تقدير موقف-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
الملخص التنفيذي
تتناول الورقة الموقف الإسرائيلي من تشكيل لجنة التكنوقراط لإدارة غزة بوصفه تعبيرًا عن صراع بين مقتضيات العلاقة مع الولايات المتحدة ومخاوف فقدان السيطرة على مستقبل القطاع.
وتُظهر القراءة أن الحكومة الإسرائيلية انتقلت من اعتراض تكتيكي إلى قبول اضطراري، مع استمرار سعيها لتقييد الدور القطري والتركي ومنع إعادة تموضع حماس سياسيًا.
كما تكشف الورقة عن انقسام داخل النخبة الإسرائيلية بين الرهان العسكري والحاجة إلى بدائل سياسية، وعن إدراك متزايد بفشل تحويل الإنجاز العسكري إلى مكاسب سياسية مستدامة وتخلص إلى أن لجنة التكنوقراط تمثل ساحة صراع جديدة على شكل النظام السياسي في غزة، فيما تقترح الورقة سيناريوهات محتملة للموقف الإسرائيلي وتوصيات للفلسطينيين لتعزيز موقعهم في المرحلة الانتقالية.
مقدمة: الإشكالية والسياق
في 14 كانون الثاني/يناير أعلنت الإدارة الأمريكية عن تشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية لإدارة قطاع غزة، ضمن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وجاءت هذه الخطوة في سياق محاولات أمريكية لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، وتجنب الفراغ السياسي الذي قد يزيد من الضغوط الدولية على الكيان الإسرائيلي أو يعيد تموضع حماس، ردود الفعل الإسرائيلية على المبادرة كانت متباينة، تراوحت بين اعتراض تكتيكي وامتداد القبول المشروط، ما يعكس صراعًا بين الرغبة في الحفاظ على العلاقة مع واشنطن والمخاوف من إعادة تشكيل النظام السياسي والأمني في غزة.
تنطلق هذه الورقة من السؤال المركزي: هل تمثل لجنة التكنوقراط تهديدًا استراتيجيًا للمقاربة الإسرائيلية تجاه غزة، أم فرصة للفلسطينيين لإعادة إدارة القطاع ضمن إطار دولي–إقليمي مع الحفاظ على مصالحهم؟ وتستعرض الورقة الموقف الرسمي الإسرائيلي، مواقف المعارضة، الرأي الصحفي، قراءة المؤسسة الأمنية والعسكرية، السيناريوهات المحتملة، وتقدم توصيات عملية للفلسطينيين لتعزيز موقعهم في المرحلة الانتقالية.
أولًا: خلفية المبادرة الأمريكية ودلالاتها السياسية
- سياق المبادرة الأمريكية: إدارة ما بعد الحرب لا إنهاء الحرب
تأتي مبادرة تشكيل لجنة التكنوقراط في سياق أمريكي أوسع لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة، وليس لإنهاء الصراع ذاته، فواشنطن تدرك أن استمرار الفراغ السياسي في القطاع يحمل مخاطر متعددة: عودة حماس بصيغ أكثر مرونة، تصاعد الضغوط الدولية على الحكومة الإسرائيلية، وانزلاق الوضع نحو نماذج حكم فوضوية أو تدخلات إقليمية غير منضبطة.
في هذا الإطار، تمثل لجنة التكنوقراط محاولة أمريكية لتأسيس صيغة حكم انتقالية منخفضة السيادة، تتيح إدارة الشأن المدني دون حسم مسألة السيادة السياسية، بما يسمح للولايات المتحدة بالتحكم في مسار التحولات دون الاضطرار إلى فرض حلول نهائية للصراع.
2. “مجلس السلام” كإطار لإعادة هندسة الحكم في غزة
يُفهم إدراج لجنة التكنوقراط ضمن إطار “مجلس السلام” الذي تقوده واشنطن بوصفه محاولة لإعادة هندسة الحكم في غزة عبر نموذج إدارة مركّب، يجمع بين ثلاثة مستويات متداخلة:
المستوى الفلسطيني : حضور إداري محدود عبر لجنة تكنوقراط بلا تفويض سياسي كامل.
المستوى الدولي: إشراف أمريكي مباشر يضمن توجيه مسار القرار السياسي والأمني.
المستوى الإقليمي: مشاركة أطراف إقليمية (قطر وتركيا ومصر) في التمويل والإعمار والتأثير السياسي.
هذا النموذج لا يؤسس لحكم فلسطيني سيادي، بل لصيغة إدارة وظيفية تهدف إلى ضبط القطاع أكثر مما تهدف إلى تمكين الفلسطينيين سياسيًا.
3. الأهداف الأمريكية الضمنية للمبادرة
يمكن تلخيص الأهداف الأمريكية للمبادرة في ثلاثة مسارات متوازية:
- تحييد حماس دون خوض مواجهة سياسية مباشرة معها عبر إدخالها في مشهد غير مباشر من خلال حلفائها الإقليميين.
- تقليص العبء السياسي عن الكيان الإسرائيلي عبر نقل مسؤولية إدارة الشأن المدني إلى إطار دولي–إقليمي.
- منع عودة السلطة الفلسطينية بصيغتها التقليدية لما تحمله من استحقاقات سياسية وقانونية قد تعقّد المسار الأمريكي–الإسرائيلي.
- القراءة الإسرائيلية للمبادرة: تهديد مركّب لا إداري فقط
من منظور إسرائيلي، لا تقتصر خطورة المبادرة على طبيعة اللجنة نفسها، بل على شبكة العلاقات السياسية التي قد تنتج عنها، ولا سيما الدور القطري والتركي، وما يحمله من احتمالات لإعادة تموضع حركة حماس في المشهد السياسي بصورة غير مباشرة.
تخشى الحكومة الإسرائيلية أن تتحول لجنة التكنوقراط إلى مظلة شرعية لإعادة إنتاج نفوذ حماس، بحيث يتم إخراج الحركة من المشهد العسكري المباشر، لكنها تبقى فاعلًا سياسيًا مؤثرًا عبر قنوات غير رسمية. وفي الوقت ذاته، ترى أن النموذج الأمريكي المقترح قد يؤدي إلى تقليص قدرتها على التحكم الكامل في مسار الحكم في غزة، وتحويل القطاع إلى ساحة نفوذ متعددة الأطراف يصعب ضبطها بالكامل.
5. التناقض البنيوي في المبادرة الأمريكية
تكشف المبادرة الأمريكية عن تناقض بنيوي واضح: فهي تسعى في الوقت ذاته إلى تقليص نفوذ حماس، لكنها تفتح المجال أمام أطراف داعمة لها؛ وتعمل على تخفيف العبء عن الكيان الإسرائيلي، لكنها تفرض عليها قيودًا جديدة في إدارة غزة؛ وتطرح صيغة حكم انتقالية، لكنها تؤجل حسم السؤال الأساسي حول السيادة السياسية في القطاع.
هذا التناقض يشكّل أحد المفاتيح الأساسية لفهم الموقف الإسرائيلي المتردد من لجنة التكنوقراط، ويُفسّر انتقاله بين الرفض العلني والقبول الضمني، وبين الاعتراض السياسي والسعي إلى التأثير من داخل الإطار الجديد.
ثانيًا: الموقف الرسمي الإسرائيلي بين الرفض التكتيكي والقبول الاضطراري
يمثل الموقف الرسمي الإسرائيلي من لجنة التكنوقراط نموذجًا واضحًا للتوتر بين الاعتبارات السياسية الداخلية والقيود الاستراتيجية الخارجية، حيث انتقلت الحكومة الأسرائيليىة من اعتراض علني إلى قبول ضمني، دون أن تتخلى فعليًا عن محاولاتها لإعادة تشكيل المبادرة بما يتوافق مع مصالحها الأمنية والسياسية.
- رد الفعل الأولي: اعتراض سياسي محسوب لا رفضًا مبدئيًا
لم تمضِ 72 ساعة على الإعلان عن تشكيل اللجنة حتى سارع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى مهاجمة تركيبة اللجنة، معتبرًا أن تعيين أعضائها تم دون تنسيق مع الحكومة الإسرائيلية، وجاء في بيان لمكتبه أن “الإعلان حول تركيبة اللجنة الإدارية لغزة والتابعة لمجلس السلام تم دون التنسيق معنا وخلافًا لسياستنا”، مع توجيه وزير الخارجية للتواصل مع نظيره الأمريكي بهذا الخصوص.
وأشارت القناة 12 العبرية إلى أن مكتب نتنياهو رفض توضيح أسباب الاعتراض، محمّلًا المسؤولية لوزير الخارجية جدعون ساعر الذي كان على تنسيق دائم مع المسؤولين الأمريكيين خلال تشكيل اللجنة، وهو ما يعكس محاولة حكومية لإدارة الخلاف مع واشنطن دون تحويله إلى أزمة مفتوحة.
في السياق ذاته، وصفت القناة 13 الموقف الإسرائيلي بأنه “مواجهة علنية غير مسبوقة مع إدارة ترامب”، معتبرة إياه “دراما سياسية حقيقية”، وهو توصيف يكشف أن الاعتراض الإسرائيلي لم يكن تقنيًا أو إداريًا بقدر ما كان رسالة سياسية موجهة إلى واشنطن حول حدود المقبول إسرائيليًا في ترتيبات ما بعد الحرب.
يمكن قراءة هذا الاعتراض بوصفه محاولة إسرائيلية مبكرة لإعادة التفاوض على مضمون المبادرة الأمريكية، وليس رفضًا جوهريًا لفكرة لجنة التكنوقراط بحد ذاتها، فالحكومة الإسرائيلية لم تعارض وجود إطار إداري لغزة، لكنها اعترضت على تركيبته السياسية والدور الذي يمنحه لفاعلين إقليميين تعتبرهم قريبين من حماس.
2. التحول اللاحق: من الاعتراض العلني إلى القبول الوظيفي
على الرغم من الاعتراضات الأولية، أعلن مكتب نتنياهو لاحقًا الموافقة على الانضمام إلى “مجلس السلام” الذي شكّله ترامب، دون تقديم تحفظات واضحة على تشكيل اللجنة أو تحديد طبيعة المشاركة الإسرائيلية فيه، ويعكس هذا التحول إدراكًا إسرائيليًا لحدود القدرة على معارضة المبادرة الأمريكية بشكل مباشر، خشية انعكاس ذلك على العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن، ولا سيما في ملفات حساسة مثل إيران والدعم العسكري والسياسي للكيان.
غير أن هذا القبول لم يكن تعبيرًا عن رضا سياسي، بل عن براغماتية استراتيجية، فالحكومة الإسرائيلية أدركت أن الوقوف خارج الإطار الذي ترعاه الولايات المتحدة يعني خسارة القدرة على التأثير في صياغته، بينما يمنحها الانضمام إليه فرصة العمل من الداخل لإعادة تشكيله أو تقييد نتائجه.
3. منطق الازدواجية الإسرائيلية: رفض الصيغة وقبول الوظيفة
يمكن تلخيص التحول الإسرائيلي في معادلة مزدوجة: رفض الصيغة السياسية للجنة التكنوقراط، مقابل قبول وظيفتها الإدارية، فالحكومة الإسرائيلية لا تعارض وجود جهاز يدير الشأن المدني في غزة، لكنها ترفض أن يتحول هذا الجهاز إلى “منصة سياسية مستقلة أو إلى قناة نفوذ لقطر وتركيا وحماس”.
من هنا، يمكن فهم الموقف الإسرائيلي باعتباره محاولة لتحقيق ثلاثة أهداف متزامنة:
- تفريغ لجنة التكنوقراط من مضمونها السياسي وتحويلها إلى جهاز إداري محدود الصلاحيات.
- تقليص الدور القطري والتركي أو إخضاعه لرقابة أمريكية–إسرائيلية غير مباشرة.
- الحفاظ على هامش سيطرة إسرائيلية على المسار الأمني والسياسي في غزة حتى في ظل وجود إطار دولي جديد.
- دلالات التحول الإسرائيلي
يشير الانتقال من الاعتراض إلى القبول إلى حقيقة أعمق تتجاوز مسألة لجنة التكنوقراط نفسها، وهي أن الحكومة الإسرائيلية لم تعد قادرة على فرض رؤيتها منفردة على مستقبل غزة، لكنها في الوقت ذاته ترفض التخلي عن دورها المركزي في تحديد شكل هذا المستقبل.
وعليه، فإن الموقف الرسمي الإسرائيلي لا يعكس حسمًا سياسيًا، بل حالة إدارة أزمة مستمرة، حيث تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى الموازنة بين ضغوط الحليف الأمريكي ومخاوفها من فقدان السيطرة على واحدة من أكثر الساحات حساسية في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
ثالثًا: المعارضة الإسرائيلية وصراع الرؤى حول “اليوم التالي”
لا يقتصر الجدل الإسرائيلي حول لجنة التكنوقراط على الخلاف بين تل أبيب وواشنطن، بل يمتد إلى الداخل الإسرائيلي ذاته، حيث تكشف مواقف المعارضة عن صراع عميق حول مفهوم “اليوم التالي” للحرب، وحدود القوة العسكرية، وأولوية الحلول السياسية.
- خطاب المعارضة: تحميل الحكومة مسؤولية الفراغ السياسي
هاجم زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لبيد تشكيل اللجنة، معتبرًا أن فشل الحكومة في تبني “الحل المصري” بالتنسيق مع الولايات المتحدة أدى إلى فتح الباب أمام الدور التركي والقطري في غزة، وقال: “منذ عام وأنا أقول للحكومة إن عدم السير نحو الحل المصري مع الولايات المتحدة والعالم سينتهي بوجود تركيا وقطر في غزة”، مضيفًا أن وجودهما في مجلس السلام يمثل “فشلًا سياسيًا كبيرًا لحكومة نتنياهو”.
يعكس خطاب لبيد محاولة المعارضة إعادة تعريف المشكلة الإسرائيلية في غزة بوصفها أزمة سياسية لا عسكرية فقط، حيث ترى أن الحكومة أخفقت في تحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب سياسية، وسمحت لقوى إقليمية منافسة بملء الفراغ الذي تركه الكيان الإسرائيلي في مرحلة ما بعد الحرب.
2. صراع الرؤى داخل النخبة الإسرائيلية
تُظهر مواقف المعارضة أن الخلاف داخل الكيان الإسرائيلي لا يتعلق فقط بتفاصيل لجنة التكنوقراط، بل بنموذج إدارة غزة ذاته، ويمكن تلخيص هذا الصراع في رؤيتين متعارضتين:
رؤية الحكومة اليمينية: التركيز على الحسم العسكري وإضعاف حماس دون الالتزام بصياغة بديل سياسي واضح، خشية الانزلاق إلى تسويات سياسية قد تهدد تماسك الائتلاف الحاكم.
رؤية المعارضة والتيار البراغماتي: الدعوة إلى بلورة بدائل سياسية مبكرة لحكم حماس، بالتنسيق مع الولايات المتحدة ومصر، لتجنب تدخل أطراف إقليمية منافسة وتقليص كلفة السيطرة على غزة.
هذا الانقسام يعكس أزمة أعمق في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، حيث لم تعد المؤسسة السياسية متفقة على طبيعة الهدف النهائي في غزة: هل هو تفكيك حماس عسكريًا فقط، أم إعادة تشكيل النظام السياسي في القطاع وفق نموذج قابل للاستدامة؟
3. المعارضة بوصفها مؤشرًا على أزمة استراتيجية
يمكن قراءة مواقف المعارضة الإسرائيلية ليس فقط باعتبارها جزءًا من الصراع الحزبي الداخلي، بل كمؤشر على مأزق استراتيجي أوسع، فانتقاد لبيد للحكومة لا يعبّر فقط عن خلاف سياسي، بل عن إدراك متزايد داخل الكيان الإسرائيلي بأن غياب رؤية واضحة لليوم التالي فتح المجال أمام الولايات المتحدة والأطراف الإقليمية لإعادة صياغة مستقبل غزة بعيدًا عن السيطرة الإسرائيلية الكاملة.
وبهذا المعنى، تكشف المعارضة الإسرائيلية أن الخلاف حول لجنة التكنوقراط ليس خلافًا تقنيًا حول إدارة مدنية، بل صراعًا حول من يمتلك حق تعريف مستقبل غزة: الحكومة الإسرائيلية، أم الولايات المتحدة، أم القوى الإقليمية الصاعدة في المشهد الغزّي.
رابعًا: الصحافة الإسرائيلية ونقد الفشل الاستراتيجي
لا تكتفي الصحافة الإسرائيلية برصد الخلافات السياسية حول لجنة التكنوقراط، بل تذهب أبعد من ذلك نحو تشخيص أزمة أعمق في المشروع الإسرائيلي في غزة، حيث تتحول المقالات والتحليلات الصحفية إلى ما يشبه “اعترافات استراتيجية” بفشل الربط بين القوة العسكرية والنتائج السياسية.
- “يديعوت أحرونوت”: غياب الرؤية السياسية كأصل الأزمة
اعتبر الصحفي آفي زخاروف أن ما جرى “ليس سوى نتيجة لفشل الحكومة الإسرائيلية في استثمار الجهد العسكري على شكل إنجازات سياسية”، مشيرًا إلى أن رفض الحكومة بلورة خطة لليوم التالي للحرب يمثل أحد أكبر إخفاقاتها منذ بداية الحرب.
وأضاف أن قادة الجيش والشاباك مارسوا ضغوطًا متكررة على المستوى السياسي لصياغة خطة استراتيجية لمرحلة ما بعد الحرب، إلا أن الحكومة رفضت ذلك خشية تفكك الائتلاف الحاكم في حال القبول بعودة السلطة الفلسطينية إلى غزة، ويكشف هذا الطرح عن فجوة واضحة بين المؤسسة العسكرية التي تطالب برؤية سياسية، والقيادة السياسية التي تفضل إدارة الحرب دون تحديد أفقها السياسي.
2. نقد البدائل الإسرائيلية: من الاستراتيجية إلى الارتجال
ذهب زخاروف إلى أن الحكومة استبدلت الرؤية السياسية بشعارات مثل “النصر المطلق”، وطرحت أفكارًا بديلة سرعان ما فشلت، من بينها الاعتماد على العشائر المحلية أو المنظمات الإنسانية لإدارة القطاع، معتبرًا أن هذه الأفكار كشفت عمق الأزمة الاستراتيجية في التفكير الإسرائيلي.
يمكن قراءة هذا النقد بوصفه اتهامًا للحكومة بالانتقال من التفكير الاستراتيجي إلى إدارة الأزمة عبر حلول مؤقتة ومرتبكة، الأمر الذي أدى إلى فقدان الكيان الإسرائيلي القدرة على التحكم بمسار “اليوم التالي”، وفتح المجال أمام الولايات المتحدة والأطراف الإقليمية لطرح بدائلها الخاصة.
3. “إسرائيل فشلت في غزة”: الاعتراف بالفشل السياسي
بدوره، رأى الصحفي ناحوم برنيع أن “إسرائيل” فشلت في خلق بدائل سياسية لحكم حماس، معتبرًا أن منح الآخرين فرصة لتجربة خياراتهم قد يكون أقل خطورة من استمرار الجمود الحالي. وتساءل: “هل نحن مع الرئيس ترامب الذي يصر على دمج قطر وتركيا في اليوم التالي؟ هل ستكون حماس المنتصرة الحقيقية في حرب 7 أكتوبر؟”.
وأضاف أن مخاوف نتنياهو من دخول قطر وتركيا إلى غزة “محقة”، لكنه حذر من أن البدائل التي يطرحها قد تكون أكثر خطورة، خاصة في ظل الكلفة الإنسانية والسياسية والاقتصادية لأي احتلال كامل للقطاع. ويكشف هذا الطرح عن إدراك داخل النخبة الإعلامية الإسرائيلية بأن الخيارات العسكرية الصرفة لم تعد قادرة على إنتاج واقع سياسي مستقر في غزة.
4. الصحافة بوصفها مرآة للأزمة الاستراتيجية
تعكس هذه المواقف الصحفية إدراكًا متزايدًا داخل الكيان الإسرائيلي بأن الأزمة في غزة لم تعد عسكرية فقط، بل سياسية واستراتيجية بالدرجة الأولى، فالصحافة الإسرائيلية، التي غالبًا ما تعبّر عن مزاج النخب السياسية والأمنية، تشير بوضوح إلى أن الكيان الإسرائيلي يخوض حربًا بلا تصور نهائي، ويحقق إنجازات عسكرية دون قدرة على تحويلها إلى نظام سياسي قابل للاستدامة.
وبهذا المعنى، لا تمثل انتقادات الصحافة مجرد خلافات داخلية، بل تعبيرًا عن مأزق استراتيجي بنيوي في المشروع الإسرائيلي في غزة، حيث تتآكل القدرة على فرض الوقائع بالقوة، مقابل تصاعد الحاجة إلى حلول سياسية لا تمتلك الحكومة الحالية أدوات صياغتها.
خامسًا: المؤسسة الأمنية والعسكرية: هواجس السيطرة وتآكل الإنجازات
نقلت مصادر أمنية إسرائيلية لموقع “والا” عن وجود حالة إحباط واسعة داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية من مآلات الوضع في غزة، خاصة عقب الإعلان عن تشكيل لجنة التكنوقراط وإشراك قطر وتركيا في جهود الإعمار، ووفق هذه المصادر، فإن إدخال أطراف يُنظر إليها في الكيان الإسرائيلي باعتبارها داعمة لحماس يعني، من وجهة نظر المؤسسة الأمنية، “تآكل الإنجازات العسكرية للجيش” وإبقاء الحركة قادرة على التأثير في المشهد السياسي والإداري من خلف الكواليس.
تكشف هذه القراءة عن فجوة بين المنطق العسكري والمنطق السياسي في إدارة مرحلة ما بعد الحرب؛ إذ ترى المؤسسة الأمنية أن أي ترتيبات سياسية لا تؤدي إلى تفكيك بنية حماس التنظيمية والأمنية تمثل تهديدًا مباشرًا لما تعتبره الحكومة الإسرائيلية مكاسب ميدانية، فيما تميل الدوائر السياسية إلى مقاربة أكثر براغماتية تأخذ في الاعتبار ضغوط البيئة الدولية والإقليمية.
وعلى المستوى العسكري، عبّرت قيادات في المنطقة الجنوبية عن رفض فكرة الانسحاب من مناطق “الخط الأصفر”، التي تعتبرها الحكومة الإسرائيلية مكاسب استراتيجية، بما في ذلك معبر رفح ومعابر البضائع. ونُقل عن ضابط كبير قوله إن الأجواء السياسية حول غزة “مقلقة”، وإنه يجب الإصرار على “تثبيت الإنجازات التي يحققها جيش الاحتلال ميدانيًا وعدم التفريط بها تحت ضغط التفاهمات السياسية”.
ويعكس هذا الموقف الأمني تصورًا إسرائيليًا أوسع يرى أن السيطرة الميدانية تشكل الضمانة الأساسية لترجمة النتائج العسكرية إلى مكاسب سياسية، وأن أي صيغة حكم مدني لا تضمن تحييد حماس بالكامل ستعيد إنتاج معادلة الصراع بدل إنهائها، كما يكشف عن ميل متزايد داخل المؤسسة العسكرية نحو تكريس نموذج “الإدارة بالقوة”، عبر الحفاظ على حضور عسكري دائم أو شبه دائم في نقاط مفصلية، بما يحول غزة إلى ساحة مفتوحة لإدارة الصراع بدل الانتقال إلى مرحلة تسوية مستقرة.
سادسًا: القراءة التحليلية للموقف الإسرائيلي
لا يمكن فهم الموقف الإسرائيلي من لجنة التكنوقراط بوصفه رد فعل تكتيكيًا محدودًا، بل باعتباره نتاج تداخل مركّب بين اعتبارات سياسية واستراتيجية وأمنية، تعكس في مجموعها مأزقًا إسرائيليًا في إدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة، ويمكن تفكيك هذا الموقف عبر ثلاثة مستويات مترابطة:
- المستوى السياسي: رفض مبدئي وقبول اضطراري
تُبدي الحكومة الإسرائيلية رفضًا مبدئيًا لتركيبة لجنة التكنوقراط، ولا سيما بسبب الدور القطري والتركي، لما يحمله من دلالات سياسية تتعارض مع تصورها لطبيعة النظام السياسي في غزة بعد الحرب، غير أن هذا الرفض يصطدم بحقيقة الاعتماد البنيوي على المظلة الأمريكية، ما يدفعها إلى تبني موقف مزدوج يقوم على الاعتراض السياسي من جهة، والقبول الاضطراري من جهة أخرى حفاظًا على العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن وعدم الدخول في مواجهة مباشرة معها.
2. المستوى الاستراتيجي: هاجس إعادة إنتاج نفوذ حماس
على المستوى الاستراتيجي، تخشى الحكومة الإسرائيلية أن تتحول لجنة التكنوقراط إلى إطار يعيد إنتاج نفوذ حركة حماس بصيغة سياسية غير مباشرة، عبر واجهة إدارية مدنية تقلل من كلفة المواجهة العسكرية وتمنح الحركة قدرة على التأثير من خلف الكواليس، ومن هذا المنطلق، ترى الحكومة الإسرائيلية في اللجنة خطرًا مزدوجًا: تقويض فكرة “تفكيك حكم حماس”، وإعادة تدوير نفوذها ضمن صيغة دولية وإقليمية مقبولة.
3. المستوى الأمني: تثبيت المكاسب الميدانية وتحويلها إلى واقع دائم
أما على المستوى الأمني، فتسعى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى ترجمة الإنجازات الميدانية إلى وقائع جغرافية وسياسية شبه دائمة، عبر الإصرار على الاحتفاظ بمناطق السيطرة والمعابر الحيوية، ويعكس هذا التوجه إدراكًا إسرائيليًا بأن أي صيغة حكم مدني لا تضمن تفكيك البنية العسكرية لحماس ستظل تهديدًا مباشرًا للأمن الإسرائيلي، ما يبرر استمرار الحضور العسكري أو إعادة إنتاجه بصيغ مختلفة.
خلاصة تحليلية
في ضوء هذه المستويات الثلاثة، لا تنظر الحكومة الإسرائيلية إلى لجنة التكنوقراط باعتبارها مجرد صيغة إدارية لإدارة غزة، بل باعتبارها ساحة صراع جديدة على شكل النظام السياسي في القطاع، وحدود النفوذ الإقليمي والدولي، ومستقبل العلاقة بين القوة العسكرية والشرعية السياسية في مرحلة ما بعد الحرب.
سابعًا: السيناريوهات المحتملة للموقف الإسرائيلي
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية للموقف الإسرائيلي تجاه لجنة التكنوقراط في غزة، تعكس استراتيجيات متفاوتة بين الاحتواء والتوظيف، والإفشال غير المباشر، والتصعيد العسكري المحدود:
- سيناريو الاحتواء والتوظيف
تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى المشاركة في الإطار الجديد بهدف التأثير في قرارات اللجنة، وضمان الحد من الدور القطري والتركي، مع الحفاظ على حضور عسكري دائم أو شبه دائم في مناطق استراتيجية داخل القطاع، ويهدف هذا السيناريو إلى تحويل اللجنة إلى أداة يمكن التحكم بها، مع تجنب صدام مباشر مع الولايات المتحدة أو الأطراف الدولية الأخرى.
2. سيناريو الإفشال غير المباشر
قد تختار الحكومة الإسرائيلية أسلوبًا أكثر تكتيكية عبر فرض شروط أمنية صارمة، أو تقييد الموارد المالية والإدارية، أو إثارة خلافات داخلية بين أعضاء اللجنة، بما يؤدي إلى إضعاف فعاليتها عمليًا دون إعلان صريح عن رفضها، ويعكس هذا السيناريو رغبة الحكومة الإسرائيلية في منع تثبيت واقع سياسي غير مرغوب فيه، مع الحفاظ على صورة التعاون الدولي.
3. سيناريو التصعيد العسكري المحدود
قد تلجأ الحكومة الإسرائيلية إلى عمليات عسكرية محدودة ومضبوطة لإعادة فرض قواعد اشتباك جديدة، ومنع تثبيت أي واقع سياسي لا يتوافق مع مصالحها الأمنية، ويشير هذا السيناريو إلى وجود خيار احتياطي دائم يسمح بإعادة تعريف المشهد الميداني والسياسي عند الحاجة، ويعكس استمرار الربط بين الإنجاز العسكري والتحكم السياسي.
ملاحظة تكاملية
تتداخل السيناريوهات الثلاثة أحيانًا، بحيث يمكن للحكومة الإسرائيلية دمج عناصر الاحتواء مع إجراءات الإفشال غير المباشر، مع الاحتفاظ بخيار التصعيد العسكري كآلية للضغط أو الرد في حالة ما إذا تجاوزت اللجنة الحدود المقبولة للمصالح الإسرائيلية.
الخلاصة والاستنتاجات
- الموقف الإسرائيلي مركب ومتعدد المستويات: يظهر الموقف الرسمي، والمعارضة، والصحافة، والمؤسسة الأمنية أن الحكومة الإسرائيلية ترى لجنة التكنوقراط ليست مجرد إدارة مدنية، بل ساحة صراع سياسي واستراتيجي وأمني.
- التوازن بين الاعتراض والقبول: تعكس الإجراءات الإسرائيلية التدرج بين رفض الصيغة السياسية للجنة والقبول بوظيفتها الإدارية، ما يعكس سعي الحكومة الإسرائيلية للحفاظ على نفوذها دون مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو الأطراف الدولية.
- التهديدات الاستراتيجية: تخشى الحكومة الإسرائيلية من إعادة إنتاج نفوذ حماس بصيغة غير مباشرة، ومن تحول اللجنة إلى أداة تؤثر على السيادة الإسرائيلية في غزة، ما يبرز أهمية الربط بين الإنجاز العسكري والتحكم السياسي.
- أولوية السيطرة الميدانية: تؤكد المؤسسة الأمنية على ضرورة تثبيت المكاسب الميدانية وتحويلها إلى واقع شبه دائم، ما يعكس رؤية إسرائيلية ترى أن أي حكم مدني بدون تحييد البنية العسكرية لحماس يمثل تهديدًا للأمن القومي.
- تعدد السيناريوهات العملية: تبقي الحكومة الإسرائيلية خيارات مفتوحة بين الاحتواء والتوظيف، والإفشال غير المباشر، والتصعيد العسكري المحدود، ما يضمن مرونة استراتيجية في مواجهة أي تطورات في غزة.
- الدلالة العامة: تشير الورقة إلى أن الحكومة الإسرائيلية تواجه مأزقًا هيكليًا في إدارة مرحلة ما بعد الحرب، حيث تحاول موازنة الضغوط الدولية، والمخاوف الأمنية، والفراغ السياسي، ضمن سياق يعيد تعريف سلطتها ونفوذها في قطاع غزة دون فتح صدام مباشر مع الفاعلين الإقليميين والدوليين.
التـــوصيــــات
في ضوء الموقف الإسرائيلي من لجنة التكنوقراط ومرونتها بين الاعتراض والقبول، يمكن تقديم عدد من التوصيات للفلسطينيين لتعزيز موقعهم في إدارة المرحلة الانتقالية:
- ضمان وحدة فلسطينية بين مختلف الفصائل والجهات الإدارية لمنع أي استغلال لخلافات داخلية من قبل الكيان الإسرائيلي أو الأطراف الإقليمية.
- العمل على الاستفادة من إشراف واشنطن والأطراف الإقليمية لتعزيز قدرة اللجنة على تقديم خدمات مدنية فعالة دون التخلي عن الحقوق السياسية الأساسية.
- الحفاظ على قدرة اللجنة على إدارة القطاع بكفاءة، مع تحصين موقفها السياسي لتجنب تحولها إلى أداة لإضعاف النفوذ الفلسطيني.
- متابعة السياسات الإسرائيلية على الأرض، خصوصًا ما يتعلق بالخط الأصفر والمكاسب الميدانية، لضمان عدم استغلال أي ثغرات لإعادة إنتاج السيطرة الإسرائيلية.
- تعزيز قنوات التواصل مع مصر والدول الفاعلة الأخرى لضمان توافق جهود الإعمار والتمويل مع مصالح الفلسطينيين ومنع أي أطراف إقليمية من فرض أجندات تعزز نفوذ الكيان الإسرائيلي على حساب الإدارة المدنية.
- وضع خطط بديلة للتعامل مع أي سيناريو إسرائيلي، سواء الاحتواء والتوظيف، أو الإفشال غير المباشر، أو التصعيد العسكري المحدود، لضمان قدرة اللجنة على الاستمرار بأقل خسائر.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-يناير 2026



