ألف يوم على الحرب على غزة: تحولات الإبادة وإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني والنظام الدولي

أ. أحمد أبو كميل- خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية- دراسة تحليلية

الملخص التنفيذي
يمثل مرور نحو ألف يوم على الحرب المستمرة على قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 محطة تحليلية كاشفة لحجم التحول الذي أصاب الواقع الفلسطيني، وتُظهر المعطيات أن الحرب تجاوزت نطاقها العسكري لتتحول إلى أزمة إنسانية شاملة مست الإنسان والبنية التحتية ومقومات الحياة.
كما أفرزت تحولات عميقة في البنية الاجتماعية والسياسية الفلسطينية، أبرزها إعادة تشكيل أنماط الحياة وتفاقم التشظي السياسي والجغرافي، وعلى المستوى الإقليمي والدولي، برزت فجوة متزايدة بين المواقف الرسمية والمجتمعية، مع تصاعد حضور القضية الفلسطينية عالمياً.
في المقابل، كشفت الحرب عن أزمة في فاعلية النظام الدولي والقانون الدولي في حماية المدنيين وإنفاذ قواعده.
وتشير الورقة إلى أن مستقبل المرحلة ما بعد الألف يوم يبقى مفتوحاً على سيناريوهات متعددة مرهونة بتوازنات القوى الإقليمية والدولية.

مقدمة

تشكل الحرب المستمرة على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 واحدة من أكثر الحروب امتداداً وتعقيداً في التاريخ الفلسطيني الحديث، ليس فقط من حيث مدتها الزمنية التي قاربت ألف يوم، بل من حيث طبيعتها المركبة التي جمعت بين الاستهداف العسكري المباشر، والتدمير الواسع للبنية التحتية المدنية، وإعادة تشكيل شروط الحياة ذاتها داخل القطاع.

 ومع تراكم آثارها عبر الزمن، تحولت هذه الحرب من حدث صراعي تقليدي إلى تحول تاريخي طال الإنسان والمكان والمؤسسات، وأعاد تعريف حدود الممكن في الواقع الفلسطيني.

وفي موازاة الكلفة الإنسانية غير المسبوقة، أفرزت الحرب تحولات عميقة في البنية السياسية والاجتماعية الفلسطينية، وأعادت صياغة العلاقة بين مكونات النظام السياسي الفلسطيني، كما كشفت عن حدود فاعلية النظام الإقليمي والدولي في التعامل مع صراع ممتد وعالي الكلفة الإنسانية.

 وعلى المستوى العالمي، ساهمت في إعادة تموضع القضية الفلسطينية داخل الرأي العام الدولي، بوصفها قضية ذات بعد أخلاقي وإنساني متصاعد، يتجاوز الإطار السياسي التقليدي.

وانطلاقاً من هذه التحولات المتداخلة، تسعى هذه الورقة إلى تقديم قراءة تحليلية شاملة لألف يوم من الحرب على غزة، من خلال تفكيك الحصيلة الإنسانية، ورصد التحولات السياسية والاجتماعية، وتحليل انعكاساتها على النظام الإقليمي والدولي والقانون الدولي، وصولاً إلى استشراف السيناريوهات المستقبلية المحتملة، كما تهدف إلى تقديم إطار تفسيري يساعد صناع القرار والباحثين والمهتمين على فهم طبيعة المرحلة، وحدود التحول الذي أنتجته هذه الحرب على المستويات كافة.

أولاً: الحصيلة الإنسانية – من الحرب إلى الإبادة الممتدة

تشير المعطيات التراكمية الصادرة عن وكالات الأمم المتحدة، وعلى رأسها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والبنك الدولي، إلى أن الحرب على قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 أدت إلى تدمير واسع النطاق طال الإنسان والبنية التحتية والنظام الاجتماعي والاقتصادي بشكل غير مسبوق في التاريخ الحديث للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.

وبحسب التقديرات المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي (تقرير تقييم الأضرار والاحتياجات – أبريل 2026)، فإن:

– أكثر من 60% من السكان فقدوا منازلهم أو تعرضت مساكنهم للتدمير أو الضرر.

– نحو 1.9 مليون شخص تعرضوا للنزوح المتكرر داخل القطاع.

– أكثر من 371,000 وحدة سكنية دُمرت كلياً أو جزئياً.

– أكثر من 50% من المرافق الصحية أصبحت خارج الخدمة أو غير قادرة على العمل.

– معظم المدارس والبنية التعليمية تعرضت للتدمير أو الضرر الشديد.

– انكماش اقتصادي حاد وصل إلى نحو 84% من حجم الاقتصاد في غزة.

كما تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن تكلفة إعادة الإعمار والتعافي قد تصل إلى نحو 71.4 مليار دولار خلال العقد القادم، منها أكثر من 26 مليار دولار مطلوبة في المرحلة الأولى لإعادة تشغيل الخدمات الأساسية.

هذه المؤشرات لا تعكس فقط حجم الدمار المادي، بل تكشف أيضاً عن انهيار شبه شامل في منظومة التنمية البشرية، حيث تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن مستويات التنمية في غزة قد تراجعت بما يعادل عقوداً طويلة من التقدم الإنساني (تقديرات تصل إلى أكثر من 70 عاماً من التراجع في مؤشرات التنمية البشرية).

وفي السياق الإنساني المباشر، تفيد تقارير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بأن الغالبية الساحقة من السكان تعيش في ظروف انعدام أمن غذائي ومائي وصحي، مع اعتماد واسع النطاق على المساعدات الإنسانية المحدودة وغير المستقرة.

في ضوء هذه المعطيات، لا يمكن فهم ما يجري في قطاع غزة باعتباره مجرد آثار جانبية لحرب ممتدة، بل باعتباره تحولاً في شروط الحياة ذاتها داخل القطاع، حيث تداخلت ثلاثة مستويات من الانهيار:

– انهيار الإنسان (الخسائر البشرية والنزوح).

– انهيار المكان (تدمير السكن والبنية التحتية).

– انهيار النظام (الصحة، التعليم، الاقتصاد، والخدمات).

هذا التداخل بين مستويات الانهيار يجعل من الحالة القائمة أزمة وجودية مركّبة تتجاوز حدود الصراعات المسلحة التقليدية، وتفرض قراءتها ضمن إطار التحول طويل المدى في بيئة الحياة الفلسطينية في قطاع غزة.

ثانياً: التحولات داخل المشهد الفلسطيني – من الصدمة إلى إعادة التشكل

أدت الحرب المستمرة على قطاع غزة إلى إحداث تحولات عميقة في البنية الاجتماعية والسياسية الفلسطينية، لم تعد تُفهم بوصفها آثاراً جانبية مؤقتة، بل باعتبارها تحولات متراكمة أعادت تشكيل أنماط الحياة والعلاقات السياسية والاجتماعية داخل المجتمع الفلسطيني، خصوصاً في قطاع غزة، مع امتدادات واضحة على مستوى العلاقة مع الضفة الغربية والنظام السياسي الفلسطيني ككل.

ويمكن رصد أبرز هذه التحولات على النحو الآتي:

1. إعادة تشكيل البنية الاجتماعية تحت ضغط النزوح والتفكك المكاني

تشير بيانات الأمم المتحدة (OCHA) إلى أن أكثر من 1.7 إلى 1.9 مليون شخص تعرضوا للنزوح الداخلي المتكرر خلال مراحل الحرب، وهو ما أدى إلى:

– تفكك واسع في أنماط السكن والاستقرار الأسري.

– تشتت العائلات بين مراكز إيواء ومناطق غير مستقرة.

– تراجع شبكات الدعم الاجتماعي التقليدية (العائلة الممتدة، الحي، الروابط المجتمعية المحلية).

هذا التحول لا يعكس مجرد حركة سكانية، بل يشير إلى إعادة تشكيل قسرية للبنية الاجتماعية تقوم على الاستجابة للبقاء أكثر من الاستقرار.

2. إعادة ترتيب الأولويات المجتمعية: من السياسة إلى البقاء

أدت شدة الأزمة الإنسانية إلى انتقال الأولويات المجتمعية من المجال السياسي إلى المجال المعيشي المباشر، حيث:

– تراجع حضور النقاشات السياسية في الحياة اليومية لصالح قضايا الغذاء والمأوى والأمن الشخصي.

– ارتفاع “اقتصاد البقاء” كمنطق حاكم للسلوك الاجتماعي.

– إعادة تعريف مفهوم “الاحتياجات الأساسية” ليشمل الحد الأدنى من مقومات الحياة فقط.

ويعكس هذا التحول ما يمكن وصفه بـ تراجع السياسة لصالح الضرورة الحيوية (Survival Politics).

3. تعمّق الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة

رغم أن الانقسام الفلسطيني سابق على الحرب، إلا أن الحرب أسهمت في:

– تعميق الفصل الإداري والوظيفي بين الضفة وغزة.

– اختلاف أولويات الحياة اليومية والواقع الاقتصادي بين المنطقتين.

– تراجع إمكانية إنتاج مشروع سياسي موحد في المدى القصير.

وبذلك، انتقل الانقسام من كونه انقساماً سياسياً/تنظيمياً إلى انقسام في الواقع للحياة اليومية.

4. بروز فاعلين محليين في إدارة الأزمة الإنسانية

في ظل تراجع أو تعطل بعض الأطر المركزية، برزت على الأرض:

– شبكات محلية لإدارة المساعدات والتوزيع.

– مبادرات أهلية ومجتمعية لسد الفراغ الخدمي.

– أدوار تنظيمية لجهات محلية في إدارة الحياة اليومية في ظروف استثنائية.

هذا التحول يشير إلى صعود أنماط حكم محلي وظيفي (Functional Local Governance) مرتبط بإدارة الأزمة وليس بإطار سياسي مؤسسي كامل.

5. تراجع القدرة المؤسسية للسلطة الفلسطينية في غزة

أظهرت الحرب حدود القدرة الفعلية للسلطة الفلسطينية في:

– التأثير المباشر على إدارة الواقع في قطاع غزة.

– التحكم في تدفق الخدمات أو المساعدات بشكل مستقل.

– لعب دور مركزي في إعادة تشكيل البنية الإدارية للقطاع خلال الحرب.

وهذا لا يعكس فقط ضعفاً مؤقتاً، بل يكشف عن فجوة متزايدة بين الإطار السياسي والقدرة الفعلية على التأثير الميداني.

تشير هذه التحولات مجتمعة إلى أن الحرب لم تقتصر على إحداث أزمة إنسانية واسعة، بل أنتجت إعادة تشكيل عميقة للبنية الاجتماعية والسياسية الفلسطينية، تقوم على ثلاث سمات رئيسية:

– تفكك في البنية الاجتماعية التقليدية.

– إعادة ترتيب جذري للأولويات نحو البقاء.

– إعادة توزيع غير رسمي للوظائف الإدارية والاجتماعية على الأرض.

وبناءً عليه، فإن هذه التحولات لا تبدو ظرفية أو مرتبطة بزمن الحرب فقط، بل مرشحة لأن تشكل بنية ما بعد الحرب، سواء في مسار إعادة الإعمار أو في مستقبل النظام السياسي الفلسطيني نفسه.

ثالثاً: التحولات الإقليمية والدولية – من إدارة الأزمة إلى أزمة النظام

كشفت الحرب المستمرة على قطاع غزة عن تحولات متدرجة في مواقف الفاعلين الإقليميين والدوليين، لا يمكن اختزالها في مواقف سياسية ظرفية، بل تعكس إعادة تموضع أعمق في بنية التفاعل مع القضية الفلسطينية، وفي طبيعة عمل النظامين الإقليمي والدولي.

ويمكن رصد أبرز هذه التحولات على النحو الآتي:

1. اتساع الفجوة بين المواقف الرسمية العربية والمزاج الشعبي

أظهرت الحرب اتساعاً ملحوظاً في الفجوة بين الخطابات الرسمية في عدد من الدول العربية وبين المزاج الشعبي العام، والذي تجلى في:

– موجات تضامن شعبية واسعة في الشارع العربي.

– نشاط رقمي وإعلامي مكثف داعم لفلسطين على منصات التواصل الاجتماعي.

– محدودية انعكاس هذا المزاج الشعبي على مستويات القرار الرسمي في العديد من السياقات.

ويعكس هذا التحول حالة انفصال نسبي بين السياسة الرسمية والديناميات المجتمعية في المنطقة.

2. صعود القضية الفلسطينية في الرأي العام العالمي

شهدت سنوات الحرب تصاعداً ملحوظاً في حضور القضية الفلسطينية في المجال العام العالمي، خاصة في:

– الجامعات والمؤسسات الأكاديمية في أوروبا والولايات المتحدة.

– الحركات الطلابية والشبابية.

– النقاشات الإعلامية والحقوقية الدولية.

وقد أشار عدد من التقارير الحقوقية والإعلامية إلى أن القضية الفلسطينية تحولت من ملف سياسي تقليدي إلى قضية ذات بعد أخلاقي وإنساني عالمي متجدد، مع اتساع قاعدة الاهتمام الشعبي بها خارج الأطر الرسمية.

3. تباين مواقف القوى الكبرى وازدواجية المعايير

أظهرت الحرب استمرار التباين الحاد في مواقف القوى الكبرى، حيث:

استمر الدعم السياسي والعسكري الغربي للكيان الإسرائيلي، خاصة من الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية.

في المقابل، تصاعدت الانتقادات الحقوقية من منظمات دولية وخبراء قانونيين بشأن الانتهاكات الموثقة بحق المدنيين.

برزت حالة من التوتر بين الخطاب الحقوقي العالمي والممارسات السياسية الفعلية للدول الكبرى.

ويعكس هذا التباين تعمق إشكالية ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي الإنساني.

4. تراجع فعالية الأطر الإقليمية والدولية

أظهرت الحرب محدودية واضحة في قدرة الأطر الإقليمية والدولية على فرض وقف إطلاق نار مستدام، وحماية المدنيين بشكل فعال، وإلزام الأطراف بالقانون الدولي الإنساني.

وقد تجلى ذلك في استمرار حالة العجز داخل مجلس الأمن، وتراجع فعالية آليات التنفيذ التابعة للأمم المتحدة، مقابل استمرار الفجوة بين القرارات غير الملزمة والواقع الميداني.

تشير هذه التحولات مجتمعة إلى أن الحرب على غزة لم تقتصر على إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني الداخلي، بل امتدت لتكشف عن أزمة أعمق في بنية النظامين الإقليمي والدولي، تتجلى في ثلاثة مستويات رئيسية:

– فجوة متزايدة بين الشعوب والأنظمة في العالم العربي.

– تحول القضية الفلسطينية إلى ملف عالمي ذي بعد أخلاقي متصاعد.

– تراجع فعالية مؤسسات النظام الدولي في إدارة الصراعات المسلحة.

وبناءً عليه، فإن ما كشفته الحرب لا يتعلق فقط بتوازنات سياسية آنية، بل يمس شرعية وفاعلية منظومة الحكم الدولي والإقليمي ذاتها في التعامل مع الأزمات الممتدة.

رابعاً: النظام الدولي والقانون الدولي – أزمة الفاعلية والشرعية

مثّلت الحرب المستمرة على قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 اختباراً غير مسبوق لمنظومة القانون الدولي والنظام الدولي المعاصر، ليس فقط من حيث حجم الانتهاكات الموثقة، بل أيضاً من حيث قدرة المؤسسات الدولية على الاستجابة الفاعلة وإعمال قواعد الحماية الدولية للمدنيين.

وقد أظهرت تطورات الحرب مجموعة من الملامح، أبرزها:

1. محدودية فعالية مجلس الأمن في وقف الحرب

أظهرت مناقشات مجلس الأمن الدولي حالة واضحة من العجز عن إصدار قرارات ملزمة وفعّالة لوقف إطلاق النار بشكل مستدام، واستمرار تعطّل آليات اتخاذ القرار في ظل استخدام حق النقض (الفيتو) في القضايا المرتبطة بالحرب، وتحول المجلس في كثير من الأحيان إلى منبر للنقاش السياسي أكثر من كونه أداة إنفاذ للأمن والسلم الدوليين.

ويعكس ذلك أزمة في تصميم منظومة الأمن الجماعي الدولي.

2. انخراط محكمة العدل الدولية في مسار طويل الأمد

شهدت الحرب تحركاً قانونياً غير مسبوق على مستوى محكمة العدل الدولية، تمثل في النظر في دعاوى تتعلق بتطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، وإصدار تدابير احترازية وإجراءات مؤقتة دون امتلاك آليات تنفيذ مباشرة، واستمرار المسار القانوني في إطار زمني ممتد ومعقد.

هذا الوضع يعكس الفجوة بين التوصيف القانوني للأفعال وبين القدرة العملية على فرض الامتثال.

3. المحكمة الجنائية الدولية وحدود المساءلة الفردية

في السياق نفسه، برز دور المحكمة الجنائية الدولية في فتح ملفات تتعلق بالمسؤولية الجنائية الفردية، إلا أن بطء الإجراءات القانونية، وتعقيد المسار القضائي، والقيود السياسية المحيطة بعمل المحكمة.

جعلت من هذا المسار عملية طويلة الأمد لا تواكب سرعة التطورات الميدانية.

4. أزمة ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي الإنساني

أثارت الحرب نقاشاً واسعاً حول مدى اتساق تطبيق القانون الدولي الإنساني، حيث برزت انتقادات متزايدة من منظمات حقوقية وخبراء قانونيين بشأن تفاوت المعايير في تقييم الانتهاكات، وتباين في المواقف الرسمية للدول تجاه تطبيق قواعد الحماية على مختلف أطراف النزاع، وتصاعد الجدل حول حيادية النظام القانوني الدولي في النزاعات عالية الاستقطاب السياسي.

ويشير ذلك إلى أن الأزمة ليست في النصوص القانونية بحد ذاتها، بل في آليات تطبيقها وانتقائية تنفيذها.

5. تراجع الثقة في منظومة الحماية الدولية للمدنيين

أدت حصيلة الحرب الممتدة إلى تراجع ثقة قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي في فعالية منظومة الحماية الدولية، وتصاعد التساؤلات حول قدرة النظام الدولي على منع تكرار الانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين، وإعادة طرح مفهوم “الحماية الدولية” بوصفه مفهومًا إشكاليًا في السياقات السياسية المعقدة.

تكشف هذه الملامح مجتمعة أن الحرب على غزة لم تكن مجرد اختبار للقانون الدولي من حيث النصوص، بل شكلت أزمة مركبة في فاعلية وشرعية النظام القانوني الدولي، تتجلى في ثلاث فجوات رئيسية:

– فجوة بين النص القانوني وآليات التنفيذ.

– فجوة بين المؤسسات الدولية والواقع السياسي الميداني.

– فجوة بين الخطاب الحقوقي العالمي والممارسة الفعلية للدول.

وبذلك، فإن ما أفرزته الحرب لا يقتصر على تسجيل انتهاكات جسيمة، بل يمتد إلى إعادة طرح السؤال حول مدى قابلية النظام الدولي الحالي لضمان الحد الأدنى من الحماية الإنسانية في الصراعات المسلحة المعاصرة.

خامساً: التحولات في الرأي العام العالمي – من الهامش السياسي إلى مركز النقاش الأخلاقي

أفرزت الحرب المستمرة على قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 تحولات ملحوظة في بنية الرأي العام العالمي، سواء على مستوى الخطاب الإعلامي أو الحركات الاجتماعية أو النقاشات الأكاديمية، بما يعكس إعادة تموضع تدريجي للقضية الفلسطينية داخل المجال العام الدولي.

ويمكن رصد أبرز هذه التحولات في المستويات الآتية:

1. تصاعد الحضور الإعلامي والحقوقي للقضية الفلسطينية

شهدت سنوات الحرب ارتفاعاً غير مسبوق في التغطية الإعلامية الدولية المرتبطة بقطاع غزة، وتوسعاً في التناول الحقوقي للقضية الفلسطينية داخل تقارير المنظمات الدولية والإقليمية، وكذلك انتقال القضية من ملف سياسي تقليدي إلى موضوع دائم الحضور في النقاش الإعلامي العالمي.

ويعكس ذلك تحوّلاً في كثافة التفاعل الدولي مع القضية، مقارنة بمرحلة ما قبل الحرب.

2. تنامي الحركات الطلابية والشعبية في الغرب

برزت خلال الحرب موجات متصاعدة من الحراك الطلابي في الجامعات الأوروبية والأمريكية، ومظاهرات شعبية في عدد من العواصم الغربية، وتشكيل شبكات تضامن مدني عابر للحدود مع القضية الفلسطينية.

ويشير هذا التطور إلى أن القضية الفلسطينية أصبحت جزءاً من ديناميات الحركات الاجتماعية العالمية الجديدة، خصوصاً لدى الأجيال الشابة.

3. تحول القضية الفلسطينية إلى ملف أخلاقي وإنساني عالمي

أحد أبرز التحولات تمثل في انتقال الخطاب حول القضية من الإطار السياسي البحت إلى إطار حقوقي/أخلاقي، وتركيز متزايد على مفاهيم مثل: الحماية، العدالة، حقوق الإنسان، والمسؤولية الأخلاقية.

وكذلك بروز القضية الفلسطينية كـ اختبار للقيم المعلنة في النظام الدولي الليبرالي.

هذا التحول أعاد صياغة موقع القضية داخل الوعي العالمي، ليس فقط كصراع سياسي، بل كقضية معيارية.

4. القيود على التعبير السياسي وتزايد الجدل حول حرية الرأي

في المقابل، شهدت بعض السياقات الغربية تصاعد الجدل حول حدود حرية التعبير المرتبطة بالقضية الفلسطينية، وفرض قيود أو إجراءات تنظيمية على بعض أشكال التظاهر أو التعبير السياسي، وانقسام في النقاش العام بين اعتبارات الأمن العام وحرية التعبير.

ويعكس هذا التوتر حالة عدم اتساق في إدارة المجال العام الغربي تجاه القضايا ذات الحساسية السياسية العالية.

تشير هذه التحولات مجتمعة إلى أن الحرب على غزة لم تؤثر فقط في البنية الميدانية والسياسية للصراع، بل امتدت لتعيد تشكيل موقع القضية الفلسطينية داخل الوعي العالمي، عبر ثلاث ديناميات رئيسية:

– ارتفاع غير مسبوق في الحضور الإعلامي والحقوقي.

– توسع قاعدة الفاعلين الاجتماعيين الداعمين للقضية.

– تحول القضية إلى ملف أخلاقي/معياري عالمي.

وفي المقابل، أفرزت هذه الديناميات حالة من التوتر بين اتساع التعبير الشعبي من جهة، وحدود التنظيم السياسي والمؤسساتي في بعض الدول من جهة أخرى.

سادساً: السيناريوهات المستقبلية – مسارات مفتوحة في بيئة غير مستقرة

في ضوء المعطيات التراكمية التي أفرزتها نحو ألف يوم من الحرب على قطاع غزة، لا يمكن الحديث عن مسار مستقبلي واحد محدد، بل عن مجموعة من السيناريوهات المفتوحة التي تتحدد ملامحها بناءً على تفاعل عوامل سياسية وميدانية وإقليمية ودولية متداخلة، وليس فقط نتيجة تطورات عسكرية داخلية.

ويمكن تحديد أبرز هذه السيناريوهات على النحو الآتي:

1. سيناريو استمرار الحرب منخفضة الحدة (إدارة الصراع دون حسم)

يفترض هذا السيناريو استمرار حالة من:

– العمليات العسكرية المتقطعة أو المحدودة.

– غياب تسوية سياسية شاملة أو نهائية.

– استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية دون استقرار طويل الأمد.

ويعكس هذا المسار تحول الصراع من مواجهة شاملة إلى حالة استنزاف ممتد، دون الوصول إلى نهاية سياسية واضحة.

2. سيناريو تثبيت وقف إطلاق نار هش

يرتكز هذا السيناريو على إمكانية الوصول إلى:

– وقف إطلاق نار طويل نسبياً لكنه غير مضمون الاستمرارية.

– تهدئة ميدانية دون معالجة جذور الصراع السياسية.

– إدارة الوضع الإنساني والأمني عبر ترتيبات مؤقتة.

إلا أن هشاشة هذا السيناريو تنبع من:

– غياب اتفاق سياسي شامل.

– قابلية التدهور السريع عند أي تصعيد ميداني.

– استمرار التوترات في البيئة الفلسطينية والإقليمية.

3. سيناريو إعادة الصياغة السياسية الشاملة لقطاع غزة

يتضمن هذا السيناريو احتمال التوجه نحو:

– ترتيبات سياسية وإدارية جديدة في قطاع غزة.

– إعادة تعريف العلاقة بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

– إدخال أطراف إقليمية ودولية في ترتيبات إدارة ما بعد الحرب.

غير أن هذا السيناريو يظل مرهوناً بـ:

– توافقات إقليمية ودولية غير مكتملة.

– شكل التسوية السياسية النهائية للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.

– القدرة على إنتاج إطار حكم وإدارة مستقر داخل القطاع.

العامل الحاسم في تحديد السيناريوهات

على الرغم من اختلاف هذه المسارات، فإن العامل الأكثر تأثيراً في ترجيح أي منها يتمثل في:

توازنات القوى الإقليمية والدولية وإرادة الفاعلين الدوليين الرئيسيين، أكثر من كونه نتاجاً مباشراً للتطورات الميدانية داخل قطاع غزة.

وبذلك، فإن مستقبل الوضع في غزة لا يتحدد فقط داخل حدود الجغرافيا الفلسطينية، بل يتشكل في إطار أوسع من تقاطعات المصالح الدولية والإقليمية وإدارة النظام السياسي الدولي للأزمة الممتدة.

الخلاصة

تكشف ألف يوم من الحرب على قطاع غزة أن ما جرى لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد امتداد زمني لصراع عسكري تقليدي، بل بوصفه تحولاً عميقا طال الإنسان الفلسطيني، وأعاد تشكيل البيئة السياسية والاجتماعية في قطاع غزة، وامتدت تداعياته لتختبر فاعلية النظام الدولي وقدرته على إنفاذ قواعد القانون الإنساني في النزاعات المسلحة المعاصرة.

فمن جهة أولى، أظهرت الحرب حجم الانكشاف غير المسبوق في منظومة الحماية الإنسانية، وتراجع قدرة البنى المحلية على توفير شروط الحياة الأساسية، بما يعكس انتقال الأزمة من مستوى “الطوارئ الإنسانية” إلى مستوى اختلال مستدام في شروط البقاء والتنمية.

ومن جهة ثانية، كشفت التطورات عن حدود فاعلية النظام الدولي، سواء على مستوى مجلس الأمن أو مؤسسات العدالة الدولية، في التعامل مع نزاع ممتد وعالي الكلفة الإنسانية، الأمر الذي عمّق الفجوة بين المعايير القانونية المعلنة وآليات التنفيذ الفعلية.

ومن جهة ثالثة، أبرزت الحرب أن مستقبل القضية الفلسطينية لم يعد يُصاغ فقط في الإطار الفلسطيني الداخلي، بل ضمن شبكة معقدة من التفاعلات الإقليمية والدولية التي تعيد تعريف موازين التأثير والقرار.

وعليه، فإن الأسئلة التي تفرضها هذه المرحلة لا تتعلق فقط بتداعيات الحرب، بل بقدرة الأطراف المختلفة على بلورة مسار سياسي جديد يتجاوز إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل غزة، ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني، ومستقبل منظومة الأمن والعدالة الدولية ذاتها.

التوصيات

في ضوء التحولات الإنسانية والسياسية والإقليمية والدولية التي أفرزتها ألف يوم من الحرب على قطاع غزة، تبرز مجموعة من التوصيات العملية التي يمكن أن تسهم في تعزيز الفعل الفلسطيني وتكييفه مع المرحلة الراهنة:

أولاً: على المستوى السياسي والمؤسسي

1. إعادة تعريف الأولويات السياسية الفلسطينية بما يوازن بين إدارة الأزمة الإنسانية الراهنة وبين الحفاظ على المسار الوطني العام، عبر بلورة رؤية سياسية موحدة لمرحلة ما بعد الحرب.

2. تعزيز مسار التوافق الوطني الداخلي باعتباره شرطاً أساسياً لأي قدرة تفاوضية أو سياسية مستقبلية.

3. تطوير أدوات سياسية مرنة لإدارة مرحلة “ما بعد الحرب” بما يشمل تصوراً واضحاً لإدارة قطاع غزة، وربطه بالمنظومة الوطنية الفلسطينية بشكل متدرج وواقعي.

ثانياً: على المستوى القانوني والدبلوماسي

4. توحيد الجهد القانوني الفلسطيني دولياً عبر تنسيق أكبر بين المؤسسات الحقوقية والجهات الرسمية، لضمان تراكم قانوني منظم أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.

5. تفعيل الدبلوماسية القانونية بشكل أكثر احترافية، من خلال دعم فرق قانونية متخصصة قادرة على تحويل الملفات الحقوقية إلى أدوات ضغط سياسية مستمرة.

6. بناء ملف توثيق مركزي موحد للانتهاكات وفق معايير قانونية دولية دقيقة قابلة للاستخدام أمام الهيئات القضائية الدولية.

ثالثاً: على المستوى الإعلامي والاتصالي

7. إعادة هيكلة الخطاب الإعلامي الفلسطيني بحيث ينتقل من الخطاب الانفعالي إلى الخطاب التحليلي القائم على البيانات والأرقام والشهادات الموثقة.

8. تطوير حملات إعلامية استراتيجية طويلة المدى مرتبطة بمحطات زمنية (مثل 1000 يوم)، بما يضمن استثمارها في التأثير على الرأي العام الدولي.

9. تعزيز الإنتاج الرقمي التوثيقي (فيديوهات قصيرة، منصات تفاعلية، قواعد بيانات مفتوحة) لتثبيت الرواية الفلسطينية في الفضاء الرقمي العالمي.

رابعاً: على المستوى المجتمعي والإنساني

10. دعم شبكات الحماية المجتمعية المحلية في غزة، بما يضمن استمرار تقديم الخدمات الأساسية في ظل تراجع البنية المؤسسية.

11. تعزيز برامج التماسك الاجتماعي وإعادة بناء الروابط المجتمعية في ظل آثار النزوح والتفكك الأسري والمكاني.

12. الاستعداد المبكر لمرحلة التعافي النفسي والاجتماعي عبر برامج متخصصة لمعالجة آثار الصدمة الممتدة لدى الأطفال والنساء والفئات الأكثر تضرراً.

خامساً: على مستوى إدارة المعرفة والتوثيق

13. إنشاء قاعدة بيانات فلسطينية موحدة للأضرار والخسائر تكون مرجعاً وطنياً ودولياً موثوقاً.

14. تحويل التجربة إلى إنتاج معرفي أكاديمي عبر دعم مراكز الأبحاث والدراسات لإصدار أوراق دورية حول التحولات التي أحدثتها الحرب.

© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية يوليو 2026 — جميع الحقوق محفوظة

شارك:

المزيد من المقالات

التفاهمات الأمريكية–الإيرانية وإعادة تشكيل معادلة الردع الإقليمي: قراءة تحليلية في الموقف الإسرائيلي

خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية- تحليل سياسات من منظور إسرائيلي الملخص التنفيذيتتناول هذه الورقة التحولات في الموقف الإسرائيلي من التفاهمات الأمريكية–الإيرانية المحتملة، في ظل تصاعد