تحيل سياسات-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
الملخص التنفيذي
تستعرض هذه الورقة قرارات الأونروا خلال حرب غزة المتعلقة بفصل الموظفين خارج القطاع وتقليص الرواتب وإعادة هيكلة الخدمات، وتحلل مدى اعتبارها ضرورة إدارية أم استجابة للضغوط السياسية.
تٌظهر النتائج أن الإجراءات لم تكن محايدة، بل تأثرت بالضغوط المالية والسياسية، ما أضعف استقلالية الوكالة وهدد الأمن الوظيفي للموظفين واستمرارية الخدمات الأساسية.
تسبب القرار في تراجع الثقة بالوكالة، وتعزيز السرديات التي تشكك في حيادها، وفتح الباب أمام محاولات إعادة تعريف دورها في قضية اللاجئين.
توصي الورقة بضرورة تكثيف الضغط الفلسطيني لحماية الموظفين، صون الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلالية الأونروا، وضمان استمرار دورها التاريخي في حماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين.
المقــدمـــــة
تعد وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونرو( واحدة من أهم المؤسسات الدولية المرتبطة مباشرة بحقوق اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة، إذ تم تأسيسها عام 1949 بموجب القرار 302 للجمعية العامة للأمم المتحدة، لتقديم الخدمات الأساسية في مجالات التعليم والصحة والإغاثة والخدمات الاجتماعية، ولطالما لعبت الوكالة دورًا حيويًا في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي في قطاع غزة، خصوصًا خلال فترات النزاع والأزمات الإنسانية المتكررة.
غير أن طبيعة عمل الأونروا لم تكن يومًا بمعزل عن السياق السياسي المحيط بها، إذ تعمل في بيئة معقدة تتداخل فيها الاعتبارات الإنسانية مع الضغوط السياسية والمالية، حيث يمكن أن تتحول القرارات الإدارية، حتى تلك المرتبطة بالموظفين والخدمات، إلى انعكاس لتوازنات القوى الدولية، ما يثير تساؤلات حول استقلالية الوكالة وقدرتها على الوفاء بمهمتها الأساسية.
تتصاعد هذه التساؤلات بشكل حاد خلال الحروب والأزمات الإنسانية الكبرى، كما حدث في حرب غزة 2026، حين اضطرت الأونروا إلى اتخاذ قرارات صعبة تشمل فصل الموظفين خارج القطاع، تقليص الرواتب، وإعادة هيكلة الخدمات، وتثير هذه الإجراءات أسئلة مركزية حول مدى اعتبارها ضرورة إدارية محايدة أم استجابة للضغوط السياسية والتمويلية، ومدى تأثيرها على استقلالية الأونروا ودورها في حماية اللاجئين الفلسطينيين.
تهدف هذه الورقة إلى تحليل قرارات إدارة الموظفين خلال الحرب على غزة من خلال دمج الأبعاد الإدارية، الإنسانية، والسياسية، والإجابة على السؤال البحثي المحوري:
إلى أي مدى تعكس قرارات الأونروا الإدارية تحوّلًا في استقلاليتها السياسية خلال الحرب على غزة، وهل تمثل هذه القرارات ضرورة إدارية أم استجابة لضغوط سياسية؟
من خلال هذا التحليل، تسعى الورقة إلى تقديم رؤية شاملة حول تداعيات القرارات على الموظفين، الخدمات الإنسانية، واستدامة دور الأونروا التاريخي في القضية الفلسطينية، مع استخلاص توصيات عملية لتعزيز حماية الموظفين واستمرار الخدمات الأساسية وضمان استقرار الوكالة في أزمات المستقبل.
أولًا: الأونروا بين الوظيفة الإنسانية والسياق السياسي
منذ تأسيسها عام 1949، اضطلعت الأونروا بدور مركزي في تقديم الخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين في مجالات التعليم والصحة والإغاثة والخدمات الاجتماعية، وتمثل إحدى أهم المؤسسات الدولية المرتبطة مباشرة بحق العودة.
غير أن طبيعة عمل الأونروا لم تكن يومًا محايدة بالكامل، إذ تعمل في بيئة سياسية مشحونة، حيث يتداخل الإنساني مع السياسي، ويتحول التمويل إلى أداة ضغط، وتصبح القرارات الإدارية انعكاسًا لموازين القوى الدولية.
يعتمد نموذج تمويل الأونروا على التبرعات الطوعية للدول المانحة، ما يجعلها عرضة لتقلبات سياسية مستمرة، وقد شهدت الوكالة خلال السنوات الأخيرة موجات متكررة من الأزمات المالية، خاصة بعد قرارات الولايات المتحدة ودول أخرى تعليق أو تقليص التمويل، الأمر الذي انعكس على قدرتها التشغيلية واستقلاليتها المؤسسية.
ثانيًا: السياق العام للحرب وتأثيره على الأونروا
أدت الحرب على غزة إلى وضع غير مسبوق للأونروا، حيث وجدت نفسها أمام ثلاث ضغوط متزامنة:
- ضغط إنساني ناتج عن حجم الكارثة الإنسانية واتساع دائرة الاحتياجات.
- ضغط إداري ناجم عن تضرر البنية التشغيلية للوكالة وفقدان القدرة على إدارة الموارد البشرية بشكل طبيعي.
- ضغط سياسي ومالي مرتبط بحملات التشكيك في دور الوكالة واتهامها، وتعليق التمويل من عدد من الدول المانحة.
في هذا السياق، تحولت الأونروا من مجرد جهة إنسانية إلى ساحة صراع سياسي غير مباشر، حيث أصبحت قراراتها محكومة بتوازن معقد بين مقتضيات العمل الإنساني ومتطلبات البقاء المؤسسي.
ثالثًا: قرارات إدارة الموظفين خلال الحرب
في مطلع عام 2026، واجهت الأونروا اختبارًا حاسمًا لاستقلاليتها وقدرتها على إدارة أزماتها الداخلية، عندما قررت إنهاء عقود نحو 570 موظفًا من كوادر غزة الذين كانوا خارج القطاع، مستندةً في تبريرها إلى الأزمة المالية الحادة وصعوبة عودة هؤلاء الموظفين نتيجة إغلاق المعابر.
لم تقتصر الإجراءات على إنهاء العقود، بل شملت سلسلة من القرارات المترابطة، أبرزها:
- تقليص رواتب الموظفين بنسبة تقارب 20%، وهو ما أثر مباشرة على الأمن المعيشي لمئات الأسر التي تعتمد على دخل الموظفين كوسيلة أساسية للبقاء.
- تجميد بعض الالتزامات التشغيلية، مما أدى إلى تعطّل بعض الخدمات الأساسية وتأخير توزيع الموارد في أوقات حرجة.
- إعادة هيكلة جزئية للخدمات، أُعلن عنها كجزء من خطة مواجهة العجز المالي، لكنها ترافقت مع تراجع قدرة الوكالة على إدارة كوادرها بشكل فعال.
بررت الأونروا هذه الإجراءات بضرورة الحفاظ على استمرارية عملها في ظل عجز مالي متفاقم، إلا أن التوقيت والسياق السياسي المحيط يثيران علامات استفهام جدية حول طبيعة القرار، فقد جاءت القرارات أثناء ذروة الحرب على غزة، في وقت كانت فيه الاحتياجات الإنسانية في أقصى مستوياتها، ما جعلها تبدو غير متناسبة مع التحديات الواقعية، وغير متسقة مع مسؤولية الوكالة تجاه موظفيها والمجتمع الفلسطيني.
وقد أثارت هذه الإجراءات اعتراضات واسعة، سواء من قبل الموظفين أنفسهم، أو النقابات، أو المؤسسات الفلسطينية الرسمية، التي اعتبرت القرار تعسفيًا وينتهك مبادئ العدالة الإدارية والإنسانية، كما ربط مراقبون بين هذه القرارات وبين الضغوط السياسية والمالية المستمرة على الوكالة، معتبرين أن الإجراءات لم تكن مجرد استجابة للأزمة المالية، بل انعكاسًا لتحديات هيكلية أعمق تواجه استقلالية الأونروا في اتخاذ قراراتها بحرية وحيادية.
بهذه الصورة، تتحول قرارات الإدارة من إجراءات مالية بحتة إلى رمز لتحول الوظيفة الإنسانية للأونروا إلى أداة تتقاطع فيها السياسة والتمويل مع الإدارة التشغيلية، ما يجعل هذه اللحظة اختبارًا حقيقيًا لاستقلالية الوكالة وقدرتها على الصمود أمام الضغوط المركبة في سياق الحرب.
رابعًا: تحليل القرارات بين الضرورة الإدارية والضغط السياسي
- البعد الإداري
من منظور إداري بحت، يمكن تفسير قرارات الأونروا باعتبارها محاولة لإدارة أزمة مالية وتشغيلية حادة. فالوكالة تواجه عجزًا مزمنًا في الميزانية، وتعمل في بيئة عمليات شبه مشلولة، ما يجعل اتخاذ قرارات تقشفية أمرًا متوقعًا.
غير أن هذا التفسير يواجه عدة إشكاليات:
- الأونروا واجهت أزمات مالية سابقة دون اللجوء إلى فصل جماعي للموظفين.
- القرارات لم تُطبق بشكل متساوٍ على جميع القطاعات، ما يثير تساؤلات حول معايير العدالة الإدارية.
- تحميل الموظفين وحدهم كلفة الأزمة يتناقض مع مبادئ الإدارة الإنسانية التي تقوم عليها الوكالة.
2. البعد الإنساني
تسببت قرارات الفصل في تداعيات إنسانية واسعة، إذ فقد مئات الموظفين مصدر دخلهم في ظل ظروف اقتصادية كارثية، ما انعكس على آلاف الأسر التي تعتمد عليهم.
كما أدى فقدان الكوادر البشرية إلى تهديد استمرارية الخدمات الأساسية، خاصة في مجالات التعليم والصحة والإغاثة، ما يضعف قدرة الأونروا على أداء وظيفتها الأساسية تجاه اللاجئين.
3. البعد السياسي
يتجاوز تفسير هذه القرارات البعد الإداري ليصل إلى مستوى سياسي أعمق، فالضغوط التي تعرضت لها الأونروا خلال الحرب لم تكن مالية فقط، بل كانت جزءًا من سياق أوسع يستهدف دور الوكالة ومكانتها في قضية اللاجئين.
تشير المعطيات إلى أن:
- تعليق التمويل من بعض الدول المانحة جاء في سياق سياسي مرتبط باتهامات موجهة للوكالة.
- الحكومة الإسرائيلية والولايات المتحدة مارستا ضغوطًا مستمرة لتقليص دور الأونروا أو إعادة تعريفه.
- القرارات الإدارية للوكالة بدت متسقة جزئيًا مع هذه الضغوط، ما يطرح تساؤلًا حول استقلاليتها المؤسسية.
من هذا المنظور، يمكن القول إن قرارات فصل الموظفين ليست مجرد إجراءات إدارية، بل تعكس تحولًا في موقع الأونروا داخل المعادلة السياسية الدولية، حيث أصبحت أكثر خضوعًا لشروط المانحين والضغوط السياسية.
خامسًا: تداعيات القرارات على الأونروا وقضية اللاجئين
- على الموظفين
- تقويض الأمن الوظيفي والاستقرار النفسي.
- تعميق الشعور بالظلم وعدم الثقة بالإدارة.
- إضعاف العلاقة بين الموظفين والوكالة.
2. على الخدمات الإنسانية
- تراجع القدرة التشغيلية للوكالة.
- تهديد استمرارية الخدمات الأساسية.
- زيادة اعتماد اللاجئين على منظومات إنسانية بديلة أقل استقرارًا.
3. على شرعية الأونروا
- تآكل الثقة المجتمعية في الوكالة.
- اهتزاز صورتها كجهة إنسانية محايدة.
- تعزيز السرديات التي تشكك في دورها.
4. على قضية اللاجئين
- فتح الباب أمام إعادة تعريف دور الأونروا.
- تعزيز مشاريع سياسية تستهدف تفكيك الوكالة أو تقليص تفويضها.
- إضعاف أحد أهم الأطر الدولية المرتبطة بحق العودة.
الخــلاصـــــة
تكشف الأزمة أن القرارات الإدارية للأونروا، بما في ذلك فصل الموظفين وتقليص الرواتب وإعادة هيكلة الخدمات، لم تكن مجرد استجابات للتحديات المالية، بل انعكاسات لتداخل الأبعاد السياسية والتمويلية والإدارية والإنسانية.
من منظور إداري، كانت الإجراءات تهدف إلى مواجهة عجز مالي وتشغيل محدود، لكنها اتسمت بعدم العدالة في التطبيق، وحملت الموظفين واللاجئين كلفة مباشرة، ما أثر على الأمن الوظيفي والاستقرار النفسي للكوادر وتهديد استمرارية الخدمات الأساسية.
من منظور سياسي، تشير المعطيات إلى أن القرارات تتأثر بشكل ملموس بالضغوط الدولية، بما في ذلك سياسات الولايات المتحدة والحكومة الإسرائيلية، ما يضع استقلالية الأونروا أمام تحدٍ حقيقي ويحوّل قراراتها من إدارة مالية بحتة إلى توازن دقيق بين البقاء المؤسسي والمطالب السياسية للمانحين.
تؤكد الورقة أن الأزمة تكشف عن تحول محتمل في طبيعة الأونروا: من منظمة إنسانية مستقلة نسبيًا إلى كيان أكثر ارتباطًا بشروط المانحين والتوازنات السياسية الدولية، وإذا استمر اعتماد الوكالة على تحميل الموظفين واللاجئين كلفة الضغوط السياسية والمالية، فإن ذلك قد يؤدي إلى إعادة تشكيل تدريجية لدورها التاريخي، مع تهديد قدرتها على حماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين واستدامة خدماتها الأساسية.
باختصار، القرارات الإدارية الأخيرة للأونروا تمثل تلاقي الضرورة الإدارية مع الضغوط السياسية، وتضع المؤسسة أمام تحدٍ مركب يجمع بين البقاء المؤسسي، الوظيفة الإنسانية، والاستقلالية التشغيلية والسياسية، ما يجعل الأزمة الحالية اختبارًا حقيقيًا لمستقبل دور الأونروا في القضية الفلسطينية.
التــوصيــــات
- حماية الموظفين وتعزيز حقوقهم وتشكيل لجان متابعة فلسطينية مشتركة تضم نقابات الأونروا، اتحادات الموظفين، والمجتمع المدني لمراقبة تطبيق أي قرارات إدارية والتأكد من عدالتها.
- التنسيق بين المجتمع المدني والقطاع الخاص الفلسطيني لتأمين بدائل مؤقتة للخدمات الأساسية (التعليم والصحة والإغاثة) في حالة شلل الخدمات، لضمان عدم ترك اللاجئين دون حماية.
- تعزيز الموقف السياسي الفلسطيني تجاه الأونروا من خلال ضغط سياسي فلسطيني موحد على المانحين والمؤسسات الدولية لضمان استمرار تمويل الأونروا وحماية استقلاليتها من التدخلات الخارجية.
- إطلاق حملات إعلامية فلسطينية لتسليط الضوء على دور الأونروا التاريخي، وفضح محاولات الاستهداف السياسي، لتعزيز الدعم الشعبي والمؤسساتي للوكالة.
- إنشاء آليات فلسطينية رسمية لمتابعة قرارات الأونروا المتعلقة بالموظفين والخدمات، بما يشمل تقديم توصيات مستمرة للمفوض العام لضمان الشفافية والعدالة.
- توثيق حالات الانتهاكات أو القرارات التعسفية ضد الموظفين وإرسالها للجهات الفلسطينية والدولية المختصة لدعم الضغط القانوني والسياسي.
- دعم المبادرات الفلسطينية التي تهدف إلى حماية تفويض الأونروا وحق العودة، بما في ذلك تطوير سياسات وطنية لضمان استمرار الخدمات الأساسية وحماية الموظفين.
- العمل على توحيد المواقف الفلسطينية لتقليل الانقسامات وتقديم موقف فلسطيني موحد يحمي دور الأونروا في المستقبل.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-يناير 2026



