تحليل سياسي-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
الملخص التنفيذي
صدر قرار مجلس الأمن رقم 2803 في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، لاعتماد الخطة الأمريكية لإدارة غزة بعد الحرب، متضمنًا وقف إطلاق النار وإرسال قوات دولية بصلاحية استخدام القوة، ومثل القرار تحولًا غير مسبوق في بنية الصراع، إذ يضع غزة تحت إشراف دولي مباشر.
القراءة الإسرائيلية للقرار تراوحت بين اعتبار القرار تهديدًا استراتيجيًا بسبب الحد من قدرة الجيش وانتقال النموذج للضفة، وبين رؤية أنه انتداب على الفلسطينيين يخدم السلطة الدولية أكثر من الفلسطينيين.
الأبعاد الفلسطينية تشير إلى فرصة لتعزيز الحماية الدولية والمطالبة بحقوق سياسية، مع مخاطر تشمل الإقصاء عن إدارة غزة وعدم وضوح جدول زمني لتطبيق البنود.
مقــدمــــة
مع مرور أكثر من عامين على الحرب الأخيرة في قطاع غزة، شهدت المنطقة تحولات غير مسبوقة على الصعيد السياسي والأمني، أبرزها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 الصادر في 17 تشرين الثاني 2025، الذي تبنى الخطة الأمريكية لمستقبل القطاع بعد الحرب، والمبنية على رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وجاء القرار ليؤسس لإطار دولي جديد لإدارة غزة، يتضمن تثبيت وقف إطلاق النار وجلب قوات دولية بتفويض أممي، مع حق استخدام القوة لنزع السلاح، في خطوة اعتبرها الإعلام الدولي والإسرائيلي على حد سواء تاريخية وغير مسبوقة.
يمثل القرار تحولاً جوهرياً في بنية الصراع، إذ يفتح الباب أمام مشاركة دولية مباشرة في إدارة الشؤون المدنية والأمنية.
تأتي أهمية هذه الورقة من كونها تقدم تحليلاً معمقاً للقراءة الإسرائيلية للقرار 2803، حيث توضح المخاوف الإسرائيلية من الحد من قدرة الجيش، انتقال نموذج التدخل الدولي إلى الضفة الغربية، وترسيخ الوصاية الأمريكية على القرارات الإسرائيلية، كما تتناول الورقة فرص الفلسطينيين ومخاطرهم في المرحلة المقبلة، مع تقديم توصيات للحد من تأثير القيود الإسرائيلية والدولية.
وبالتالي، تسعى الورقة إلى أن تكون أداة معرفية وتحليلية دقيقة، تساعد صناع القرار الفلسطيني والفصائل السياسية على فهم الديناميات الجديدة، واستثمار الانقسام الإسرائيلي، والتفاعل مع القرارات الدولية بطريقة تحقق مصالح الشعب الفلسطيني وتضمن حماية قطاع غزة من أي تبعات سلبية مستقبلية.
أولاً: القرار كتحوّل غير مسبوق في بنية الصراع
يمثل القرار الدولي نقطة انعطاف حادة في تاريخ الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، ليس فقط لأنه يُنهي مرحلة ويفتح أخرى، بل لأنه يُحدث تحوّلاً بنيوياً في قواعد إدارة غزة ومكانة الكيان الإسرائيلي في هذا النظام الجديد، ويكاد يجمع عدد من المحللين الإسرائيليين على أن القرار يضع سابقة لم تحدث منذ عام 1948، بما يحدّ للمرة الأولى من حرية العمل العسكري والسياسي لإسرائيل داخل القطاع.
يقدّم الصحافي براك رافيد، في القناة الإسرائيلية «12»، أحد أكثر التوصيفات دقة وحدّة لطبيعة هذا التحول، إذ يصف القرار بأنه يمثل تدويلًا للصراع وإدخالاً لقوات أجنبية إلى غزة، الأمر الذي لطالما اعتبره الكيان الإسرائيلي خطاً أحمر:
“للمرة الأولى في التاريخ سيتم نشر قوات عسكرية دولية في قطاع غزة… القرار ينهي 58 عاماً من السعي الإسرائيلي المستميت لاستبعاد فكرة السماح بدخول قوات عسكرية دولية إلى الضفة الغربية وقطاع غزة… حاول نتنياهو وعلى مدار أكثر من 25 عاماً استبعاد هكذا خيار… إلا أن تدويل الصراع حصل بالتحديد خلال فترة ولايته الحالية، ومن الآن فصاعداً يمكن القول بأن الصراع لن يعود كما كان”.
ولا يقتصر التحول – كما يوضح رافيد – على دخول القوات الدولية، بل يشمل إعادة هيكلة إدارة القطاع عبر تفويض جهتين دوليتين لقيادة المرحلة الانتقالية:
- «مجلس السلام» كصيغة حكومة مؤقتة لإدارة الشؤون المدنية.
- «قوة ضبط الأوضاع» العسكرية لتأمين الاستقرار الميداني.
ويشدد رافيد على أن هاتين الجهتين لا تتلقيان الأوامر من “إسرائيل”، ما يعني أن تل أبيب تنتقل من موقع الانفراد بالقرار إلى موقع طرفٍ مضطر للتنسيق مع منظومة دولية لا يملك عليها سلطة مباشرة، ووفقاً لتقديره، فإن التعاطي الأمريكي الجديد مع غزة يعكس بداية نهاية مرحلة التفرد الإسرائيلي التي امتدت لعقود.
من جهتها، تتقاطع صحيفة يديعوت أحرونوت مع هذا التقييم، لكنها تضيء على زاوية أخرى تتعلق بميزان القوة السياسي بين واشنطن وتل أبيب، فبحسب الصحيفة، لم تكن الحكومة الإسرائيلية ترغب بالقرار، إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أبلغ نتنياهو بصراحة أن الدول لن ترسل جنودها إلى غزة دون تفويض دولي رفيع المستوى، وهو شرط جعل موقف
“إسرائيل” الرافض بلا جدوى، وتصف الصحيفة هذا التطور بأنه هزيمة سياسية لنتنياهو الذي عمل لأشهر لمنع وصول ملف وقف إطلاق النار إلى مجلس الأمن حتى لا يصبح القرار ملزماً.
وبذلك، يمكن القول إن هذا القرار – وفق القراءة الإسرائيلية- يمثّل:
- أول تدخل دولي مباشر بهذا المستوى في غزة منذ النكبة.
- إعادة توزيع الأدوار بين الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة والمجتمع الدولي.
- تراجع قدرة الكيان الإسرائيلي على صياغة قواعد اللعبة منفردة.
- نقطة تحول استراتيجية ستفرض واقعاً سياسياً وأمنياً جديداً، حتى قبل بدء تنفيذ بنود القرار عملياً.
ثانياً: شكوك إسرائيلية كبيرة في تطبيق القرار
على الرغم من أن القرار الدولي يشكّل تحوّلاً كبيراً في بنية الصراع وآليات إدارة غزة، فإن المقاربة الإسرائيلية له تتّسم بدرجة عالية من الحذر والتشكيك، فالقناة «12» تشير إلى أن نتنياهو ومستشاريه يتعاملون معه من زاوية الخشية من الفشل أكثر من اعتباره فرصة سياسية أو أمنية، ويعود هذا التشاؤم إلى ثلاثة محاور رئيسية:
- الشك في إمكانية تشكيل قوة دولية
إذ تدرك تل أبيب أن إنشاء قوة متعددة الجنسيات يحتاج إلى توافق دولي واسع وتمويل كبير واستعداد دول لتحمل المخاطر في غزة، وهي عناصر ليست مضمونة في نظر القيادة الإسرائيلية.
- القدرة على نزع سلاح حماس
وهو البند الأكثر حساسية، حيث تعتبر الحكومة الإسرائيلية أن أي قوة دولية لن تستطيع – سياسياً أو عملياً – تنفيذ مطلب نزع سلاح الحركة، وهو الشرط الذي استخدمه نتنياهو طويلاً لتبرير استمرار الحرب.
- تطبيق الخطة على الأرض
فالتجربة التاريخية للكيان الإسرائيلي مع القرارات الدولية، وخاصة في جنوب لبنان، تجعلها ترى أن الفجوة بين النصوص والواقع الميداني قد تكون واسعة.
وتتفق صحيفة معاريف مع هذه النظرة، لكنها تذهب خطوة أبعد، معتبرة أن القرار وضع إسرائيل في »موقف محرج«، وأن نتنياهو اضطر للترحيب به على مضض خشية الدخول في مواجهة مع واشنطن أو الظهور بمظهر المعطل للتسوية. وتضيف الصحيفة:
“في حال فشل القرار، سيكون بإمكان نتنياهو التوجه إلى ترامب وطلب الضوء الأخضر لاستئناف الحرب ضد حماس، لكن الصحيفة تستبعد قدرة نتنياهو على الحصول على هذا الضوء لاحقاً”.
هذا التقدير يعكس مفارقة عميقة في الموقف الإسرائيلي:
فمن جهة، تحاول الحكومة الإيحاء بأنها تدعم القرار التزاماً بالتحالف مع الولايات المتحدة ولتفادي العزلة الدولية؛ ومن جهة أخرى، تعتمد حساباتها السياسية الداخلية على فشل القرار كي تتمكن من استعادة زمام المبادرة ميدانياً.
ويُظهر الخطاب الإسرائيلي هنا حالة من الازدواجية : قبول شكلي للقرار، مقرون برغبة مضمرة في تعطيله، في وقت بدأت فيه واشنطن تظهر تشدداً أكبر تجاه استمرار الحرب أو توسيعها، وهذا ما يجعل هامش المناورة أمام نتنياهو أضيق بكثير مما يوحي به خطابه العام.
ثالثاً: البند المتعلق بالدولة الفلسطينية… الشرخ داخل اليمين الإسرائيلي
يشكّل البند الذي يشير إلى أن القرار الدولي قد يفتح «مساراً» نحو إقامة الدولة الفلسطينية أكثر نقاط القرار انفجاراً داخل الكيان الإسرائيلي، لأنه يلامس خطاً عقائدياً أحمر لدى اليمين الصهيوني، وقد أدّى هذا البند إلى شرخ داخلي حاد داخل الائتلاف الحاكم، وخصوصاً بين التيار اليميني السائد والتيارات الأكثر تطرفاً.
فمجرد تضمين القرار لصياغة تتحدث عن «مسار نحو الدولة الفلسطينية» كان كافياً لتفجير ردود فعل غاضبة من قادة اليمين المتطرف، وعلى رأسهم:
- إيتمار بن غفير
- بتسلئيل سموتريتش
اللذين هاجما نتنياهو بشدة واتهماه بـ«الصمت» عن نصوص تمسّ جوهر مشروعهما السياسي، معتبرين أن القبول الضمني بها مقدمة «خطيرة» لفرض الدولة الفلسطينية عبر البوابة الدولية.
ورغم هذا الغضب، مرّت الحكومة اليمينية بالقرار دون اعتراض فعلي، في مشهد فسّرته المعارضة الإسرائيلية على أنه دليل إضافي على أن إدارة ترامب باتت تمسك بمفاتيح القرار الاستراتيجي في الحرب على غزة، وأن قدرة نتنياهو على المناورة أصبحت محدودة، حتى إن بعض رموز المعارضة ذهبوا لوصف الوضع بأنه «عودة للوصاية الدولية على إسرائيل».
ويقدّم أفيغدور ليبرمان التعبير الأكثر حدّة عن هذا الاتجاه، محذراً من أن القرار لا يغيّر فقط المعادلة في غزة، بل يعيد تعريف موقع الكيان الإسرائيلي ضمن المنظومة الدولية:
“لقد فقدنا السيطرة على الدولة… استجلاب قوات دولية إلى قطاع غزة من شأنه الحد من قدرتنا على حماية أنفسنا… والعودة فعلياً لحقبة الانتداب وبأيدٍ إسرائيلية هذه المرة”.
تعكس هذه التصريحات حجم القلق الوجودي داخل المعسكر اليميني من أن السماح بدخول قوات دولية، أو قبول أي صيغة تربط إعادة إعمار غزة أو وقف النار بمسار سياسي، قد يتحوّل إلى رافعة دولية تفرض على الكيان الإسرائيلي – ولو تدريجياً – قبول فكرة الدولة الفلسطينية التي تعارضها أجنحة اليمين بشراسة.
كما تشير هذه الديناميات إلى أن القرار لا يمثّل تحدياً عسكرياً أو سياسياً فحسب، بل يفرض على الحكومة الإسرائيلية معادلة داخلية جديدة:
إما الالتزام بالقرار والمحافظة على التحالف مع واشنطن، وإما مواجهة انهيار ائتلافها الحاكم تحت ضغط اليمين المتطرف.
رابعاً: المخاوف من انتقال النموذج إلى الضفة الغربية
لم تقتصر ردود الفعل الإسرائيلية على القلق من مضامين القرار داخل غزة فحسب، بل تجاوزت ذلك إلى خشية استراتيجية من تمدد النموذج إلى الضفة الغربية، بما يحمله من قيود على حرية الحركة الإسرائيلية وقدرتها على فرض معادلتها الأمنية التقليدية هناك.
يرى الصحافي الإسرائيلي براك رافيد أن القرار لا يمكن عزله جغرافياً أو سياسياً، إذ يضع أساساً جديداً للتعاطي الدولي مع الأراضي الفلسطينية بشكل عام، الأمر الذي قد يُترجم لاحقاً في الضفة الغربية على نحوٍ يحدّ من التفوق العملياتي للكيان الإسرائيلي ومن قدرته على إدارة الصراع منفردًا:
“من الآن فصاعداً ستكون قدرة إسرائيل على التصرف بشكل مستقل إزاء الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي محدودة جداً”.
يعبّر هذا التقدير عن إدراك متزايد لدى النخبة الإسرائيلية بأن تدويل الملف الغزّي يفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة بين الاحتلال والمجتمع الدولي، ويكسر تدريجياً احتكار الككيان الإسرائيلي للملف الأمني الفلسطيني الذي حافظت عليه منذ اتفاق أوسلو.
ويذهب القنصل الإسرائيلي السابق في الأمم المتحدة، جلعاد كاتس، إلى أبعد من ذلك في تحذيره من التداعيات الأمنية للقرار، معتبراً أنه قد يفضي إلى تحوّل جذري في ميزان الردع الإسرائيلي، بل ويعيد إنتاج بيئة مشابهة لتلك التي سبقت عملية السابع من أكتوبر:
“قد يتسبب بكارثة… هكذا قرار سيحد من قدرة إسرائيل على التصرف بحرية في غزة وسيؤدي مستقبلاً لأحداث صعبة”.
تعبّر هذه المخاوف عن رؤية أمنية إسرائيلية تعتبر أن أي قيد على حرية الجيش الإسرائيلي في التحرك داخل غزة أو الضفة، حتى لو جاء بغطاء دولي، هو تهديد مباشر لقدرتها على «منع التهديدات قبل وقوعها»، ولهذا يدعو كاتس إلى التشدد في تنفيذ البنود الأولى من القرار، وبخاصة تلك المتعلقة بـ«نزع سلاح حماس» و«إعادة جثث الأسرى»، باعتبارها الضمانة الوحيدة – في نظره – لمنع تحوّل القرار إلى مقدمة لتقليص النفوذ الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية.
وبذلك، يظهر أن المخاوف الإسرائيلية ليست ميدانية فحسب، بل تتصل ببنية السيطرة نفسها:
فالقرار، في جوهره، يعيد تعريف علاقة الكيان الإسرائيلي بالمناطق المحتلة من موقع القوة المطلقة إلى موقع الشريك المقيّد ضمن ترتيبات دولية، وهو تحول تعتبره المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تهديداً استراتيجياً طويل الأمد أكثر من كونه مجرد خلاف سياسي حول آلية تنفيذية.
خامساً: الانتداب الجديد… قراءة إسرائيلية معاكسة
على الرغم من حالة القلق التي عبّر عنها اليمين الإسرائيلي من القرار الدولي، فإن جزءاً آخر من الإعلام الإسرائيلي قدّم قراءة معاكسة تماماً، ترى أن القرار ليس انتقاماً من الكيان الإسرائيلي ولا قيداً عليه، بل هو في جوهره انتداب جديد مفروض على الفلسطينيين، سيقود إلى تعزيز الهيمنة الدولية – والأمريكية تحديداً – على قطاع غزة.
في صحيفة هآرتس، يذهب الكاتب جاكي خوغي إلى أن القرار لا يشكّل مكسباً للفلسطينيين ولا يعيد إليهم زمام المبادرة، بل يضعهم مجدداً تحت إدارة خارجية، في تجربة مشابهة لعقود الانتداب البريطاني ولكن بصيغة أميركية هذه المرة:
“القرار لن يساعد الفلسطينيين بل سيفرض عليهم انتداباً جديداً… أمريكياً هذه المرة”.
ويفصّل خوغي ملامح هذا الانتداب الجديد كما يراها، مشيراً إلى أن القرار:
- لا يمنح السلطة الفلسطينية دوراً مباشراً في إدارة غزة أو المسار الأمني.
- لا يحدد جدولاً زمنياً واضحاً لمسألة السيطرة الأمنية أو المراحل الانتقالية.
- يجعل الفلسطينيين رهائن «النوايا الحسنة لترامب»، إذ يضع مصير القطاع ضمن إطار تحكم دولي لم تُعرَف حدوده النهائية بعد.
أما صحيفة زمان يسرائيل فتعزّز هذا التوجه، مكتفية بقراءة القرار من زاوية نتائجه على الفلسطينيين، وليس على الكيان الإسرائيلي، وتقول:
“يجلب الوصاية على الفلسطينيين بعد 80 عاماً من انتهاء الانتداب البريطاني”.
وتقدّم الصحيفة توصيفاً تفصيلياً للبنية التي سيُنشئها القرار وفق فهمها:
- إقامة «مجلس سلام» دولي يتولى إدارة غزة.
- إنشاء قوة استقرار دولية مكلفة بنزع سلاح حماس خلال 24 شهراً.
- تولي القوة الدولية مهام ضبط الحدود وتأمينها والسماح ببدء عملية إعادة الإعمار.
- تكليف البنك الدولي بتمويل جهود إعادة إعمار القطاع.
وتذهب الصحيفة إلى تصوير هذه البنية بوصفها عودة صريحة إلى نموذج الوصاية الدولية، لكن هذه المرة على الأرض الفلسطينية، قائلة:
“قريباً سيحط على شواطئنا جنود من جيوش أجنبية لتطبيق الانتداب الجديد… من الممكن أن نرى جنوداً أمريكيين، إندونيسيين، أستراليين، مصريين، وتركيين، سيأتون للاستجمام في عسقلان وتل أبيب خلال خدمتهم في القطاع”.
تبرز هذه الرواية «المعاكسة» داخل الإعلام الإسرائيلي لتقول إن الخاسر الأساسي من القرار – في رؤيتها – ليس الكيان الإسرائيلي، وإنما الفلسطينيون الذين ستنتقل شؤونهم من إدارة عسكرية إسرائيلية إلى إدارة دولية محكومة بالأولويات الأمريكية، وتكشف هذه المقاربة عن محاولة إسرائيلية لصياغة رواية تفيد بأن القرار لا ينتقص من سيادة الكيان الإسرائيلي، بل ينتقص من قدرة الفلسطينيين على تقرير مصيرهم.
خلاصة واستنتاجات
يمثل القرار 2803 محطة مفصلية في تاريخ الصراع، إذ يعيد تعريف حدود الدور الدولي في غزة ويكسر احتكار الكيان الإسرائيلي لإدارة الملف منذ عقود، فبتمرير القرار بأغلبية 13 عضواً من أصل 15 في مجلس الأمن، فرضت الولايات المتحدة رؤيتها الخاصة للحل بعد الحرب، في خطوة وصفتها وسائل إعلام إسرائيلية بأنها »تاريخية «و«مقيدة لحرية عمل إسرائيل»، وخصوصاً أنها جاءت رغم اعتراضات اليمين الإسرائيلي وتحفظات المؤسسة الأمنية.
وتعكس التفاعلات الإسرائيلية مع القرار ثلاث مقاربات رئيسية تكشف حجم الارتباك داخل المشهد السياسي:
- مقاربة ترى القرار تهديداً استراتيجياً للكيان الإسرائيلي
تقدّم هذه القراءة القرار بوصفه تقويضاً لبنية السيطرة الإسرائيلية على غزة، وتختزل مخاوفها في أربعة محاور أساسية:
- الحد من حرية عمل الجيش الإسرائيلي، للمرة الأولى منذ عام 1967.
- احتمال انتقال نموذج القوات الدولية إلى الضفة الغربية، بما يقلص قدرة الكيان الإسرائيلي على فرض وقائع أمنية من طرف واحد.
- ترسيخ الوصاية الأمريكية على القرار الإسرائيلي في غزة، بصورة اعتبرتها شخصيات إسرائيلية «عودة إلى الانتداب ولكن بنسخة أميركية».
- فتح مسار سياسي نحو الدولة الفلسطينية، وهو بند أثار صراعاً داخل اليمين وأعاد فكرة الدولة إلى صلب النقاش العام.
2. مقاربة تعتبر أن القرار يشكّل انتداباً جديداً على الفلسطينيين
وتذهب هذه القراءة، التي برزت في هآرتس وزمان يسرائيل، إلى أن القرار لا يقيّد الكيان الإسرائيلي بل يزيد من تبعية الفلسطينيين للمنظومة الدولية، عبر:
- إقصاء السلطة الفلسطينية من المشهد التنفيذي للمرحلة الانتقالية.
- فرض إدارة دولية على غزة عبر «مجلس سلام» وقوة استقرار متعددة الجنسيات.
- تقويض أي مسار لسيادة فلسطينية مستقبلية، واعتبار مصير القطاع مرهوناً بإرادة واشنطن والتزاماتها.
3. حسابات نتنياهو السياسية
تكشف القراءة الإسرائيلية أن نتنياهو قبل القرار اضطرارياً خشية الدخول في مواجهة مباشرة مع إدارة ترامب، وهو ما قد يضر بموقعه السياسي والشخصي، لكنه لم يتخلَّ عن رهانه الأساسي:
- التعويل على تعثر تنفيذ القرار، بحيث يتمكن لاحقاً من مطالبة واشنطن بـ«الضوء الأخضر» لاستئناف الحرب على حماس.
- غير أن تقارير إسرائيلية عدة تستبعد قدرة نتنياهو على الحصول على مثل هذا الضوء لاحقاً، ما يجعله أسيراً لتوازنات سياسية لا يمتلك السيطرة عليها.
4. فلسطينياً… بين مطلب الحماية الدولية ومخاطر التطبيق
ورغم أن القرار يقترب لفظياً من مطلب فلسطيني قديم يتعلق بـالحماية الدولية، إلا أن جوهره – كما صيغ ونوقش – يضع الأولوية لمهمة نزع سلاح حماس خلال 24 شهراً، وهي مهمة لم ينجح فيها الكيان الإسرائيلي رغم عامين من العمليات العسكرية.
وبذلك، يُخشى أن يتحوّل القرار إلى أداة لإعادة هندسة المشهد الفلسطيني على نحو يخدم أهداف الاحتلال الأمنية، مع بقاء مستقبل غزة رهيناً لمعادلات دولية غير مستقرة.
التـــوصيــــات
- استثمار الانقسام الإسرائيلي والقلق الأمني والضغط السياسي والدبلوماسي لإبراز مخاوف إسرائيلية من القيود الدولية المفروضة على الجيش، والقدرة المحدودة على التحرك في غزة، ما قد يخلق هامشاً للفلسطينيين للمطالبة بحقوق إضافية ضمن القرار.
- التأكيد أمام المجتمع الدولي أن حكومة الاحتلال قد تستخدم أي إخفاق في تطبيق القرار ذريعة لعودة العمليات العسكرية، وبالتالي تعزيز الحاجة إلى الرقابة الدولية الفعلية.
- استخدام التحالفات الدولية والإقليمية لضمان أن أي إدارة أو قوة دولية لا تعمل بمعزل عن الفصائل والسلطة، وبالتالي الحد من الأجندة الإسرائيلية المحتملة.
- التأكيد على حق الفلسطينيين في إعادة بناء القطاع بشكل مستقل مع الرقابة الدولية، لتجنب تحويل القرار إلى أداة ضغط لإخضاع الفلسطينيين.
- الضغط على المجتمع الدولي لضمان أن البند المتعلق بمسار الدولة الفلسطينية يتم تفعيله عملياً، وعدم السماح للإسرائيليين أو الإدارة الدولية بتجميده أو تجاهله.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-نوفمبر 2025



