السلطة الفلسطينية بين الوظيفة والصمود: تفكيك غير معلن ومسارات مستقبلية

تحليل سياسي-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي

تتناول هذه الورقة التحول البنيوي الذي أصاب السلطة الفلسطينية، من مشروع انتقالي نحو الدولة إلى كيان وظيفي محاصر يُدار ضمن منظومة استعمارية أوسع.

 تُظهر الورقة كيف جرى اختزال غزة في ملف إنساني دائم، والضفة الغربية في نموذج تنموي–أمني منزوع السيادة، بما يؤدي إلى تفكيك الجغرافيا والتمثيل السياسي الفلسطيني.

 وتخلص إلى أن اتفاق أوسلو انتهى سياسيًا لكنه ما زال قائمًا وظيفيًا بوصفه أداة لإدارة السكان وضبط الاستقرار، وتؤكد أن التوصيف الأدق للحالة الراهنة هو “سلطة بلا صلاحيات” لا “سلطة بلا سلاح”، وتقترح الورقة بدائل واقعية تقوم على إصلاح النظام السياسي الفلسطيني، وإعادة تعريف وظيفة السلطة، وبناء استراتيجية وطنية لغزة، وتفعيل المسار الدولي والقانوني، بما يعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية كقضية تحرر وحق تقرير مصير.

مقدمــــة

تشهد القضية الفلسطينية في المرحلة الراهنة تحولات عميقة لم تعد تقتصر على موازين القوة الميدانية أو مسارات التفاوض السياسي، بل تمتد إلى إعادة تعريف البنية الوظيفية للنظام السياسي الفلسطيني نفسه، وعلى رأسه السلطة الفلسطينية، فبعد أكثر من ثلاثة عقود على اتفاق أوسلو، لم يعد السؤال المطروح يتمحور حول فرص قيام الدولة الفلسطينية بقدر ما يتعلق بطبيعة الدور الذي باتت تؤديه السلطة، وحدود هذا الدور، ووظيفته الفعلية في ظل الاحتلال، والانقسام الداخلي، والتحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.

تأتي هذه الورقة في سياق يتسم بتفاقم الإبادة الجماعية والحصار في قطاع غزة، وتسارع الاستيطان ومشاريع الضم في الضفة الغربية، مقابل مقاربات دولية تزداد ميلًا إلى إدارة الأزمة الفلسطينية بأدوات إنسانية وتنموية وأمنية، مع فصل متعمد بين النتائج الكارثية وأسبابها الاستعمارية، وفي هذا الإطار، يجري تفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها التحرري، وتحويلها إلى ملف قابل للإدارة والاحتواء، لا إلى قضية حق وتقرير مصير.

تنطلق الورقة من مقاربة تحليلية نقدية–بنيوية، تنظر إلى السلطة الفلسطينية بوصفها بنية نشأت في سياق اتفاقي وظيفي، وتعرضت لاحقًا لعملية تفكيك تدريجي لدورها السياسي والسيادي، لا عبر إنهائها المباشر، بل عبر إعادة تعريف وظائفها وحدودها، وتهدف الورقة إلى تفكيك هذا المسار، وقراءة انعكاساته في غزة والضفة الغربية، وتحليل دلالات ما يمكن اعتباره نهاية عملية لاتفاق أوسلو بلا إعلان رسمي، وصولًا إلى طرح بدائل واقعية تعيد وصل السلطة بالمشروع الوطني الفلسطيني، وتنتقل من منطق إدارة الأزمة إلى منطق الصمود والتحرر.

أولًا: من إدارة التحرر إلى إدارة الأزمة

في قطاع غزة، يجري إعادة توصيف الإبادة الجماعية والحصار طويل الأمد ضمن إطار “كارثة إنسانية” تستوجب استجابة إغاثية عاجلة، بمعزل عن جذورهما السياسية والقانونية بوصفهما نتاجًا مباشرًا لسياسات الاحتلال المستمرة، ولا يقتصر هذا التوصيف على البعد اللغوي أو الإعلامي، بل يعكس تحولًا أعمق في مقاربة المجتمع الدولي للقضية الفلسطينية، من التعامل معها كقضية تحرر وطني إلى إدارتها كأزمة إنسانية قابلة للاحتواء.

لا خلاف على أن الإغاثة ضرورة أخلاقية وإنسانية لإنقاذ الأرواح في ظل الإبادة والدمار، إلا أن فصل الإغاثة عن سياقها السياسي يحولها من استجابة إنسانية مؤقتة إلى أداة دائمة لإدارة النتائج بدل معالجة الأسباب، وفي هذا الإطار، يُدار الموت بدل منعه، ويُدار الجوع عبر الخيام وسلاسل المساعدات، بدل تفكيك منظومة الحصار والعدوان التي تنتجه، وهكذا، تصبح المعاناة الفلسطينية مادة تنظيم وإدارة، لا دافعًا للمساءلة والمحاسبة.

ضمن هذا المنطق، تُطرح تصورات مثل “غزة ما بعد الحرب” و”غزة الخضراء” كمشاريع إعادة إعمار وتنمية تقنية–اقتصادية، تُختزل فيها غزة إلى مساحة إعادة تأهيل مادي، بينما يُغيب السؤال السياسي الجوهري المتعلق بالمسؤولية عن الدمار، وحقوق الشعب الفلسطيني، ومستقبل السيادة والتمثيل الوطني.
 ويجري في هذا السياق محاولات تحييد كل القوى الوطنية بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية، صاحبة الولاية الوطنية والتمثيلية القانونية، أو تجاوزها عمليًا، لصالح صيغ إدارة دولية أو شبه دولية، تُقدم باعتبارها حلولًا “عملية” و”محايدة”.

إن خطورة هذه المقاربة لا تكمن فقط في تغييب البعد السياسي، بل في تحويل إعادة الإعمار نفسها من أداة لتعزيز الصمود الوطني وإعادة بناء المجتمع الفلسطيني، إلى مدخل لإعادة إنتاج السيطرة الاستعمارية بأدوات ناعمة، فالإعمار المشروط أمنيًا وسياسيًا، والمفصول عن مسار تحرري واضح، لا يعالج آثار الحرب بقدر ما يعيد تنظيمها، ويُعيد هندسة الواقع في غزة بما يتوافق مع متطلبات “الاستقرار” الإسرائيلي والدولي، لا مع حقوق الفلسطينيين وتطلعاتهم الوطنية.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل تغييب الدور السياسي للسلطة الفلسطينية خلال حرب الإبادة عن هذا التحول، فغياب المبادرة، وتراجع الفعل القيادي، والاكتفاء بدور هامشي أو صامت، ساهم – موضوعيًا – في تكريس منطق إدارة الأزمة بدل قيادتها، وفتح المجال أمام مقاربات خارجية تتعامل مع غزة كملف إنساني منفصل، لا كجزء أصيل من قضية فلسطينية واحدة ذات بعد تحرري جامع.

ثانيًا: غزة كنقطة ارتكاز لإعادة هندسة النظام الفلسطيني

تشير المعطيات السياسية المتراكمة إلى أن وضع قطاع غزة تحت صيغ إدارة دولية أو شبه دولية لا يُطرح بوصفه ترتيبًا إنسانيًا مؤقتًا أو مرحلة انتقالية نحو إنهاء الاحتلال، بل باعتباره مدخلًا لإعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني برمّته، فإدارة غزة خارج الإطار الوطني الجامع لا تعني فقط فصل القطاع إداريًا، بل تعني – في جوهرها – إعادة تعريف من يملك حق التمثيل، ومن يقرر، وبأي مرجعية.

في هذا السياق، يصبح تجاوز منظمة التحرير الفلسطينية، أو تحييدها عمليًا، خطوة مركزية في هذا المسار، بما يؤدي إلى تقويض مكانتها التمثيلية، وربما إفراغها من مضمونها السياسي والقانوني، فحين تُدار غزة بوصفها ملفًا إنسانيًا–أمنيًا مستقلًا، تُستبدل فكرة التمثيل السياسي لشعب واقع تحت الاحتلال بمنطق الإدارة التقنية لسكان محتاجين، تُحدد أولوياتهم في الغذاء والمأوى والخدمات، لا في الحقوق والسيادة وتقرير المصير.

ولا تقتصر خطورة هذا المسار على قطاع غزة وحده، بل تمتد لتشكل نموذجًا قابلًا للتعميم، فغزة، في هذه المقاربة، تتحول إلى مختبر سياسي يُجرَّب فيه نمط جديد من الإدارة الدولية–المحلية، تمهيدًا لتطبيقه، بصيغ أكثر هدوءًا وأوسع غطاءً، في الضفة الغربية، وبهذا المعنى، لا يمثل ما يجري قطيعة مع “صفقة القرن”، بل إعادة إنتاجها بصورة أكثر نعومة وأقل صدامية، تستفيد من دروس فشل الطرح الصريح، وتتبنى أدوات تدريجية تقوم على التفكيك بدل الإعلان.

إن إعادة إنتاج هذا النموذج تعني عمليًا تثبيت واقع يقوم على:

  • إخراج القدس نهائيًا من أي أفق سياسي فلسطيني،
  • شرعنة الكتل الاستيطانية الكبرى،
  • وحصر الفلسطينيين في تجمعات سكانية مجزأة، تُدار أمنيًا وإداريًا دون أي سيادة حقيقية.

وفي هذا الإطار، لا يُنظر إلى السلطة الفلسطينية بوصفها شريكًا سياسيًا في تقرير المصير، بل كأداة قابلة للتجاوز أو الاستبدال، إذا ما تعارض وجودها مع متطلبات “الاستقرار” أو مع التصورات الإسرائيلية–الدولية لإدارة الصراع، وهكذا، تتحول غزة من ساحة مواجهة مفتوحة إلى نقطة ارتكاز لإعادة تشكيل المشهد الفلسطيني بأكمله، على نحو يهدد وحدة التمثيل، ويقوّض أي إمكانية لإعادة بناء مشروع وطني جامع.

ثالثًا: الضفة الغربية – من الحكم الذاتي إلى الإدارة السكانية

في الضفة الغربية، لا يجري التعامل مع الواقع الفلسطيني من خلال خطاب الإغاثة كما في قطاع غزة، بل عبر منظومة خطابية بديلة قوامها “التنمية” و”بناء القدرات” و”الحوكمة” و”الاستقرار الاقتصادي“.

ويبدو هذا الخطاب، في ظاهره، أكثر إيجابية وواقعية، إلا أنه يؤدي – في جوهره – الوظيفة ذاتها: نزع السياسة عن جوهر الصراع، وتحويل الاحتلال من مشكلة يجب إنهاؤها إلى معطى ثابت ينبغي التكيّف معه.

تُضخ الأموال في مشاريع خدماتية وبُنى تحتية محدودة الأثر، ويُعاد إنتاج اقتصاد ريعي تابع وملحق بالاقتصاد الإسرائيلي، يفتقر إلى أي قاعدة إنتاجية مستقلة، وفي المقابل، تُستبعد القضايا الجوهرية المتعلقة بالأرض والموارد الطبيعية والسيادة والحدود من أي نقاش فعلي، وكأنها ملفات مؤجلة أو غير واقعية، وبهذا، يُعاد تعريف “النجاح” الفلسطيني بمدى القدرة على إدارة السكان وتحسين شروط معيشتهم تحت الاحتلال، لا بمدى التقدم نحو تفكيك منظومته أو مواجهته سياسيًا.

يتزامن هذا المسار مع تسارع غير مسبوق في مشاريع الاستيطان وشرعنتها، وما يصاحبها من ضم زاحف للأراضي، وتقطيع أوصال الجغرافيا الفلسطينية، وتحويل الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة تتمركز حول المدن الرئيسية، بلا تواصل جغرافي ولا أفق سيادي، ورغم خطورة هذا التحول، لم يواكبه تغيير جذري في وظيفة السلطة الفلسطينية أو أدواتها، بل استمر التعامل معه بوصفه تحديًا إداريًا وأمنيًا يمكن احتواؤه، لا مشروعًا سياسيًا يستدعي مواجهة شاملة.

في هذا السياق، لم تعد السلطة الفلسطينية تُمارس دور كيان انتقالي نحو الدولة المستقلة، بل أُعيد تعريفها – بفعل القيود الخارجية وخيارات القيادة الداخلية معًا – كوسيط إداري وأمني، يهدف إلى تخفيف كلفة الاحتلال وضبط المجتمع الفلسطيني ضمن حدود مرسومة سلفًا، ويسهم هذا الدور، موضوعيًا، في توفير بيئة “مستقرة” تسمح باستمرار الاستيطان وتوسعه، مقابل الحفاظ على الحد الأدنى من الحياة الاقتصادية والخدماتية للفلسطينيين.

وعليه، فإن ما يجري في الضفة الغربية لا يمثل فشلًا تكتيكيًا أو تعثرًا مرحليًا لمسار الحكم الذاتي، بل يعكس تحولًا بنيويًا من فكرة الدولة الفلسطينية إلى مفهوم “الإدارة السكانية”، حيث تُدار التجمعات الفلسطينية بوصفها وحدات بشرية تحتاج إلى تنظيم وخدمات، لا كجماعة سياسية تسعى إلى الحرية والسيادة، وهو تحول يتكامل، لا يتناقض، مع المقاربة المعتمدة في قطاع غزة، ضمن مشروع واحد يستهدف إعادة صياغة القضية الفلسطينية خارج إطارها التحرري.

رابعًا: سلطة بلا سلاح أم سلطة بلا صلاحيات؟

يكشف الواقع الفلسطيني في مطلع عام 2026 أن الإشكالية المركزية لا تكمن في توصيف السلطة الفلسطينية بوصفها “سلطة بلا سلاح”، بل في كونها – على نحو أدق – سلطة بلا صلاحيات فعلية،فغياب السلاح الثقيل قد يكون، في سياقات دولية أخرى، خيارًا سياديًا واعيًا ضمن ترتيبات أمنية متفق عليها، أما في الحالة الفلسطينية، فهو نتيجة لمسار متكامل من التجريد المنهجي للصلاحيات، الأمنية والمالية والسياسية، بما يحول السلطة إلى كيان إداري محدود الوظيفة، لا يمتلك أدوات القرار ولا شروط السيادة.

على الصعيد الأمني، لا تمتلك السلطة الفلسطينية أي قدرة حقيقية على حماية المواطنين من اقتحامات جيش الاحتلال، ولا من اعتداءات المستوطنين المتصاعدة، كما لا تملك سيطرة على الحدود أو المعابر أو المجال الجوي أو الكتل الاستيطانية، وتقتصر وظيفتها الأمنية، عمليًا، على إدارة الأمن الداخلي ضمن نطاقات جغرافية مجتزأة، وبما لا يتعارض مع متطلبات السيطرة الإسرائيلية الأوسع.

أما ماليًا، فتخضع السلطة لابتزاز سياسي مزمن عبر آلية أموال المقاصة، التي تُستخدم كأداة ضغط وعقاب جماعي، في ظل غياب أي سيطرة فلسطينية على السياسة النقدية أو الموارد الطبيعية أو حركة التجارة الخارجية، ويجعل هذا الوضع المالية العامة رهينة لقرارات خارجية، ويحدّ من قدرة السلطة على التخطيط المستقل أو تبني سياسات اقتصادية ذات بعد وطني طويل الأمد.

إداريًا ومكانيًا، فقدت السلطة تدريجيًا صلاحيات التخطيط والسيطرة على معظم أراضي الضفة الغربية، خاصة في المناطق المصنفة (ج)، وتلاشت ولايتها القانونية والسياسية في القدس المحتلة.

 أما في قطاع غزة، فإن أي عودة محتملة للسلطة – وفق بعض الطروحات التي لا ترغب بها الحكومة الإسرائيلية– لا تُطرح بوصفها استعادة لوحدة جغرافية وسياسية، بل في إطار إدارة إنسانية وخدماتية للمساعدات، تحت رقابة أمنية مشددة، وبلا سيطرة حقيقية على القرار.

سياسيًا، أدى تعطيل المجلس التشريعي، وتأجيل الانتخابات الرئاسية والتشريعية، إلى تآكل التفويض الشعبي والشرعية التمثيلية، ما أضعف موقع السلطة بوصفها ممثلًا سياسيًا جامعًا، وحوّلها تدريجيًا إلى جهاز إداري قائم بذاته، منفصل عن آليات المساءلة الديمقراطية والتجديد السياسي.

وعليه، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بامتلاك السلطة للسلاح من عدمه، بل بامتلاكها للمعنى السياسي للصلاحيات: صلاحيات الحماية، والقرار، والتخطيط، والمساءلة، ومن دون هذه الصلاحيات، تتحول السلطة من أداة انتقالية نحو الاستقلال إلى بنية وظيفية تُدار ضمن شروط الاحتلال، وتُقيَّم كفاءتها بمدى قدرتها على إدارة السكان، لا بقدرتها على تغيير الواقع السياسي القائم.

خامسًا: أوسلو – نهاية بلا إعلان

تشير المعطيات السياسية والميدانية المتراكمة إلى أننا أمام ما يمكن توصيفه بـ “الوفاة الإكلينيكية” لاتفاق أوسلو، حيث انتهى الاتفاق فعليًا بوصفه إطارًا سياسيًا يقود إلى تسوية أو دولة، بينما يجري الإبقاء على هياكله الإدارية والأمنية بوصفها أدوات وظيفية تخدم إدارة الواقع القائم، فالدولة الفلسطينية المتصلة جغرافيًا لم تعد احتمالًا واقعيًا، لا بفعل التعثر التفاوضي فقط، بل نتيجة مسار ممنهج من التفكيك الجغرافي والاستيطان والضم الزاحف.

ومع ذلك، يستمر أوسلو عمليًا، لا باعتباره مشروع سلام، بل باعتباره نظام إدارة للسكان الفلسطينيين، يخفف أعباء الاحتلال المباشرة، ويؤمن حدًا أدنى من “الاستقرار المُدار” الذي يريده الكيان الإسرائيلي، ويستثمر فيه المجتمع الدولي بوصفه أقل السيناريوهات تكلفة سياسية وأمنية، وبهذا المعنى، لا يُعلن عن نهاية أوسلو لأن الإعلان نفسه سيستدعي أسئلة البديل، والمسؤولية، وإعادة تعريف الصراع.

ما يميز هذه المرحلة عن سابقاتها هو تداخل ثلاثة عوامل بنيوية، تجعل من استمرار أوسلو أمرًا متناقضًا مع الواقع، حتى وهو قائم شكليًا:

أولًا، واقع ما بعد حرب الإبادة على غزة، الذي تجاوز عمليًا فكرة وحدة الأراضي الفلسطينية، ليس فقط بفعل التدمير الهائل والانفصال الجغرافي، بل عبر تكريس مقاربات دولية تتعامل مع غزة كوحدة إنسانية–أمنية منفصلة، ومع الضفة الغربية كساحة “إدارة استقرار”، ما يقوض الأساس الجغرافي والسياسي لأي مشروع دولة موحدة.

ثانيًا، انسداد الأفق الاقتصادي مع الانهيار الفعلي لبروتوكول باريس، الذي لم يعد قادرًا على تنظيم علاقة اقتصادية قابلة للاستمرار، بل تحول إلى أداة تقييد وتبعية، فقد بات الاقتصاد الفلسطيني اقتصادًا هشًا، ريعيًا، معتمدًا على التحويلات والمقاصة، وعاجزًا عن توليد تنمية حقيقية أو حماية اجتماعية، بما يضعف أحد الأعمدة التي استند إليها منطق “السلام الاقتصادي”.

ثالثًا، صعود جيل فلسطيني جديد تجاوز أوسلو في وعيه وخطابه وتطلعاته، جيل لم يعش لحظة التوقيع ولا وعود “الدولة خلال خمس سنوات”، وينظر إلى السلطة واتفاق أوسلو بوصفهما جزءًا من إدارة الأزمة لا من حلها، وهذا التحول في الوعي الجمعي لا ينعكس فقط في الخطاب السياسي، بل في أنماط الاحتجاج، وأشكال التنظيم، وتآكل شرعية الصيغ القديمة للتمثيل.

وعليه، فإن أوسلو لا ينتهي لأنه ما زال يُستخدم، لكنه فقد مضمونه التاريخي والسياسي، فنحن نحن أمام اتفاق ميت سياسيًا، حي إداريًا، واستمرار هذا الوضع لا يعني الاستقرار، بل تأجيل الانفجار، وفتح المجال أمام صيغ أكثر خطورة من إعادة الهندسة السياسية والجغرافية للقضية الفلسطينية، دون مرجعية وطنية جامعة أو أفق تحرري واضح.

سادسًا: البدائل الواقعية – من الوظيفة إلى الصمود

في ضوء ما سبق، يبدو أن سياسة النأي بالنفس التي انتهجتها “القيادة الفلسطينية الرسمية” خلال السنوات الأخيرة لم تمنع تفاقم المخاطر، بل ساهمت في تكريس منطق إدارة الأزمة بدل مواجهة الاحتلال أو تعزيز الوحدة الوطنية، واليوم، لم يعد أمام القيادة خيار إلا بلورة رؤية وطنية جامعة، تراعي الواقع السياسي والميداني وتعيد بناء السلطة والتمثيل الفلسطيني على أسس صلبة، تستند إلى أربعة أبعاد مترابطة:

  1. إصلاح الشرعية والنظام السياسي:
  • إنهاء الانقسام السياسي والفصائلي عبر حكومة توافق وطني أو لجنة تنفيذية موحدة، تحظى بقبول كافة القوى والفصائل الفلسطينية.
  • إجراء انتخابات شاملة للرئاسة والمجلس التشريعي والمجلس الوطني، بما يضمن تجديد التفويض الشعبي واستعادة الشرعية.
  • إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية كمرجعية وطنية جامعة، تضم جميع الفصائل وتستعيد دورها كإطار شرعي وقانوني لتمثيل الشعب الفلسطيني أمام المجتمع الدولي.

2. إعادة تعريف وظيفة السلطة الفلسطينية:

  • الانتقال من دور “ضبط الاستقرار” إلى دور حقيقي في حماية المواطنين وتعزيز الصمود الوطني، بما يشمل مواجهة اعتداءات الاحتلال والمستوطنين بآليات مدنية وسياسية فعالة.
  • مراجعة العقيدة الأمنية والاقتصادية للسلطة، بما يقلل التبعية الاقتصادية ويعزز القدرة على التخطيط الوطني المستقل، مع الحفاظ على الأمن الداخلي دون إخضاعه للتنسيق الذي يضعف السيادة.

3. استراتيجية وطنية لغزة:

  • رفض أي حلول أمنية أو سياسية مفروضة من الاحتلال أو المجتمع الدولي تُعيد القطاع إلى إدارة تقنية منفصلة.
  • تأكيد وحدة الأرض والتمثيل الوطني بين غزة والضفة، وربط أي مشاريع إعادة إعمار بإطار سياسي يحمي الحقوق الوطنية ويضمن مشاركة السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير.
  • وضع خطة شاملة للإعمار، تستند إلى سيادة القرار الفلسطيني، وتدمج الأبعاد الإنسانية والسياسية والاجتماعية، بدلاً من الاقتصار على مشاريع تقنية أو خدماتية.

4. تفعيل المسار الدولي والقانوني:

  • استكمال الملاحقة القضائية للاحتلال أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، واستثمار أي اعتراف دبلوماسي بدولة فلسطين لتعزيز السيادة.
  • استعادة السردية الوطنية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر وحق تقرير مصير، وتوحيد الخطاب الإعلامي والدبلوماسي، بما يواجه محاولات تفكيك القضية إلى أبعاد إنسانية أو تنموية فحسب.

إن تفعيل هذه البدائل لا يعني العودة إلى حالة وهمية من “السلطة الكاملة”، بل تحويل وظيفة السلطة الفلسطينية من كيان وظيفي محاصر إلى أداة صمود سياسي ووطني، قادرة على استعادة المبادرة، وإعادة صياغة الواقع الفلسطيني وفق رؤية متكاملة تجمع بين الحماية، والاستقرار، والسيادة، والتمثيل الوطني.

الخلاصة

تواجه القضية الفلسطينية في مطلع 2026 مرحلة حرجة، تتميز بتحول بنيوي عميق، فقد انتقل الواقع من منطق إدارة التحرر إلى منطق إدارة الأزمة والسيطرة المؤسسية، حيث أصبح الفلسطينيون موضوع إدارة إنسانية وتقنية أكثر من كونهم فاعلين سياسيين أصحاب حقوق وطنية.

في قطاع غزة، تحولت التوصيفات الإنسانية والإغاثية إلى أدوات لإدارة الأزمة بدل معالجتها جذريًا، بينما استُبعد دور منظمة التحرير كمرجعية وطنية، وتحولت مشاريع إعادة الإعمار إلى أداة لإعادة إنتاج السيطرة الاستعمارية بأدوات ناعمة، وفي الضفة الغربية، يحل خطاب التنمية والحوكمة محل السياسة، مع استمرار تفتيت الأرض الفلسطينية إلى كانتونات معزولة، وتراجع دور السلطة الفلسطينية إلى وظيفة إدارية وأمنية، تخدم الاحتلال أكثر مما تخدم شعبها.

الحقيقة الجوهرية للسلطة الفلسطينية هي أنها سلطة بلا صلاحيات: محرومة من أدوات القرار الأمني، والقدرة المالية، والرقابة الإدارية، والتفويض السياسي الشعبي، ما يجعلها كيانًا وظيفيًا أكثر من كونه مؤسسة سياسية قادرة على حماية حقوق الفلسطينيين، وفي هذا السياق، يشهد اتفاق أوسلو “نهاية بلا إعلان”، حيث انتهى سياسيًا لكنه مستمر إداريًا وأمنيًا، ليصبح إطارًا لإدارة السكان أكثر من كونه مشروع تحرر أو دولة.

في مواجهة هذا الواقع، لم يعد من خيار سوى إعادة بناء السلطة والنظام السياسي الفلسطيني على أسس صمودية ووطنية جامعة، ويشمل ذلك: إصلاح الشرعية وتوحيد الصف الداخلي، إعادة تعريف وظيفة السلطة لتصبح أداة حماية وصمود، وضع استراتيجية وطنية شاملة لغزة تربط الإعمار بالحقوق السياسية، وتفعيل المسار الدولي والقانوني لاستعادة السردية الفلسطينية وتعزيز السيادة.

باختصار، ما يتطلبه المستقبل هو الانتقال من نموذج السلطة الوظيفية المحاصرة إلى نموذج حركة التحرر الوطني الشاملة، قادرة على حماية شعبها، واستعادة المبادرة، وإعادة صياغة الواقع الفلسطيني وفق رؤية سياسية وسيادية واضحة، بعيدًا عن إدارة الأزمة أو التكيف مع الاحتلال.

التـوصـيـــات

  1.  إصلاح الشرعية والنظام السياسي بإنهاء الانقسام السياسي والفصائلي، وتشكيل حكومة توافق وطني أو لجنة تنفيذية موحدة ، تضم كافة الفصائل وتكون مرجعًا لإدارة الشؤون الفلسطينية بشكل جامع.
  2. تحويل دور السلطة من إدارة الأزمة إلى حماية المجتمع وإعادة صياغة العقيدة الأمنية لتشمل حماية المواطنين الفلسطينيين من اعتداءات الاحتلال والمستوطنين، وإنهاء التبعية للتنسيق الأمني الإسرائيلي.
  3. رفض الحلول الأمنية الإسرائيلية المفروضة وعدم السماح بتحويل غزة إلى هيئة إدارية أو تكنوقراطية تدار خارج الإطار الوطني.
  4. وضع برنامج إعادة إعمار يشمل البنية التحتية، الخدمات، التعليم، والصحة، مرتبطًا بالحقوق السياسية والمدنية، لا بالإغاثة المؤقتة فقط.
  5. تعزيز المسار القضائي ضد الاحتلال واستكمال متابعة القضايا أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، واستثمار الاعترافات الدبلوماسية لتعزيز السيادة الفلسطينية.
  6. استعادة السردية الفلسطينية الموحدة وتوحيد الخطاب الإعلامي والدبلوماسي حول قضية فلسطين كحق تقرير مصير وحرية شعب، وعدم اختزالها في ملفات إنسانية أو تنموية فقط.
  7. متابعة الالتزامات الدولية تجاه فلسطين، والتأكد من أن أي مساعدات أو دعم لا يُستخدم لإعادة إنتاج سلطة وظيفية تابعة ومحاصرة.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-فبراير  2026

شارك:

المزيد من المقالات