تعديل “الكنيست” لقانون وقف نشاط الأونروا: خطوة إسرائيلية نحو تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين

دراسة تحليلية-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي

أقرّ الكنيست تعديلًا قانونيًا يستهدف الأونروا عبر قطع خدمات أساسية عنها، ومنح الدولة صلاحية السيطرة على مقارها وأراضيها، خصوصًا في القدس، ويشكّل التعديل امتدادًا لتشريعات سابقة تهدف إلى تفكيك الوكالة وتقويض دورها القانوني والسياسي.

يمثّل القانون خطوة ضمن استراتيجية إسرائيلية لإضعاف قضية اللاجئين وإخراج الأونروا من المشهد، دعمًا لمشروع اليمين في الضم والهندسة الديمغرافية، كما يشكل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية.

وترجّح الورقة سيناريوهات أكثر تشددًا، تشمل تجريم عمل موظفي الأونروا واستحداث بدائل بلدية في القدس، وتوصي بتحرك فلسطيني ودولي عاجل لحماية الوكالة وولايتها القانونية، وتعزيز الدعم السياسي والمالي لها، وتوثيق الانتهاكات ورفعها للهيئات الدولية.

مقدمــــة

يشهد المشهد الفلسطيني والأممي مرحلة دقيقة، تتمثل في تصعيد إسرائيلي ممنهج ضد المؤسسات الأممية العاملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لا سيما وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، فبينما تمثل الأونروا الركيزة الأساسية لحماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين، ومؤسسةً توثّق معاناتهم منذ النكبة، باتت الآن هدفًا لتشريعات إسرائيلية مباشرة تهدف إلى تجفيف مواردها، وتقييد عملها، وتقويض شرعيتها الدولية.

وفي هذا السياق، جاء تعديل الكنيست لقانون وقف نشاط الأونروا خطوة نوعية، تتجاوز حدود التشريع المحلي لتصبح أداة سياسية واستراتيجية لإعادة هندسة المشهد الفلسطيني، ويحمل القانون الجديد في طياته رسائل مزدوجة :داخليًا لفرض السيطرة الإسرائيلية على القدس والضفة، وخارجيًا لإعادة تعريف العلاقة بين الكيان الإسرائيلي والأمم المتحدة، بما في ذلك المساس بالحصانات الدولية للأونروا.

تتناول هذه الورقة قراءة متأنية للنصوص القانونية المعدلة، وتحليل دلالاتها السياسية والقانونية والإنسانية، مع استشراف السيناريوهات المستقبلية المحتملة، وتقديم توصيات عملية وقابلة للتطبيق على المستويات الفلسطينية، الدولية، والمؤسسية، والهدف هو فهم أبعاد التعديل الإسرائيلي على الأونروا، ورفع مستوى الاستجابة القانونية والدبلوماسية والإعلامية، بما يحمي مصالح اللاجئين الفلسطينيين ويصون المؤسسات الأممية.

أولًا: التعديل القانوني – قراءة معمّقة في النصوص والدلالات المباشرة

أقرّ “الكنيست الإسرائيلي” مشروع تعديل قانون وقف نشاط الأونروا بتأييد 28 عضوًا مقابل معارضة 8 فقط، في مشهد يعكس حجم الإجماع داخل اليمين الإسرائيلي على استهداف الوكالة، بوصفها آخر المؤسسات الدولية التي تربط الكيان الإسرائيلي مباشرة بقضية اللاجئين. وقد أحيل القانون فورًا للجنة الكنيست لتحديد اللجنة المختصة بمتابعة مساره التشريعي، ما يشير إلى رغبة سياسية سريعة في تحويله إلى أداة تنفيذية ضاغطة.

يتضمن التعديل مجموعة بنود تمثل تحولًا نوعيًا في التعامل الإسرائيلي مع الأونروا، انتقالًا من مستوى التضييق الإداري إلى محاولة إعادة تعريف شرعية وجود الوكالة داخل الأراضي المحتلة.

  1. قطع المياه والكهرباء عن منشآت الأونروا

ينص التعديل على أن مزوّدي الخدمات “لن يزوّدوا أي عقار يكون المستهلك المسجل فيه هو الأونروا”.
وهذا يعني:

  • تحويل خدمات البنية التحتية الأساسية إلى سلاح تشريعي.
  • وضع منشآت الوكالة (مدارس، عيادات، مخازن غذاء، شبكات لوجستية) تحت خطر التوقف الكامل.
  • نقل الأونروا من وضع “الجهة الأممية المحمية” إلى “جهة محظورة التعامل”.

الدلالة السياسية المباشرة:

تسعى الحكومة اليمينية إلى خلق بيئة تجعل استمرار عمل الوكالة مستحيلًا دون حل قانوني أو سياسي بديل، ما يفتح الباب لجهات بلدية أو أمنية إسرائيلية لتولي جزء من الوظائف التي تؤديها الأونروا، خصوصًا في القدس.

2.  منح الدولة صلاحية السيطرة على أراضٍ تستخدمها الأونروا

يتضمن التعديل بندًا يسمح بالاستيلاء على أراضٍ مسجلة باسم “سلطة أراضي إسرائيل” تستخدمها الوكالة، وخاصة في القدس، وتشمل:

  • مقر رئاسة الوكالة في الشيخ جراح.
  • معهد تدريب قلنديا.
  • نحو 17 منشأة تخدم أكثر من 200 ألف لاجئ.

الدلالة السياسية المباشرة:

هذا البند يمثّل أخطر خطوة منذ 1967، إذ ينقلب على الترتيبات التي اعترف الكيان الإسرائيلي ضمنيًا بموجبها بالوجود التشغيلي للأونروا في القدس، والسيطرة على الأراضي تفتح الباب لتصفية وجود الوكالة في المدينة، وتحويل المخيمات إلى ملف إداري–بلدي داخل المنظومة الإسرائيلية.

البعد الاستراتيجي:

يهدف الكيان الإسرائيلي إلى إخراج القدس من أي إطار أممي، وتحويل ملف اللاجئين في المدينة إلى ملف “عقاري–أمني” يخضع لسلطة الاحتلال وحده.

3.  تعزيز تشريعات سابقة لقطع العلاقة مع الأونروا

يأتي التعديل كحلقة جديدة ضمن سلسلة قوانين أُقرّت في 2024 و2025، شملت:

  • قانون يحظر أي “صلة” بين الدولة والوكالة.
  • قانون يمنع إصدار التأشيرات لموظفي الأونروا ويُلغي الإعفاءات الجمركية والضريبية.

التعديل الجديد يُعيد تعريف الحدود القانونية لمفهوم “الصلة”، ويُدخل ضمنها:

  • خدمات البنية التحتية (المياه–الكهرباء).
  • التسهيلات التشغيلية عبر المعابر.
  • إجراءات إدخال المواد الإنسانية.

الدلالة السياسية:

هذا يعكس توجّهًا لتفكيك المنظومة التشغيلية للأونروا تدريجيًا، وإحلال منظومة إسرائيلية أو بديلة محلّها، بحيث يصبح وجود الوكالة معطّلًا بحكم الواقع قبل أن يصبح ممنوعًا بحكم القانون.

4.  اتجاه تشريعي نحو تجريم عمل موظفي الأونروا

رغم أن التعديل لم يتضمّن تجريمًا مباشرًا حتى الآن، إلا أن لغته التشريعية ووتيرة القوانين الماضية تشير إلى أن حكومة الاحتلال تمهّد لمرحلة أكثر صدامية، قد تشمل:

  • تحويل العمل مع الأونروا إلى نشاط غير قانوني داخل مناطق السيطرة الإسرائيلية.
  • إغلاق مكاتب الوكالة بالقوة تحت عنوان “مخالفات أمن قومي”.
  • منع إدخال المواد التشغيلية نهائيًا إلى غزة والضفة عبر السيطرة على المعابر.

الدلالة السياسية:

تبدو حكومة الاحتلال ساعية إلى خلق واقع يُجبر الدول المانحة على البحث عن بديل للأونروا، أو دفع الأمم المتحدة إلى نقل بعض مهامها إلى مؤسسات أخرى، بما يحقق الهدف السياسي النهائي :إزالة “اللاجئ الفلسطيني” من البنية القانونية والإنسانية الدولية.

ثانيًا: البعد السياسي – تصفية منهجية لقضية اللاجئين

  1.  تفكيك الأونروا كركيزة سياسية لقضية اللاجئين

يقرأ الفلسطينيون ومعظم المنظمات الدولية التعديل الأخير باعتباره جزءًا من مسار سياسي هدفه إسقاط الركيزة المؤسسية التي تحافظ على تعريف اللاجئ الفلسطيني وتربطه مباشرة بقرار الأمم المتحدة 194.
فالأونروا ليست مجرد مؤسسة خدماتية؛ بل هي آلية دولية تثبّت وجود اللاجئين ككتلة قانونية–سياسية قائمة، وخارطة طريق دائمة تربط حق العودة بالإطار الأممي.

في المقابل، تستند حكومة الاحتلال في مقاربتها اليمينية إلى فرضية تعتبر أن:

  • بقاء الأونروا يعني بقاء “النكبة” في الوعي الدولي.
  • استمرارها يضمن استمرار مطالبة الفلسطينيين بحق العودة.
  • وجودها يشكّل عقبة أمام أي محاولة لإعادة تعريف اللاجئ على أساس “الحالة المدنية” داخل الدول المضيفة.

وبالتالي، فإن تفكيك الأونروا يُعد خطوة تمهيدية لإعادة هندسة ملف اللاجئين وتفريغه من محتواه التاريخي والسياسي، وصولًا إلى إضعاف إمكانية إدراج حق العودة في أي تسوية مستقبلية.

2.  انسجام كامل مع المشروع السياسي لليمين الإسرائيلي

يأتي التعديل في إطار رؤية أوسع تتبنّاها التيارات اليمينية في الحكومة والكنيست، وعلى رأسها سموتريتش وبن غفير، والتي تقوم على ثلاثة مرتكزات:

  1. نفي وجود “شعب فلسطيني” أو حقوق وطنية مستقلة.
  2. ترسيخ مشروع “إسرائيل الكبرى” عبر الضم التدريجي للضفة الغربية.
  3. تغيير البنية الديمغرافية والقانونية في المناطق المحتلة، وعلى رأسها القدس.

وفي هذا السياق ترى هذه التيارات أن الأونروا:

  • تهديد أمني لأنها “تغذي بيئة مقاومة” في المخيمات.
  • تهديد سياسي لأنها تحمي الهوية الوطنية الفلسطينية.
  • تهديد ديمغرافي لأنها تُبقي المخيمات قائمة كمناطق فلسطينية كثيفة داخل بيئة الاحتلال.

وبهذا يصبح القانون الجديد تجسيدًا تشريعيًا لعقيدة اليمين، ويحوّل استهداف الأونروا من سياسة حكومية إلى مسار قانوني مؤسّس يُعطي شرعية داخلية لأي خطوات تصعيدية لاحقة.

3.  تعزيز السيطرة على القدس وطرد الأونروا من المشهد

شكّلت القدس على الدوام مركز الثقل الأصعب في العلاقة بين الكيان الإسرائيلي والأونروا، فالوكالة هي آخر مظلة دولية تعمل في المدينة المحتلة، وتقدم خدمات لحوالي 150–180 ألف لاجئ فلسطيني.

استهداف الأونروا في القدس تحديدًا يُعد جزءًا من استراتيجية متدرجة تهدف إلى:

  • تقليص أي وجود أممي في المدينة.
  • تكريس بلدية الاحتلال كمرجع وحيد للسكان الفلسطينيين.
  • إخضاع سكان القدس لسياسات “الأسرلة” عبر دفعهم نحو مؤسسات إسرائيلية بديلة.
  • إزالة الطابع السياسي للمخيمات في شعفاط وقلنديا وتحويلها إلى ملفات بلدية–أمنية بحتة.

ومن منظور سياسي، يمثّل الدفع بطرد الأونروا من القدس خطوة خطيرة تمهّد لنزع صفة “اللاجئ” عن سكان المدينة، وإدماجهم قسرًا في منظومة الاحتلال، ما ينعكس على:

  • مستقبل المفاوضات حول القدس.
  • وضع المخيمات في أي حل نهائي.
  • قدرة الأمم المتحدة على الاحتفاظ بأي دور داخل المدينة.

ثالثًا: البعد القانوني – خرق خطير لأسس النظام الدولي

يمثل التعديل التشريعي الإسرائيلي خطوة ذات طابع تصدّعي يُقوّض عددًا من الركائز القانونية التي يقوم عليها النظام الدولي المعاصر، ويحمل دلالات تتجاوز فلسطين لتطال العلاقة بين الدول والمؤسسات الأممية على نحو قد يشكّل سابقة قانونية خطيرة إذا ما تم تمريره دون مساءلة.

  1. ميثاق الأمم المتحدة – المادتان (2) و(105)

المادة (2) تفرض على الدول الأعضاء الالتزام بواجب احترام الأمم المتحدة ومؤسساتها، والامتناع عن التدخل في عمل الأجهزة والوكالات الدولية.

المادة (105) تضمن للوكالات الأممية حصانات وامتيازات كاملة لتمكينها من أداء مهامها دون عراقيل أو تهديد.

التعديل الإسرائيلي ينسف هذين المبدأين معًا عبر التدخل المباشر في عمل وكالة أممية، ومنح السلطات صلاحيات السيطرة على مقارّها ومنشآتها، وهي خطوات لا تخالف فقط روح الميثاق بل تهدد قاعدة أساسية في العلاقات الدولية: استقلالية المنظمات الدولية عن إرادة الدول المنفردة.

2.  اتفاقية الامتيازات والحصانات لعام 1946

تُعد هذه الاتفاقية العمود الفقري الذي ينظم عمل الأمم المتحدة ووكالاتها، وهي تنص على:

  • حصانة كاملة لمقرّات الوكالات من التفتيش أو المصادرة.
  • حماية موظفيها وممتلكاتها من أي تدخل أو إجراءات قسرية.
  • ضمان حرية الحركة والعمل والاتصالات.

التعديل القانوني الجديد – الذي يسمح بالاستيلاء على أراضٍ ومنشآت تستخدمها الأونروا – يشكل اختراقًا غير مسبوق لهذه الاتفاقية منذ دخولها حيّز التنفيذ، ويخلق سابقة قد تُستخدم لاحقًا ضد أي وكالة أممية تعمل في مناطق نزاع.

3.  قرار الجمعية العامة رقم 302 (تأسيس الأونروا)

يمثل القرار 302 الأساس القانوني لولاية الأونروا، وينص بوضوح على:

  • استمرار الوكالة في أداء مهامها إلى حين حل قضية اللاجئين حلًا عادلًا.
  • حصانة الوكالة ومقارّها وموظفيها بوصفها أداة تنفيذية للجمعية العامة.

إضعاف قدرة الوكالة على العمل أو مصادرة منشآتها يمثل اعتداءً مباشرًا على ولاية ممنوحة من أعلى هيئة تشريعية دولية.

4.  قرار مجلس الأمن رقم 2730 (مايو 2024)

يركز هذا القرار على حماية العاملين الإنسانيين ووكالات الأمم المتحدة، ويُلزم الدول بـ:

  • حماية المنشآت الأممية.
  • ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
  • الامتناع عن أي إجراءات تعيق عمل الوكالات الدولية في مناطق النزاع.

القانون الإسرائيلي يتعارض جوهريًا مع هذا القرار عبر خلق بيئة قانونية تُجرّم الوجود الأممي بدل حمايته، وهو تناقض سافر مع التزامات الدول الأعضاء أمام مجلس الأمن.

5.  الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية (22 أكتوبر 2025)

أكدت المحكمة – بصفتها أعلى جهاز قضائي أممي – مجموعة من المبادئ الأساسية:

  • التزام الكيان الإسرائيلي كقوة احتلال بتسهيل عمل الوكالات الدولية وليس عرقلته.
  • عدم قانونية أي عائق إداري أو ميداني يحد من نشاط الأونروا.
  • وجوب حماية مقارّ الوكالة وممتلكاتها والعاملين فيها.

ويأتي التشريع الإسرائيلي مخالفًا لهذه المبادئ بصورة مباشرة، ما يضع الكيان الإسرائيلي في حالة تعارض صريح مع القانون الدولي العرفي والاتفاقي، ومع رأي قضائي صادر عن أعلى سلطة تفسيرية في النظام الدولي.

يمثل هذا القانون اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة النظام الدولي على حماية مؤسساته من محاولات التفكيك الأحادي، فالسماح لدولة عضو بالتشريع لمصادرة مؤسسات أممية يمهد لتحوّل خطير قد ينسحب على وكالات دولية أخرى في مناطق نزاع، ويضرب مصداقية القانون الدولي في الصميم.

رابعًا: السيناريوهات المستقبلية

تدل المعطيات التشريعية والسياسية على أن استهداف الأونروا ليس خطوة ظرفية، بل مسار استراتيجي طويل الأمد يهدف إلى إعادة تشكيل البيئة القانونية والسياسية المحيطة بقضية اللاجئين. ويمكن استشراف أربعة مسارات رئيسية قد تتطور خلال الأشهر والسنوات المقبلة:

  1.  تشديد تشريعي إضافي – نحو مرحلة “التجريم الكامل”

من المرجّح أن تتجه الحكومة الإسرائيلية إلى خطوات أكثر حدة، مدفوعة بضغوط أجنحة اليمين الاستيطاني، تشمل:

  • تجريم عمل موظفي الوكالة داخل نطاق نفوذ الكيان الإسرائيلي (القدس والضفة المصنفة ضمن مناطق السيطرة الإسرائيلية).
  • منع دخول المواد التشغيلية بالكامل عبر المعابر، بما يشمل المواد الغذائية والمساعدات اللوجستية.
  • إغلاق منشآت بالقوة تحت ذريعة “عدم الامتثال” للقوانين الإسرائيلية.
  • فرض غرامات وعقوبات مالية على شركات أو أفراد يتعاونون مع الوكالة.

هذا السيناريو يقترب من سياسة “الإلغاء من المشهد” بشكل تدريجي، ويُعد الأكثر انسجامًا مع الخطاب السائد داخل الحكومة الحالية.

2.  استحداث بدائل بلدية/أمنية – إحلال مؤسسات إسرائيلية محل الوكالة

السيناريو الأكثر ترجيحًا في القدس تحديدًا.

ستسعى حكومة الاحتلال إلى:

  • إحلال بلدية الاحتلال محل الأونروا في تقديم بعض الخدمات الأساسية، وفق نموذج “الإدارة المدنية الموسّعة”.
  • تسليم بعض المنشآت لمؤسسات أمنية أو بلدية بحجة الحاجة “لإعادة التنظيم” .
  • دمج المدارس التابعة للأونروا في نظام التعليم الإسرائيلي أو في مؤسسات “فرعية” تحت إدارة البلدية.

هذا السيناريو يخدم مشروع “أسرلة القدس” وتفريغها من أي حضور أممي يذكّر بسياقها السياسي والقانوني.

3. تحرك دولي مضاد – محدود التأثير ومرتبط بالتوازنات

رغم خطورة المشهد، يُرجّح أن يبقى الرد الدولي في حدود:

  • البيانات السياسية التي تندد بالقانون.
  • جلسات استماع في الأمم المتحدة دون إجراءات تنفيذية.
  • زيادة رمزية في التمويل من بعض الدول الأوروبية لتعويض الضغط على الوكالة.

السبب الرئيس لضعف التأثير هو غياب إرادة دولية لمواجهة الكيان الإسرائيلي سياسيًا أو فرض كلفة حقيقية عليها، إلى جانب استمرار الانحياز الأميركي الذي يفرغ أدوات مجلس الأمن من فعاليتها.

4.  إعادة هيكلة داخلية داخل الأونروا – تكيف اضطراري مع الأمر الواقع

ستتجه الوكالة، في حال استمرار الضغط، إلى تعديلات داخلية تقلل اعتمادها على البنية الميدانية التي تستهدفها حكومة الاحتلال، مثل:

زيادة الشراكات مع مؤسسات محلية أو دولية عاملة في الأراضي الفلسطينية لتقديم الخدمات بالإنابة.

  • نقل مراكز إدارية أساسية خارج القدس نحو مقار بديلة في الضفة أو عمّان.
  • تقليص نطاق الخدمات المباشرة والاعتماد أكثر على المساعدات النقدية وبرامج الطوارئ.
  • استبدال الكوادر الدولية بكوادر محلية لتجنب أزمة التأشيرات ومنع الدخول.

هذا السيناريو لا يعني انهيار الوكالة، بل إعادة تعريف لطبيعة وجودها في ظل قيود قسرية مفروضة عليها.

تتراوح المسارات بين التفكيك القانوني الكامل والتكيّف الاضطراري، لكنّ المشترك بينها هو أن الكيان الإسرائيلي يتحرك ضمن استراتيجية بعيدة المدى تستهدف اعتبار الأونروا “أصلًا منتهي الصلاحية”، تمهيدًا لتغيير قواعد التعامل مع قضية اللاجئين نفسها.

خــلاصــــة

يكشف القانون الإسرائيلي الجديد ضد الأونروا عن تحوّل نوعي في الاستراتيجية الإسرائيلية، ليس بوصفه تشريعًا عابرًا، بل باعتباره أداة سياسية وأمنية وقانونية لإعادة صياغة البيئة الدولية في القدس وغزة، وإعادة تعريف العلاقة مع منظومة الأمم المتحدة، فالقانون يهدف في جوهره إلى نزع الشرعية عن الأونروا، وتجفيف مواردها، وترويضها قسريًا، تمهيدًا لإسقاط المخيمات الفلسطينية سياسيًا، وإعادة هندسة واقع اللاجئين والدور الأممي.

ويأتي هذا التحرك في سياق استثمار إسرائيلي واضح للحظة الجيوسياسية الراهنة: انقسام دولي، انشغال عربي، وانحياز أميركي كامل يغيّب أي محاسبة فعلية، لذلك لم يكن القانون مجرد رد فعل، بل خطوة محسوبة في إطار هجوم متعدد المستويات يشمل التشريع، والدعاية، والضغط السياسي، وتفكيك الهياكل الأممية القائمة في القدس وغزة.

ويتجاوز أثر القانون نطاق الوكالة ليضرب أسس النظام الدولي نفسه، ويهدد حصانة مؤسسات الأمم المتحدة، ويخلق سابقة خطيرة يمكن إسقاطها مستقبلاً على مؤسسات أخرى، كما يفتح الباب أمام تطبيقات ميدانية قسرية في القدس وغزة، من التضييق الإداري إلى الإغلاق الفعلي، في ظل توقعات بتشديد تشريعي إضافي.

في المقابل، يبقى رد الفعل الدولي محدودًا، دون أدوات إلزام أو حماية حقيقية، فيما تواجه الأونروا تحدي البقاء عبر إعادة هيكلة اضطرارية، ونقل عملياتها خارج القدس، وتقليص خدماتها.

تكمن أهمية هذا التحليل في كشف أن القانون ليس مجرد أزمة مالية أو إدارية للوكالة، بل مكوّن رئيسي في مشروع لإعادة تشكيل المشهد السياسي والإنساني في فلسطين، وتغيير معادلات ملف اللاجئين، وإعادة هندسة موازين الشرعية داخل النظام الدولي.

 التــوصيــــات

  1. تشكيل وحدة قانونية دائمة لمتابعة التشريعات الإسرائيلية ضد الأونروا، منوظائفها: إعداد ردود قانونية فورية، وتقديم مذكرات إلى مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية، والتنسيق مع الأونروا لصياغة اعتراضات رسمية مشتركة.
  2. إطلاق تحرك دبلوماسي عاجل لدى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والتركيز على الدول التي صوتت لتجديد ولاية الأونروا (149 دولة)، والمطلوب: دفعها لإصدار بيانات فردية وجماعية تدعو حكومة الاحتلال للالتزام بقرار (2730)، وتحشيد مجموعة “أصدقاء الأونروا” في جنيف ونيويورك لطلب جلسة خاصة.
  3. إعلان خطة طوارئ تشغيلية بديلة للقدس، وتشمل: نقل جزء من الإدارة إلى منطقة أكثر أمنًا مؤقتًا، تأمين بدائل للطاقة والمياه عبر مزودين دوليين أو منظومات الطاقة البديلة، وبناء نظام تشغيل ميداني عبر مؤسسات شريكة.
  4. بناء تحالف قانوني دولي للدفاع عن حصانة الوكالة، ويتضمن منظمات حقوقية دولية، مراكز دراسات قانونية، وخبراء في القانون الدولي الإنساني، هدفه: تقديم ملف قانوني متكامل ضد القوانين الإسرائيلية إلى محكمة العدل الدولية والجمعية العامة.
  5. دعوة الأمين العام لتفعيل المادة (99) من ميثاق الأمم المتحدة ووضع موضوع “الاعتداء على وكالة الأونروا” على جدول أعمال مجلس الأمن كتهديد مباشر للسلم والأمن الدوليين.
  6. حملة إعلامية دولية تركّز على خطورة مصادرة مقار أممية لأول مرة منذ عقود، وربط هذا السلوك بهجمات أوسع على النظام الدولي.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-نوفمبر 2025

شارك:

المزيد من المقالات

قرار مجلس الأمن 2803..إدارة الانتقال أم شرعنة الاحتلال؟: قراءة سياسية واستراتيجية لغزة بعد الحرب

تهدف هذه الورقة إلى تقديم تحليل شامل ومتوازن للقرار، من حيث السياق السياسي والقانوني، الإشكالات التفسيرية، النتائج الإيجابية والسلبية، التداعيات على القضية الفلسطينية والمشهد الإقليمي