سياسات تحليلية اقتصادية
أ. خالد أبو عامر | خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية
| الملخص التنفيذي تجاوزت أزمة الوقود في قطاع غزة كونها عجزا في الإمدادات لتتحول إلى نظام احتكار مُدار يستثمر الندرة المفروضة لتوليد ريع احتكاري ضخم على حساب أكثر من مليوني فلسطيني. تكشف بيانات موثقة أن الفجوة الأكبر في السعر تتشكل عند الحدود، بين سعر التصدير من مصر والكيان الإسرائيلي والسعر الذي تفرضه شركة «أبناء سيناء» المصرية، بينما يبقى هامش التجزئة داخل غزة محدودا نسبيا. تخلص الورقة إلى أن الأزمة نتاج تفاعل بين سياسة تقييد الكميات الداخلة عبر المعابر من جهة، وبنية وساطة احتكارية على الجانب المصري تستثمر تلك الندرة ماليا من جهة أخرى، وتقدم حزمة توصيات موجهة لصانع القرار الفلسطيني والأطراف الدولية. |
مقدمة
تعصف بقطاع غزة أزمة وقود مستحكمة وممتدة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، تلقي بظلالها على مجمل تفاصيل الحياة المعيشية لسكان القطاع.
ولم يقتصر أثر هذا الشح على تقييد حرية التنقل، بل امتد ليشل قطاعات تشغيلية لا غنى عنها للبقاء: خدمات البلديات، والنقل، والمخابز، ومحطات المياه والصرف الصحي والمستشفيات.
تستند هذه الورقة إلى رصد ميداني لتحركات الأسعار، وإفادات مسؤولين في هيئة البترول الفلسطينية، وتحقيقات صحفية استقصائية منشورة (Middle East Eye وMiddle East Monitor وThe New Arab)، وتقارير دورية لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، مع الإشارة إلى تاريخ كل مصدر ضمانا لدقة القراءة الزمنية للبيانات، نظرا للتغير السريع في أرقام هذا الملف.
أولاً: الفجوة السعرية — قراءة رقمية
تكشف مقارنة الأسعار عبر حلقات سلسلة التوريد أن الفجوة السعرية القياسية في غزة لا تنشأ عند نقطة البيع المحلية، بل عند نقطة عبور واحدة: الحد الفاصل بين السعر المُصدَّر من مصر والكيان الإسرائيلي والسعر الذي تفرضه شركة «أبناء سيناء» على مدخل القطاع.
| المؤشر | السعر قبل الحرب | سعر التصدير (مصر/الكيان) | سعر «أبناء سيناء» عند الحدود | السعر النهائي داخل غزة | التسعيرة الرسمية الفلسطينية الحالية |
| السولار (لتر) | 5–6 شواكل | 4–6 شواكل | 33 شيكلا | أكثر من 30 شيكلا | 8.56 شيكل |
| البنزين 95 (لتر) | 7 شواكل | 6–7 شواكل | 60 شيكلا | نحو 70 شيكلا | 7.99 شيكل |
| غاز الطهي (كغم) | 5 شواكل | 5 شواكل | غير متاح* | 70–120 شيكلا* | — |
* بيانات غاز الطهي مستقاة من رصد ميداني عام لبيعه في السوق الموازي لعدم توفر رقم مؤكد لسعر الشركة الوسيطة عند الحدود؛ بقية الأرقام موثقة بمصادر مؤرخة، و التسعيرة الرسمية الفلسطينية تعود لنشرة الهيئة العامة للبترول الصادرة أول آب/أغسطس 2026، وهي تسعيرة نظرية لا تطبق فعليا داخل غزة بسبب اختلال سلسلة التوريد.
تُظهر القراءة المتعمقة للجدول استنتاجا تحليليا مركزيا: هامش الربح الأكبر لا يتشكل داخل السوق المحلي في غزة، بل عند حلقة عبور واحدة يحتكرها طرف واحد.
فبين سعر تصدير السولار (4–6 شواكل) وسعر «أبناء سيناء» عند الحدود (33 شيكلا)، يقفز السعر أكثر من 6 أضعاف قبل أن تصل الشحنة أصلا إلى الأراضي الفلسطينية، بينما لا يتجاوز هامش التجزئة الداخلي بعد ذلك 10% إلى 15% إضافية.
وينطبق النمط ذاته على البنزين، حيث تبيعه الشركة عند الحدود بـ60 شيكلا مقابل سعر تصدير لا يتجاوز 6–7 شواكل، أي بزيادة تقارب 9 أضعاف، بينما يضيف السوق المحلي هامشا تجزئة لا يتجاوز 15% إلى 17%.
هذا التوزيع الرقمي يدحض الفرضية الشائعة القائلة بأن التجار المحليين هم المسؤولون الرئيسون عن الغلاء، ويوجه الاتهام بوضوح نحو حلقة الوساطة عند المعبر باعتبارها المصدر الأساس للفجوة.
تنويه منهجي: رقما 33 و60 شيكلا لسعر «أبناء سيناء» عند الحدود يستندان إلى مصدر أولي واحد هو منشور رئيس جمعية النقل الخاص ناهض شحيبر، وقد أعادت عدة منصات إخبارية نشره دون أن يتوفر لهذه الورقة مصدر مستقل ثانٍ (كوثيقة جمركية أو إفادة تاجر آخر) يؤكدهما بالقيمة الدقيقة ذاتها.
غير أن اتساقهما مع السعر النهائي الموثق للمستهلك (أكثر من 30 شيكلا للسولار) من مصادر متعددة ومستقلة، ومع نمط الرسوم المتدرجة الذي وثقته تحقيقات OCCRP وميدل إيست آي لسلع أخرى عبر المعبر ذاته، يمنحهما ترجيحا معقولا كمؤشر على حجم الفجوة لا كرقم محاسبي دقيق
وتوصي الورقة بأن يخضع هذا الرقم تحديدا لتحقق ميداني مباشر (فاتورة شراء أو إفادة تاجر ثانٍ) قبل الاستشهاد به في أي وثيقة رسمية أو قانونية.
ثانيا: التحليل الهيكلي لأسباب الأزمة
1. بنية شبكة الوساطة و«التنسيقات»
لا تعود الفجوة السعرية إلى تكاليف إنتاج أو نقل، بل إلى منظومة رسوم غير رسمية تُعرف محليا بـ«التنسيق» تُفرض على كل شاحنة عابرة، وتتوزع على عدة طبقات وسيطة، فوفق تحقيق استقصائي نشرته منظمة مراقبة الجريمة المنظمة والفساد (OCCRP) بالشراكة مع موقع مصري مستقل، أشارت شهادات تجار فلسطينيين إلى أن السلعة تمر أولا عبر وسطاء فلسطينيين معتمدين من الجانب الإسرائيلي يتقاضون ما بين 10 و25 ألف دولار لكل شاحنة، قبل أن تخضع لرسوم إضافية تتراوح بين 7 و13 ألف دولار تجبيها شركة «أبناء سيناء»، فيما تضيف شركة أمنية منفصلة رسوما قد تصل إلى 30 ألف دولار مقابل تأمين وصول الشحنة، بحيث يمكن أن يتجاوز إجمالي الرسوم على الشاحنة الواحدة 60 ألف دولار.
وتباينت التقديرات بحسب المرحلة الزمنية: فقد أفاد مصدر في معبر رفح لصحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية بأن الرسوم المفروضة على أبناء سيناء تراجعت بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ من نحو 60 ألف دولار للشاحنة الواحدة إلى ما لا يقل عن 20 ألف دولار، في حين وثّق تقرير لاحق حالات وصلت فيها كلفة «تنسيق» الشاحنة الواحدة إلى نحو 100 ألف دولار مع فرض غرامة إضافية قدرها 70 ألف دولار في حال ضبط «مواد محظورة» ضمن الحمولة.
هذا التفاوت بين التقديرات لا يعكس تناقضا بقدر ما يعكس بنية تسعير متدرجة تتغير بحسب نوع البضاعة، ووقت العبور، ودرجة «الأولوية» المدفوعة.
2. نشأة شركة «أبناء سيناء» ومسارها نحو الاحتكار
تأسست شركة «أبناء سيناء للمقاولات والتجارة العامة» عام 2010 على يد رجل الأعمال ورجل القبائل السيناوي إبراهيم العرجاني، بعد إطلاق سراحه من سجون مصرية، وبدأت نشاطها في مجال استغلال المحاجر.
وشاركت الشركة عام 2012 في جهود إعادة إعمار غزة عقب العدوان الإسرائيلي في ذلك العام، قبل أن يتوسع دورها بشكل حاسم عقب عدوان 2014 لتحتكر عمليا حركة نقل البضائع عبر معبر رفح.
ومع اندلاع حرب الإبادة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، اتسع هذا الدور الاحتكاري ليشمل، إلى جانب البضائع التجارية والمساعدات، ملف خروج الأفراد من القطاع عبر شركة «هلا» التابعة لمجموعة العرجاني، التي فرضت رسوما على المسافرين تراوحت بين 5 و12 ألف دولار للشخص الواحد، قبل أن يتوقف هذا النشاط إثر السيطرة الإسرائيلية على معبر رفح في 7 أيار/مايو 202410.
ووفق ما كشفته «ميدل إيست آي»، فإن هذا النشاط وحده كان يدر على مجموعة العرجاني أرباحا إضافية قُدرت بنحو مليوني دولار يوميا خلال ذروته.
3. من إدارة اللوجستيات إلى استخراج الريع
يوثق مصدر ثالث نمطا موازيا يطال شحنات المساعدات الإنسانية ذاتها، إذ أفادت منظمة خيرية دولية لـ«ميدل إيست آي» أنها اضطرت لدفع 5 آلاف دولار عن كل شاحنة مساعدات كـ«رسم إدارة» لشركة تابعة لـ«أبناء سيناء»، رغم أن تنظيم دخول الشاحنات يُفترض أن يكون من اختصاص الهلال الأحمر المصري حصرا وليس شركة تجارية، وهو ما يعني أن الجهة الاحتكارية ذاتها تتقاضى رسوما على المساعدات الإنسانية غير المعوضة، وعلى البضائع التجارية، وعلى حركة الأفراد في آن واحد.
الخلاصة التحليلية لهذا القسم أن نموذج «الاحتكار المُدار» لا يقتصر على تسعير سلعة بعينها، بل يشكل بنية استخراج ريع شاملة تعمل عبر ثلاث قنوات متوازية: التجارة، والمساعدات، وحركة الأفراد، وتستمد قدرتها على الاستمرار من غياب أي بديل مؤسسي أو أممي مباشر يلتف حول حلقة الوساطة هذه.
ثالثا: ديناميكية الندرة المُدارة — من هو المسؤول عن الشح؟
لا يمكن فهم قدرة شبكة الوساطة على فرض هذه الرسوم الباهظة بمعزل عن السياسة التي تحدد أصلا الكميات المسموح بدخولها إلى القطاع؛ فالندرة هنا ليست معطى طبيعيا بل نتاج قرار مزدوج: تقييد إسرائيلي لحجم وتوقيت الشحنات الداخلة عبر المعابر بوصفه إجراء تحت مسؤوليتها القانونية بصفتها السلطة القائمة بالاحتلال، يقابله استثمار تجاري لتلك الندرة من قبل حلقة الوساطة المصرية عند الحدود.
الآليتان تتغذيان على بعضهما: فكلما ضاق باب العرض المسموح به، ارتفعت قيمة «الأولوية» التي تبيعها شبكة التنسيق، وارتفعت معها الرسوم.
تعكس الأرقام الرسمية حجم هذا الاختلال بوضوح: حيث أفادت هيئة البترول في قطاع غزة، في تصريح صحفي أوائل آب/أغسطس 2026، أن القطاع يعاني نقصا يقترب من 70% مقارنة بالكميات التي كانت تصل قبل الحرب، موضحة أنه بينما كان معدل ما يصل إلى غزة نحو 15 مليون لتر شهريا (باستثناء وقود محطة الكهرباء)، لا يتجاوز المتاح حاليا 4.5 مليون لتر شهريا، تذهب غالبيتها إلى المخابز والمستشفيات والبلديات عبر المؤسسات الدولية، فيما لا تصل إلى السوق المحلي سوى كميات محدودة.
وهذا ما يفسر لماذا تبقى الأسعار مرتفعة حتى بعد أكثر من عشرة أشهر على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025: فالاتفاق نص على إدخال نحو 600 شاحنة مساعدات يوميا، إلا أن التنفيذ الفعلي ظل دون هذا المستوى بصورة مستمرة ومتذبذبة، إذ لم يتجاوز متوسط ما تم إدخاله فعليا خلال الشهر الأول من الاتفاق نحو 3,185 شاحنة أممية إجمالا خلال شهر كامل.
وفي ملف الوقود تحديدا، أفادت تقارير أممية دورية بأن الأمم المتحدة تمكنت من إدخال ما متوسطه 10.9 مليون لتر من السولار والبنزين مجتمعين خلال الفترة الممتدة منذ وقف إطلاق النار وحتى نهاية كانون الأول/ديسمبر 2025، وهي كمية موجهة أساسا للاستخدامات الإنسانية الحرجة (مستشفيات، آبار مياه، اتصالات) وليس للسوق التجارية المفتوحة.
رابعا: التداعيات على القطاعات التشغيلية والاقتصادية
تقويض الأمن الصحي والإنساني: يهدد الشح المستمر استمرارية تشغيل المولدات الكهروميكانيكية في المستشفيات، ومحطات تحلية المياه، ومرافق الصرف الصحي، بما يرفع مخاطر كوارث بيئية وصحية مركبة.
اتساع السوق السوداء وتضخم أسعار الخبز: يوثق تقرير صحفي متخصص أن ربطة الخبز المدعومة من برنامج الأغذية العالمي والتي تباع رسميا بنحو 3 شواكل، وصلت في السوق الموازية إلى ما بين 7 و15 شيكلا، أي بزيادة تقترب من 400%، فيما قفز سعر كيس الطحين من 25 إلى 70 شيكلا، في سياق تراجع إنتاج المخابز بأكثر من 30% نتيجة شح الوقود.
ارتفاع كلفة الطاقة البديلة: يؤكد سكان غزة أن تكلفة الكيلوواط الواحد من الكهرباء المولدة عبر مولدات خاصة بلغت نحو 30 شيكلا، وهي كلفة تنعكس مباشرة على أجور النقل وتشغيل المنشآت الاقتصادية الصغيرة والمخابز.
انهيار قطاع النقل الداخلي: وثقت مصادر صحفية أن سائقي «التكتك»، وهي الوسيلة الأساسية للتنقل داخل القطاع، اضطروا لتحويل مركباتهم للعمل بغاز الطهي بعدما تجاوز سعر لتر السولار عشرة أضعاف مستواه قبل الحرب، بينما ارتفعت أجرة المواصلات العامة إلى نحو خمسة أضعاف سعرها السابق، في وقت تشير فيه تقديرات أممية إلى تدمير أكثر من 84 ألف مركبة وتضرر أو تدمير 77% من الشبكة الطرقية في القطاع، وهو ما يرفع الاعتماد على وسائل نقل بديلة كثيفة الاستهلاك للوقود أو الغاز نسبيا.
الخلاصة
تُبيّن القراءة المجمعة لأدلة هذه الورقة أن أزمة الوقود في غزة ليست نتاج ندرة طبيعية ولا خللا لوجستيا عابرا، بل نظام مزدوج الطبقة: تقييد سياسي للعرض من جهة الاحتلال، واستثمار احتكاري لتلك الندرة من جهة حلقة وساطة واحدة تسيطر عمليا على المعبر البري الوحيد غير الخاضع للسيطرة الإسرائيلية المباشرة.
وبقدر ما تُحمّل التوصيات الدولية الاحتلال مسؤولية فتح المعابر، فإنها ملزمة بالتعامل أيضا مع حلقة الوساطة نفسها بوصفها فاعلا اقتصاديا يستفيد من استمرار الأزمة لا من حلها، ما يستدعي معالجة مزدوجة لا تكتفي بمطالبة طرف واحد.
التوصيات
- فرض سقوف سعرية محمية قانونيا لبيع الوقود في السوق المحلي، وملاحقة شبكات المضاربة والسوق السوداء، مع نشر دوري لبيانات الأسعار الفعلية.
- تشكيل هيكل قيادي يوجه الكميات المتاحة نحو المرافق الحيوية (مستشفيات، مخابز، آبار مياه) بأسعار مدعومة وآلية توزيع شفافة قابلة للتدقيق.
- الضغط لفتح قنوات توريد وقود تحت إشراف أممي مباشر، تلتف حول حلقة الوساطة التجارية الحالية وتقلص اعتماد القطاع على مزود احتكاري وحيد.
- تفعيل الأطر القانونية الدولية لإلزام الحكومة الإسرائيلية، بصفتها السلطة القائمة بالاحتلال، بفتح المعابر وضمان تدفق الطاقة والاحتياجات الأساسية دون قيود كمية تعسفية.
- توثيق وتقديم شكاوى رسمية بشأن الرسوم غير النظامية المفروضة على الشاحنات التجارية والإنسانية.
- تقديم منح لتغطية فروق الأسعار لقطاعي النقل العام والخدمات الأساسية للحد من انتقال تضخم أسعار الوقود إلى أسعار الغذاء والخبز.
© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أغسطس 2026 — جميع الحقوق محفوظة



