تقدير موقف-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
الملخص التنفيذي
تستعرض هذه الورقة تصاعدَ الدور المنهجي لميليشيات المستوطنين في الضفة الغربية خلال الحرب على غزة، وتُظهر الأدلة الميدانية والسياسية أن هذه المجموعات باتت جزءًا من هندسة أوسع لإعادة تشكيل المشهد الديمغرافي والسياسي في الضفة.
تكشف الورقة عن ثلاث ركائز مركزية تُسهّل عمل هذه المجموعات: التغطية السياسية المباشرة من وزراء ومسؤولين في الحكومة اليمينية، وتغاضي الأجهزة الأمنية أو مشاركتها الفعلية في الاعتداءات، والاندماج السياسي المتنامي لقادة الميليشيات داخل أحزاب سلطة الاحتلال، بما يعزز حصانتهم ويمنحهم قدرة على التأثير في صناعة القرار.
وفي ضوء هذا الواقع، تقدم الورقة مجموعة من التوصيات من أجل تعزيز التوثيق المنهجي، وبناء قنوات ضغط قانوني ودولي، وتطوير خطاب إعلامي متقن يسلّط الضوء على البعد البنيوي للعنف الاستيطاني باعتباره أداة من أدوات المشروع الاستعماري الإسرائيلي.
المقدمة
شهدت الفترة الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في الاعتداءات التي تنفذها مجموعات من المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية، والمعروفة باسم “فتية التلال”، وهذه المجموعات لم تعد تقتصر على أعمال عنف فردية أو عابرة، بل تحولت إلى ظاهرة عنف منظّم وعلني، يرافقها تواطؤ سياسي وأمني على مستويات مختلفة، ما يجعلها أداة فعالة ضمن استراتيجية تهدف إلى تهجير الفلسطينيين وتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الأرض.
تشير التطورات الأخيرة، كما وردت في التقارير الإسرائيلية والفلسطينية، إلى أن هذه الميليشيات تعمل تحت غطاء سياسي واضح من بعض وزراء الحكومة اليمينية، وأن الأجهزة الأمنية الرسمية تتسامح أو تتواطأ أحيانًا مع أعمالها.
علاوة على ذلك، يظهر تحرك قادة هذه المجموعات نحو الاندماج السياسي ضمن أحزاب مثل الليكود، ما يمنحهم القدرة على توسيع نفوذهم وشرعنة ممارساتهم.
تأتي هذه الدراسة لتقديم تحليل متكامل وشامل لظاهرة “فتية التلال”، من خلال:
- تحديد طبيعة الظاهرة وإطارها التاريخي، مع تبيان التحول النوعي من العنف الفردي إلى الميليشياوي المنظم.
- تسليط الضوء على آليات الدعم والتواطؤ السياسي والأمني، وتأثيرها على عمل هذه المجموعات.
- تحليل التداعيات الميدانية والسياسية للظاهرة على الضفة الغربية، سواء على الأرض أو ضمن السياق السياسي الإسرائيلي والفلسطيني.
- تقديم تقديرات مستقبلية للاتجاه الذي قد تسلكه الظاهرة على المدى القريب والمتوسط.
- اقتراح توصيات عملية مواجهة تصاعد هذه الهجمات وحماية الأرض والمجتمع.
تهدف هذه الورقة إلى تقديم قراءة معمّقة ومفصلة تمكن صانعي القرار الفلسطينيين، والباحثين، والمؤسسات الحقوقية من فهم ديناميات هذه الظاهرة، وتطوير استراتيجيات عملية للتصدي لها بما يحقق حماية المجتمع الفلسطيني والحفاظ على حقوقه.
أولًا: تعريف الظاهرة وإطارها التاريخي
تعريف مبدئي
يُستخدم مصطلح “فتية التلال“ في الأدبيات الإسرائيلية لوصف مجموعات شبابية من المستوطنين المتطرفين، نشأت أساسًا في البؤر الاستيطانية العشوائية، وتبنّت نهجًا يقوم على العنف المباشر والمنهجي ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، ورغم أن المصطلح يبدو توصيفيًا لشريحة عمرية شابة، إلا أنه بات يُستخدم اليوم للدلالة على بنية تنظيمية متكاملة تضم أفرادًا من خلفيات متعددة (شباب، مستوطنون كبار السن، عناصر مرتبطة بالأحزاب اليمينية)، وتمتلك أدوات لوجستية وتحظى أحيانًا بغطاء سياسي أو أمني.
وتشير بعض المصادر إلى هذا التحوّل البنيوي، حيث ذكرت القناة 12 العبرية أن “هجمات المستوطنين الأخيرة… تدق ناقوس الخطر نحو انتقالهم من العمل السري إلى العمل العلني الممنهج”، وهو ما يعكس تطورًا نوعيًا في طبيعة الفعل الاستيطاني.
وفي ضوء ذلك، يمكن التمييز في سياق هذه الورقة بين مستويين من العنف:
- عنف فردي/محدود
ويشمل اعتداءات عابرة أو موسمية ينفذها أفراد أو مجموعات صغيرة، غالبًا دون تخطيط مُسبق. كان هذا النمط هو الأكثر شيوعًا في السنوات السابقة، ويتمثل عادة في:
- رشق حجارة أو تخريب ممتلكات فردية.
- محاولات اعتداء على مزارعين خلال موسم الزيتون.
- حالات تخريب متفرقة (دون أن ترتبط ببنية تنظيمية ثابتة).
2. عنف منظم/ميليشياوي
أما النمط الثاني، وهو محور هذه الدراسة، فيعكس انتقال الظاهرة إلى مرحلة المأسسة، ويشمل:
- اعتداءات متكررة ومنسقة تشارك فيها مجموعات كبيرة (ذكرت القناة 12 اشتراك “العشرات وأحيانًا المئات”).
- تنفيذ هجمات في وضح النهار لأهداف سياسية ورمزية، في رسالة واضحة بأن الفعل محمي وغير خاضع للمساءلة.
- مشاركة جنود أو عناصر أمنية إسرائيلية في الهجمات أو تأمينها، كما وثّقته “يديعوت أحرونوت” عندما قالت: “باتت هجمات المستوطنين تتم بمشاركة الجنود دون تحريك الجيش ساكنًا“.
- وجود دعم سياسي مفتوح من وزراء في اليمين المتطرف مثل سموتريتش وبن غفير، ما يضفي شرعية عملية على هذه الهجمات.
هذا التحول من العنف الفردي إلى العنف الميليشياوي يعكس، صيرورة تراكُمية تجعل من هذه المجموعات أداة تنفيذية تعمل على تشكيل الواقع على الأرض، وليس مجرد مجموعات متمردة أو هامشية.
ثانيًا: الخلفية التاريخية وتحوّل الظاهرة نحو العلنية
على الرغم من أن عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية ليس ظاهرة جديدة، فإن السنوات الأخيرة شهدت تحوّلًا نوعيًا في حجم الاعتداءات وطبيعتها وجرأتها، فمنذ مطلع العقد الأخير—ومع صعود حكومات إسرائيلية يغلب عليها الطابع اليميني المتطرف—بدأت مجموعات المستوطنين الأكثر تشددًا بالتحرر تدريجيًا من قيود العمل السري أو الفردي، لتنتقل نحو عنف منظم وميليشياوي ذي ملامح واضحة.
تعمّق هذا التحوّل بفعل ثلاثة عوامل رئيسية:
- تصاعد نفوذ الجناح الديني–القومي المتطرف داخل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة؛ وهو ما انعكس في سياسات أكثر تساهلًا مع الاعتداءات، بل ودعمًا سياسيًا مباشرًا لبعض رموز هذه المجموعات.
- تراجع فعالية تطبيق القانون في الضفة الغربية، سواء من حيث الامتناع عن فرض العقوبات أو الإبطاء المتعمّد في التحقيق والملاحقة، ما خلق بيئة إفلات شبه كاملة من العقاب شجّعت على التمادي.
- استغلال الأحداث الإقليمية، وعلى رأسها الحرب على غزة، لتوفير غطاء دعائي وميداني لعمليات انتقامية أو توسعية ضد الفلسطينيين في القرى والبلدات.
في ظل هذه الظروف، أصبحت طبيعة الاعتداءات أكثر تنظيمًا وعلنية؛ إذ تشير الشواهد الواردة إلى انتقالٍ واضح من العنف العشوائي إلى العنف الجماعي الممنهج، وقد بات من المألوف مشاركة عشرات—وفي بعض الحالات مئات—المستوطنين في اقتحامات منسقة في يوم واحد، بينما تظهر تسجيلات متكررة لجنود أو عناصر أمن يرافقون هذه الهجمات أو يقفون على مقربة منها دون تدخل حاسم، كما تحوّلت منصات “تلغرام” اليمينية إلى مساحة لنشر ما يسمى بـ”الحصادات العملياتية” التي توثق الاعتداءات وتحوّلها إلى محتوى تعبوي مفتوح للعامة.
ولوج الظاهرة إلى هذا المستوى من العلنية يدلّ على شعور متنامٍ لدى منفذي الاعتداءات بوجود حماية سياسية غير معلنة وشرعية اجتماعية تسمح لهم بالعمل بلا خشية من المساءلة، ما يؤشر لتطورها باتجاه نمط ميليشياوي قائم بذاته ومتداخل مع البنى الأمنية الرسمية.
ثالثًا: آليات الدعم والتكامل: مؤشرات التواطؤ أو التساهل الرسمي
لم يكن التحوّل في سلوك مجموعات “فتية التلال” مجرد تطوّر داخلي أو عضوي في بنية هذه المجموعات، بل جاء مدفوعًا—ومحمِيًا—بشبكة من الدعم السياسي والتساهل الأمني والاندماج المتزايد في البنية الحزبية داخل المؤسسة الإسرائيلية، وهذا التكامل شكّل قاعدة عمل جديدة جعلت من أعمال العنف مشروعًا ضمنيًا، وأحيانًا مُغَطّى بشكل صريح.
ويمكن تلخيص أبرز آليات هذا الدعم على النحو الآتي:
- التغطية السياسية: شرعنة غير مباشرة لسلوك الميليشيات
تشير المعطيات و تصريحات علنية صدرت عن شخصيات بارزة داخل الائتلاف اليميني—خاصة وزير المالية ووزير الأمن القومي— إشارات دعم واصطفاف سياسي واضح مع المستوطنين الأكثر تطرفًا.
هذه التصريحات لا تعمل كدعم رمزي فحسب، بل تؤدي إلى:
- خلق شعور بالحصانة بأن الاعتداءات محمية أو مبررة سياسيًا.
- توفير غطاء خطابـي يُستخدم داخل مجموعات المستوطنين لتسويغ الانتقال من العنف الفردي إلى العمل المنظم.
- إضعاف المؤسسات الرقابية والقضائية التي تتردد في مواجهة جماعات تمتلك رعاية وزارية مباشرة.
وبذلك يتحول الكيان، من موقعه الرسمي، إلى طرفٍ يمنح شرعية ضمنية—ولو بالصمت—لما يقوم به المستوطنون.
2. تغاضي الأجهزة الأمنية: من الامتناع عن الردع إلى التسهيل المباشر
تكشف الشواهد الأصلية عن نمط متكرر من تراخي الجيش والشرطة في التصدي لاعتداءات المستوطنين، يصل في بعض الحالات إلى المشاركة الفعلية من قِبل جنود في عمليات المرافقة أو التغطية أو فتح الطرق.
ويترتب على هذا السلوك الأمني:
- ترسيخ علاقة تكافلية بين المستوطنين وبعض الوحدات العسكرية.
- تحويل المستوطن من فاعل هامشي إلى جزء من شبكة ميدانية تعمل بثقة وتنسيق ميداني مكشوف.
- تطبيع الهجمات كجزء من “النظام” القائم، بما يجعل ردعها مستحيلًا دون قرار سياسي صريح.
وهنا لا يعود الحديث عن “تغاضٍ” فحسب، بل عن بنية تواطؤ فعلي تتشكل تدريجيًا عبر الميدان.
3. الاندماج السياسي: تحويل قادة المجموعات إلى فاعلين داخل السلطة
أحد أهم مؤشرات التحوّل هو ترشح قيادات من مجموعات المستوطنين—ومنهم قادة ميدانيون مرتبطون بنواة “فتية التلال”—على قوائم الليكود.
يمثل هذا الاندماج السياسي تصعيدًا خطيرًا لسببين رئيسيين:
- تحوّل القادة الميليشياويين إلى جزء من الطبقة السياسية، بما يمنحهم إمكانية الضغط على القرارات الحكومية والتأثير على سياسات الضفة الغربية.
- حصولهم على امتيازات الحصانة والشرعية القانونية، الأمر الذي يحوّلهم من قادة مجموعات عنف غير رسمية إلى فاعلين قادرين على حماية أتباعهم وصياغة روايتهم ضمن الخطاب الرسمي.
هذا المسار لا يشرعن العنف فحسب، بل يؤسّس لتحالف بنيوي بين الميليشيا والسياسة داخل الكيان، وهو ما يمثل أخطر مراحل تطبيع الاعتداءات وتحويلها إلى أداة سياسية مستدامة.
رابعًأ: التداعيات الميدانية والسياسية لتصاعد عنف المستوطنين
يكشف تطور الظاهرة نحو العلنية والتنظيم وامتلاك شبكات دعم سياسي–أمني، عن نتائج مركّبة باتت تترك أثرًا مباشرًا على البيئة الميدانية في الضفة الغربية وعلى المشهد السياسي الإسرائيلي والفلسطيني على حد سواء. وتبرز هنا ثلاثة مستويات رئيسية للتداعيات:
- تداعيات ميدانية: إعادة تشكيل خرائط السيطرة على الأرض
لم تعد الاعتداءات مجرّد أعمال انتقامية أو “ردود فعل”، بل تحوّلت إلى أداة ضغط ميداني منظّم يسعى إلى:
- إفراغ مناطق ريفية فلسطينية أو تضييق الحياة فيها عبر الهجمات المتكررة، قطع الطرق، حرق الممتلكات، ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعية.
- توسيع نطاق السيطرة الاستيطانية الفعلية خارج “المخططات الرسمية”، أي فرض واقع جغرافي على الأرض قبل أي قرار سياسي أو تخطيطي.
- تقييد قدرة السلطة الفلسطينية على العمل في مناطق مستهدفة نتيجة تنامي الخطر الأمني وغياب الحماية، ما يؤدي إلى “مساحات معطّلة” تتحول فعليًا إلى مناطق نفوذ لميليشيات المستوطنين.
هذه الممارسات تنتج بمرور الوقت طردًا زاحفًا للسكان الفلسطينيين وتغييرًا ديمغرافيًا هادئًا يسبق أي مفاوضات سياسية مستقبلية.
2. تداعيات أمنية: تآكل سلطة الدولة لصالح الميليشيات
تشير المعطيات إلى أن التساهل الأمني والاندماج السياسي لقادة مجموعات المستوطنين ينتج سياسة أمنية “مزدوجة”، تُحدث ما يلي:
- إضعاف “احتكار الدولة للعنف”، وهو أحد أعمدة الشرعية السياسية لأي دولة، حيث تصبح الميليشيات جزءًا من “هامش القوة” التي تعمل بموازاة أو أحيانًا بالتنسيق مع الجيش.
- تغذية حالة الفوضى الأمنية في مناطق التماس، إذ تُنفَّذ عمليات من خارج منظومة الانضباط العسكري، ما يرفع احتمالات الانفجار الميداني وتوسّع دائرة الاحتكاك.
- ابتلاع وحدات عسكرية معيّنة للخطاب المتطرف بحيث تتحول من مؤسسات تنفيذ القانون إلى مؤسسات تُكيّف القانون لحماية ميليشيات المستوطنين.
هذه الدينامية تخلق “هجينًا أمنيًا” يصعب ضبطه، وقد تترك آثارًا استراتيجية طويلة المدى على استقرار الضفة الغربية والمنطقة عمومًا.
3. تداعيات سياسية: تعزيز نفوذ اليمين المتطرف وتغيير قواعد اللعبة
بعد الحديث عن ترشّح قادة “فتية التلال” ضمن قوائم حزبية كحزب الليكود، فإن المشهد السياسي الإسرائيلي يتجه إلى:
- ترسيخ نفوذ الأجنحة الدينية–القومية المتشددة داخل الائتلافات الحاكمة، ما يجعل سياسات الضفة الغربية جزءًا من أجندة انتخابية لا أمنية.
- تسييس العنف الاستيطاني وتحويله إلى وسيلة ضغط داخل الائتلافات، بحيث يُستخدم كورقة للمساومة أو لفرض توجهات أيديولوجية على الحكومة.
- إضعاف المسارات الدبلوماسية عبر فرض وقائع ميدانية لا يمكن تجاوزها في أي حل سياسي، وبالتالي دفع الصراع نحو مزيد من التصلب، وربما نحو صيغ تفصل المناطق على أساس قسري.
بهذا يتحول العنف من “ظاهرة اجتماعية” إلى أداة سياسية بنيوية تُعاد من خلالها صياغة شكل السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية.
توضح التحليلات أن تصاعد عنف المستوطنين ليس حدثًا طارئًا ولا ظاهرة هامشية، بل مسار استراتيجي يتكامل فيه الدعم السياسي مع التساهل الأمني، ليعيد إنتاج خريطة السيطرة على الأرض ويعيد تشكيل موازين القوة في الضفة الغربية.
خامسًا: التقديرات المستقبلية واتجاهات تطور الظاهرة
تشير المؤشرات التي جمعتها الورقة، إضافة إلى الشواهد الميدانية ، إلى أن ظاهرة “فتية التلال” آخذة في التحول من مجموعات عنف محلية متطرفة إلى بنية ميليشياوية شبه مستقرة تمتلك بيئة حاضنة سياسية وميدانية، ويمكن تحديد أبرز المسارات المحتملة لتطور الظاهرة في المرحلة المقبلة على النحو الآتي:
- توسّع نطاق الهجمات وتحولها إلى “روتين ميداني”
بفعل الدعم السياسي والغطاء الأمني وتضاؤل الردع، يُرجّح أن تتجه الاعتداءات نحو:
- زيادة عدد الهجمات واتساع مساحتها الجغرافية لتشمل مناطق أعمق في جنوب وشمال الضفة، وليس فقط التجمعات الريفية المحيطة بالمستوطنات.
- تكرار الهجمات على نفس القرى والمناطق بأسلوب “النزيف المستمر”، وذلك لفرض حالة استنزاف دائمة على المجتمعات الفلسطينية.
- تطوير أنماط جديدة من التخريب تشمل الاستيلاء الجزئي على أراضٍ، إقامة بؤر جديدة، أو فرض حواجز أهلية تشبه نقاط التفتيش.
هذا التوسع العملي يعزز فرضية تحوّل الظاهرة إلى قوة ضغط استراتيجية على الفلسطينيين وعلى السلطة الفلسطينية.
2. تعزيز الطابع الميليشياوي: احتمالات تشكّل قيادة ميدانية موحّدة
إن توثيق عمليات الاعتداء ونشرها عبر قنوات “تلغرام يمينية” يشير إلى:
- وجود شبكات اتصال وتنسيق تتجاوز الطابع العفوي.
- احتمال تشكل نواة قيادية قادرة على إدارة التحركات الميدانية وتحديد أهداف مشتركة.
- تحول “فتية التلال” إلى نوع من “لواء شعبي” مساند للمستوطنات، يدير عمليات ضغط على الفلسطينيين بمعزل عن القرار العسكري الرسمي.
هذا المسار يجعل من الظاهرة أقرب إلى ميليشيا رديفة تعمل ضمن البيئة الاستيطانية وبالتقاطعات نفسها مع الخطاب الرسمي.
3. تعميق الاندماج السياسي: من الهامش إلى قلب صنع القرار
تؤكد الشواهد—خاصة ترشح قادة من “فتية التلال” على قوائم حزبية مثل الليكود—أن:
- المسافة بين العمل الميليشياوي والسياسة آخذة بالاختفاء.
- يمكن أن تشهد السنوات القادمة صعود ممثلين جدد داخل البرلمان يمثلون امتدادًا سياسيًا مباشرًا لهذه المجموعات.
- هذا يمنح الظاهرة قدرة على التأثير في سنّ القوانين، وتعيين المسؤولين، وتحديد السياسات الأمنية في الضفة.
بالتالي، تصبح الظاهرة ليست فقط قوة ميدانية بل جزءًا من القوة السياسية الحاكمة في الكيان الإسرائيلي.
4. انعكاسات على البيئة الفلسطينية: احتمالات التصعيد والعنف المضاد
تشير السياقات الحالية، وسلوك الفصائل الفلسطينية إلى أن استمرار اعتداءات المستوطنين قد يؤدي إلى:
- تصاعد الاحتكاك والعنف المضاد، سواء بصورة فردية أو ضمن مجموعات محلية تدافع عن القرى.
- تراجع نفوذ السلطة الفلسطينية في المناطق الريفية أمام غياب الحماية وانهيار الثقة الشعبية.
- اتساع دائرة التوتر الميداني على نحو قد يقود إلى جولات اشتباك أكبر أو أشكال مقاومة جديدة.
هذا يفتح الباب أمام سيناريو أمني شديد التعقيد تتداخل فيه الميليشيات اليهودية والفلسطينية على خطوط تماس تقل فيها سلطة الدولة.
5. السيناريو الأرجح: رسوخ الظاهرة وتحوّلها إلى رافعة استراتيجية ضمن مشروع الاستيطان
تقدير مجمل المعطيات الواردة، والتحليل البنيوي يُرجّح أن الاتجاه الأكثر احتمالًا على المدى المنظور هو:
- ترسّخ الظاهرة كذراع ميدانية داعمة للمشروع الاستيطاني، لها وظيفة استراتيجية في توسيع السيطرة على الأرض.
- تشكّل تحالف مستقر بين السياسيين المتطرفين، وقيادات الاستيطان، ووحدات أمنية متساهلة.
- استمرار استخدام العنف المنظّم كأداة “تكلفة منخفضة” لتحقيق أهداف ديمغرافية وجغرافية لا تستطيع الحكومة تنفيذها بشكل رسمي.
وبذلك تصبح “فتية التلال” جزءًا من معمار القوة الذي يعيد الكيان الإسرائيلي من خلاله تشكيل الضفة الغربية على المستويين الجغرافي والسياسي.
الخــلاصــــة
تشير المعطيات الميدانية والشواهد إلى أنّ الضفة الغربية أصبحت في صميم استراتيجية إسرائيلية جديدة تتكامل فيها أدوار الجيش والمستوطنين والمستوى السياسي لتحقيق هدف جوهري هو:
تغيير البنية الديمغرافية والجغرافية للضفة عبر العنف الممنهج وخلق بيئة طاردة للفلسطينيين.
فالهجمات الواسعة التي تنفذها مجموعات “فتية التلال”—وغالبًا بمشاركة مئات المستوطنين وفي وضح النهار—تعكس تجاوزًا واضحًا لنمط “العنف الفردي” إلى منظومات ميليشياوية منظمة، وهذا التحوّل يقترن بعدة عوامل:
- تواطؤ السلطة السياسية ممثّلًا بوزراء في الحكومة الحالية (سموتريتش وبن غفير) الذين وفّروا غطاءً سياسيًا وتبريرًا أيديولوجيًا لهذه الاعتداءات.
- تساهل الأجهزة الأمنية أو مشاركتها المباشرة في الهجمات، كما وثّقته “يديعوت أحرونوت” ومنظمة “كاسرو الصمت”، الأمر الذي حوّل هذه المجموعات إلى قوة تعمل أحيانًا بالتوازي أو مع الجيش.
- محاولات الاندماج السياسي عبر ترشح قادة هذه المجموعات على قوائم الليكود، ما يهدف إلى توسيع دائرة الحصانة والشرعية لممارساتهم.
تُظهر هذه العناصر مجتمعة أن مشروع الاستيطان في الضفة الغربية يشهد مرحلة جديدة تقوم على توظيف العنف الأهلي–الميليشياوي كمكوّن رسمي أو شبه رسمي ضمن هندسة السيطرة على الأرض، ووهذا يتقاطع مع الاستنتاج بأن:
- الضفة الغربية هي الهدف القادم للجيش والمستوطنين بعد الحرب على غزة.
- وأنّ “تكامل الأدوار بين المستوطنين والجيش والمستوى السياسي يسير نحو هدف تهويد الضفة وطرد الفلسطينيين، خصوصًا في مناطق “ج”.
كما أن استراتيجية الهجمات المنظمة، المصحوبة بحصار الحركة عبر البوابات العسكرية، تؤسس لواقع ميداني يجعل من التجمعات الفلسطينية جزرًا معزولة في مقابل توسع استيطاني مستمر.
في المقابل، تُظهر منصّات المستوطنين وتصريحات السياسيين المتطرفين أن هذه الهجمات ليست أحداثًا معزولة، بل رسائل مقصودة تهدف إلى فرض واقع جديد بالقوة وإشعار الفلسطينيين بأن الوجود في قراهم بات مهددًا بصورة يومية ومنهجية، ما يُقرب سيناريو “الترحيل القسري البطيء”.
بناءً على ذلك، يمكن الجزم بأن الظاهرة تتجه نحو المأسسة التدريجية، سواء عبر:
- تثبيت وجودها الشعبي داخل المستوطنات،
- أو اندماجها السياسي في الأحزاب اليمينية،
- أو دعمها ضمنيًا من المستويات العسكرية والأمنية،
- أو شرعنتها عبر الخطاب الرسمي الذي يبرر أفعالها باعتبارها “دفاعًا عن المستوطنات”.
إنّ هذا التكامل يجعل من ميليشيات المستوطنين رافعة أساسية في مشروع إعادة تشكيل الضفة الغربية بعد الحرب على غزة، وهو ما يستدعي قراءة معمّقة لكيفية مواجهة هذا التحوّل واستشراف أدوات الحد منه.
التـــوصيــــات
انطلاقًا من التحليل الميداني والسياسي الوارد في الدراسة، وبناءً على تطورات ظاهرة “فتية التلال” والدعم الذي تحظى به من المستويات السياسية والأمنية الإسرائيلية، يمكن تقديم التوصيات التالية:
- تعزيز الحماية المجتمعية والوعي المحلي وتشكيل لجان حماية محلية في القرى والمناطق المهددة، ورفع مستوى الوعي الأمني لدى السكان، توثيق الانتهاكات بشكل احترافي لتشكيل قاعدة بيانات يمكن استخدامها أمام المحافل الدولية.
- التوثيق القانوني والدولي وإعداد ملفات قانونية دقيقة لكل حادثة اعتداء، ورفع الملفات إلى منظمات حقوق الإنسان الدولية والمحاكم المختصة، مثل المحكمة الجنائية الدولية.
- التواصل مع وسائل الإعلام الدولية لتسليط الضوء على الظاهرة، خاصة على نقاط التواطؤ السياسي والأمني، لتعزيز الضغط الدولي على الكيان الإسرائيلي.
- توحيد الموقف الفلسطيني والسياسي وتعزيز التنسيق بين السلطة الفلسطينية والفصائل والمؤسسات المحلية لضمان استجابة موحدة وحازمة لكل حادثة.
- إطلاق حملات ضغط دبلوماسية مشتركة مع الجاليات والمنظمات الفلسطينية والعربية والدولية، لفضح الدعم السياسي للمستوطنين والتأكيد على التهجير القسري للمجتمعات الفلسطينية.
- الضغط المستمر على المستويات السياسية والإعلامية وفضح العلاقة بين المستوطنين والسياسيين من خلال تقارير تحليلية وإعلامية واضحة، تشمل أسماء وزراء أو نواب متورطين أو داعمين.
- تسليط الضوء على الدور الأمني الحكومي المساند، بما في ذلك مشاركة جيش الاحتلال ، لإظهار أن الظاهرة ليست فردية بل جزء من استراتيجية ممنهجة.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-نوفمبر 2025


