المؤتمر الثامن لفتح: صراع النخبة وحدود التحول السياسي

تحليل سياسات-خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
المؤتمر العام الثامن لحركة فتح ينعقد في سياق فلسطيني بالغ التحول، حيث أعادت حرب غزة الاعتبار لمفاهيم المقاومة وأضعفت الثقة بالمسار السياسي التقليدي، ما وضع الحركة أمام اختبار إعادة تعريف دورها بين كونها حركة تحرر وطني أو إطاراً لإدارة السلطة القائمة. ويكشف المؤتمر عن تصاعد صراع النخبة داخل الحركة، مع ميل واضح نحو تعزيز نفوذ النخب المرتبطة بالسلطة والأجهزة الأمنية على حساب التيارات التنظيمية والشخصيات ذات الحضور الشعبي.
كما يعكس تحولاً عميقاً في بنية الشرعية داخل فتح من “الشرعية الثورية” إلى “الشرعية الوظيفية”، مقابل بروز فاعلين ميدانيين جدد في الضفة الغربية خارج الأطر التنظيمية التقليدية. وتظل العلاقة مع السلطة الفلسطينية العامل الأكثر حسماً، حيث لم يعد الفصل ممكناً عملياً، بينما تتعثر محاولات إعادة تعريف هذه العلاقة ضمن قيود بنيوية معقدة. وتشير السيناريوهات إلى ترجيح مسار “إعادة الإنتاج” مع تعديلات محدودة، مقابل احتمالات تكيّف جزئي دون تغيير جوهري في البنية، ويبقى الخطر المركزي في اتساع الفجوة بين المركز التنظيمي والقواعد الميدانية، بما قد يقود إلى تباين وظيفي داخل الحركة دون انقسام رسمي.

مقدمة

يأتي انعقاد المؤتمر العام الثامن لحركة حركة فتح في لحظة سياسية فلسطينية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها التحولات الميدانية العميقة التي أعقبت الحرب على غزة مع حالة انسداد ممتدة في المسار السياسي، وتراجع تدريجي في فعالية الإطار الذي حكم النظام السياسي الفلسطيني منذ اتفاق أوسلو.

 وفي هذا السياق، لا يبدو المؤتمر مجرد استحقاق تنظيمي دوري، بل محطة كاشفة لإعادة اختبار موقع الحركة ووظيفتها داخل بيئة تتغير بسرعة أكبر من قدرة البنى السياسية القائمة على التكيّف.

وتكتسب هذه اللحظة أهميتها من كونها تضع الحركة أمام أسئلة تتجاوز البنية الداخلية أو التنافس على المواقع القيادية، لتطال جوهر المشروع السياسي الذي تمثله: هل ما تزال فتح قادرة على أداء دورها التاريخي كقائدة للمشروع الوطني الفلسطيني، أم أنها تتحول تدريجياً إلى إطار إداري مرتبط بإدارة الواقع السياسي القائم؟ وكيف يمكن تفسير التوازنات الداخلية التي يشهدها المؤتمر في ضوء صراع أوسع حول طبيعة الشرعية ومصادرها داخل الحركة والنظام السياسي الفلسطيني؟

إن أهمية هذا المؤتمر لا تنبع فقط من توقيته، بل من كونه يتقاطع مع لحظة انتقال سياسي وإقليمي مفتوحة، تعيد فيها الأطراف الفلسطينية والإقليمية والدولية صياغة تصوراتها حول “اليوم التالي” للحرب، وحدود الدور الممكن لكل من الفاعلين الفلسطينيين.

وعليه، فإن تحليل مخرجات المؤتمر لا يمكن أن يقتصر على البعد التنظيمي، بل يستدعي قراءة أعمق للتفاعلات البنيوية التي تعيد تشكيل الحركة وموقعها داخل النظام السياسي الفلسطيني ككل.

أولاً: المؤتمر الثامن وتحولات البيئة السياسية

يأتي انعقاد المؤتمر العام الثامن لحركة حركة فتح في سياق سياسي وتنظيمي يختلف بصورة جوهرية عن السياقات التي انعقدت فيها المؤتمرات السابقة للحركة، فالمؤتمر السادس عام 2009 جاء بعد رحيل الرئيس ياسر عرفات وفي ظل محاولة إعادة بناء مؤسسات الحركة بعد سنوات الانتفاضة الثانية والانقسام الفلسطيني، بينما انعقد المؤتمر السابع عام 2016 تحت عنوان تثبيت القيادة وإدارة الانقسام الداخلي والحفاظ على استقرار النظام السياسي الفلسطيني، أما المؤتمر الثامن، فينعقد في لحظة تبدو فيها الأزمة أعمق من مجرد خلاف تنظيمي أو صراع على المواقع، إذ تتصل هذه المرة بطبيعة المشروع السياسي الذي تمثله الحركة نفسها، وحدود قدرتها على الاستمرار ضمن البيئة التي تشكلت بعد اتفاق أوسلو.

فالحرب الأخيرة على قطاع غزة لم تُحدث فقط تحولات إنسانية وميدانية واسعة، بل أعادت تشكيل جزء معتبر من الوعي السياسي الفلسطيني، ودفعت نحو إعادة الاعتبار لمفاهيم مثل المقاومة والصمود والاشتباك بوصفها عناصر مركزية في تعريف الشرعية الوطنية، وفي المقابل، تراجعت بصورة ملموسة الثقة الشعبية بجدوى المسار السياسي التقليدي الذي ارتبط بخيار التسوية وإدارة السلطة، خاصة في ظل انسداد الأفق السياسي، وتصاعد الاستيطان، وتآكل فرص “حل الدولتين” الذي شكّل الإطار السياسي الناظم لخطاب الحركة خلال العقود الماضية.

ضمن هذا التحول، تواجه فتح معضلة مركبة تتعلق بتعريف هويتها السياسية ووظيفتها التاريخية: هل ما تزال قادرة على تقديم نفسها كحركة تحرر وطني تقود المشروع الوطني الفلسطيني، أم أنها تحولت تدريجياً إلى حزب سلطة يرتبط أساساً بإدارة الواقع السياسي والأمني والاقتصادي القائم؟

وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً بفعل الطبيعة المزدوجة التي باتت تحكم موقع الحركة داخل النظام السياسي الفلسطيني؛ فمن جهة، ما تزال فتح تقود مؤسسات السلطة الفلسطينية وتتحمل التزاماتها السياسية والأمنية والاقتصادية، بما في ذلك متطلبات الاستقرار الداخلي والعلاقات الإقليمية والدولية، ومن جهة أخرى تواجه ضغطاً شعبياً وتنظيمياً متزايداً لاستعادة خطاب أكثر قرباً من المزاج الشعبي الفلسطيني بعد الحرب، خاصة مع تصاعد مركزية المقاومة في الوعي العام بوصفها معياراً للشرعية الوطنية.

وفي هذا الإطار، لم تعد أزمة الحركة مرتبطة فقط بضعف شعبيتها أو بتراجع حضورها التنظيمي، بل باتت تتصل أيضاً بما يمكن وصفه بـ”تآكل الشرعية الثورية” نتيجة الاندماج العميق بين الحركة وأجهزة السلطة. فقد أدى هذا التداخل خلال السنوات الماضية إلى تحميل الحركة كلفة الأزمات المرتبطة بالأداء الحكومي، والأزمات المالية، والتنسيق الأمني، والضغوط الإقليمية والدولية، الأمر الذي عمّق الفجوة بين قطاعات من القواعد الفتحاوية وبين البنية القيادية التقليدية.

ومن هنا، يبدو المؤتمر الثامن أقرب إلى محاولة لإدارة التناقض بين “الحركة” و”السلطة” أكثر من كونه مجرد محطة تنظيمية داخلية، فالسؤال الأساسي الذي يواجهه المؤتمر لا يتعلق فقط بإعادة ترتيب موازين القوى داخل الأطر القيادية، وإنما بقدرة الحركة على إنتاج صيغة سياسية جديدة تسمح لها بالحفاظ على موقعها داخل النظام السياسي الفلسطيني، دون أن تفقد ما تبقى من صورتها كحركة تحرر وطني.

وفي موازاة أزمة المشروع السياسي، يتحول المؤتمر أيضاً إلى ساحة لإعادة تشكيل موازين القوى الداخلية تمهيداً لمرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس، حتى وإن لم يُطرح هذا الملف بصورة مباشرة داخل الخطاب الرسمي للحركة، وأشارت طبيعة التحضيرات وتركيبة العضوية إلى وجود ميل واضح نحو إعادة إنتاج مراكز القوى التقليدية داخل الحركة، مع صعود شخصيات مرتبطة بالبنية الأمنية والإدارية للسلطة، وبملفات التنسيق والخدمات، بما يعكس أولوية الحفاظ على الاستقرار واستمرارية النظام القائم.

وفي المقابل، برزت خلال مرحلة التحضير للمؤتمر حالة من التململ داخل أوساط كوادر قطاع غزة، خاصة مع تصاعد الانتقادات المتعلقة بآليات التمثيل، والشعور بأن البنية التنظيمية للمؤتمر لا تعكس بصورة كافية التحولات التي فرضتها الحرب ولا الثقل الميداني للقواعد التي عاشت المواجهة المباشرة داخل القطاع.

كما يواجه المؤتمر معضلة تتعلق بغياب شخصيات تمتلك حضوراً رمزياً أو شعبياً واسعاً عن دائرة التأثير المباشر في صناعة القرار، مثل مروان البرغوثي وناصر القدوة، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة القيادة المقبلة على إنتاج حالة تعبئة سياسية ووطنية تتجاوز الطابع الإداري أو “التقني” الذي بات يطغى على جزء من بنية الحركة في السنوات الأخيرة.

ثانياً: صراع النخبة وإدارة مرحلة ما بعد محمود عباس

لا يمكن فصل المؤتمر العام الثامن لحركة حركة فتح عن التحولات المتسارعة المرتبطة بمرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس، حتى وإن ظل هذا البعد غير مُعلن داخل الخطاب الرسمي للحركة. فالمؤتمر لا يُدار فقط بوصفه محطة تنظيمية لإعادة تشكيل الهياكل، بل بوصفه أيضاً مساحة لإعادة توزيع النفوذ داخل مراكز القرار الفعلية في الحركة والنظام السياسي الفلسطيني.

وتكمن خصوصية هذه المرحلة في أن الصراع داخل فتح لم يعد صراعاً أيديولوجياً بين تيارات سياسية واضحة المعالم، بقدر ما أصبح صراعاً حول إدارة “منظومة الحكم” ذاتها: من يسيطر على القرار السياسي؟ من يدير العلاقة مع الخارج؟ ومن يحافظ على توازن العلاقة بين الحركة والسلطة في مرحلة انتقالية مفتوحة على احتمالات متعددة؟

ضمن هذا السياق، تميل الترتيبات الجارية للمؤتمر إلى تعزيز موقع النخبة التي تشكلت داخل بنية السلطة الفلسطينية خلال العقدين الأخيرين، خصوصاً تلك المرتبطة بالإدارة التنفيذية والأمنية والعلاقات الإقليمية والدولية، ولا تتحرك هذه النخبة فقط بوصفها تعبيراً عن تيار داخل الحركة، بل بوصفها امتداداً لبنية حكم قائمة ترى في “الاستقرار” شرطاً مركزياً لاستمرار النظام السياسي.

في المقابل، تتراجع المساحات المتاحة أمام التيارات التنظيمية التقليدية التي كانت تعتمد في شرعيتها على التاريخ النضالي أو الحضور الجماهيري، لصالح نمط قيادي أكثر ارتباطاً بالوظيفة الإدارية وإدارة الملفات اليومية للسلطة.

ويُقرأ هذا التحول في ضوء صعود شخصيات مثل حسين الشيخ وماجد فرج، باعتبارهما من الفاعلين الأساسيين في هندسة التوازنات الداخلية، لا بوصفهما بديلين أيديولوجيين، بل كجزء من منطق إعادة إنتاج مركز القرار داخل إطار السلطة القائم، ويعكس هذا النمط من القيادة انتقال مركز الثقل داخل فتح من “الشرعية الثورية” إلى “شرعية إدارة النظام”.

في المقابل، لا يمكن قراءة استمرار غياب شخصيات مثل مروان البرغوثي وناصر القدوة بوصفه مجرد غياب فردي، بل باعتباره مؤشراً على محدودية قدرة البنية التنظيمية الحالية على استيعاب شخصيات تمتلك رأس مال رمزي مستقل عن منظومة السلطة، وهذا يعكس اتجاهاً أوسع نحو تقليص مساحة “الرمزية السياسية” لصالح “الإدارة التنظيمية”.

وفي هذا الإطار، فإن النقاشات المرتبطة بتمثيل قطاع غزة لا تُفهم فقط في بعدها الجغرافي أو التنظيمي، بل بوصفها جزءاً من إعادة تشكيل العلاقة بين المركز والأطراف داخل الحركة، فالقضية هنا لا تتعلق فقط بعدد المقاعد أو آليات التمثيل، بل بطبيعة من يمتلك حق التعبير عن “تجربة الحرب” داخل البنية القيادية.

وتكشف هذه التفاعلات أن صراع النخبة داخل المؤتمر ليس صراعاً مفتوحاً بين مشاريع سياسية متنافسة بقدر ما هو تنافس داخل إطار واحد حول من يدير هذا الإطار في المرحلة القادمة، وبأي أدوات، وبأي درجة من التكيف مع المتغيرات الإقليمية والضغوط الدولية.

ثالثاً: أزمة فتح بين تحوّل أنماط الشرعية وتعدد مصادر النفوذ

تتجاوز النقاشات المرتبطة بالمؤتمر العام الثامن لحركة حركة فتح حدود الصراع التقليدي على المواقع القيادية داخل البنية التنظيمية، لتكشف عن تحول أعمق يتعلق بطبيعة “الشرعية السياسية” التي تستند إليها الحركة في المرحلة الراهنة، وكيفية إعادة إنتاجها في ظل تغير البيئة السياسية والاجتماعية الفلسطينية.

فمنذ انطلاقتها، قامت شرعية فتح على أساس قيادة الكفاح الوطني الفلسطيني وتمثيل مشروع التحرر، وهو ما منحها موقعاً مركزياً في بنية النظام السياسي الفلسطيني لعقود طويلة، غير أن نشوء السلطة الفلسطينية وما رافقه من تحول وظيفي في بنية الحركة، أدى تدريجياً إلى انتقال مركز الثقل من “شرعية الفعل الثوري” إلى “شرعية إدارة النظام”، أي من شرعية تستمد قوتها من القدرة على المواجهة والتعبئة، إلى شرعية تستمد أساسها من القدرة على إدارة المؤسسات العامة، وتوفير الخدمات، وضبط الاستقرار الداخلي.

هذا التحول لم يكن لحظة انتقال حادة، بل عملية تراكمية تعمقت مع توسع الجهاز الإداري والأمني للسلطة الفلسطينية، واندماج قطاعات واسعة من الكوادر الفتحاوية داخل بنية الدولة الناشئة، بما ربط المصالح التنظيمية والمادية والاستقرار الوظيفي باستمرار الوضع القائم أكثر من ارتباطها بإعادة إنتاج المشروع النضالي الأصلي، وبمرور الوقت، تشكل نمط قيادي يميل إلى تغليب منطق “الإدارة” على منطق “المبادرة السياسية”، وهو ما انعكس في بنية القرار داخل الحركة.

في المقابل، فإن التحولات التي شهدتها الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة، وبالأخص في سياق ما بعد الحرب على غزة، أفرزت أنماطاً جديدة من الفاعلين الميدانيين داخل المخيمات ومناطق التماس، خاصة في جنين ونابلس.

هؤلاء الفاعلون لا يستندون إلى موقع تنظيمي تقليدي داخل هياكل الحركة، بل إلى شرعية ناتجة عن الفعل الميداني المباشر، وقدرة رمزية على التعبير عن حالة الاحتكاك اليومي مع الاحتلال، بما يمنحهم نوعاً من “الشرعية المجتمعية-النضالية” خارج الأطر التنظيمية الكلاسيكية.

ومع ذلك، فإن هذا التحول في مصادر الشرعية لا يترجم تلقائياً إلى نفوذ داخل البنية الرسمية للمؤتمر. فآليات التمثيل داخل المؤتمر الثامن ما تزال محكومة بمنطق تنظيمي بيروقراطي يقوم على التراتبية الإدارية والوظيفية داخل الحركة والسلطة، أكثر من اعتماده على معيار الثقل الميداني أو التأثير الشعبي، وهذا ما يحد من قدرة الفاعلين الجدد على تحويل حضورهم الرمزي إلى وزن فعلي داخل مؤسسات اتخاذ القرار.

كما أن هذا الجيل الميداني نفسه يعاني من إشكاليات بنيوية داخلية، أبرزها غياب إطار تنظيمي موحد قادر على تنظيم الفعل السياسي والميداني ضمن رؤية مشتركة، إضافة إلى التشتت بين مجموعات محلية ذات طابع جغرافي أو فصائلي غير منسجم، ويضعف هذا التشتت إمكانية بناء تمثيل سياسي منظم داخل مؤسسات الحركة، ويجعل تأثيره في مخرجات المؤتمر تأثيراً غير مباشر ومحدوداً.

وبذلك، فإن أزمة الشرعية داخل فتح لا تتجلى فقط في التحول من الشرعية الثورية إلى الشرعية الوظيفية، بل أيضاً في تزامن هذه العملية مع بروز أشكال جديدة من الشرعية الميدانية غير المُمأسسة، ما يخلق حالة من التعدد غير المتوازن في مصادر الشرعية، دون وجود آلية مؤسسية قادرة على دمجها أو تنظيم التفاعل بينها داخل بنية واحدة.

رابعاً: معضلة العلاقة بين الحركة والسلطة وإعادة تعريف حدود الحكم والتنظيم

تشكل العلاقة بين حركة حركة فتح ومؤسسات السلطة الفلسطينية أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في سياق انعقاد المؤتمر العام الثامن، ليس فقط لأنها ترتبط بالبنية التنظيمية للحركة، بل لأنها تمس جوهر موقعها داخل النظام السياسي الفلسطيني ككل، وحدود قدرتها على إعادة تعريف دورها في المرحلة المقبلة.

فعلى امتداد أكثر من ثلاثة عقود منذ تأسيس السلطة الفلسطينية، تطور التداخل بين الحركة والسلطة من حالة تنسيق وظيفي إلى حالة اندماج بنيوي واسع، أصبحت فيها الحدود الفاصلة بين “التنظيم” و”الدولة” شبه غير مرئية في الممارسة اليومية، فقد تداخلت مواقع القرار الحركي مع مواقع الإدارة الحكومية والأمنية والمالية، بما جعل جزءاً كبيراً من بنية فتح القيادية يعمل ضمن منطق الدولة أكثر من عمله ضمن منطق الحركة السياسية المستقلة.

هذا التشابك البنيوي لم يعد مجرد إشكال تنظيمي، بل تحول إلى عامل محدد لطبيعة القرار السياسي داخل الحركة نفسها، حيث أصبحت الاعتبارات المرتبطة باستمرارية مؤسسات السلطة، وضمان تدفق الدعم المالي، والحفاظ على الاستقرار الأمني والإداري، جزءاً أساسياً من عملية صنع القرار داخل فتح. وبهذا المعنى، لم تعد السلطة مجرد أداة بيد الحركة، بل أصبحت أيضاً إطاراً يحدد سقف حركتها السياسية وحدود خياراتها الاستراتيجية.

في المقابل، ترى قطاعات داخل الحركة أن هذا الاندماج، رغم كلفته السياسية، هو ما مكّن فتح من الحفاظ على موقعها المركزي داخل النظام السياسي الفلسطيني، ومنع انهيار البنية المؤسسية الفلسطينية في ظل أزمات متراكمة، سواء على المستوى المالي أو الإداري أو الأمني، كما يُنظر إلى السلطة باعتبارها المنصة الوحيدة التي تمنح الحركة حضوراً دولياً معترفاً به، وتسمح لها بإدارة شبكة واسعة من الخدمات العامة التي تمس حياة الفلسطينيين اليومية.

لكن هذا التوازن الهش بين “الحركة” و”السلطة” يطرح إشكالية مركزية في المؤتمر الثامن، تتمثل في غياب صيغة واضحة لإعادة توزيع الأدوار دون المساس بأسس النظام القائم، فالنقاش داخل الحركة لا يتمحور حول خيار القطيعة مع السلطة، بقدر ما يتمحور حول كيفية إعادة هندسة العلاقة معها بما يسمح باستعادة قدر من الاستقلالية السياسية والتنظيمية، دون الدخول في صدام مع البنية التي تشكل مصدر قوة واستمرارية في آن واحد.

وفي هذا السياق، تتبلور داخل أوساط الحركة مجموعة من التصورات الأولية لإعادة ضبط هذه العلاقة، من أبرزها:

إعادة صياغة العلاقة بين المواقع التنظيمية والمواقع الحكومية، عبر تقليص حالة التداخل المباشر بينهما، بما يحد من ازدواجية القرار ويعيد قدراً من التمايز المؤسسي.

إعادة تفعيل دور منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الإطار السياسي المرجعي الأوسع، بما يسمح بإعادة توزيع الشرعيات داخل النظام السياسي الفلسطيني خارج حدود السلطة التنفيذية المباشرة.

تطوير نمط من القيادة الجماعية داخل الحركة، يقلل من مركزية القرار الفردي ويعيد توزيع مراكز التأثير داخل البنية التنظيمية.

منح الأطر الحركية التنظيمية هامشاً أوسع في صياغة التوجهات السياسية العامة، بما يعيد شيئاً من التوازن بين المستويات التنظيمية والسياسية داخل الحركة.

ومع ذلك، فإن هذه التصورات تصطدم بمجموعة من القيود البنيوية التي تجعل من ترجمتها عملياً أمراً بالغ التعقيد، فموازين القوى الداخلية داخل الحركة، وتشابك المصالح بين النخب التنظيمية والإدارية، إضافة إلى ارتباط جزء واسع من الاستقرار السياسي والاقتصادي ببنية السلطة القائمة، كلها عوامل تحد من إمكانية إحداث تحول جذري في نمط العلاقة الراهنة.

وبناءً عليه، فإن المؤتمر الثامن لا يبدو متجهاً نحو إعادة تفكيك العلاقة بين الحركة والسلطة، بقدر ما يبدو محاولة لإعادة ضبطها ضمن حدود تسمح بإدارة التناقض القائم بين مقتضيات الاستمرار في الحكم، ومتطلبات الحفاظ على الهوية السياسية للحركة في آن واحد.

خامساً: السيناريوهات المحتملة لمخرجات المؤتمر

يتطلب تحليل مخرجات المؤتمر العام الثامن لحركة حركة فتح التمييز بين مستويين متداخلين:
الأول هو مستوى الخطاب السياسي المعلن الذي يُنتج داخل وثائق المؤتمر، والثاني هو مستوى الترتيبات الفعلية داخل البنية التنظيمية ومراكز القوة، فالفجوة بين هذين المستويين تمثل مفتاحاً أساسياً لفهم طبيعة ما يمكن أن ينتج عن المؤتمر، خاصة في ظل كونه لحظة إعادة تموضع بين جيلين ورؤيتين داخل الحركة.

ضمن هذا السياق، يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمآلات المؤتمر، تعكس تدرجات مختلفة في قدرة الحركة على الاستجابة للتحولات السياسية والميدانية، دون أن تعني بالضرورة قطيعة مع المسار القائم.

1. سيناريو إعادة الإنتاج: غلبة البنية البيروقراطية واستمرارية النهج

يُعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحاً في ضوء المعطيات الحالية، ويقوم على إعادة إنتاج البنية القيادية والتنظيمية القائمة مع إدخال تعديلات محدودة على مستوى الأسماء، دون إحداث تغيير جوهري في طبيعة النهج السياسي أو آليات اتخاذ القرار داخل الحركة.

ويستند هذا المسار إلى مجموعة من المحددات البنيوية، أبرزها:

هندسة العضوية وآليات التمثيل: حيث تشير طبيعة تشكيل المؤتمر، القائم على التعيين والتمثيل الوظيفي بدرجة أكبر من الانتخابات القاعدية التنافسية، إلى ميل لصالح صعود نخبة تنظيمية مرتبطة بالبنية الإدارية والأمنية للسلطة الفلسطينية، ما يعزز استمرارية النمط القائم بدلاً من إعادة إنتاجه جذرياً.

مركزية الاستقرار في البيئة الإقليمية والدولية: إذ تواجه الحركة ضغوطاً متواصلة للحفاظ على دورها كعامل استقرار في الضفة الغربية، بما يحد من هامش المناورة السياسية ويجعل أي تحول جذري في الخطاب أو البنية محفوفاً بكلفة سياسية عالية.

فجوة الميدان والتنظيم: فبعد الحرب على غزة، برزت في الضفة الغربية أشكال من الفاعلية الميدانية خارج الأطر التنظيمية التقليدية، خصوصاً في مناطق الشمال، لكن هذه الظواهر لا تجد ترجمة مباشرة داخل آليات التمثيل المؤسسي، ما يعمّق الفجوة بين القواعد والنخبة.

في هذا السيناريو، يغلب منطق “إدارة الاستمرارية” على منطق “إعادة التعريف”، بحيث تظل الحركة أقرب إلى إدارة التوازنات القائمة بدلاً من إعادة صياغة مشروعها السياسي.

2. سيناريو التكيّف المحدود: تعديلات محسوبة دون تغيير بنيوي

يفترض هذا السيناريو أن تدفع الضغوط الداخلية والخارجية الحركة نحو إدخال تعديلات جزئية على مستوى الخطاب والبنية، بهدف امتصاص جزء من التوترات التنظيمية والشعبية، دون المساس بجوهر النظام الداخلي أو موازين القوى القائمة.

ويتمثل هذا المسار في مجموعة من المؤشرات المحتملة، من بينها:

إعادة تدوير جزئي للنخب عبر إدخال وجوه شابة أو صاعدة إلى بعض مواقع القرار، دون تغيير مراكز الثقل الأساسية داخل الحركة.

توسيع الخطاب السياسي باتجاه مزيد من التركيز على مفاهيم المقاومة الشعبية والصمود الوطني، بما يعكس محاولة إعادة التوازن بين الخطاب الرسمي والمزاج الشعبي بعد الحرب.

إعادة ضبط العلاقة بين التنظيم والسلطة بشكل محدود، عبر تقليص بعض مظاهر التداخل دون تفكيك البنية المندمجة بين المؤسستين.

ويعكس هذا السيناريو محاولة لإدارة الضغوط أكثر من كونه استجابة لإعادة تعريف استراتيجية، إذ يهدف أساساً إلى الحفاظ على تماسك الحركة ومنع اتساع فجوة التمثيل الداخلي.

3. سيناريو اتساع الفجوة الداخلية: تباين وظيفي داخل الحركة

يفترض هذا السيناريو أن يفشل المؤتمر في استيعاب التحولات الاجتماعية والميدانية المتسارعة داخل البيئة الفلسطينية، خصوصاً تلك المرتبطة بصعود أنماط جديدة من الفاعلين في الضفة الغربية، مقابل استمرار هيمنة البنية التنظيمية التقليدية.

وفي هذه الحالة، لا يظهر الانقسام بالضرورة كشرخ تنظيمي مباشر، بل كـ”تباين وظيفي” داخل الحركة بين مستويين:

مستوى مركزي يركز على إدارة المؤسسات، والملف السياسي، والعلاقة مع النظام الإقليمي والدولي.

ومستوى ميداني/قاعي يتحرك بمنطق مختلف، يرتبط بالاشتباك المحلي وأشكال الفعل المقاوم غير المؤطر تنظيمياً.

وتكمن خطورة هذا السيناريو في أنه لا يؤدي فوراً إلى انقسام رسمي، لكنه يفضي تدريجياً إلى تآكل وحدة الوظيفة السياسية للحركة، بحيث تتراجع قدرتها على تمثيل كل مكونات الحالة الفلسطينية داخل إطار سياسي واحد.

مناقشة السيناريوهات

تكشف السيناريوهات الثلاثة أن مستقبل المؤتمر لا يتحدد فقط بنتائجه التنظيمية المباشرة، بل بقدرته على التعامل مع ثلاثة ضغوط متزامنة:

– ضغط إعادة إنتاج البنية القائمة.

– ضغط التكيف مع التحولات الشعبية والميدانية.

– وضغط الحفاظ على وحدة الحركة في ظل تعدد مصادر الشرعية داخلها.

وبين هذه الضغوط، يبدو أن هامش التحول الجذري يظل محدوداً، ما يجعل السيناريو الأقرب هو مزيج بين “إعادة الإنتاج” و”التكيف المحدود”، مع بقاء احتمالات اتساع الفجوة الداخلية قائمة على المدى المتوسط إذا لم تُعالج اختلالات التمثيل والشرعية داخل الحركة.

الخلاصة

لا يبدو المؤتمر العام الثامن لحركة حركة فتح مجرد استحقاق تنظيمي دوري، بل يمثل في جوهره اختباراً حقيقياً لقدرة الحركة على الصمود وإعادة التموضع في مرحلة سياسية فلسطينية شديدة التحول، أعقبت الحرب على غزة وأعادت تشكيل جزء مهم من الوعي الوطني الفلسطيني وأولوياته.

فالمؤتمر يضع الحركة أمام معادلة دقيقة: إما أن ينجح في إعادة تعريف وظيفتها التاريخية بوصفها فاعلاً مركزياً في المشروع الوطني الفلسطيني، أو أن يرسّخ تموضعها كقوة تدير المرحلة القائمة ضمن حدود النظام السياسي القائم، بما قد يحد تدريجياً من قدرتها على الاحتفاظ بدورها القيادي التقليدي في ظل صعود أنماط سياسية وميدانية جديدة.

وتشير المعطيات المتوفرة حتى الآن إلى أن المسار الأكثر ترجيحاً هو اتجاه المؤتمر نحو إحداث تجديد في البنية القيادية، عبر إعادة ترتيب مواقع النخب وصعود جيل جديد من الصف الثاني داخل اللجنة المركزية والمجلس الثوري، دون أن يرافق ذلك بالضرورة تحول مماثل في مستوى “المشروع السياسي” أو في إعادة تعريف العلاقة مع السلطة وأدواتها.

إذ إن الإشكال المركزي الذي يواجه المؤتمر لا يتعلق فقط بصياغة الوثائق السياسية أو تحديث الخطاب، بل بمدى القدرة على تحويل هذه التوجهات إلى تغيير فعلي في أدوات العمل وآليات اتخاذ القرار، خاصة في ظل عمق الارتباط البنيوي بين الحركة ومؤسسات السلطة الفلسطينية، وما يفرضه ذلك من قيود على هامش الحركة السياسية والتنظيمية.

وفي هذا السياق، يبقى العامل الأكثر حسماً هو قدرة الحركة على استيعاب التحولات التي أفرزتها الحرب، وعلى رأسها تصاعد حضور الأجيال الميدانية في المخيمات والضفة الغربية، واتساع الفجوة بين المركز التنظيمي والقواعد الاجتماعية، فغياب هذا الاستيعاب لا يعني بالضرورة انقساماً تنظيمياً مباشراً، لكنه قد يقود إلى تباين متزايد في وظائف الحركة بين مستوى إداري-سياسي يدير المؤسسات والتمثيل، ومستوى ميداني يتحرك خارج الأطر التقليدية.

وبذلك، فإن المؤتمر الثامن لا يُختبر فقط بقدرته على إنتاج قيادة جديدة، بل بقدرته على تجنب ترسيخ مسار ازدواجية وظيفية داخل الحركة، تبقي أسئلة الهوية والدور مفتوحة، وتؤجل الحسم في مستقبل موقعها داخل النظام السياسي الفلسطيني.

التوصيات

1. ضرورة إعادة النظر في آليات التمثيل داخل المؤتمر بما يحد من هيمنة البنية البيروقراطية ويعزز تمثيل الأوزان التنظيمية والميدانية الفعلية داخل حركة حركة فتح.

2. أهمية معالجة الفجوة المتنامية بين المركز التنظيمي والقواعد الاجتماعية والميدانية، بما يمنع تراكم أشكال من الانفصال الوظيفي داخل بنية الحركة.

3. إعادة تقييم طبيعة العلاقة بين الحركة والسلطة الفلسطينية بما يضمن قدراً أكبر من التمايز المؤسسي دون الإضرار بوحدة النظام السياسي الفلسطيني.

4. فتح مساحات أوسع لاستيعاب الأجيال الشابة والفاعلين الميدانيين ضمن الأطر التنظيمية، بما يعزز من قدرة الحركة على تجديد بنيتها الداخلية.

5. تطوير آليات داخلية أكثر شفافية وتشاركية في صناعة القرار، بما يقلل من مركزية النخب التقليدية ويحد من إعادة إنتاج نفس مراكز النفوذ.

6. الانتباه إلى أن استمرار تجاهل التحولات التي أفرزتها الحرب على غزة قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي الرسمي وبين المزاج الشعبي الفلسطيني.

7. تعزيز القدرة على إنتاج خطاب سياسي موحد يوازن بين متطلبات الاستقرار السياسي ومتطلبات الحفاظ على الوظيفة الوطنية للحركة في سياقها التاريخي.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-مايو  2026

شارك:

المزيد من المقالات