تحليل سياسات-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
الملخص التنفيذي
تناقش هذه الورقة سياسة “صفر رصاصة” بوصفها مقاربة أمنية–سياسية تستهدف نزع السلاح في الضفة الغربية في سياق يتسم باستمرار الاحتلال وانسداد الأفق السياسي، وتبيّن أن هذه السياسة تجاوزت ملاحقة السلاح المقاوم لتشمل مختلف أشكال السلاح، بما يعكس سعيًا لإعادة السيطرة على الفعل الفلسطيني أمنيًا واجتماعيًا.
وتحلل الورقة تأثير هذه المقاربة على التوازنات الداخلية الفلسطينية، وعلى العلاقة بين المجتمع والسلطة، وصعود أنماط مقاومة غير مؤطرة، كما تتناول تداعيات تحويل المجتمع إلى مجتمع أعزل، وما يحمله ذلك من مخاطر الانفجار غير المنضبط، وتستعرض تجربة إعادة بناء الأجهزة الأمنية كنموذج تطبيقي لهذه السياسة، مبرزة نجاحها التقني وفشلها الاستراتيجي.
وتخلص الورقة إلى أن نزع السلاح دون تسوية سياسية شاملة لا يحقق الاستقرار، بل يعيد إنتاج “استخدام القوة” بأشكال أكثر تعقيدًا، ما يستدعي مقاربات وطنية بديلة أكثر توازنًا وواقعية.
مقدمــــة
تشهد الضفة الغربية منذ سنوات تصاعدًا متدرجًا في السياسات الأمنية الهادفة إلى السيطرة على الفعل الفلسطيني والتحكم بمصادر القوة داخله، وبلغ هذا المسار مرحلة أكثر حدة وتعقيدًا مع تبني ما بات يُعرف بسياسة “صفر رصاصة”، التي تستهدف نزع السلاح بكل أشكاله، وليس فقط السلاح المرتبط بالمقاومة المسلحة، ويأتي هذا التحول في سياق إقليمي ودولي متغير، وفي ظل انسداد سياسي طويل الأمد، وتفاقم غير مسبوق في اعتداءات الاحتلال والمستوطنين، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه السياسة، وأهدافها، وتداعياتها بعيدة المدى.
لا تُعدّ سياسة “صفر رصاصة” إجراءً أمنيًا تقنيًا معزولًا، بل تمثل مقاربة مركّبة تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والسياسية والاجتماعية، وتسعى – عمليًا – إلى إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني في الضفة الغربية، عبر تفكيك مصادر القوة، وإعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع، والسلطة، والمقاومة، والاحتلال.
وفي هذا السياق، يتجاوز النقاش مسألة السلاح بوصفه أداة مادية، ليطال مفهوم الأمن ذاته، وحدود الشرعية، ووظيفة السلطة، وطبيعة الصراع القائم.
تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن نزع السلاح في ظل استمرار الاحتلال، ومن دون أفق سياسي واضح، لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار، بل قد يقود هذا النهج إلى “استخدام القوة” بشكل غير منظم يصعب ضبطه.
تسعى الورقة إلى تحليل سياسة “صفر رصاصة” من حيث نشأتها وتطورها، وتحليل أبعادها المختلفة، واستشراف تداعياتها على التوازنات الداخلية الفلسطينية، وعلى احتمالات الانفجار الاجتماعي والسياسي في الضفة الغربية.
وتحاول الورقة، في هذا الإطار، تجاوز السرد الوصفي أو المواقف المسبقة، لتقديم قراءة تحليلية نقدية تستند إلى المستجدات الميدانية، وتجارب سابقة، وفي مقدمتها تجربة إعادة بناء الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية، بما يتيح فهماً أعمق لهذا المسار، ويفتح المجال أمام مقاربات بديلة أكثر اتزانًا وواقعية، تراعي تعقيدات الواقع الفلسطيني وحدود القوة القائمة.
أولًا: من ملاحقة السلاح المقاوم إلى تصفير كل أشكال السلاح
منذ عام 2007، شكّل السلاح المقاوم في الضفة الغربية هدفًا أمنيًا مشتركًا لكلٍّ من الكيان الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية، وإن اختلفت الدوافع والوظائف السياسية لكل طرف.
ففي حين تعامل الكيان الإسرائيلي مع أي بنية مسلحة فلسطينية بوصفها تهديدًا مباشرًا لتفوقه الأمني وحرية عمل جيشه، نظرت السلطة إلى السلاح غير الخاضع لها باعتباره خطرًا على احتكارها للقوة، وعلى “الاستقرار الداخلي” الذي ترى أنه يُعد أحد مصادر شرعيتها أمام المجتمع الدولي.
ضمن هذا السياق، تركزت الملاحقة الأمنية خلال السنوات الأولى على السلاح المرتبط بالفصائل المقاومة، لا سيما حركتي حماس والجهاد الإسلامي، ثم اتسعت لاحقًا لتشمل خلايا وكتائب محسوبة على حركة فتح، خصوصًا في أعقاب الانتفاضة الثانية وما تلاها من إعادة هيكلة أمنية.
غير أن المشهد شهد تحوّلًا نوعيًا بعد عام 2021، مع بروز تشكيلات مسلحة محلية في جنين ومخيم نور شمس وطولكرم ونابلس وطوباس، مثل “كتيبة جنين” و”عرين الأسود”.
تميّزت هذه التشكيلات بعدة سمات أربكت المنظومتين الأمنية الإسرائيلية وأجهزة السلطة الفلسطينية معًا، أبرزها:
- طابعها المحلي والمناطقي، بعيدًا عن البنية الهرمية للفصائل التقليدية
- تركيبتها العابرة للفصائل، بما في ذلك عناصر من فتح
- اعتمادها على حاضنة شعبية مباشرة أكثر من اعتمادها على قرار سياسي مركزي
هذا التحول نقل السلاح من كونه “أداة فصائلية قابلة للاحتواء” إلى “ظاهرة اجتماعية–مقاومة يصعب ضبطها”، ما رفع منسوب القلق الأمني لدى الطرفين.
ازدواجية الملاحقة: سلاح يُطارد وسلاح يُغضّ الطرف عنه
اللافت أن هذه الملاحقة الصارمة للسلاح المقاوم ترافقت، على مدى سنوات، مع غضّ نظر شبه ممنهج عن أشكال أخرى من السلاح، من بينها:
- السلاح المستخدم في النزاعات العائلية والعشائرية
- السلاح الذي يظهر علنًا في الأعراس والمناسبات الاجتماعية
- تجارة السلاح ذات الطابع الجنائي البحت
وقد أدى هذا التمييز الوظيفي في التعامل مع السلاح إلى نشوء سوق سلاح داخلية مستقرة نسبيًا، معروفة الفاعلين والمسارات، يجري تداولها في كثير من الأحيان بعلم الاحتلال والأجهزة الأمنية، ما دامت لا تشكّل تهديدًا مباشرًا للاحتلال أو تُستخدم في العمل المقاوم.
بالمقابل، جرى التعامل مع شبكات التمويل أو الحوالات المالية المصنفة سياسيًا بصرامة أعلى، سواء عبر مصادرتها من قبل الاحتلال أو احتجازها من قبل السلطة، وهو ما كشف أن معيار الاستهداف لم يكن “السلاح بحد ذاته”، بل وظيفته السياسية المحتملة.
ما بعد 7 أكتوبر 2023: من نزع السلاح المقاوم إلى تصفير السلاح كليًا
شكّل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 نقطة انعطاف حاسمة في مقاربة الاحتلال للسلاح في الضفة الغربية.
ففي أعقاب هذا الحدث، انتقلت الحكومة الإسرائيلية من سياسة احتواء السلاح غير المستخدم إلى سياسة تجفيف شامل لأي قدرة تسليحية فلسطينية، بما في ذلك:
- السلاح الذي لم يُستخدم سابقًا ضد الجيش أو المستوطنين
- السلاح المصنف “شخصيًا” أو “لأغراض الحماية الذاتية”
- السلاح المرتبط بتجارة أو نفوذ محلي غير مسيّس
انطلقت هذه السياسة عبر:
- اقتحامات موسعة للمخيمات والمدن
- مصادرة أسلحة من منازل قيادات وكوادر في أجهزة أمنية فلسطينية
- تشديد غير مسبوق على عناصر الأمن الفلسطيني أنفسهم في ما يتعلق بحيازة السلاح
ويستند هذا التحول إلى تقدير أمني إسرائيلي مفاده أن أي سلاح فلسطيني قائم، حتى لو لم تُطلق منه “رصاصة واحدة” سابقًا، يشكّل خطرًا مؤجلًا قد يُعاد توجيه فوهته في لحظة انفجار ميداني أو انهيار أمني، خصوصًا في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين واتساع رقعة الاحتكاك المباشر.
بذلك، لم تعد المعركة تدور حول “السلاح المقاوم” فحسب، بل حول منع تشكّل أي قدرة دفاعية فلسطينية مستقبلية، فردية كانت أم جماعية، في سياق يُعاد فيه تعريف الضفة الغربية كفضاء أمني مُدار، لا كساحة صراع مفتوحة.
ثانيًا: هل “صفر رصاصة” إجراء أمني مؤقت أم مشروع استراتيجي طويل الأمد؟
لا يمكن فهم سياسة “صفر رصاصة” بوصفها سياسة واحدة ذات معنى واحد، إذ تختلف طبيعتها ووظيفتها باختلاف الجهة التي تتبناها، والأهداف النهائية التي تسعى إلى تحقيقها، وعليه، فإن تفكيك هذه السياسة يقتضي النظر إليها من ثلاثة منظورات متمايزة: منظور السلطة الفلسطينية، ومنظور الاحتلال الإسرائيلي، ومنظور قوى المقاومة.
- منظور السلطة الفلسطينية: الأمن بوصفه شرطًا للشرعية والبقاء
تُقدِّم السلطة الفلسطينية سياسة نزع السلاح ضمن خطاب رسمي يقوم على معادلة:
“سلطة واحدة، قانون واحد، وسلاح شرعي واحد”، باعتبارها حجر الأساس لبناء كيان سياسي قابل للحياة.
من هذا المنظور، تؤدي سياسة “صفر رصاصة“ ثلاث وظائف رئيسية:
منع نشوء مراكز قوى موازية: ترى السلطة أن وجود سلاح خارج إطارها يُهدد احتكارها للقوة المنظمة، ويُضعف قدرتها على فرض النظام، لا سيما في المخيمات والمناطق المهمشة.
إدارة الاستقرار الداخلي: يُنظر إلى نزع السلاح كأداة للحد من الانفلات الأمني، ومنع الانزلاق نحو صراعات داخلية أو سيناريوهات فوضوية شبيهة بتجارب إقليمية أخرى.
رسالة طمأنة خارجية: تشكّل هذه السياسة رسالة مباشرة للمجتمع الدولي والمانحين مفادها أن السلطة “شريك أمني موثوق”، وقادرة على ضبط الفعل الفلسطيني ومنع انطلاق عمليات مسلحة من مناطق سيطرتها.
غير أن هذا المنظور يصطدم بإشكالية عميقة: إذ يُنفَّذ نزع السلاح في ظل استمرار الاحتلال، وتوسع الاستيطان، وغياب أي أفق سياسي حقيقي، وبدل أن يُنظر إلى الإجراء كخطوة في “مسار بناء الدولة”، بات يُنظر إليه شعبيًا كأداة وظيفية لإدارة الاحتلال، ما أدى إلى:
- تآكل الشرعية الشعبية للسلطة
- تعميق فجوة الثقة مع المجتمع، خصوصًا في المخيمات
- تحويل الأمن من “وسيلة لبناء الدولة” إلى “غاية بحد ذاته”.
2. منظور الاحتلال الإسرائيلي: مشروع استراتيجي طويل الأمد لإدارة الضفة
بالنسبة إلى الكيان الإسرائيلي، لا تُعد سياسة “صفر رصاصة” إجراءً ظرفيًا أو تكتيكًا مرحليًا، بل تمثل ركيزة ثابتة في العقيدة الأمنية الإسرائيلية تجاه الضفة الغربية.
تنطلق هذه المقاربة من جملة أهداف استراتيجية:
تحويل الضفة إلى مجال أمني منخفض التكلفة : أي تقليص الحاجة إلى عمليات عسكرية واسعة، عبر تجفيف أي قدرة فلسطينية مسلحة قد تفرض أثمانًا أمنية أو سياسية على الاحتلال.
منع تكرار “نموذج غزة” : ترى الحكومة الإسرائيلية أن تراكم السلاح في غزة كان نتيجة فشل مبكر في نزع القدرة العسكرية، ومن ثم، تسعى إلى منع أي مسار مشابه في الضفة، نظرًا لحساسيتها الجغرافية وقربها من العمق الإسرائيلي.
ضمان حرية حركة الجيش والمستوطين: نزع السلاح يسهّل الاقتحامات اليومية، ويؤمّن الطرق الالتفافية والمستوطنات، ويحدّ من مخاطر العمليات الفردية أو المنظمة.
وفق هذا المنطق، لا يُنظر إلى نزع السلاح كمرحلة انتقالية مرتبطة بتسوية سياسية، بل كـ شرط دائم لإدارة الضفة الغربية بوصفها فضاءً أمنيًا خاضعًا للسيطرة، وليس كأرض متنازع عليها ذات مستقبل سيادي محتمل.
ومن هنا، فإن أي سلاح فلسطيني—حتى لو لم يُستخدم فعليًا—يُصنَّف إسرائيليًا بوصفه “خطرًا كامنًا” يجب إزالته قبل أن يتحول إلى تهديد فعلي.
3. منظور قوى المقاومة: إجراء قمعي مؤقت لا يلغي جذور الصراع
في المقابل، تنظر فصائل المقاومة إلى سياسة “صفر رصاصة” بوصفها إجراءً قسريًا يهدف إلى تجريد المجتمع الفلسطيني من أدوات الدفاع الذاتي، لا كخطوة نحو الاستقرار أو الدولة.
من هذا المنظور:
- السلاح ليس سبب الصراع، بل نتيجة طبيعية لاستمرار الاحتلال
- نزع السلاح دون إنهاء الاحتلال يعني تكريس اختلال ميزان القوة
- أي تهدئة ناتجة عن نزع السلاح ستكون مؤقتة وهشّة
وترى قوى المقاومة أن التاريخ الفلسطيني يُظهر أن فترات نزع السلاح القسري لم تؤدِّ إلى الاستقرار، بل إلى تحولات في شكل المقاومة من المنظم إلى الفردي، ومن المؤطر إلى العفوي.
الخلاصة المرحلية: تعدد الوظائف… ووحدة الهشاشة
تُظهر القراءة المقارنة أن سياسة “صفر رصاصة”:
- هي مشروع طويل الأمد لدى الاحتلال الإسرائيلي
- وإجراء وظيفي لإدارة الاستقرار لدى السلطة الفلسطينية
- وسياسة قمعية مؤقتة في نظر قوى المقاومة
غير أن القاسم المشترك بين هذه المقاربات هو هشاشتها البنيوية؛ إذ تبقى هذه السياسة قابلة للانهيار أمام:
- أي تصعيد ميداني واسع
- أو انسداد سياسي كامل
- أو انفجار شعبي غير منظم
ذلك أن الأمن المفصول عن السياسة لا ينتج استقرارًا مستدامًا، بل يؤجل الانفجار ويزيد من كلفته عندما يقع.
ثالثًا: إعادة تشكيل التوازنات الداخلية الفلسطينية
- فجوة متزايدة بين السلطة والمجتمع
أسهمت سياسات نزع السلاح في تعميق أزمة الثقة بين الأجهزة الأمنية والشارع الفلسطيني، لا سيما في المخيمات، حيث يُنظر إلى السلاح بوصفه أداة حماية في ظل غياب الحماية الفعلية من اعتداءات المستوطنين، ومع تكرار مشاهد الاقتحامات الإسرائيلية دون ردع، بات يُنظر إلى نزع السلاح كإجراء أحادي الجانب لا يوفر بديلًا أمنيًا حقيقيًا.
2. صعود التشكيلات العابرة للفصائل
أفرز الضغط الأمني نمطًا جديدًا من التشكيلات المحلية التي تجاوزت الهياكل التنظيمية التقليدية، واتسمت بالمرونة والاستقلالية الميدانية، وقد أدى ذلك إلى إضعاف احتكار الفصائل الكبرى للقرار العسكري، وإعادة تعريف مفهوم “المقاومة” من فعل تنظيمي مركزي إلى ممارسة محلية ذات طابع شبكي.
3. إضعاف التيار الكفاحي داخل فتح
أحدثت سياسة نزع السلاح انقسامًا غير معلن داخل حركة فتح بين:
- تيار يرى في نزع السلاح ضرورة لبقاء السلطة ومنع انهيارها
- وقواعد تنظيمية تعتبره تفريغًا للحركة من دورها التاريخي كحركة تحرر
هذا الانقسام الصامت ساهم في إضعاف قدرة الحركة على إنتاج خطاب موحد، وأفقدها جزءًا من رصيدها الرمزي في الشارع.
4. من السياسة إلى الأمن
في ظل غياب الانتخابات وتعطّل آليات التداول السياسي، تحوّل معيار النفوذ من التمثيل الشعبي إلى القدرة على إدارة العلاقة مع المنظومة الأمنية، ما أدى إلى عسكرة السياسة من جهة، وأمننة الحياة العامة من جهة أخرى، وأفرغ العمل السياسي من مضمونه التنافسي.
رابعًا: المجتمع الأعزل وتداعياته السياسية والاجتماعية
إن تحويل المجتمع الفلسطيني إلى مجتمعٍ أعزل بالكامل لا يُعد إجراءً أمنيًا محايدًا، بل يمثل تحوّلًا بنيويًا في طبيعة العلاقة بين المجتمع والسلطة والاحتلال، ويحمل تداعيات سياسية وأمنية واجتماعية عميقة تتجاوز اللحظة الراهنة.
- التداعيات السياسية: كيان بلا سيادة فعلية
سياسيًا، يؤدي نزع السلاح الشامل إلى إنتاج كيان ناقص السيادة، يعتمد في بقائه على ضمانات خارجية بدلًا من امتلاكه أدوات قوة ذاتية، وفي ظل غياب أفق سياسي أو مسار تحرري واضح، تتحول السلطة من فاعل سياسي إلى جهاز إداري-أمني وظيفته الأساسية ضبط المجتمع، لا تمثيله أو الدفاع عن مصالحه الوطنية.
2. التداعيات الأمنية: فراغ قابل للانفجار
أمنيًا، لا يؤدي نزع السلاح بالضرورة إلى الاستقرار، بل قد يخلق فراغًا أمنيًا خطيرًا، خصوصًا في البيئات الهشّة كالمخيمات والمناطق المهمشة، وهذا الفراغ مرشح لأن تملأه أنماط بديلة من القوة، مثل:
- الجريمة المنظمة
- النفوذ العشائري
- مجموعات حماية ذات طابع غير منضبط
وهو ما يعيد إنتاج “استخدام القوة” بصيغ غير سياسية، وأكثر فوضوية وأقل قابلية للضبط.
3. التداعيات الاجتماعية: تآكل الكرامة الجمعية
اجتماعيًا، يسهم نزع السلاح في ترسيخ شعور متزايد بالعجز وفقدان الكرامة الجمعية، لا سيما في ظل استمرار اقتحامات الاحتلال واعتداءات المستوطنين دون قدرة المجتمع على الدفاع عن نفسه أو ردع المعتدي، ومع الوقت، يتحول هذا الشعور إلى حالة من الإحباط المتراكم، تقوّض الثقة بأي مشروع سياسي أو وطني قائم.
4. قراءة تاريخية مقارنة
تاريخيًا، لم تنجح تجارب نزع السلاح في سياقات الصراع إلا عندما جاءت كجزء من تسوية سياسية شاملة، ضمنت إنهاء الاحتلال أو تفكيك الأسباب التي تؤدي إلى “استخدام القوة”، وربطت نزع السلاح بإطار سيادي واضح، وهو ما يغيب تمامًا في الحالة الفلسطينية، حيث يُطلب من المجتمع التخلي عن أدوات الحماية في ظل استمرار الاحتلال، وتوسع الاستيطان، وانعدام الضمانات.
خامسًا: من السلاح المنظّم إلى الانفجار غير المنضبط
تفضي سياسة “صفر رصاصة” إلى مفارقة أمنية خطيرة، تتمثل في أن تراجع السلاح المنظّم والمؤطَّر لا يؤدي بالضرورة إلى تراجع العنف، بل قد يفتح المجال أمام أنماط أكثر تفككًا وأقل قابلية للضبط. فحين تُفكَّك الأطر التنظيمية التي تضبط استخدام القوة، يتحول العنف من فعل جماعي محسوب إلى سلوك فردي أو محلي غير منضبط.
- من المقاومة المؤطرة إلى الفعل الفردي
يسهم نزع السلاح في إضعاف الهياكل التنظيمية القادرة على ضبط الإيقاع الميداني، ما يدفع بعض الأفراد إلى تبني أفعال عنيفة ذاتية، خارج أي مرجعية سياسية أو تنظيمية، ولا يعكس هذا التحول بالضرورة تصعيدًا واعيًا، بقدر ما يعكس انسداد الأفق، وغياب القنوات الجماعية للتعبير والمواجهة.
2. بؤر توتر محلية بدل تنظيم مركزي
مع تراجع التنظيم، تبرز بؤر تمرد محلية، خصوصًا في المخيمات والمناطق الأكثر تهميشًا، حيث تتداخل العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتتميز هذه البؤر بطابعها المؤقت والمتقلب، ما يجعل احتواءها أمنيًا أكثر صعوبة، ويزيد من احتمالات الانفجار المفاجئ.
3. تفكك المرجعيات الضابطة
أحد أخطر تداعيات سياسة “صفر رصاصة” هو تآكل المرجعيات القادرة على الضبط والتهدئة، سواء كانت فصائلية أو مجتمعية، ومع غياب هذه المرجعيات، يصبح التحكم في مسار الأحداث أكثر تعقيدًا، وتغيب أدوات الوساطة التي حالت تاريخيًا دون انزلاق الأوضاع إلى فوضى شاملة.
سادسًا: نزع السلاح كعملية هندسة اجتماعية وسياسية
لا يمكن فهم سياسة نزع السلاح بوصفها إجراءً أمنيًا تقنيًا يهدف إلى ضبط الفوضى أو الحد من “استخدام القوة” فحسب، بل بوصفها عملية هندسة اجتماعية وسياسية واسعة النطاق، تستهدف إعادة تشكيل منظومة القيم، والعلاقات، وموازين القوة داخل المجتمع الفلسطيني.
- إعادة تعريف عقيدة الأمن
تسعى هذه السياسة إلى نقل مفهوم الأمن من كونه مرتبطًا بالحماية الجماعية ومواجهة الخطر الخارجي، إلى كونه وظيفة ضبط داخلي وإدارة سلوك المجتمع، وبهذا التحول، يُعاد تعريف “التهديد” ليصبح داخليًا بالدرجة الأولى، بينما يتراجع الاحتلال بوصفه مصدر الخطر المركزي في الخطاب والممارسة.
2 تفكيك الرموز الوطنية المرتبطة بالمقاومة
ضمن هذا المسار، يجري تفكيك الرموز الوطنية التي ارتبطت تاريخيًا بالمقاومة والعمل الكفاحي، سواء عبر نزع شرعيتها السياسية أو إعادة تأطيرها بوصفها عبئًا أمنيًا، ومع الوقت، يؤدي ذلك إلى إضعاف السردية الوطنية الجامعة، وإحلال سرديات بديلة تركز على “الاستقرار” و”الأمن” بمعزل عن التحرر والسيادة.
3. إنتاج طبقات اجتماعية مستفيدة من “الاستقرار الأمني”
تُسهم سياسات نزع السلاح في خلق شرائح اجتماعية ترى في الاستقرار الأمني مصلحة مباشرة لها، سواء بحكم موقعها الوظيفي أو ارتباطها بالبنية الاقتصادية–الأمنية الناشئة، ومع توسع هذه الشرائح، يتشكل واقع اجتماعي غير متكافئ، تُربط فيه المصالح الفردية باستمرار الوضع القائم، لا بتغييره.
4. إعادة إنتاج نخبة قيادية جديدة
في هذا السياق، يُعاد إنتاج نخبة قيادية تُقاس شرعيتها بالكفاءة الأمنية والقدرة على الضبط، لا بالتمثيل الشعبي أو التاريخ النضالي، ويؤدي ذلك إلى إزاحة السياسة لصالح الإدارة الأمنية، وتحويل معايير القيادة من القبول المجتمعي إلى الرضا الأمني، سواء داخليًا أو خارجيًا.
5. اختلال خطير في ميزان القوة
يكمن الخطر الأكبر في أن هذه الهندسة تتم في ظل اختلال فادح في ميزان القوة، حيث يجري تسليح المستوطنين وتعزيز قدراتهم، مقابل تجريد الفلسطينيين من أي قدرة ردع ذاتية، وهو ما لا ينتج استقرارًا، بل يرسّخ علاقة قسرية قائمة على الهيمنة، ويُبقي العنف كخيار كامن ومؤجل.
سابعًا: تجربة دايتون – أنجح تجربة فاشلة
مثّلت تجربة إعادة بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية منذ عام 2005، المعروفة إعلاميًا بـ”تجربة دايتون” نسبة إلى الجنرال الأميركي كيث دايتون، النموذج التطبيقي الأوضح لسياسات نزع السلاح وإعادة هندسة المنظومة الأمنية الفلسطينية، وقد نجحت هذه التجربة، من الناحية التقنية، في تحقيق مستوى عالٍ من الضبط الأمني الداخلي، وتقليص مظاهر الفوضى والسلاح غير المنظم، وإعادة بناء أجهزة أمنية ذات كفاءة تشغيلية.
غير أن هذا النجاح التقني أخفى خلفه فشلًا استراتيجيًا عميقًا، تجلّى في عدة مستويات متداخلة:
- غياب المقابل السياسي
جاءت عملية إعادة الهيكلة الأمنية دون أي أفق سياسي حقيقي، أو التزام بإنهاء الاحتلال أو وقف الاستيطان، وبذلك، تحوّل الأمن من أداة في مسار بناء الدولة إلى غاية قائمة بذاتها، منفصلة عن المشروع الوطني، ما أفقدها معناها السياسي وأضعف قبولها الشعبي.
2. الاستيطان بوصفه عامل تقويض
تزامنت ذروة “النجاح الأمني” مع تسارع غير مسبوق في وتيرة الاستيطان وتوسّع السيطرة الإسرائيلية على الأرض، وهذا التناقض الصارخ بين “الاستقرار الأمني” و”الانكماش الجغرافي والسيادي” قوض الثقة المجتمعية بالمنظومة الأمنية، ورسّخ الانطباع بأن الضبط الأمني لا يحمي الحقوق، بل يسهّل تآكلها.
3. العجز عن توفير الحماية للفلسطينيين
أظهرت التجربة محدوديتها البنيوية في حماية الفلسطينيين من اعتداءات المستوطنين، حيث ظلّت الأجهزة الأمنية عاجزة – بحكم القيود السياسية والأمنية المفروضة عليها – عن أداء وظيفة الحماية الأساسية، ومع تكرار هذا العجز، تحوّل الأمن من عامل طمأنة إلى مصدر إحباط وغضب.
4. المفارقة الجيلية
تكمن المفارقة الأبرز في أن الأجيال الفلسطينية التي نشأت في ظل هذه التجربة الأمنية، وتعرّضت لخطاب “الأمن مقابل الاستقرار”، كانت هي نفسها الأكثر تمرّدًا على نتائجها لاحقًا، فقد أفرز هذا النموذج وعيًا شبابيًا ناقدًا، رأى في الأمن المنفصل عن السياسة شكلًا من أشكال الضبط لا التحرر، وهو ما مهّد لظهور أنماط مقاومة جديدة خارج الأطر التقليدية.
ثامنًا: السيناريوهات المحتملة
تخلص هذه الورقة إلى أن سياسة “صفر رصاصة”، بصيغتها الحالية، لا تتجاوز كونها تكتيكًا أمنيًا هشًا، يعالج مظاهر “استخدام القوة” دون أن يقترب من جذوره السياسية، وفي ظل استمرار الاحتلال، وتآكل الأفق السياسي، وتزايد اختلال ميزان القوة، فإن هذه السياسة تظل عاجزة عن إنتاج استقرار مستدام، مهما بلغت درجة الصرامة الأمنية.
انطلاقًا من ذلك، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل هذه السياسة في الضفة الغربية:
- استمرار الوضع القائم: هدوء هش واحتقان متراكم
في هذا السيناريو، تستمر سياسات نزع السلاح والضبط الأمني في إنتاج هدوء نسبي، لكنه هدوء وظيفي ومؤقت، يقوم على الردع لا الرضا، وعلى الضبط لا الحل، ومع تراكم الإحباط الاجتماعي والسياسي، يتحول هذا الهدوء إلى حالة كمون قابلة للانفجار عند أي صدمة كبرى.
2. انفجار غير منظّم: استخدام قوة بلا مرجعية
يفترض هذا السيناريو فشل المنظومة الأمنية في احتواء الضغوط المتراكمة، ما يؤدي إلى تصاعد أنماط استخدام القوة بشكل فردي أو محلي، غير مؤطرة تنظيميًا، يصعب التنبؤ بها أو احتواؤها، وفي هذا السياق، لا يكون ذلك تعبيرًا عن مشروع سياسي واضح، بل نتيجة مباشرة لانهيار الأطر الضابطة وغياب البدائل.
3. إعادة توازن مشروطة: من السلاح الفردي إلى الإطار الوطني
وهو السيناريو الوحيد القادر على كسر الحلقة المغلقة، ويفترض إعادة تعريف وظيفة السلاح ضمن إطار وطني جامع، يخضع لشرعية سياسية حقيقية، ويُربط بمشروع تحرري واضح وأفق سيادي ملموس، غير أن تحقق هذا السيناريو يبقى مشروطًا بتغيّر جذري في البيئة السياسية، داخليًا وخارجيًا، وهو ما لا تبدو مؤشراته متوفرة في المدى المنظور.
الخلاصــــة
تُظهر هذه الورقة أن سياسة “صفر رصاصة” في الضفة الغربية لا تمثل حلًا أمنيًا بقدر ما تعكس إدارة مؤقتة للأزمة، تقوم على تفكيك أدوات القوة الفلسطينية دون معالجة الشروط السياسية التي أنتجتها، وتخلص إلى أن سياسة نزع السلاح، رغم تقديمها بوصفها إجراءً أمنيًا لضبط الاستقرار، أسهمت عمليًا في إضعاف الحياة السياسية، وتعميق الفجوة بين المجتمع الفلسطيني ومؤسساته، وإعادة تشكيل التوازنات الداخلية على أسس أمنية، دون أن توفر حماية حقيقية للفلسطينيين أو تحقق استقرارًا مستدامًا.
كما تخلص إلى أن نزع السلاح في ظل الاحتلال، ومن دون أفق سياسي واضح أو تسوية شاملة، لا يؤدي إلى الأمن، بل يعيد إنتاج العنف بأشكال أكثر تفككًا وأقل قابلية للضبط، وعليه، فإن أي مقاربة أمنية منفصلة عن مشروع وطني جامع، تظل بطبيعتها هشّة، مؤقتة، وقابلة للانهيار عند أول اختبار حقيقي.
التــوصيــــات
- إعادة تعريف مفهوم الأمن الوطني ليشمل حماية المواطنين من اعتداءات المستوطنين، لا الاكتفاء بمنع الاحتكاك مع الاحتلال.
- ضبط العلاقة مع الاحتلال بحيث لا تتحول الأجهزة إلى أداة تنفيذ غير مباشرة لسياساته الأمنية.
- إعادة بناء الثقة بين المجتمع والمؤسسات الأمنية، ويتطلب ذلك وقف الازدواجية في التعامل مع السلاح، وتبنّي معايير شفافة تميّز بين السلاح الجنائي والسلاح المرتبط بسياق الدفاع والمواجهة.
- تعزيز أشكال المقاومة الشعبية المنظمة كمسار مكمل، لا بديل قسري، عن أي خيار آخر.
- تعزيز التغطية الموضوعية والمستنيرة لملف السلاح والأمن، وتقديم تقارير دقيقة توازن بين المخاطر الأمنية والحقوق المجتمعية، مع تجنب التهويل أو التبسيط المخل للحقائق، بما يسهم في فهم أعمق للجمهور حول سياسة “صفر رصاصة” وتداعياتها.
- إبراز صوت المجتمع المدني والفصائل المحلية بطريقة مسؤولة لتوضيح تأثيرات السياسات الأمنية على الحياة اليومية، بما يخلق حوارًا وطنياً واقعيًا ويحد من تفاقم الاحتقان الشعبي.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-فبراير 2026



