالثًا: التهديد الإسرائيلي بالحرب كأداة تفاوض

تُظهر تطورات الخطاب السياسي والعسكري الإسرائيلي خلال الحرب على قطاع غزة أن التهديد بتجدد العمليات العسكرية لم يعد مجرد انعكاس لخيارات ميدانية، بل تحول إلى أداة بنيوية داخل إدارة المسار التفاوضي، تُستخدم بشكل متكرر ضمن مستويات متعددة من الضغط السياسي والعسكري.

ويُلاحظ أن هذا التهديد لا يُمارس كقرار منفصل عن السياق التفاوضي، بل كجزء من منظومة متكاملة تجمع بين الخطاب السياسي العلني، والإشارات العسكرية الميدانية، وإدارة المواقف التفاوضية غير المباشرة.

1. الوظيفة التفاوضية: رفع سقف الشروط عبر التهديد

يُستخدم التهديد بتوسيع العمليات العسكرية كأداة ضغط مباشرة في سياق المفاوضات غير المباشرة، بهدف:

– تحسين شروط التفاوض الإسرائيلية.

– تقليص مساحة المناورة لدى الطرف المقابل .

– فرض معادلة “القبول أو التصعيد”.

وقد برز هذا النمط في تصريحات متكررة لقيادات إسرائيلية، من بينها تأكيد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على أن “الضغط العسكري شرط أساسي لتحقيق أي تقدم تفاوضي”، وهو طرح يعكس دمجًا مباشرًا بين المسار العسكري والمسار السياسي.

في هذا الإطار، لا يُنظر إلى التهدئة كهدف مستقل، بل كمنتج مشروط بنتائج ميدانية مسبقة.

2. الوظيفة السياسية الداخلية: إدارة الرأي العام واستدامة الحرب

على المستوى الداخلي الإسرائيلي، يُستخدم خطاب التهديد بالحرب كأداة لإدارة التوازنات السياسية داخل الحكومة والرأي العام، خصوصًا في ظل طول أمد العمليات العسكرية،  تزايد الكلفة، وتعدد مراكز الضغط داخل الائتلاف الحاكم.

3. الوظيفة الردعية: منع تثبيت وقائع سياسية جديدة

إلى جانب البعد التفاوضي والسياسي الداخلي، يؤدي التهديد بالحرب وظيفة ردعية تهدف إلى منع تثبيت أي ترتيبات ميدانية مستقرة في غزة، والحيلولة دون تحول وقف إطلاق النار إلى واقع دائم، وإبقاء “قابلية التصعيد” قائمة كأداة ضبط استراتيجي.

ويتسق هذا الأمر مع منطق أمني إسرائيلي تقليدي يقوم على رفض “تجميد الصراع” في صورة تعترف بواقع سياسي جديد على الأرض، خصوصًا إذا كان ذلك قد يُفسر كتعزيز لمكانة المقاومة.

دلالة تحليلية: من التهديد العسكري إلى هندسة الضغط السياسي

يُظهر هذا النمط أن التهديد الإسرائيلي بالحرب لم يعد أداة عسكرية بحتة، بل تحول إلى عنصر داخل “هندسة ضغط متعددة المستويات” تشمل:

– الضغط التفاوضي المباشر عبر رفع سقف التهديد.

– إدارة الداخل السياسي عبر إبقاء حالة الحرب قابلة للتبرير.

– التحكم في إيقاع الصراع عبر إبقاء خيار التصعيد مفتوحًا

ويُعاد صياغة هذا المنطق ضمن معادلة غير معلنة:التهديد المستمر بالتصعيد كبديل عن الحسم الفعلي”.

المخاطر البنيوية لهذا النموذج

رغم فعاليته التكتيكية على المدى القصير، إلا أن هذا النموذج يحمل مخاطر تراكمية مهمة، أبرزها ارتفاع احتمالات سوء التقدير العملياتي نتيجة تعدد مستويات القرار بين السياسي والعسكري، وإمكانية الانزلاق مرةً أخرى إلى تصعيد واسع م غير مخطط له، وتآكل فعالية الردع مع مرور الوقت بسبب التكرار، وتحول التهديد كذلك إلى عنصر اعتيادي يفقد قيمته التأثيرية تدريجيًا.

يشير تحليل وظيفة التهديد الإسرائيلي بالحرب إلى أنه أصبح جزءًا من بنية إدارة الصراع، وليس مجرد وسيلة ضغط ظرفية، وهو ما يعكس انتقالًا من منطق “القرار العسكري النهائي” إلى منطق “إدارة التهديد المستمر”، حيث يُستخدم التصعيد المحتمل كأداة تفاوضية وسياسية وردعية في آن واحد.

رابعًا: نمط العمليات منخفضة الشدة كأداة استنزاف

تُظهر أنماط العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة خلال المرحلة الراهنة تطورًا نحو نموذج ما يسمونه “إدارة العنف منخفض الشدة”، وهو نموذج لا يقوم على الحسم العسكري المباشر، بل على إدارة التهديد عبر ضربات دورية محسوبة تهدف إلى منع تراكم القوة لدى الطرف المقابل دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

ويأتي هذا النمط امتدادًا لتجارب أمنية إسرائيلية سابقة في ساحات مشابهة، ويعكس انتقالًا من منطق “الحسم السريع” إلى منطق “الاستنزاف المنضبط”.

1. مكونات نمط العمليات منخفضة الشدة

يمكن رصد هذا النمط من خلال مجموعة أدوات عملياتية متكررة، أبرزها:

– غارات جوية محدودة ومُتقطعة تستهدف بنى عسكرية أو شخصيات قيادية دون الدخول في اجتياحات واسعة طويلة الأمد

– استهدافات نوعية  تقوم على تصفية أو ضرب عناصر محددة ضمن بنية المقاومة

– استمرار أدوات الضغط غير المباشر مثل الحصار وتقييد الحركة والمعابر

– إبقاء مستوى اشتباك منخفض دون استقرار أمني طويل الأمد

هذا التكوين يعكس نمطًا من “التحكم بدرجة العنف” بدل إنهائه.

2. الخلفية العقائدية: من “جزّ العشب” إلى “إدارة التهديد”

يتصل هذا النمط مباشرة بمفاهيم إسرائيلية أمنية سابقة، أبرزها: مفهوم “جزّ العشب”، ومفهوم “الحرب بين الحروب”، ومقاربة “الردع التراكمي” بدل الردع النهائي.

وفق هذا التصور، لا يُنظر إلى الخصم كتهديد يمكن إنهاؤه بشكل نهائي، بل كتهديد يجب تقليص قدراته بشكل دوري، ومنع تراكم القوة لديه، والحفاظ على تفوق نوعي دائم.

وقد تناولت دراسات صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) هذا المنطق بوصفه استجابة لبيئة تعتبر فيها الحكومة الإسرائيلية أن “الحسم الكامل غير ممكن أو عالي الكلفة”.

3. الأهداف التشغيلية للنمط منخفض الشدة

يخدم هذا النمط مجموعة من الأهداف المتداخلة، أهمها:

أ. الاستنزاف التدريجي

إضعاف القدرات العسكرية والتنظيمية عبر ضربات متكررة بدل حرب شاملة مكلفة.

ب. منع إعادة البناء

إعاقة قدرة الطرف المقابل على إعادة بناء البنية العسكرية أو تطويرها بشكل مستقر.

ج. إدارة البيئة الميدانية

إبقاء مستوى التوتر منخفضًا لكنه دائم، بما يمنع تحول الوضع إلى استقرار سياسي أو أمني طويل الأمد.

د. الحفاظ على مرونة التصعيد

الإبقاء على خيار الانتقال إلى تصعيد واسع مفتوحًا عند الحاجة دون كلفة بدء حرب جديدة من الصفر.

4. الإشكالية البنيوية للنموذج

رغم أن هذا النمط يوفر مرونة عملياتية عالية ويقلل من كلفة الحرب الشاملة، إلا أنه يحمل مجموعة من الإشكالات البنيوية:

1. غياب الحسم الاستراتيجي: لا يؤدي هذا النموذج إلى إنهاء الصراع أو تغييره جذريًا، بل إلى إدارته فقط.

2. تآكل الردع على المدى الطويل: التكرار المستمر للعمليات قد يقلل تدريجيًا من فعالية الردع، خاصة إذا لم تتحقق نتائج حاسمة واضحة.

3. رفع احتمالات التصعيد غير المقصود: الاعتماد على ضربات متقطعة في بيئة عالية الحساسية يزيد من مخاطر سوء التقدير والانزلاق إلى مواجهة أوسع.

يشير هذا النمط من العمليات إلى أن الحكومة الإسرائيلية تدير الصراع في غزة ضمن إطار “الاستنزاف المنضبط”، حيث يتم التحكم بدرجة العنف بدل إنهائه، بما يخلق حالة دائمة من عدم الاستقرار المحسوب.

لكن هذا النموذج، رغم فعاليته التكتيكية، لا يقدم تسوية استراتيجية، بل يعيد إنتاج الصراع بصيغة منخفضة الشدة، ما يجعل الاستقرار النهائي هدفًا غير متحقق ضمن هذا الإطار.

خامسًا: تقدير الموقف (المدى 3–6 أشهر)

بناءً على تحليل اتجاهات السلوك الإسرائيلي في كل من المسار العسكري والمفاوضاتي، يمكن تحديد ثلاثة مسارات رئيسية مرجحة لتطور الوضع في قطاع غزة خلال المدى الزمني القصير إلى المتوسط (3–6 أشهر)، مع تفاوت في مستوى الاحتمال والتأثير.

1. المسار الأول: استمرار نمط إدارة الصراع منخفض الشدة (السيناريو المرجح)

يمثل هذا المسار الامتداد الطبيعي للوضع القائم، ويقوم على:

– استمرار عمليات عسكرية محدودة ومُتقطعة.

– استمرار التهديد بالتصعيد دون الانتقال إلى حرب شاملة.

– بقاء المفاوضات في حالة تعثر أو تقدم جزئي بطيء .

مؤشرات داعمة:

– غياب قرار سياسي إسرائيلي بالانتقال إلى حرب واسعة جديدة.

– استمرار اعتماد نموذج “الضغط التدريجي” بدل الحسم.

– بقاء الوسطاء في موقع إدارة الأزمة لا حلها.

التقدير:

هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا في ضوء التوازن الحالي بين الكلفة السياسية للحرب الشاملة والحاجة الإسرائيلية إلى استمرار الضغط الميداني.

2. المسار الثاني: اختراق تفاوضي محدود

يرتبط هذا المسار بإمكانية تحقيق تفاهمات جزئية عبر الوساطة، دون الوصول إلى تسوية شاملة، ويشمل:

– ترتيبات تهدئة مؤقتة.

– تفاهمات إنسانية أو تبادل جزئي.  

– تثبيت هدنة غير مستقرة

العوامل الدافعة:

– ضغط الوساطة الإقليمية، خصوصًا الدور المصري.

– الحاجة إلى تهدئة مؤقتة لأسباب إنسانية أو سياسية.

– مرونة تكتيكية مرحلية لدى الأطراف دون تغيير استراتيجي.

القيود:

– غياب ثقة متبادلة.

– عدم وجود آلية تنفيذ ملزمة.

– استمرار الخلاف حول شروط المرحلة التالية.

التقدير:

احتمال متوسط، لكنه هش بطبيعته وقابل للانهيار السريع عند أي تصعيد ميداني.

3. المسار الثالث: تصعيد واسع النطاق

يتضمن هذا السيناريو انتقالًا إلى عمليات عسكرية موسعة أو إعادة اجتياح واسع النطاق للقطاع.

محفزاته المحتملة:

– انهيار كامل للمسار التفاوضي.

– وقوع حدث ميداني كبير يؤدي إلى تغيير في قواعد الاشتباك.  

– ضغط سياسي داخلي إسرائيلي يدفع نحو “إعادة الحسم.”

القيود:

– الكلفة العسكرية والبشرية المرتفعة.

– الضغط الدولي المتزايد.

– محدودية القدرة على تحقيق حسم فعلي حتى في حالة التصعيد.

التقدير:

احتمال قائم لكنه الأقل ترجيحًا مقارنة بالسيناريو الأول، ويُعد خيارًا “تصعيديًا استثنائيًا” وليس مسارًا مستقرًا.

التقدير العام المرجح

في ضوء توازن العوامل السياسية والعسكرية والتفاوضية، يُرجح استمرار النمط الحالي القائم على” :إدارة الصراع عبر تصعيد منخفض الشدة مع تهديد مستمر بالحرب، دون انتقال إلى تسوية مستقرة أو حرب شاملة حاسمة”.

ويعكس هذا التقدير استمرار حالة “اللا حسم المنظم”، حيث يتم ضبط مستوى العنف دون الوصول إلى إنهائه أو تصعيده الكامل.

هذا التوازن الهش يجعل المشهد مفتوحًا على احتمالات انزلاق سريعة في حال تغير أحد العوامل التالية:

– انهيار مفاجئ في المسار التفاوضي.

– تغير في البيئة السياسية الداخلية الإسرائيلية.

– أو تطور ميداني غير متوقع على الأرض.

سادسًا: الدلالات الاستراتيجية

تكشف مجمل التطورات في مسار الحرب والمفاوضات عن مجموعة من الدلالات الاستراتيجية التي تتجاوز المستوى التكتيكي، وتعكس تحولًا أعمق في طبيعة إدارة الصراع وحدود التسوية الممكنة في المرحلة الراهنة.

1. الانتقال من منطق الحروب الحاسمة إلى منطق الحروب المُدارة

تشير المعطيات العسكرية والسياسية إلى تراجع واضح في إمكانية تحقيق “حسم استراتيجي سريع” داخل بيئة غزة، مقابل صعود نموذج يقوم على إدارة الصراع بدل إنهائه.

ويعني ذلك عمليًا:

– استمرار العمليات العسكرية دون هدف نهائي واضح وقابل للتحقق.

– تحويل القوة العسكرية إلى أداة ضبط مستمر وليس أداة إنهاء.

– إعادة تعريف “النجاح العسكري”بوصفه منع التهديد بدل القضاء عليه.

ويعكس هذا التحول حدود القدرة على فرض نتائج نهائية في بيئة قتالية غير متكافئة ومعقدة.

2. تراجع استقلالية المسار التفاوضي وتحوله إلى أداة ضمن الصراع

تشير أنماط التفاعل بين الميدان والتفاوض إلى أن المسار التفاوضي لم يعد قناة مستقلة عن العمليات العسكرية، بل أصبح جزءًا من أدوات إدارة الصراع.

ويتجلى ذلك في:

– استخدام التصعيد العسكري كعامل ضغط تفاوضي.

– ربط التقدم في التفاوض بالتطورات الميدانية.

– غياب مسار تفاوضي تصاعدي مستقل عن ميزان القوة على الأرض.

وبالتالي، لم يعد التفاوض آلية لفك الاشتباك، بل أصبح امتدادًا له بصيغة سياسية.

3. استمرار اختلال ميزان الالتزامات وتآكل فرص التسوية

تُظهر التجربة التفاوضية الأخيرة وجود فجوة واضحة بين الالتزامات المعلنة والتنفيذ الفعلي، ما أدى إلى:

– ضعف منطق “الالتزام المتبادل المتدرج”.

– تراجع الثقة كعنصر أساسي في أي مسار تفاوضي.

– صعوبة الانتقال من ترتيبات مرحلية إلى تسوية سياسية أوسع.

هذا الاختلال لا يعرقل فقط المراحل التفاوضية، بل يحد أيضًا من إمكانية بناء نموذج مستقر لإدارة ما بعد الحرب.

تشير هذه الدلالات مجتمعة إلى أن الصراع في غزة يتحرك ضمن بيئة “لا حسم”، حيث لا تسوية نهائية قابلة للتطبيق، ولا حسم عسكري قابل للتحقق، بل إدارة مستمرة للتوتر ضمن سقوف متغيرة.

التوصيات

1. توثيق جميع الالتزامات المتبادلة في المفاوضات بشكل دقيق (زمني ومضموني)، مع إنشاء سجل موحد يمكن الرجوع إليه في أي جولة تفاوضية، بما يحول ملف الالتزامات من خطاب سياسي عام إلى ملف إثبات قابل للاستخدام أمام الوسطاء والجهات الدولية.

2. اعتماد نهج صارم في ربط أي تقدم تفاوضي بتنفيذ متوازن وفعلي للالتزامات السابقة، وعدم الانتقال إلى مراحل جديدة قبل إغلاق البنود السابقة بشكل جزئي أو كلي موثق.

3. تقليل التعدد غير المنسق في القنوات التفاوضية، والعمل على توحيد المرجعية التفاوضية والرسائل الصادرة عنها، بما يمنع تضارب المواقف أو استغلال التباينات في إعادة صياغة الشروط.

4. تعزيز إدارة الملف التفاوضي بمنطق “التدرج المشروط”، بحيث يصبح كل تقدم مرتبطًا مباشرة بمقابل واضح ومحدد، بدل فتح مسارات متوازية دون ضمانات تنفيذ.

5. توسيع دائرة الوساطة عند الحاجة بشكل مدروس، بحيث لا يبقى المسار محصورًا في قناة واحدة، مع استثمار أي انفتاح دولي محتمل لخلق توازن إضافي في الضغط التفاوضي.

6. تطوير استراتيجية إعلامية موحدة ومركزية تقوم على نقل الصراع من مستوى الخطاب العام إلى مستوى الوقائع الموثقة، مع التركيز على عرض الانتهاكات والإخلالات بشكل زمني ومنهجي، بدل الاكتفاء بالسرد السياسي العام.

7. إنشاء خطاب إعلامي موجه للداخل والخارج بشكل متمايز لكن متسق، بحيث يركز الخطاب الخارجي على التوثيق والبيانات والأدلة، بينما يركز الخطاب الداخلي على تثبيت المعنويات وتفسير مسار التفاوض بوضوح وواقعية.

8. استخدام الإعلام الدولي والمنصات الحقوقية والإخبارية بشكل أكثر احترافية ومنتظمة، بما يضمن تحويل ملف الإخلال بالالتزامات إلى قضية رأي عام دولي متراكمة وليست أحداثًا متفرقة.

9. الاستثمار في المحتوى الرقمي (التقارير المصورة، الإنفوجرافيك، السرد الزمني للأحداث) لتقليل تأثير الخطاب المضاد، وزيادة قدرة الرسالة على الوصول إلى جمهور غير متخصص.

10. الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي في قطاع غزة باعتباره عنصر دعم مباشر للموقف التفاوضي، من خلال إدارة أكثر كفاءة للموارد المتاحة وتخفيف أثر الضغوط الإنسانية قدر الإمكان.

11. التعامل مع التهديدات العسكرية باعتبارها جزءًا من أدوات الضغط التفاوضي وليس مجرد مؤشرات ميدانية، مع تفكيك أثرها السياسي عبر خطاب مضاد قائم على الوقائع لا الانفعال.

12. ربط أي تفاهمات مستقبلية بآليات متابعة وتنفيذ واضحة وقابلة للقياس، بما يمنع إعادة إنتاج نموذج الاتفاقات غير الملزمة أو القابلة للتفسير المتغير.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-مايو  2026

شارك:

المزيد من المقالات

إعادة تأهيل الأراضي الزراعية في غزة بعد حرب 2023-2025 بين إزالة المخاطر، وتحديات التعافي، وأفق إعادة بناء المنظومة الزراعية

ما الذي أنجزه مشروع إعادة التأهيل الراهن وما حدوده الموضوعية؟، وماذا تكشف المقارنة مع تجارب إعادة الإعمار السابقة من أنماط متكررة ودروس مستخلصة؟،وما الشروط الفعلية للتعافي المستدام وكيف يمكن بناء استراتيجية متكاملة تتجاوز التدخلات الجزئية؟