أ. إبراهيم الحواجري
خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية-دراسة تحليلية
| الملخص التنفيذي تستعرض هذه الورقة واقع الحركة الرياضية الفلسطينية في قطاع غزة بعد نحو ألف يوم من حرب الإبادة، إذ فقدت الحركة الرياضية أكثر من 1012 من لاعبيها ومدربيها وحكامها وإدارييها، ودُمّر 285 منشأة رياضية كلياً أو جزئياً، أي ما يقارب 90% من البنية التحتية الرياضية في القطاع. وتقدم الورقة إطاراً تحليلياً لاختبار مدى اتساق المعايير التي يعتمدها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) واللجنة الأولمبية الدولية في التعامل مع أزمات النزاع المسلح، عبر مقارنة معيارية دقيقة بين استجابة فيفا السريعة لتعليق عضوية روسيا عام 2022 وتعامله المحدود مع الحالة الفلسطينية. كما تحلل الورقة الإطار القانوني الدولي الحاكم لحماية الرياضيين والمنشآت الرياضية أثناء النزاعات المسلحة، وتستعرض مسار الشكوى المرفوعة أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد قيادات فيفا واليويفا في شباط/فبراير 2026، إلى جانب تعهد فيفا الأخير بتمويل مشاريع كروية في غزة ضمن مبادرات مجلس السلام. وتخلص الورقة إلى أن استهداف الرياضة الفلسطينية يمثل استهدافاً لمكون أساسي من مكونات الهوية الوطنية، وتقدم مجموعة توصيات عملية موجهة لصناع القرار الفلسطيني والمؤسسات الرياضية الدولية والهيئات الحقوقية. |
مقدمة
لطالما قدّمت الرياضة نفسها بوصفها لغة عالمية تتجاوز الحدود السياسية والجغرافية، ورسالة إنسانية تقوم على قيم السلام والعدالة واحترام الكرامة الإنسانية، غير أن الحرب على قطاع غزة، المستمرة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، كشفت عن فجوة عميقة بين هذه المبادئ المعلنة والواقع الفعلي، بعدما تعرضت الحركة الرياضية الفلسطينية لخسائر غير مسبوقة في تاريخها.
وقد أظهرت البيانات الصادرة عن الاتحاد الفلسطيني للإعلام الرياضي في تموز/يوليو 2026، بمناسبة مرور ألف يوم على الحرب، أن عدد شهداء الأسرة الرياضية والشبابية والكشفية في قطاع غزة بلغ 1012 شهيداً، بينهم لاعبون ومدربون وحكام وإداريون، فيما دُمّر 285 منشأة رياضية منذ بداية الحرب، وتشير تقديرات أخرى صادرة عن اللجنة الأولمبية الفلسطينية إلى أن حصيلة الشهداء بلغت 1007، بفارق طفيف يعكس تفاوتاً في توقيت الرصد بين الجهات المعنية لا تناقضاً في جوهر الصورة.
وتنطلق هذه الورقة، الصادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، من فرضية مركزية مفادها أن استهداف الرياضة الفلسطينية لا يمكن قراءته بمعزل عن سؤالين مترابطين: الأول قانوني، يتعلق بمدى التزام أطراف النزاع بقواعد القانون الدولي الإنساني الحاكمة لحماية الأعيان المدنية والمدنيين؛ والثاني مؤسسي، يتعلق بمدى اتساق المعايير التي تعتمدها المؤسسات الرياضية الدولية، وفي مقدمتها فيفا واللجنة الأولمبية الدولية، عند مواجهتها بانتهاكات مماثلة في سياقات نزاع مختلفة.
وتهدف الورقة إلى: توثيق حجم الأضرار البشرية والمادية التي لحقت بالقطاع الرياضي استناداً إلى أحدث البيانات الرسمية المتاحة؛ تحليل الإطار القانوني الدولي الحاكم لحماية الرياضة أثناء النزاعات المسلحة؛ اختبار فرضية ازدواجية المعايير عبر مقارنة منهجية مع سابقة تعليق عضوية روسيا في فيفا عام 2022؛ استعراض مسارات المساءلة الناشئة، بما فيها الشكوى المرفوعة أمام المحكمة الجنائية الدولية؛ وتقديم توصيات عملية لدعم إعادة إعمار القطاع الرياضي بوصفه جزءاً لا يتجزأ من إعادة إعمار المجتمع الفلسطيني.
الإطار المفاهيمي والمنهجي
تعتمد هذه الورقة إطاراً تحليلياً مركباً من ثلاثة مستويات متكاملة، بدل الاكتفاء بالسرد الوصفي للخسائر:
1. المستوى المعياري (القانوني): يفحص هذا المستوى مدى انطباق قواعد القانون الدولي الإنساني، وتحديداً مبادئ التمييز والتناسب والاحتياط الواردة في اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الأول، على وقائع استهداف المنشآت الرياضية والكوادر الرياضية، باعتبارها من الأعيان المدنية والمدنيين المشمولين بالحماية.
2. مستوى اختبار الاتساق المؤسسي: يقارن هذا المستوى بين استجابة فيفا لأزمتين تنطويان كلتاهما على غزو أو احتلال أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وذلك عبر معايير محددة قابلة للقياس: سرعة الاستجابة، طبيعة الإجراء المتخذ (بيان عام مقابل تعليق عضوية)، الجهة التي بادرت بالضغط، والأساس اللائحي المستند إليه. هذا الاختبار لا يهدف إلى المساواة السياسية بين الحالتين، بل إلى قياس مدى تطبيق فيفا لمعاييره المعلنة بصورة متسقة.
3. مستوى المساءلة الناشئة: يتتبع هذا المستوى المسارات القانونية والمؤسسية الفعلية التي تحركت لمساءلة الأطراف المعنية، بما في ذلك الشكوى المرفوعة أمام المحكمة الجنائية الدولية والمبادرات اللائحية داخل فيفا ذاتها.
وتستند الورقة في توثيقها للوقائع إلى بيانات الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم والاتحاد الفلسطيني للإعلام الرياضي واللجنة الأولمبية الفلسطينية، إلى جانب تقارير وكالات الأنباء (الأناضول، الجزيرة) ووسائل إعلام متخصصة، مع الإشارة إلى تاريخ كل بيان ومصدره تحديداً تفادياً للتعميم غير الموثق.
المحور الأول: الرياضة الفلسطينية قبل الحرب… إنجازات رغم الحصار
رغم الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ عام 2007، حافظت الحركة الرياضية الفلسطينية على حضورها المحلي والإقليمي، إذ واصلت الأندية تنظيم بطولات الدوري والكأس، وشاركت المنتخبات الوطنية في بطولات عربية وآسيوية رغم القيود المفروضة على حركة اللاعبين وسفرهم.
وشكلت الأندية الرياضية، التي بلغ عددها 56 نادياً في محافظات القطاع بحسب ما أورده الأمين العام للاتحاد الفلسطيني للإعلام الرياضي مصطفى صيام، مؤسسات مجتمعية تتجاوز دورها الرياضي المباشر، إذ وفرت مساحات آمنة للشباب، وأسهمت في احتضان المواهب والحد من الآثار النفسية للحصار والبطالة، كما ساهم الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في تمويل إنشاء نحو 20 ملعباً خماسياً في قطاع غزة قبل الحرب، وهي المنشآت التي طالها التدمير لاحقاً، في مفارقة تستحق التوقف عندها عند مناقشة مسؤولية فيفا اللاحقة.
ورغم هذه الإنجازات، ظل القطاع الرياضي يواجه تحديات بنيوية مزمنة سبقت الحرب الحالية: الحصار ومنع إدخال المعدات الرياضية، القيود على سفر الرياضيين، نقص التمويل، تضرر المنشآت في الحروب السابقة على غزة، وغياب الاستثمارات الرياضية الكبرى، وهذا السياق التاريخي ضروري لفهم حجم الكارثة اللاحقة: فما تعرض له القطاع الرياضي لم يكن انهياراً لمنظومة هشة أصلاً، بل تدميراً لمنظومة أثبتت قدرة على الصمود والتراكم رغم القيود المفروضة عليها لعقدين متتاليين.
المحور الثاني: استهداف الرياضيين… خسارة رأس المال البشري
لم تقتصر الحرب على تدمير الملاعب والمنشآت، بل امتدت إلى العنصر البشري، الركيزة الأساسية لأي منظومة رياضية. ووفقاً لتصريح الأمين العام للاتحاد الفلسطيني للإعلام الرياضي مصطفى صيام لوكالة الأناضول بمناسبة مرور ألف يوم على الحرب (تموز/يوليو 2026)، فإن الاحتلال الإسرائيلي قتل 1012 من أبناء الحركة الرياضية والشبابية والكشفية في قطاع غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتورد اللجنة الأولمبية الفلسطينية رقماً مقارباً بلغ 1007 شهداء، فيما أشارت تقديرات سابقة، لرئيس لجنة حصر أضرار الحركة الرياضية محمد العمصي في شباط/فبراير 2026، إلى أن الضحايا يتوزعون على 34 اتحاداً رياضياً مختلفاً.
وتشمل هذه الحصيلة عدداً من الأسماء التي كانت تمثل رموزاً للرياضة الفلسطينية: سليمان العبيد، الملقب بـ’بيليه الكرة الفلسطينية’ ونجم منتخب فلسطين ونادي خدمات الشاطئ، والذي خاض 24 مباراة دولية مع المنتخب الوطني، قُتل في السادس من آب/أغسطس 2025 أثناء انتظاره الحصول على مساعدات إنسانية جنوب قطاع غزة؛ هاني المصدر، مدرب المنتخب الأولمبي الفلسطيني؛ ومحمد بركات، لاعب منتخب فلسطين لكرة القدم الشاطئية، كما لا يزال خمسة رياضيين في عداد المفقودين حتى تاريخه، وهو ما وصفه العمصي بأنه “الملف الأكثر إيلاماً” في غياب أي معلومات حاسمة عن مصيرهم.
ويكشف التوزيع النوعي للخسائر البشرية عمقاً إضافياً للأزمة: فقد أشارت بيانات صادرة في تموز/يوليو 2025 إلى أن 566 لاعب كرة قدم فقط استشهدوا حتى ذلك التاريخ، أي ما يعادل 25 فريقاً كاملاً من فرق كرة القدم وحدها، قبل أن ترتفع الحصيلة الإجمالية لاحقاً لتشمل كل الاتحادات الرياضية، وتبرز خطورة هذه الخسائر في أن نسبة كبيرة من الضحايا كانت من فئة الشباب والناشئين، ما يعني فقدان جيل كامل كان يمثل مستقبل الرياضة الفلسطينية، وتعطل برامج اكتشاف المواهب وتوقف الأكاديميات الرياضية بصورة شبه كاملة.
ويرى المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أن استهداف الكوادر الرياضية لا يقتصر أثره على المنافسات، بل يمتد إلى المجتمع ككل، لأن الرياضيين يمثلون قدوات للشباب ويسهمون في نشر ثقافة الانضباط والعمل الجماعي، فضلاً عن دورهم في تعزيز الهوية الوطنية عبر التمثيل الدولي للمنتخبات.
المحور الثالث: تدمير البنية التحتية الرياضية
تعرضت البنية التحتية الرياضية في قطاع غزة لتدمير وصفه مراقبون بأنه غير مسبوق منذ تأسيس الحركة الرياضية الفلسطينية، وبحسب تصريح مصطفى صيام لوكالة الأناضول (تموز/يوليو 2026)، دمّر الاحتلال 285 منشأة رياضية منذ بداية الحرب، فيما أوردت مصادر أخرى، من بينها تقرير نشرته وكالة سانا في شباط/فبراير 2026، رقم 265 منشأة، مع تفاوت طفيف في تصنيف ‘الدمار الكلي’ مقابل ‘الجزئي’ بين الجهات الراصدة.
وتشير التقديرات إلى أن نسبة الدمار في البنية التحتية الرياضية بلغت نحو 90% من إجمالي المنشآت في القطاع، بحسب تقرير اللجنة الأولمبية الفلسطينية الذي أشارت إليه وكالة ألترا فلسطين في آذار/مارس 2026، كما أوضح صيام أن أكثر من 50 نادياً رياضياً من أصل 56 نادياً في محافظات القطاع دُمّر، إلى جانب نحو 20 ملعباً خماسياً كان الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم قد أنشأها بدعم من فيفا نفسه قبل الحرب.
ومن أبرز المنشآت التي طالها التدمير أو تحولت عن وظيفتها الأصلية: ملعب اليرموك بمدينة غزة، الذي تحول -بحسب ما أورده كاتب رأي نشرته منصة “أخبار حياة” في حزيران/يونيو 2025 نقلاً عن تصريحات المحلل الروسي بويكوف- إلى مركز تحقيق مؤقت خلال فترات من الحرب؛ وملعب فلسطين، الذي وثقت الجزيرة نت في نيسان/أبريل 2026 تحوله من مركز رياضي تاريخي إلى مأوى للنازحين؛ إضافة إلى مقرات مؤسسات رياضية رسمية، من بينها مقار المجلس الأعلى للشباب والرياضة واللجنة الأولمبية الفلسطينية والاتحاد الفلسطيني لكرة القدم ذاته.
وقد تحول ما تبقى من الملاعب، بحسب صيام، إلى مراكز إيواء لآلاف العائلات النازحة التي فقدت منازلها، وهو ما أخرج هذه المنشآت فعلياً من الخدمة الرياضية حتى في الحالات التي لم تتعرض فيها لقصف مباشر.
الأندية الرياضية كمؤسسات مجتمعية
لم تكن الأندية الرياضية في غزة مجرد أماكن لممارسة الرياضة، بل مثلت مؤسسات اجتماعية وتربوية تقدم خدمات للشباب والأطفال وتستضيف أنشطة تطوعية، وتوفر بيئة آمنة نسبياً في ظل ظروف اقتصادية صعبة، وقد أدى تدمير هذه الأندية إلى توقف برامج اكتشاف المواهب، وتعطيل المدارس الكروية، وحرمان آلاف الأطفال من ممارسة الرياضة، وانهيار الأنشطة المجتمعية المرتبطة بها.
ويرى المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أن استهداف الأندية يمثل استهدافاً للبنية الاجتماعية الفلسطينية ذاتها، بحكم الدور الذي يؤديه النادي في المجتمع الفلسطيني كفضاء للتنشئة الاجتماعية وتعزيز الهوية الوطنية، يتجاوز حدود المنافسة الرياضية الضيقة.
الخسائر الاقتصادية للقطاع الرياضي
تركت الحرب آثاراً اقتصادية مباشرة تمثلت في خسائر كبيرة في البنية التحتية، وتوقف الاستثمارات الرياضية، وفقدان مئات فرص العمل المرتبطة بالأندية، وتوقف عقود اللاعبين والمدربين، وانهيار الأنشطة التجارية المرتبطة بالمباريات والبطولات، ويُستدل من حجم تعهد فيفا اللاحق بتمويل مشاريع كروية في غزة بمبلغ يتجاوز 75 مليون دولار أمريكي (تشرين الثاني/نوفمبر 2025) على حجم الفجوة التمويلية التي خلّفتها الحرب، وإن كان هذا المبلغ يظل بعيداً عن تغطية إجمالي كلفة إعادة إعمار قطاع دمرت فيه غالبية البنية التحتية الرياضية.
الحصيلة الموثقة لاستهداف القطاع الرياضي الفلسطيني (2023–2026)
| المؤشر | الإحصائية | المصدر والتاريخ |
| شهداء الأسرة الرياضية والشبابية والكشفية | 1012 | الاتحاد الفلسطيني للإعلام الرياضي، تموز 2026 |
| شهداء الأسرة الرياضية (تقدير مقارب) | 1007 | اللجنة الأولمبية الفلسطينية، شباط 2026 |
| لاعبو كرة القدم من بين الشهداء | 566 | تقرير سابق، تموز 2025 |
| المنشآت الرياضية المدمرة كلياً/جزئياً | 285 | الاتحاد الفلسطيني للإعلام الرياضي، تموز 2026 |
| نسبة الدمار في البنية التحتية الرياضية | نحو 90% | اللجنة الأولمبية الفلسطينية، آذار 2026 |
| الأندية المدمرة من أصل 56 نادياً | أكثر من 50 | الاتحاد الفلسطيني للإعلام الرياضي، تموز 2026 |
| الملاعب الخماسية المدعومة من فيفا والمدمرة | نحو 20 | الاتحاد الفلسطيني للإعلام الرياضي، تموز 2026 |
| الرياضيون المفقودون حتى تاريخه | 5 | محمد العمصي، شباط 2026 |
المحور الرابع: مستقبل الرياضة الفلسطينية… جيل مهدد بالضياع
لا تقاس آثار الحرب بعدد المنشآت المدمرة فقط، بل بما تتركه من آثار طويلة المدى على الأطفال والشباب الذين يشكلون القاعدة الأساسية لأي منظومة رياضية، فقد توقفت جميع البطولات الرسمية في قطاع غزة، بما فيها دوري كرة القدم وبطولات الفئات العمرية والمنافسات المدرسية والجامعية، كما تعطلت برامج إعداد المنتخبات الوطنية وتعذر تنظيم المعسكرات التدريبية.
وتعرض آلاف الأطفال والناشئين لصدمات نفسية نتيجة فقدان أفراد من أسرهم، واستشهاد زملائهم ومدربيهم، وتدمير الملاعب التي كانوا يتدربون فيها، والنزوح المتكرر، وانعدام المساحات الآمنة للعب.
وتشير الأدبيات النفسية المتخصصة في التعافي بعد النزاعات إلى أن الرياضة تمثل وسيلة أساسية لإعادة بناء الشعور بالأمان والانتماء لدى الأطفال، وبالتالي فإن غيابها الطويل يرفع من احتمالات تفاقم الاضطرابات النفسية.
غير أن المشهد لم يخلُ من مؤشرات صمود لافتة: ففي 23 شباط/فبراير 2026، أعلنت اللجنة الأولمبية الفلسطينية إطلاق سلسلة بطولات في عدد من الألعاب، من بينها كرة القدم والكرة الطائرة وكرة الطاولة والملاكمة والكاراتيه والتايكواندو وألعاب القوى، ضمن مبادرة لإعادة تنشيط الحركة الرياضية، كما أُطلقت مع بداية شهر رمضان “بطولة الوفاء للرياضيين الشهداء” لتكريم من فقدوا حياتهم خلال الحرب، وأُقيمت أول مباريات كروية رسمية منذ اندلاع الحرب على ملاعب بسيطة وسط الدمار في مدينة غزة، بمشاركة أندية تمثل مخيمات وأحياء القطاع.
وتبقى بعض الأندية في المنطقة الوسطى، مثل نادي خدمات النصيرات ونادي شباب الزوايدة ونادي الاتحاد في دير البلح، من بين الاستثناءات القليلة التي حافظت على قدر من النشاط.
وتؤكد هذه المؤشرات أن استعادة الحياة الرياضية ممكنة، لكنها تظل هشة ومحدودة النطاق، ومرهونة بحجم الدعم الدولي الفعلي، لا بمجرد إرادة الصمود المحلي وحدها.
المحور الخامس: الحماية القانونية الدولية للرياضة أثناء النزاعات المسلحة
لا تقع الرياضة خارج مظلة القانون الدولي الإنساني، فالمنشآت الرياضية تُصنف، من حيث المبدأ، ضمن الأعيان المدنية المشمولة بالحماية أثناء النزاعات المسلحة، طالما لم تُستخدم استخداماً عسكرياً فعلياً، ويتمتع اللاعبون والمدربون والحكام والجمهور بالحماية بوصفهم مدنيين ما داموا لا يشاركون مباشرة في الأعمال القتالية.
وتنص اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 على ثلاثة مبادئ حاكمة ذات صلة مباشرة بالحالة موضوع الدراسة: مبدأ التمييز، الذي يوجب التفريق بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية ويحظر توجيه الهجمات إلى المنشآت المدنية كالملاعب والأندية؛ مبدأ التناسب، الذي يمنع تنفيذ هجمات يُتوقع أن تُسفر عن خسائر مدنية مفرطة قياساً بالميزة العسكرية المرجوة؛ ومبدأ الاحتياط، الذي يُلزم الأطراف المتحاربة باتخاذ كل التدابير الممكنة لتقليل الأضرار اللاحقة بالمدنيين والأعيان المدنية.
وبناءً على هذه المبادئ، فإن تحويل ملاعب مثل اليرموك وفلسطين إلى مراكز إيواء أو تحقيق، بصرف النظر عن دوافع هذا التحويل، يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى تحول هذه المنشآت -أو عدم تحولها- إلى أهداف عسكرية وفق المعايير الدقيقة التي يحددها القانون الدولي الإنساني، وهو ما يستوجب تحقيقاً مستقلاً لتحديد الوقائع بدقة قبل إصدار أي حكم قانوني قاطع.
وعلى المستوى المؤسسي الرياضي، يرتكز الميثاق الأولمبي على مبادئ احترام الكرامة الإنسانية وعدم التمييز، ويؤكد أن ممارسة الرياضة حق من حقوق الإنسان، كما يتضمن النظام الأساسي لفيفا، في نسخته المعتمدة عام 2022، التزاماً صريحاً باحترام جميع حقوق الإنسان المعترف بها دولياً والعمل على حمايتها، بما ينسجم مع المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان.
ورغم أن هذه الوثائق ليست معاهدات دولية بالمعنى التقليدي، فإنها تشكل إطاراً مؤسسياً وأخلاقياً يفترض أن يوجه سياسات فيفا واللجنة الأولمبية الدولية عند مواجهتهما بانتهاكات جسيمة.
المحور السادس: فيفا واللجنة الأولمبية الدولية… اختبار اتساق المعايير
مذكرات الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم والمقترحات اللائحية
منذ بداية الحرب، تقدم الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم بعدة مذكرات إلى فيفا، وقد وثّقت وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية (وفا) في التاسع من أيار/مايو 2024 أن فيفا كان بصدد مناقشة مشروع قرار تقدمت به فلسطين لإلزام الكيان الإسرائيلي بوقف انتهاكاته بحق الرياضة الفلسطينية، وفي الآونة الأخيرة، جدد الاتحاد الفلسطيني تأكيده أنه لم يتلقَّ أي إشعار رسمي من فيفا بشأن مقترحات لتنظيم مباريات مع الاتحاد الإسرائيلي، مؤكداً في بيان له (حزيران/يونيو 2026) تمسكه بمواصلة الجهود القانونية والرياضية “لضمان محاسبة إسرائيل على انتهاكاتها المستمرة لهذه القوانين”، وأن أولوياته المعلنة هي حماية اللاعبين والدفاع عن حقوقهم والعمل على تحقيق العدالة والمساءلة وفق أنظمة فيفا ومبادئ الميثاق الأولمبي.
اختبار الاتساق: مقارنة معيارية مع سابقة تعليق عضوية روسيا (2022)
توفر سابقة تعليق فيفا لعضوية الاتحاد الروسي لكرة القدم عام 2022 أرضية مقارنة مفيدة، ليس بهدف المساواة السياسية أو القانونية بين حالتي الحرب الروسية على أوكرانيا والحرب على غزة، فهما تختلفان من حيث الطبيعة القانونية والسياق الدولي، بل بهدف قياس مدى تطبيق فيفا لمعاييره المعلنة بصورة متسقة عبر أزمات تنطوي على غزو أو احتلال أو انتهاكات موثقة لحقوق الإنسان.
ففي 28 شباط/فبراير 2022، أي بعد أربعة أيام فقط من بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، أصدر فيفا بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) قراراً مشتركاً بتعليق مشاركة جميع المنتخبات والأندية الروسية في كافة المسابقات “حتى إشعار آخر”، ما أدى إلى استبعاد المنتخب الروسي من ملحق تصفيات كأس العالم 2022، وجاء القرار عقب إعلان أربعة اتحادات أوروبية (إنجلترا وبولندا والسويد وجمهورية التشيك) رفضها مواجهة المنتخب الروسي، ما شكل ضغطاً مباشراً دفع فيفا لاتخاذ قرار سريع وحاسم.
في المقابل، ورغم مرور أكثر من ألف يوم على الحرب على غزة وتوثيق استشهاد أكثر من 1012 من أفراد الأسرة الرياضية الفلسطينية وتدمير 285 منشأة رياضية، لم يصدر عن فيفا أي إجراء عقابي مماثل بحق الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم، واقتصر الموقف على مناقشة مشاريع قرارات لائحية دون تعليق فعلي للعضوية.
ويلاحظ في هذا السياق أن المقارنة التي يطرحها كثير من الرياضيين والمعلقين العرب والدوليين -ومنهم لاعبون روس أنفسهم شككوا في معايير فيفا، إلى جانب أصوات عربية بارزة مثل الكابتن محمد أبو تريكة- لا تخص المقارنة مع أوكرانيا فقط، بل امتدت إلى عقوبة الإيقاف لعشر سنوات التي فرضت على العداء الفلسطيني فتحي نورين إثر رفضه مواجهة رياضي إسرائيلي، في مفارقة تكشف تبايناً في التعامل مع رفض المشاركة بحسب هوية الطرف المرفوض مواجهته.
ويكشف تطبيق معايير الاختبار الثلاثة (سرعة الاستجابة، طبيعة الإجراء، والأساس اللائحي) عن فجوة واضحة: فبينما استغرق قرار تعليق روسيا أياماً معدودة عقب ضغط من اتحادات أعضاء، ظلت مطالبات الاتحاد الفلسطيني ومنظمات حقوقية دولية، بما فيها “حملة المقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل” (PACBI)، قائمة منذ سنوات دون أن تفضي إلى إجراء مماثل، وهذا التفاوت هو جوهر ما تصفه أدبيات متعددة، من بينها تحليل نشره الأكاديمي الأمريكي هنري جيرو، بـ”ازدواجية المعايير” المؤسسية.
مسار المساءلة القضائية: الشكوى المرفوعة أمام المحكمة الجنائية الدولية
شكل تقديم شكوى رسمية أمام مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، في السادس عشر من شباط/فبراير 2026، تصعيداً غير مسبوق في مسار المساءلة، وقد تقدمت بالشكوى مجموعة تضم لاعبين فلسطينيين وأندية رياضية ومنظمات حقوقية دولية، واتهمت رئيس فيفا جياني إنفانتينو ورئيس يويفا ألكسندر تشيفرين بالتواطؤ في جرائم حرب بالأراضي الفلسطينية، استناداً إلى السماح لأندية إسرائيلية بممارسة نشاطها الرسمي من داخل مستوطنات مقامة على أراضٍ فلسطينية محتلة، وتستند الشكوى إلى حجة مفادها أن النفوذ المؤسسي الواسع الذي يتمتع به رؤساء الاتحادات الرياضية لا يعفيهم من الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي الإنساني.
وفي مقابل مسار المساءلة هذا، أعلن رئيس فيفا جياني إنفانتينو، خلال مشاركته في الاجتماع الافتتاحي لمجلس السلام الذي يرأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تعهد فيفا بتقديم أكثر من 75 مليون دولار أمريكي لمشروعات مرتبطة ببناء ملاعب كرة قدم وأكاديميات رياضية في قطاع غزة، ضمن جهود إعادة الإعمار، ويثير هذا التزامن بين مسار مساءلة قضائي من جهة، ومسار تمويل إعماري يقترن بحضور سياسي لافت للفيفا في منصات دولية معنية بالملف الفلسطيني من جهة أخرى، تساؤلات مشروعة حول طبيعة العلاقة بين المسارين: فهل يمثل التمويل خطوة عملية صادقة لتعويض سنوات الإهمال، أم أداة لتلميع صورة مؤسسية في ظل مساءلة قضائية متصاعدة؟ يرى المركز أن الإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن تُقاس بمعيار موضوعي واحد: مدى ارتباط التمويل بآليات شفافة للتنفيذ والمساءلة، ومدى استمراره بصرف النظر عن نتائج المسار القضائي.
اللجنة الأولمبية الدولية
ينص الميثاق الأولمبي على أن ممارسة الرياضة حق من حقوق الإنسان، وأن الحركة الأولمبية تعمل على تعزيز السلام واحترام الكرامة الإنسانية، غير أن محدودية التحركات العملية للجنة الأولمبية الدولية لحماية الرياضيين الفلسطينيين أو دعم إعادة تأهيل القطاع الرياضي في غزة أثارت انتقادات مشابهة لتلك الموجهة إلى فيفا، وإن كانت أقل حضوراً في النقاش العام مقارنة بالانتقادات الموجهة لفيفا بحكم الطبيعة الدورية لعمل اللجنة الأولمبية بين الألعاب الأولمبية.
ويرى المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أن المرحلة المقبلة تتطلب انتقال المؤسسات الرياضية الدولية من إصدار البيانات العامة والتمويل الرمزي إلى تبني آليات أكثر فاعلية وشفافية، تشمل دعم إعادة الإعمار وفق جدول زمني محدد وآلية رقابة مستقلة، والمساهمة الفعلية في حماية الرياضيين، والتعاون مع الهيئات الدولية المختصة في توثيق الانتهاكات ومتابعة نتائج المسار القضائي أمام المحكمة الجنائية الدولية.
اختبار اتساق المعايير المؤسسية لدى فيفا
| معيار المقارنة | حالة روسيا (2022) | الحالة الفلسطينية (2023–2026) |
| سرعة الاستجابة | أيام معدودة (4 أيام) عقب بدء الغزو | لا إجراء عقابي بعد أكثر من ألف يوم |
| طبيعة الإجراء | تعليق كامل للمنتخبات والأندية | مناقشة مشاريع قرارات لائحية دون تعليق |
| الجهة المبادرة بالضغط | أربعة اتحادات أعضاء (رفض المواجهة) | الاتحاد الفلسطيني ومنظمات حقوقية دولية |
| المسار القضائي الموازي | غير مطروح على هذا المستوى | شكوى أمام المحكمة الجنائية الدولية (شباط 2026) |
المحور السابع: غزة في مدرجات العالم… التضامن الرياضي خلال البطولات الدولية
على الرغم من محدودية المواقف الرسمية للمؤسسات الرياضية الدولية، شهدت البطولات الرياضية الدولية موجة واسعة من التضامن الشعبي مع قطاع غزة، إذ تحولت الملاعب في عدد من الدول إلى منصات للتعبير عن التعاطف مع المدنيين الفلسطينيين، من رفع الأعلام الفلسطينية وارتداء الكوفية إلى تنظيم وقفات تضامنية قبل المباريات وبعدها.
وقد تجلى هذا التضامن أيضاً في مبادرات رمزية محلية، من بينها مبادرة أطلقتها فعاليات وطنية ورياضية في مدينة غزة (حزيران/يونيو 2026) تحاكي بطولة كأس العالم 2026 المقرر إقامتها في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، وتضمنت جداريات فنية لشخصيات رياضية عالمية أعلنت تضامنها مع القضية الفلسطينية، وعلى الصعيد الفردي، أبدى عدد من اللاعبين والرياضيين حول العالم مواقف متضامنة عبر منشورات أو مبادرات إنسانية، مع إدراكهم لحساسية الجمع بين الرياضة والسياسة.
ويرى المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أن هذا التضامن، رغم أهميته الرمزية في إبقاء القضية حاضرة بالفضاء الرياضي العالمي، يحتاج إلى أن يترجم إلى مبادرات مؤسسية أكثر استدامة تتجاوز حدود التعبير الجماهيري إلى برامج دعم فعلية للرياضيين الفلسطينيين وإعادة تأهيل المنشآت.
الخلاصة
تكشف حصيلة ألف يوم من الحرب أن الرياضة الفلسطينية لم تكن ضحية جانبية لحرب الإبادة، بل من أكثر القطاعات المدنية تضرراً، سواء من حيث العنصر البشري الذي فقد أكثر من 1012 من كوادره، أو البنية التحتية التي دُمّر منها 285 منشأة بنسبة تقارب 90% من إجمالي القطاع، وقد أدى ذلك إلى إضعاف منظومة استغرق بناؤها عقوداً من الصمود رغم الحصار، وألقى بظلاله على مستقبل جيل كامل من الأطفال والشباب.
وتؤكد هذه الورقة أن اختبار استجابة المؤسسات الرياضية الدولية لهذا الواقع، مقارنة بسابقة تعليق عضوية روسيا عام 2022، يكشف فجوة اتساق مؤسسي لا يمكن تبريرها بفروق السياق وحدها، كما أن تزامن مسار المساءلة القضائية أمام المحكمة الجنائية الدولية مع إعلان فيفا عن تمويل جديد لمشاريع في غزة يفتح باباً لمساءلة أعمق حول دوافع هذا التمويل وضماناته.
ويخلص المركز الفلسطيني للدراسات السياسية إلى أن مستقبل الرياضة الفلسطينية سيظل مرهوناً بقدرة المجتمع الدولي والمؤسسات الرياضية على الانتقال من بيانات التضامن الرمزي إلى إجراءات عملية قابلة للقياس والمساءلة، بما يضمن بقاء الرياضة جسراً للمحبة والكرامة الإنسانية، لا ساحة إضافية يدفع فيها المدنيون ثمن الصراعات.
التوصيات
1. مطالبة فيفا واللجنة الأولمبية الدولية بتطبيق معايير الاتساق ذاتها التي طُبقت في سابقة تعليق عضوية روسيا عام 2022، عبر آلية تحقيق مستقلة ومعلنة النتائج.
2. متابعة مسار الشكوى المرفوعة أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد قيادات فيفا ويويفا، وتوثيق تطوراتها بشكل دوري ضمن ملفات المركز.
3. اشتراط ربط تعهد فيفا بتمويل مشاريع رياضية في غزة (75 مليون دولار) بآلية تنفيذ شفافة وجدول زمني محدد ورقابة مستقلة، بمعزل عن أي اعتبارات سياسية مرتبطة بمنصات إعلان التمويل.
4. تشكيل لجنة توثيق وطنية موحدة تدمج بيانات الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم واللجنة الأولمبية الفلسطينية والاتحاد الفلسطيني للإعلام الرياضي، لإنهاء التفاوتات الرقمية الطفيفة بين الجهات الراصدة وتعزيز مصداقية الأرقام المقدمة للهيئات الدولية.
5. إطلاق برنامج وطني عاجل لإعادة التأهيل النفسي والبدني للرياضيين الناجين، مع أولوية للأطفال والناشئين.
6. دعم مشاركة الرياضيين الفلسطينيين في البطولات الدولية لتعويض سنوات الانقطاع، والضغط لتيسير تصاريح السفر.
7. إدراج ملف استهداف القطاع الرياضي رسمياً ضمن ملفات التوثيق القانونية والحقوقية المتعلقة بالنزاع، بالتنسيق مع هيئات الأمم المتحدة المعنية بتوثيق انتهاكات القانون الدولي الإنساني.
8. تعزيز التنسيق بين الاتحادات الرياضية الفلسطينية والعربية والدولية المتضامنة لتحويل التضامن الرمزي إلى ضغط مؤسسي منظم على فيفا واللجنة الأولمبية الدولية.
© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية يوليو 2026 — جميع الحقوق محفوظة



