تحليل سياسات اجتماعية
أ. إبراهيم الحواجري
خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية
| الملخص التنفيذي تكشف الحرب على قطاع غزة عن تحوّل عميق في بنية الأسرة، تمثل في الارتفاع الكبير في عدد الأسر التي تعيلها نساء نتيجة تصاعد أعداد الأرامل وفقدان المعيلين، حيث تجاوزت الظاهرة عشرات الآلاف من الحالات. تحدث هذه التحولات في سياق اقتصاد حرب منهار، يتميز بتفكك القدرة الإنتاجية وارتفاع معدلات البطالة بين النساء إلى مستويات حادة، مقابل انغلاق شبه كامل في سوق العمل، وقد أدى ذلك إلى انتقال النساء نحو أدوار إعالة قسرية داخل اقتصاد غير رسمي وهش، يعتمد على المساعدات والأنشطة المحدودة منخفضة الدخل. ورغم اتساع دور المرأة في إدارة الأسرة واتخاذ القرار، إلا أن هذا “التمكين” يتم دون موارد اقتصادية حقيقية، ما يجعله تمكينًا هشًا وغير مستدام، وتتداخل هذه التحولات مع تحديات اجتماعية ونفسية واقتصادية مركبة، تُنتج حالة دائمة من الهشاشة وإعادة إنتاج الفقر. وتخلص الورقة إلى أن الظاهرة تعكس تحولًا اجتماعيًا قسريًا في بنية المجتمع، يتطلب انتقالًا من الإغاثة إلى سياسات تمكين إنتاجي مستدام. |
مقدمــة
تنطلق الورقة من محاولة الانتقال بالتحليل من مستوى الوصف العام لظاهرة المرأة المعيلة في قطاع غزة، إلى مستوى أكثر تركيبًا وعمقًا، يقوم على تفكيك البنية التي أنتجت هذا التحول وليس فقط رصده. فالمسألة لم تعد تتعلق بارتفاع أعداد الأرامل أو توسع مسؤوليات النساء داخل الأسرة فحسب، بل بعملية إعادة تشكيل اجتماعي واقتصادي واسعة فرضتها الحرب، وأعادت توزيع أدوار الإعالة داخل سياق من الانهيار الاقتصادي وتفكك البنية الإنتاجية.
وفي هذا الإطار، يتم الانتقال إلى قراءة الظاهرة من خلال ثلاثة مستويات مترابطة: حجم التحول الديموغرافي الذي أعاد تشكيل بنية الأسر، واقتصاد الحرب بوصفه السياق المنتج للهشاشة البنيوية، ثم التحولات الاجتماعية والنفسية المصاحبة التي تعكس تناقضًا بين اتساع دور المرأة في الإعالة وبين محدودية قدرتها على التمكين الحقيقي، وعليه، لا تُقرأ التحديات بوصفها عناصر منفصلة، بل باعتبارها منظومة متداخلة تعيد إنتاج الهشاشة بشكل مستمر.
أولاً: حجم الظاهرة – من حالات فردية إلى تحوّل ديموغرافي-اجتماعي واسع
شهد قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 تحولًا متسارعًا في بنية الأسر، تمثل في الارتفاع الحاد في عدد الأسر التي تعيلها نساء، نتيجة الخسائر البشرية الواسعة في صفوف الرجال القادرين على العمل، إلى جانب انهيار البنية الاقتصادية والاجتماعية.
تشير المعطيات المتوفرة إلى وجود عشرات الآلاف من الأرامل، مع تقديرات تتجاوز 20 ألف حالة في فترة زمنية قصيرة نسبيًا، وفقدان ما لا يقل عن 53,724 طفلًا لأحد الوالدين، معظمهم فقدوا الأب، إضافة إلى 2,596 طفلًا فقدوا كلا الوالدين
كما تشير تقديرات منظمات دولية إلى أن الحرب أدت إلى مقتل عشرات الآلاف من الرجال والنساء، مع تسجيل أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة بين الضحايا، ما يعكس حجم الاختلال الديموغرافي الذي أصاب المجتمع .
هذه الأرقام لا تعكس فقط خسائر بشرية، بل تشير إلى:
تفكك واسع في بنية الأسرة التقليدية، وانتقال أدوار الإعالة بشكل قسري إلى النساء من الظاهرة إلى البنية، ما يميز الحالة في غزة ليس مجرد ارتفاع عدد الأرامل، بل:
– سرعة التوسع (خلال أقل من عامين)
– الحجم الكبير (عشرات الآلاف من الأسر)
– التزامن مع انهيار اقتصادي شامل
وهذا ما ينقل الظاهرة من حالات فردية متفرقة إلى نمط اجتماعي واسع التأثير، بل يمكن القول إننا أمام تحول ديموغرافي-اجتماعي يعيد تشكيل بنية الأسرة الفلسطينية.
الأثر المركب: توسع دائرة المتأثرين
لا تقتصر الظاهرة على النساء المعيلات فقط، بل تمتد إلى مئات آلاف الأطفال المعتمدين على دخل غير مستقر ، وفقدت أسر ممتدة قدرتها على الاحتضان والدعم، وتعاني مجتمعات محلية من تفكك تدريجي في شبكات التكافل.
وتشير تقارير ميدانية إلى بروز حالات مثل: أطفال فقدوا الأسرة بالكامل (ما يُعرف بحالات الناجي الوحيد)، ولجوء أطفال للعمل المبكر أو الاعتماد على المساعدات، وهو ما يعكس انتقال الأزمة من مستوى الأسرة إلى مستوى البنية الاجتماعية ككل
إن حجم الظاهرة في غزة لا يمكن قراءته كأثر جانبي للحرب، بل يجب فهمه بوصفه إعادة تشكيل قسرية للتركيبة الاجتماعية، تُنتج نمطًا جديدًا من الأسر تقوده النساء في سياق اقتصاد منهار، وهذا التحول، إذا استمر دون تدخل بنيوي، مرشح لأن يتحول إلى واقع دائم يعيد إنتاج الفقر والهشاشة عبر الأجيال.
ثانياً: اقتصاد الحرب وصعود المرأة المعيلة – من انهيار السوق إلى إعادة توزيع الإعالة
لا يمكن فهم تصاعد ظاهرة المرأة المعيلة في قطاع غزة بمعزل عن بنية اقتصاد الحرب، الذي لا يقتصر على التراجع الاقتصادي، بل يعكس تفكيكًا منهجيًا للقدرة الإنتاجية وإعادة تشكيل سوق العمل بشكل قسري، ويمكن تحليل هذا الاقتصاد عبر ثلاث ديناميات مترابطة:
1. تفكيك القدرة الإنتاجية: من اقتصاد يعمل إلى اقتصاد منهار
أدت الحرب إلى شبه انهيار في النشاط الاقتصادي داخل غزة، حيث تشير التقديرات إلى وصول معدلات البطالة العامة إلى نحو 68% في عام 2025، وانخفاض المشاركة في سوق العمل إلى حوالي 25% فقط بعد أن كانت تقارب 40% قبل الحرب، وتسجيل الاقتصاد حالة “انهيار شبه كامل “في مختلف القطاعات الإنتاجية، وهذا يعني أن السوق لم يعد قادرًا على توليد فرص عمل أو استيعاب العمالة الجديدة، والنتيجة لم تعد مشكلة المرأة المعيلة هي “الحصول على فرصة”، بل غياب السوق نفسه.
2. البطالة البنيوية للنساء: إقصاء مزدوج في سوق عمل منهار
تكشف البيانات عن اختلال حاد في بنية سوق العمل بطالة النساء92% ، والمشاركة الاقتصادية17% فقط، كما ارتفعت نسبة الأسر التي تعيلها نساء من 12% قبل الحرب إلى 18% خلال الحرب، ويعكس هذا مفارقة حادة حيث تتزايد مسؤولية النساء الاقتصادية، مقابل تراجع فرصهن في الوصول إلى العمل، وبعبارة أخرى النساء دخلن سوق الإعالة لكن السوق نفسه لا يسمح لهن بالدخول كعاملات ، وهذا ما يمكن وصفه بـ:”البطالة البنيوية الجندرية“ ، أي أن الإقصاء ليس ظرفيًا، بل ناتج عن بنية السوق نفسها.
3. التحول إلى اقتصاد البقاء: صعود القطاع غير الرسمي والهش
في ظل غياب الاقتصاد المنظم، انتقلت النساء المعيلات إلى ما يمكن تسميتهاقتصاد البقاء، ويشمل أعمال منزلية غير مستقرة إنتاج بسيط (طعام، خياطة، خدمات محدودة)، والاعتماد على المساعدات الإنسانية أنشطة مؤقتة بلا حماية أو دخل ثابت.
هذا الاقتصاد يتميز بـ دخل منخفض ومتذبذب، وغياب الأمان الوظيفي، وانعدام التراكم الاقتصادي، أي أنه لا يخرج الأسر من الفقر، بل:يدير الفقر ويعيد إنتاجه.
النتيجة البنيوية: إعالة بلا تمكين
في ضوء هذه الديناميات، يمكن فهم التحول الحاصل على النحو التالي المرأة أصبحت المعيل الرئيسي، لكنها تعمل داخل اقتصاد منهار، وسوق عمل مغلق، وقطاع غير رسمي هش، وهذا يقود إلى نتيجة مركزية: تحول المرأة إلى معيل رئيسي دون امتلاك أدوات الإنتاج أو شروط التمكين الاقتصادي، بمعنى آخر هناك إعادة توزيع للأدوار دون إعادة توزيع للموارد.
إن صعود المرأة المعيلة في غزة ليس نتيجة تمكين اقتصادي، بل نتاج مباشر لانهيار اقتصاد الحرب، الذي فرض على النساء دور الإعالة دون أن يوفر لهن شروط القيام به، وهذا يخلق وضعًا مركبًا توسع دور المرأة مقابل تعميق هشاشتها، ما يجعل الظاهرة ليست مجرد تغير اجتماعي، بل تحول بنيوي غير متوازن، يحمل في داخله بذور أزمة طويلة الأمد.
ثالثاً: من التكيف القسري إلى إعادة تشكيل الأدوار الاجتماعية – تمكين هش في سياق الانهيار
لم يكن صعود المرأة المعيلة في قطاع غزة نتاج تحول اجتماعي تدريجي، بل جاء نتيجة صدمة عنيفة أعادت توزيع الأدوار داخل الأسرة بشكل قسري، تحت ضغط الفقد والانهيار الاقتصادي، ومع ذلك، فإن هذا التحول يحمل في داخله تناقضًا بنيويًا مركبًا.
1. عبء مضاعف: الإعالة تحت الضغط
في السياق الغزي، لا يعني انتقال المرأة إلى موقع المعيل مجرد تغيير وظيفي، بل تحمّل المسؤولية الكاملة عن الدخل، وإدارة شؤون الأسرة اليومية في ظروف نزوح أو فقد، ومواجهة ضغوط نفسية ممتدة مرتبطة بالحرب.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن النساء انتقلن “من ربات بيوت إلى المعيل الرئيسي للأسرة” في فترة زمنية قصيرة، وغالبًا دون أي استعداد مسبق.
مثال واقعي:
امرأة نازحة تعمل على إعداد وبيع الخبز داخل خيمة النزوح لتأمين الحد الأدنى من دخل الأسرة، بعد فقدان مصدر دخل الزوج نتيجة تدمير مكان عمله.
هذا يعكس انتقالًا من دور اجتماعي تقليدي إلى مسؤولية اقتصادية قسرية في بيئة غير مواتية.
2. إعادة توزيع السلطة داخل الأسرة: تحولات صامتة
في المقابل، أفرز هذا التحول تغيرات ملموسة – وإن كانت غير معلنة دائمًا – في بنية السلطة داخل الأسرة من توسع دور المرأة في اتخاذ القرارات الاقتصادية، وإدارة الموارد المحدودة للأسرة، وتمثيل الأسرة في التعامل مع المؤسسات والمساعدات.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن أكثر من 58,600 أسرة في غزة باتت تقاد من قبل نساء، أي ما يقارب 14% من إجمالي الأسر، وهذا يعني أنالمرأة لم تعد مجرد فاعل داخل الأسرة، بل أصبحت مركز القرار في شريحة واسعة منها، لكن هذا التحول لا يتم في سياق تمكين مستقر، بل في بيئة نزوح واسع، وتفكك شبكات الدعم، وانعدام الأمن الاقتصادي.
3. التناقض البنيوي: تمكين دون موارد
هنا يظهر التناقض الجوهري في الحالة الغزية من جهة توسع الدور الاقتصادي والاجتماعي للمرأة، وحضور أكبر في اتخاذ القرار، ومن جهة أخرى غياب الدخل المستقر، ومحدودية فرص العمل، واعتماد كبير على المساعدات، أي أننا أمام “تمكين قسري بلا تمكين اقتصادي“، بمعنى تغير في الدور دون تغير موازٍ في القدرة.
4. هشاشة التحول: حدود الاستدامة
رغم ما يبدو من توسع في دور المرأة، إلا أن هذا التحول يظل هشًا لعدة أسباب:
– عدم استناده إلى بنية اقتصادية داعمة
– استمرارية القيود الاجتماعية والثقافية
– ارتباطه بظرف طارئ (الحرب) وليس بسياسات تمكين طويلة الأمد
كما أن النساء المعيلات أكثر عرضة للنزوح وانعدام الاستقرار، حيث تشير البيانات إلى أن 88% من الأسر التي تعيلها نساء تعرضت للنزوح، مقارنة بـ77% من الأسر الأخرى.
ما يعني أن التحول في الأدوار يحدث داخل بيئة غير مستقرة، ما يحدّ من تحوله إلى تمكين حقيقي.
إن ما يحدث في غزة لا يمكن وصفه بتمكين المرأة بالمعنى التقليدي، بل هو إعادة توزيع قسرية للأدوار الاجتماعية تحت ضغط الحرب، أنتجت توسعًا في دور المرأة مقابل تعميق هشاشتها الاقتصادية، وبذلك، فإننا أمام معادلة مركبة اتساع الدور الاجتماعي للمرأة، مقابل تآكل قدرتها الاقتصادية، وهي معادلة، إذا استمرت دون تدخل بنيوي، قد تقود إلى تحول غير متوازن يعيد تشكيل الأسرة، دون أن يحقق استقرارًا اجتماعيًا أو اقتصاديًا.
رابعاً: منظومة التحديات المركبة – من تعدد الأعباء إلى إعادة إنتاج الهشاشة
لا تواجه المرأة المعيلة في قطاع غزة تحديات منفصلة يمكن التعامل مع كل منها على حدة، بل تعيش داخل منظومة ضغط مركبة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، بحيث يعزز كل منها الآخر، ويؤدي في النهاية إلى تكريس حالة مستمرة من الهشاشة.
1. التحديات الاقتصادية: الفقر بوصفه بيئة لا ظرفًا
في ظل اقتصاد شبه منهار، لا تتمثل المشكلة فقط في انخفاض الدخل، بل في غياب شبه كامل لفرص العمل، والاعتماد الواسع على المساعدات الإنسانية غير المنتظمة، وانعدام الوصول إلى التمويل أو الأصول الإنتاجية.
وتشير تقارير أممية إلى أن النساء، خصوصًا المعيلات، تأثرن بشكل غير متناسب بـ فقدان مصادر الدخل، وتدمير المنازل والأراضي، وانهيار سبل العيش.
وهذا يعني أن الفقر في الحالة الغزية لم يعد حالة مؤقتة، بل بيئة معيشية دائمة تحاصر خيارات النساء وتحد من قدرتهم على الخروج منها.
التحديات الاجتماعية: إعادة تشكيل الأدوار دون تفكيك القيود
رغم انتقال المرأة إلى موقع المعيل، إلا أن البنية الاجتماعية لم تتغير بالقدر نفسه، ما يخلق توترًا واضحًا، واستمرار القيود الثقافية المرتبطة بدور المرأة، وتضاعف المسؤوليات من إعالة الأسرة، ورعاية الأطفال وكبار السن، وتراجع دور العائلة الممتدة نتيجة الفقر والنزوح.
وتشير المعطيات إلى أن النزوح الواسع -الذي طال مئات الآلاف- أدى إلى تفكك شبكات الدعم التقليدية، وضعف الحماية الاجتماعية داخل المجتمع،و والنتيجة أن المرأة تتحمل دورًا جديدًا في بنية قديمة لم تُعاد صياغتها.
3. التحديات النفسية: الصدمة الممتدة كواقع يومي
البعد النفسي هنا ليس عاملًا ثانويًا، بل عنصرًا حاسمًا في فهم هشاشة المرأة المعيلة، وتشير البيانات إلى أن نحو 75% من النساء يعانين من الاكتئاب المستمر، و 62%يعانين من اضطرابات النوم،و 65% يعانين من القلق والكوابيس.
كما تواجه النساء صدمة الفقد (الزوج أو أفراد الأسرة)، وضغط الإعالة الفردية ، والقلق الدائم بشأن البقاء، وفي ظل انهيار الخدمات الصحية، تعاني النساء من غياب شبه كامل للدعم النفسي المتخصص، ما يعني أن المرأة لا تعيل أسرتها اقتصاديًا فقط، بل تتحمل عبء الاستمرار النفسي في بيئة صادمة.
التفاعل بين الأبعاد: كيف تتشكل دائرة الهشاشة؟
تكمن خطورة هذه التحديات في أنها لا تعمل بشكل منفصل، بل ضمن علاقة تفاعلية، فالفقر يزيد الضغط النفسي، والضغط النفسي يضعف القدرة على العمل، وضعف العمل يعمّق الفقر، وتفكك المجتمع يضاعف العبء الفردي.
كما تشير تقارير أممية إلى أن هذه الظروف تؤدي أيضًا إلى ارتفاع مخاطر الاستغلال والعنف، ولجوء بعض الأسر إلى استراتيجيات تكيف قاسية مثل عمل الأطفال أو الزواج المبكر.
إن المرأة المعيلة في غزة لا تواجه “تحديات متعددة”، بل تعيش داخل نظام ضغط متكامل يعيد إنتاج الهشاشة بشكل مستمر، حيث لا يمكن حل المشكلة اقتصاديًا دون معالجة البعد الاجتماعي، ولا يمكن تحسين الوضع الاجتماعي دون دعم نفسي، ولا يمكن تحقيق أي تقدم دون تدخل بنيوي شامل.
وبالتالي، فإن أي استجابة جزئية ستظل تدير الأزمة، لكنها لن تكسر حلقة الهشاشة.
الخلاصــة
تكشف المعطيات أن صعود المرأة المعيلة في قطاع غزة ليس ظاهرة ظرفية، بل نتيجة مباشرة لتحولات عميقة أحدثتها الحرب، حيث أعادت تشكيل بنية الأسرة في سياق فقدان واسع للمعيلين وانهيار اقتصادي شامل. فقد أدت الخسائر البشرية الكبيرة—ومنها مقتل أكثر من 38ألف امرأة وفتاة—إلى توسع ملموس في عدد الأسر التي تقودها النساء .
غير أن هذا التحول لم يترافق مع تمكين اقتصادي حقيقي، بل حدث داخل اقتصاد منهار، ما خلق مفارقة حادة يتمثل في اتساع دور المرأة في الإعالة مقابل غياب أدواتها الاقتصادية.
وفي ظل تداخل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، تتشكل حالة من الهشاشة البنيوية التي لا تعكس فقط أزمة راهنة، بل تهدد بإعادة إنتاج الفقر عبر الأجيال.
وعليه، فإن المرأة المعيلة في غزة تمثل اليوم تعبيرًا عن تحول اجتماعي عميق غير متوازن، يتطلب استجابة بنيوية تتجاوز الإغاثة نحو التمكين الاقتصادي الحقيقي.
التوصيات
1. الانتقال من التدخلات الإغاثية قصيرة الأمد إلى برامج تمكين اقتصادي إنتاجي قادرة على توليد دخل مستدام للنساء المعيلات بدل الاعتماد على المساعدات النقدية غير المنتجة.
2. تصميم مشاريع إنتاجية صغيرة وجماعية للنساء المعيلات (بدل المشاريع الفردية) وربطها مباشرة بسلاسل احتياج محلية في قطاعات الغذاء والخدمات والإنتاج المنزلي.
3. تفعيل برامج تمويل صغير مشروط بالإنتاج الفعلي، بحيث يُربط الدعم المالي بخطط تشغيل واضحة ومؤشرات متابعة للأثر الاقتصادي وليس بالاستهلاك فقط.
3. تخصيص برامج تشغيل واستهداف مباشر للنساء المعيلات والأرامل باعتبارهن الفئة الأكثر هشاشة، مع وضع معايير أولوية واضحة في أي تدخلات اقتصادية أو اجتماعية.
4. إدماج الدعم النفسي والاجتماعي كجزء أساسي من أي برنامج تمكين، باعتبار أن الصدمة النفسية تمثل عائقًا مباشرًا أمام الاستقرار الاقتصادي والاستمرارية في العمل.
5. إعادة بناء شبكات دعم مجتمعية محلية عبر تنظيم مجموعات نسوية في الأحياء والمخيمات لتخفيف العبء الفردي وتعزيز أشكال التكافل الاجتماعي.
6. إدماج النساء المعيلات في خطط إعادة الإعمار والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها، بما يضمن دورًا إنتاجيًا مباشرًا وليس مجرد استفادة غير مباشرة.
7. إنشاء قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة للأسر التي تعيلها نساء بما يسمح بتوجيه التدخلات بشكل أكثر كفاءة وعدالة وتقليل الهدر في الموارد.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-مايو 2026



