سياسات تحليلية |خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية
| الملخص التنفيذي تختبر هذه الورقة ادعاء تحوّل القضية الفلسطينية من «مركز للصراع» إلى «محرك للإقليم»، وتخلص إلى أنها متغير مستقل مشروط لا محرك دائم: تُعيد ترتيب الاصطفافات حين ترفع كلفة تجاوزها أمنياً واقتصادياً وشرعياً. وقد ظهر ذلك بعد أكتوبر 2023 في تصعيد متعدد الجبهات وتعثّر التطبيع وتحوّل الرأي العام إلى قيد على النخب، لكن الاصطفافات تعقّدت ولم تنقلب. وتنتهي الورقة بأربعة سيناريوهات حتى 2027 وتوصيات للفاعلين. |
المقدمة: الإشكالية والفرضيات والمنهج
اختُبرت منذ السابع من أكتوبر 2023 مقاربتان متناقضتان للقضية الفلسطينية اختباراً ميدانياً غير مسبوق: مقاربة ترى فيها جوهر الصراع في الإقليم، وأخرى ترى أنها ملف يمكن احتواؤه أو تجاوزه بترتيبات أمنية واقتصادية.
فقد أعقبت الحرب على غزة مواجهات في لبنان واليمن والعراق وسوريا، ثم حرب أمريكية–إسرائيلية على إيران بدأت في 28 فبراير 2026 وامتد أثرها إلى دول الخليج ومضيق هرمز.
ومع ذلك لم تُلغَ الاتفاقات الإبراهيمية، ولم تُقدم الرياض على التطبيع، بل وقّعت في أغسطس 2026 اتفاقاً دفاعياً مع أنقرة وإسلام آباد لا مع تل أبيب.
تثير هذه الوقائع لغزاً تحليلياً: هل القضية الفلسطينية «محرك» للإقليم فعلاً، أم أنها شرارة أشعلت صراعات لها منطقها المستقل؟ ولا تكفي هنا الإجابات الخطابية، سواء تلك التي تجعل القضية «العصب المحرك لكل شيء» أو التي تعدّها «ملفاً هامشياً».
ومن ثم تنطلق الورقة من السؤال الآتي: في أي شروط تعمل القضية الفلسطينية محركاً لإعادة تشكيل الاصطفافات الإقليمية، وإلى أي مدى فعلت ذلك بعد 2023؟ ويتفرع عنه أربعة أسئلة:
- ما الفرق بين كون القضية «مركزاً» وكونها «محركاً»، وكيف يمكن قياس كل منهما؟
- عبر أي آليات انتقل أثر الساحة الفلسطينية إلى الإقليم؟
- ما الذي تغيّر فعلاً في الاصطفافات، وما الذي صمد؟
- ما دور الفاعل الفلسطيني نفسه في تحويل هذا الأثر إلى مكسب سياسي؟
تختبر الورقة ثلاث فرضيات:
الأولى أن القضية متغير مستقل مشروط لا محرك دائم؛ فقد كانت متغيراً تابعاً تتحكم فيه أولويات العواصم في مراحل مثل 2011–2019، ثم عادت متغيراً مستقلاً بعد 2023.
والثانية أن أثرها يعمل عبر رفع كلفة تجاوزها لا عبر فرض اتجاه واحد على الاصطفافات، فتكون النتيجة تعقّداً لا انقلاباً.
والثالثة أن قدرة الفلسطينيين على تحويل هذا الأثر إلى مكسب سياسي تتوقف على وحدة تمثيلهم وقدرتهم المؤسسية.
ونعني بـ«المركز» موقع القضية في سلّم الأولويات والشرعية، أي مدى استخدامها معياراً للمواقف الرسمية وأداةً لشرعية الأنظمة.
ونعني بـ«المحرك» دوراً سببياً: أن تُنتج التطورات في الساحة الفلسطينية تحولات في التحالفات والترتيبات الأمنية والتدفقات الاقتصادية خارج فلسطين. والتمييز مهم لأن القضية قد تكون مركزاً في الخطاب دون أن تكون محركاً في الفعل، كما في العقود التي سبقت 2023، وقد تكون محركاً في الفعل دون أن تكون مركزاً في القرار الرسمي، كما بعد 2023. ويلخص الجدول (1) أبعاد القياس.
الجدول (1): أبعاد قياس «المركزية» و«المحركية»
| البعد | المؤشر | مصادر البيانات |
| الخطاب والشرعية | حضور القضية في بيانات القمم واستطلاعات الرأي العربي، وفي وثائق الأمم المتحدة | مؤشر الرأي العربي؛ وثائق الجمعية العامة ومجلس الأمن |
| الأمن | تعدد الجبهات المرتبطة بالساحة الفلسطينية، وكلفتها البشرية والعسكرية | ACLED؛ تقارير أممية ورسمية |
| الدبلوماسية | وتيرة التطبيع، وموجات الاعتراف بفلسطين، وترتيبات ما بعد الحرب | وثائق أممية؛ بيانات رسمية |
| الاقتصاد | إيرادات قناة السويس وحركة الملاحة، وكلفة إعادة إعمار غزة | هيئة قناة السويس؛ تقييم RDNA |
وتعتمد الورقة منهج تتبّع العمليات (process tracing) على امتداد خمس مراحل تاريخية، وتستند إلى وثائق أممية وبيانات ميدانية (مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، ومشروع ACLED)، وإلى استطلاعات الرأي العربي، وإلى تقديرات مراكز بحثية متباينة التوجه للحد من أثر الانحياز.
وتغطي التطورات حتى 20 سبتمبر 2026، وهي متحركة، خاصة في ملفات إيران وغزة ولبنان. وتستند أرقام الضحايا في غزة إلى وزارة الصحة هناك، وهي أرقام تعدّها الأمم المتحدة موثوقة. وقد أُعيد التحقق من الأرقام الحساسة (الاستيطان، والرأي العام، وقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة) على مصادرها الأولية حيثما توافرت.
أولاً: الإطار التحليلي: ثلاث آليات لنقل الأثر
تستفيد الورقة من ثلاث أدوات نظرية بقدر ما تخدم التحليل:
الأولى نظرية المجمّعات الأمنية الإقليمية، التي ترى أن هواجس الأمن لدى دول متجاورة ترتبط ببعضها ارتباطاً يتعذر معه تحليل أمن أي منها بمعزل عن الأخرى؛ والساحة الفلسطينية هنا عقدة اتصال بين ساحات الإقليم.
والثانية نظرية توازن التهديد، التي تفسّر التحالفات بالتهديد المُدرَك لا بالقوة المجردة، وتربط إدراكه بالقرب الجغرافي والقدرات الهجومية والنوايا المفترضة.
والثالثة قيد الداخل على القرار الخارجي، أي أن النخب تتفاوض على خياراتها الخارجية تحت ضغط جماهيرها، وهو ما يعطي القضية الفلسطينية ثقلاً خاصاً بوصفها عملة شرعية راسخة في النظام العربي.
ومن هذه الأدوات نستخلص ثلاث آليات تنقل أثر الساحة الفلسطينية إلى الإقليم، يتوسطها متغير رابع هو قدرة الفاعل الفلسطيني نفسه (الجدول 2).
الجدول (2): آليات نقل الأثر من الساحة الفلسطينية إلى الإقليم
| الآلية | كيف تعمل | متى تنشط | مظهرها بعد 2023 |
| الشرعية والرأي العام والقانون | ترفع الكلفة السياسية لأي ترتيب يتجاوز الحقوق الفلسطينية | حين تتسع الفجوة بين الرسمي والشعبي وتتراكم الأدلة القانونية | رفض شعبي للتطبيع؛ موجة اعترافات؛ رأي محكمة العدل الدولية؛ إعلان نيويورك |
| التصعيد الأمني متعدد الجبهات | تربط الساحات عبر فاعلين مسلحين وتحالفات عابرة للحدود | حين تنهار قواعد الاشتباك وتغيب قنوات الاحتواء | لبنان واليمن والعراق وسوريا؛ المواجهة مع إيران |
| الكلفة الاقتصادية والممرات | تحمّل أطرافاً غير منخرطة كلفة الحرب عبر التجارة والطاقة | حين تتعرض الممرات الحيوية للتعطيل | قناة السويس وباب المندب وهرمز |
| المتغير الوسيط: قدرة الفاعل الفلسطيني | تحدد مدى تحويل الأثر الإقليمي إلى مكسب سياسي | حين يتوافر تمثيل موحد ومؤسسات فاعلة | الانتخابات المقررة؛ خارطة طريق غزة؛ إصلاح السلطة |
ثانياً: قراءة تاريخية موجزة: تذبذب لا صعود خطي (1948–2022)
تكشف القراءة التاريخية عن تذبذب في موقع القضية لا عن صعود خطي؛ إذ تراوحت بين مركز الخطاب ومركز القرار، وبين متغير مستقل ومتغير تابع (الجدول 3).
الجدول (3): موقع القضية الفلسطينية في الإقليم عبر خمس مراحل
| المرحلة | موقع القضية | الآلية الغالبة | الأثر في الاصطفافات |
| 1948–1978 | مركز الشرعية والتعبئة | الحروب النظامية والقومية العربية؛ استقطاب الحرب الباردة | ارتداد اللجوء على أمن دول الطوق (الأردن 1970، ولبنان 1975) |
| 1979–1992 | تفكك الجبهة العربية | معاهدة مصر والكيان 1979 وتعليق عضوية مصر ونقل مقر الجامعة إلى تونس؛ خروج المنظمة من بيروت 1982 | انتقال الثقل إلى الداخل الفلسطيني (الانتفاضة 1987 ونشأة حماس)؛ انقسام عربي في حرب الخليج؛ مؤتمر مدريد 1991 |
| 1993–2010 | تسوية ثنائية ثم ساحة استقطاب | أوسلو 1993، ومعاهدة وادي عربة 1994، والمبادرة العربية 2002، وفوز حماس 2006 وانقسام 2007 | تعمق دور إيران عبر حزب الله ودعمها لحماس والجهاد؛ تنافس محاور على دعم الأطراف الفلسطينية |
| 2011–2019 | متغير تابع | الثورات العربية والثورات المضادة؛ توسع الاستيطان؛ اعتراف واشنطن بالقدس 2017 | تراجع القضية في أولويات العواصم دون أن تُنتج تسوية |
| 2020–2022 | فصل التطبيع عن القضية | الاتفاقات الإبراهيمية (الإمارات والبحرين والمغرب والسودان)؛ التقارب السعودي–الإيراني 2023 | تحالف أمني قائم على تهديد إيران، دون صدمة فلسطينية تختبره |
المصدر: إعداد المركز استناداً إلى: صايغ (1997) وكواندت (1986) والخالدي (2020) وكير (1971).
وتوحي المراحل الخمس بثلاث ملاحظات:
أولاً، مركزية الخطاب لا تعني محركية الفعل: فبعد كامب ديفيد وأوسلو ظلت القضية حاضرة في بيانات القمم بينما كانت العواصم تتفاوض على مصالحها المنفردة.
ثانياً، ثنائية «محور الاعتدال» و«محور المقاومة» التي تُستخدم لوصف الفترة 2007–2010 تبسّط الواقع؛ فمصر وقطر وتركيا مثلاً تعاملت مع حماس ومع السلطة معاً، وحافظت سوريا على حسابات مستقلة، وتبدّل موقف الرياض من الفصائل عبر الزمن.
ثالثاً، جاء اختبار الفصل بين التطبيع والقضية (2020–2023) دون صدمة فلسطينية كبرى، فبقي اختباراً ناقصاً إلى أن جاء أكتوبر 2023.
وثمة معطى ثابت وراء هذه التقلبات، هو الرأي العام العربي، فقد تراوحت نسبة معارضي الاعتراف بالكيان الإسرائيلي بين 84% و88% في موجات مؤشر الرأي العربي منذ 2014 (84% في 2022/2023)12.
هذه الفجوة بين الرسمي والشعبي هي القيد الكامن الذي فعّلته حرب 2023.
ثالثاً: 2023–2026: القضية بوصفها محركاً: الوقائع والآليات
الصدمة وسياقها
أسفرت عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر 2023 عن مقتل 1,221 شخصاً من الإسرائيليين وفق الأرقام الرسمية الإسرائيلية، واحتجاز 251 أسير اسرائيلي.
في المقابل شنّ الكيان عدواناً على غزة أوقع، وفق وزارة الصحة في القطاع حتى 17 سبتمبر 2026، ما لا يقل عن 73,821 شهيداً بينهم نحو 21,500 طفل.
وقدّر التقييم الأممي–الأوروبي، بالتنسيق مع البنك الدولي، حاجات التعافي وإعادة الإعمار بـ71.4 مليار دولار على عشر سنوات، وتضرر أو دُمّر 76.6% من الوحدات السكنية، ونزح 1.9 مليون شخص.
وانهار وقف إطلاق النار الذي بدأ في يناير 2025 بعد شهرين، إلى أن جاء اتفاق 10 أكتوبر 2025 ضمن الخطة الأمريكية ذات النقاط العشرين، وأُفرج بموجبه عن جميع الأسرى الأحياء. لكن الاتفاق لم يوقف القتل: فقد أودت الهجمات الإسرائيلية بحياة 1,386 فلسطينياً منذ سريانه حتى منتصف سبتمبر 202613، ودخلت غزة 66,607 شاحنات مساعدات فقط من أصل 189,000 مخصصة (35%) بين أكتوبر 2025 وأغسطس 2026 بحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة.
آلية التصعيد الأمني متعدد الجبهات
- لبنان: خرج حزب الله من حرب 2024 بجراح كبيرة بعد استشهاد قياداته وآلاف من مقاتليه وتدمير جزء كبير من ترسانته الصاروخية، ثم أعاد فتح الجبهة في مارس 2026 في سياق الحرب على إيران.
وتقول السلطات اللبنانية إن الهجمات الإسرائيلية منذ ذلك الحين قتلت 4,333 شخصاً ونزّحت أكثر من مليون.
- سوريا: أدى سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 إلى خروج دمشق من تصنيفها ككيان يتبع محور المقاومة.
وتوغل الجيش الإسرائيلي في المنطقة العازلة وجبل الشيخ، ويفاوض الرئيس أحمد الشرع اليوم على ترتيب أمني، يتناول إعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 197421.
ولا يُرد هذا التحول إلى غزة وحدها، ويعارض 70% من السوريين اتفاقاً مع الكيان الإسرائيلي لا يتضمن عودة الجولان.
- إيران والخليج: قتلت الضربات الأمريكية–الإسرائيلية في 28 فبراير 2026 المرشد الأعلى علي خامنئي، فردّت إيران بهجمات على إسرائيل وقواعد أمريكية ودول مجاورة وأغلقت مضيق هرمز.
ووثّق ACLED أكثر من 660 حدثاً استهدفت دول الخليج حتى أبريل 2026 وقتلت 41 شخصاً على الأقل، وكانت الإمارات أكثر الدول استهدافاً.
وأوقفت وساطة باكستانية القتال في 8 أبريل، ثم وُقّعت مذكرة تفاهم في يونيو انهارت بعد أسابيع وانتهت رسمياً في أغسطس، وتتبادل واشنطن وطهران اليوم ضربات محدودة.
- اليمن والبحر الأحمر: استهدف الحوثيون السفن المرتبطة بالكيان الإسرائيلي منذ نوفمبر 2023، وضربوا أكثر من 100 سفينة تجارية، فضلا عن استهداف الكيان الإسرائيلي بعدد من الصواريخ والمسيرات، وتفيد تقارير بأن إيران استهدفت السعودية منذ فبراير 2026 بالصواريخ وعبر حلفائها، ومنهم الحوثيون وفصائل عراقية.
ويجب هنا الحذر من الإسناد السببي، فالحرب على إيران بدأت في سياق مفاوضات نووية، وبهدف معلن هو تغيير النظام وضرب البرنامجين النووي والصاروخي، ولها ديناميكياتها المستقلة.
وما يمكن الجزم به أن حرب غزة كانت الشرارة التي فكّكت قواعد الاشتباك القائمة وفتحت الساحات، لا أنها السبب الوحيد لكل ما تلاها.
آلية الكلفة الاقتصادية والممرات
تراجعت إيرادات قناة السويس من 10.25 مليار دولار في 2023 إلى 3.99 مليار في 2024، وهبط عدد السفن العابرة من أكثر من 26 ألفاً إلى 13,213 سفينة، أي بنحو النصف، وأضافت حرب 2026 بعداً أخطر بتعطيل مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من نفط العالم.
وهنا تتضح خصوصية آلية الكلفة: تتحمل مصر ودول الخليج والاقتصاد العالمي كلفة صراع لم تكن طرفاً مباشراً فيه، فيتحول الاهتمام بالقضية من موقف أخلاقي إلى مصلحة اقتصادية مباشرة، وتأتي إلى ذلك كلفة غزة نفسها: 71.4 مليار دولار للإعمار، وهو رقم يفوق قدرة أي طرف منفرد، ما يجعل التمويل الإقليمي أداة نفوذ وشرطاً سياسياً في آن.
آلية الشرعية والرأي العام والقانون
أظهر مؤشر الرأي العربي 2024–2025 (40,130 مستجيباً في 15 بلداً بين نوفمبر 2024 وأغسطس 2025) أن 87% يعارضون اعتراف حكوماتهم بالكيان الإسرائيلي ولا يقبله سوى 6%، وأن نصف المؤيدين يشترطون قيام دولة فلسطينية مستقلة؛ وتراوحت نسبة المعارضين بين 84% و88% في كل موجات المؤشر منذ 201412.
ويرى 80% أن القضية قضية العرب جميعاً، بعد أن بلغت 92% في استطلاع للمركز العربي بعد ثلاثة أشهر من اندلاع الحرب12،26.
ويرى 44% أن الكيان الإسرائيلي أكبر تهديد للأمة العربية، مقابل 21% للولايات المتحدة و6% لإيران.
لكن الصورة ليست متجانسة: ففي المشرق يعدّ 53% الكيان الإسرائيلي التهديد الأول لبلدانهم، بينما لا تتجاوز النسبة 9% في الخليج حيث يذكر 14% إيران.
غير أن 42% من المستجيبين الخليجيين لم يجيبوا و23% لا يرون تهديداً، ولم تشمل العينة الخليجية سوى السعودية وقطر والكويت.
ولذلك يُقرأ التباين الخليجي بحذر: هو تباين في إدراك التهديد لا تحوّل في الموقف من القضية.
وعلى المستويين القانوني والدبلوماسي، خلصت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري في يوليو 2024 إلى عدم مشروعية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة.
وفي 12 سبتمبر 2025 أيّدت الجمعية العامة «إعلان نيويورك» بأغلبية 142 صوتاً مقابل 10 وامتناع 1228، وأعلنت بريطانيا وكندا وأستراليا والبرتغال اعترافها بدولة فلسطين في 21 سبتمبر، وتبعتها فرنسا ودول أخرى، حتى تجاوز عدد المعترفين 150 دولة.
ويلزم هنا التنبه إلى أن هذا الزخم جاء مشروطاً: فالإعلان نفسه يدين هجمات 7 أكتوبر ويدعو إلى نزع سلاح حماس واستبعادها من الحكم في غزة.
أي أن الشرعية الدولية المتنامية تعمل لصالح الدولة الفلسطينية، وتفرض في الوقت ذاته شروطاً على المقاومة والسلطة معاً.
وفي 17 نوفمبر 2025 اعتمد مجلس الأمن القرار 2803 بأغلبية 13 صوتاً وامتناع روسيا والصين، مؤيداً الخطة الأمريكية ومرحّباً بـ«مجلس السلام» جهةً انتقالية تدير غزة، ومجيزاً نشر قوة دولية للاستقرار حتى 31 ديسمبر 202730.
وأولى القرار أهمية لإصلاح السلطة الفلسطينية وتمكينها، ويعني ذلك أن القضية تعمل «محركاً» بالمعنى الدقيق: فالحدث الفلسطيني وحده أنتج مؤسسات دولية جديدة، وأعاد فتح ملف الدولة في الأمم المتحدة، لكن هذا الحراك يقيّد الفلسطينيين بقدر ما يخدمهم.
رابعاً: إعادة الاصطفافات: ما الذي تغيّر وما الذي صمد؟
الأطروحة المضادة: القضية لم تعد محركاً
يقدّم منتقدو الفرضية أربع حجج جديرة بالنظر:
- لم تُلغَ الاتفاقات الإبراهيمية، وانضمت إليها كازاخستان في نوفمبر 2025 وإن بصورة رمزية، وتحدثت تقارير عن صمودها رغم الحرب.
- لم تتحول المواجهة إلى حرب بين جيوش عربية نظامية والكيان الإسرائيلي، ما يعني أن قدرة الأنظمة على عزل قراراتها عن ضغط الساحة الفلسطينية ما زالت قائمة.
- تتركز هواجس أمن الخليج على إيران: فقد دعا مجلس التعاون في يونيو 2026 إلى معالجة كامل طيف التهديدات الإيرانية، من صواريخ ومسيّرات ودعم لجماعات مسلحة.
- مال الميزان العسكري لصالح الكيان الإسرائيلي في جبهات عدة: اغتيال خامنئي، وإيذاء حزب الله، وسقوط الأسد، وبقاء قواتها في مناطق من سوريا ولبنان وغزة.
لماذا لا تنقض هذه الحجج الفرضية؟
هذه الحجج صحيحة في جانب منها، لكنها تعدّل الفرضية ولا تنقضها.
أولاً، صمود الاتفاقات شكلي في جانب كبير؛ فقد كشفت حرب 2026 أن الضمانات الأمنية التي قامت عليها كانت أضعف مما ظُن، وأن الإمارات نفسها كانت الأكثر استهدافاً من إيران.
وما زالت الرياض تشترط مساراً موثوقاً نحو دولة فلسطينية.
ثانياً، ما فعلته العواصم ليس الاصطفاف خلف الكيان الإسرائيلي بل التحوّط: فقد وقّعت السعودية وباكستان اتفاقاً دفاعياً في 17 سبتمبر 2025، بعد ثمانية أيام من ضرب الدوحة، وإن كانت مفاوضاته أسبق وترى تحليلات أن الاضطراب الإقليمي عجّل بتوقيعه، ثم وُقّع اتفاق مكة الثلاثي مع تركيا في 7 أغسطس 20262، ويقرأ محللون هذه الاتفاقات بوصفها تكملة للمظلة الأمريكية لا بديلاً عنها.
ثالثاً، تفسّر نظرية توازن التهديد جانباً مهماً مما يجري.
فحين يستخدم الكيان الإسرائيلي قوته خارج الساحة الفلسطينية، فتضرب قيادة حماس في الدوحة في 9 سبتمبر 2025 (فقتلت خمسة من أعضاء الحركة وضابط أمن قطرياً)، وتتوغل في سوريا، وتبقى في جنوب لبنان، تصبح بحد ذاتها مصدر تهديد مُدرَك لدى دول لا تعدّها خصماً.
وترى دراسة صادرة عن JINSA أن الرياض باتت تعدّ إيران والكيان الإسرائيلي قوتين تعديليتين تُزعزعان استقرار الخليج.
وقد تكون هذه أهم النتائج غير المقصودة: فالاستخدام غير المقيّد للقوة في الساحة الفلسطينية وما حولها يدفع دولاً عربية إلى التحوّط ضد الطرفين.
سجل الاصطفافات
الجدول (4): ما تغيّر وما صمد في اصطفافات الفاعلين (حتى سبتمبر 2026)
| الفاعل | ما تغيّر | ما صمد |
| الاتفاقات الإبراهيمية | تبدّل منطقها الأمني؛ لم يتسع التطبيع خليجياً؛ توتر بعد ضرب الدوحة | لم يُعلن انسحاب أي موقّع؛ انضمام رمزي لكازاخستان |
| السعودية | اشتراط مسار موثوق لدولة فلسطينية؛ تحالف دفاعي مع باكستان وتركيا | علاقات أمنية واقتصادية مع واشنطن، منها اتفاق نووي مدني وُقّع في 2026 |
| قطر وتركيا ومصر | من محور داعم لحماس إلى شبكة وساطة تعمل مع واشنطن: صاغت مصر وقطر وتركيا وأمريكا خارطة طريق غزة | استمرار قنوات الاتصال بحماس |
| إيران وحلفاؤها | اغتيال المرشد؛ إضعاف حزب الله؛ سقوط الأسد؛ تعثر «وحدة الساحات» | القدرة على تعطيل هرمز واستهداف الخليج؛ تعذّر استبعادها من أي ترتيب أمني في الخليج |
| سوريا ولبنان | سوريا من المحور إلى التفاوض؛ لبنان يفاوض الكيان الإسرائيلي برعاية أمريكية بعد اتفاق إطار في يونيو 2026 | الجيش الإسرائيلي باقٍ في مناطق سورية ولبنانية؛ حزب الله يرفض نزع سلاحه شمال الليطاني |
| الغرب | موجة اعترافات بفلسطين؛ امتناع غالبية الدول الغربية عن الانضمام إلى مجلس السلام | الدعم الأمريكي للكيان؛ ألمانيا وإيطاليا لم تعترفا حتى سبتمبر 2025 |
| روسيا والصين | امتناع عن التصويت على القرار 2803 دون فيتو | محدودية القدرة على تعطيل المسار الأمريكي |
| الولايات المتحدة | انخراط عسكري مباشر في حرب إيران بكلفة 38 مليار دولار حتى 1 أغسطس 202623؛ رعاية مباشرة لمسار غزة عبر مجلس السلام | الالتزام بأمن الكيان وتفوقه العسكري |
خلاصة: تعقّد لا انقلاب
تخلص المقارنة إلى أن «المحرك» هنا لا يعني وجهة واحدة للإقليم، بل يعني أن الساحة الفلسطينية باتت تحدد إيقاع الاصطفافات وثمنها.
ويمكن رصد ثلاث طبقات: طبقة أمنية تدور حول التهديد الإيراني وتحافظ على تعاون فعلي بين الكيان الإسرائيلي وبعض العواصم العربية؛ وطبقة شرعية تقيّد هذه العواصم في التوسع بالتطبيع بسبب الرأي العام؛ وطبقة تحوّط تبني فيها دول الإقليم تحالفات جديدة خارج الثنائية القديمة، ولذلك فالتعقيد هو النتيجة الأدق، وليس الانقلاب.
خامساً: الفاعل الفلسطيني: من موضوع للترتيبات إلى شرط لها؟
غزة: عقدة التسلسل
بدأت المرحلة الثانية من الاتفاق في يناير 2026 بتشكيل لجنة وطنية فلسطينية تكنوقراطية من 15 عضواً لإدارة القطاع تحت إشراف مجلس السلام، غير أنها لم تدخل القطاع حتى يوليو، وأعلنت حماس حينها حلّ حكومتها وتسليم سلطتها للجنة.
وتركز جهد المجلس على نزع سلاح حماس بوصفه مفتاح بقية عناصر الخطة، ما أقصى نقاش الانسحاب الإسرائيلي من جدول الأعمال.
وفي 30–31 يوليو 2026 أعلن المجلس خارطة طريق من 15 نقطة تقضي بنزع تدريجي للسلاح يقابله انسحاب إسرائيلي، ووافقت عليها حماس.
لكن نتنياهو رفض الوثيقة وقال إن الجيش لن ينسحب قبل نزع سلاح الحركة كلياً، وأوضح المجلس أن الانسحاب إلى ما بعد «الخط الأصفر» لن يتم إلا بعد اكتمال نزع السلاح.
وتقول حماس إنها لن تنفذ أي جزء ما لم ينفذ الكيان الإسرائيلي التزاماتها، ويسيطر الجيش الإسرائيلي على أكثر من نصف القطاع.
وحذّر مبعوث المجلس نيكولاي ملادينوف في أواخر أغسطس من انهيار وقف النار.
الضفة الغربية والقدس: الضم الزاحف
يعيش في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية أكثر من 750 ألف مستوطن (15% من سكانها) في 147 مستوطنة، وأقرّت الحكومة الإسرائيلية في 2025 إنشاء 54 مستوطنة جديدة مقابل 5 في 2024، وأقامت 86 بؤرة، وقُدّمت خطط لبناء 63,311 وحدة سكنية في الضفة والقدس الشرقية، وهي أعلى حصيلة سنوية مسجلة.
وتسيطر بؤر المزارع الرعوية على نحو 18% من مساحة الضفة، ووثّق مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية 1,828 هجوماً للمستوطنين في 2025 سبّبت إصابات أو أضراراً، وهو أعلى رقم منذ بدء الرصد في 2006، ويسير 2026 نحو تجاوز 2,000 هجوم.
وأُقرّت في أغسطس 2025 خطة لبناء 3,401 وحدة في E1 وطُرحت مناقصاتها في ديسمبر، ثم فُتحت مناقصة جديدة في 18 أغسطس 2026 لمشروع يقسم الضفة إلى جزأين.
وفي 2026 أقرّت الحكومة إنشاء 34 مستوطنة جديدة واعتبرت أراضي «أملاك دولة» ما لم يُثبت الفلسطينيون ملكيتها55، ونزحت 107 تجمعات فلسطينية كلياً أو جزئياً منذ يناير 202354، وقال نتنياهو في 12 سبتمبر 2025، أثناء توقيع اتفاق لتوسيع الاستيطان، إنه «لن تكون هناك دولة فلسطينية».
النظام السياسي: انتخابات متزامنة مع انتخابات الكيان الإسرائيلي
بعد عقدين بلا انتخابات تشريعية، أجرت السلطة انتخابات محلية في 25 أبريل 2026 في 403 هيئات محلية بالضفة وقطاع غزة، وعقدت فتح مؤتمرها الثامن في مايو متعهدة بالإصلاح والانتخابات.
وأصدر الرئيس محمود عباس في يوليو مرسوماً بإجراء الانتخابات التشريعية في 28 نوفمبر 2026، وأعلن انتخابات رئاسية في مطلع 2027، وتجري مشاورات لتشكيل ائتلاف معارض يضم حماس والجهاد الإسلامي وتيار الإصلاح الديمقراطي والجبهة الشعبية، وتتفاوض فتح مع تيار دحلان.
وتُجرى انتخابات الكيان الإسرائيلي في 27 أكتوبر، قبل الانتخابات الفلسطينية بشهر، وتكشف هذه التحركات أن الضغط الإقليمي والدولي بدأ ينتج حراكاً مؤسسياً فلسطينياً، لكن أسئلة شروط المشاركة وضمانات الإجراء في غزة والقدس ما زالت مفتوحة.
تحليل: أدوات الفاعل الفلسطيني وقيوده
تبيّن هذه المعطيات أن الفاعل الفلسطيني يمتلك ثلاث أدوات: القدرة على إرباك الترتيبات ميدانياً وشعبياً، والشرعية التي يمنحها التمثيل الموحد والانتخابات، والمسار القانوني والدبلوماسي.
لكنه يواجه ثلاثة قيود: الانقسام بين غزة والضفة، والاعتماد على وسطاء لكلٍّ منهم أجندته، وتحويل ملف السلاح والإدارة إلى شرط مسبق يسبق أي أفق سياسي.
وحين لا يكون التمثيل موحداً تتحول أدوات الضغط الفلسطينية إلى أوراق يوظفها الآخرون، وهذا ما يفسر الفجوة بين ثقل القضية الإقليمي وضعف عائدها السياسي حتى الآن.
سادساً: السيناريوهات حتى نهاية 2027
يمتد الأفق الزمني حتى 31 ديسمبر 2027، موعد انتهاء تفويض مجلس السلام والقوة الدولية بموجب القرار 2803، وتقع في هذا الأفق محطات مفصلية: انتخابات الكيان الإسرائيلي في 27 أكتوبر 2026، والانتخابات التشريعية الفلسطينية في 28 نوفمبر 2026، والانتخابات الرئاسية المعلنة في مطلع 2027، والتقارير نصف السنوية لمجلس السلام إلى مجلس الأمن.
وليست السيناريوهات الأربعة متنافية بالضرورة؛ فقد يتزامن الرابع مع الأول أو الثالث (الجدول 5).
الجدول (5): سيناريوهات 2026–2027
| السيناريو | الوصف والشروط | مؤشرات الإنذار | الأثر في الاصطفافات | الترجيح |
| الجمود المسلح المُدار | وقف نار اسمي تتخلله ضربات إسرائيلية؛ بقاء الجيش في أكثر من نصف القطاع؛ تعثر خارطة الطريق | استمرار الخروقات؛ غياب القوة الدولية واللجنة عن القطاع؛ تراجع دخول المساعدات | تحوّط عربي مستمر؛ لا تطبيع سعودي؛ تعاون أمني محدود دون غطاء سياسي | الأرجح |
| التسوية المرحلية المشروطة | تنفيذ خارطة الطريق بالتبادل بين نزع السلاح والانسحاب؛ دخول اللجنة والقوة الدولية؛ انتخابات فلسطينية؛ بدء الإعمار | قبول إسرائيلي علني بالتسلسل بعد 27 أكتوبر؛ نشر أولى وحدات القوة الدولية؛ انسحاب فعلي من الخط الأصفر؛ إجراء الانتخابات في موعدها | عودة الحديث عن مسار سعودي مشروط؛ تعزيز شبكة الوسطاء؛ تراجع مخاطر جبهات الإسناد | متوسط |
| الانهيار والتصعيد الإقليمي | انهيار الاتفاق في غزة أو انفجار جبهة لبنان أو إيران يعيد الحرب الواسعة | عودة القصف الواسع؛ فشل مفاوضات لبنان؛ استئناف الضربات الأمريكية–الإيرانية؛ استهداف الملاحة | عودة الاصطفاف الأمني حول التهديد الإيراني؛ ضغط شعبي أشد؛ مخاطر على السويس وهرمز | متوسط |
| الضم الزاحف وتفكك السلطة في الضفة | توسع E1 والاستيطان وقرارات «أملاك الدولة» وعنف المستوطنين، مع ضعف مالي ومؤسسي للسلطة | بدء بناء E1؛ تجاوز 2,000 هجوم استيطاني في 2026؛ نزوح إضافي؛ تعثر الانتخابات | انفجار شعبي في الضفة؛ ضغط على الأردن؛ تراجع مصداقية «حل الدولتين» | مرتفع بوصفه مساراً جارياً |
المصدر: تقدير تحليلي للمركز؛ الترجيح حكم نوعي لا توقع كمي.
والأرجح مسار مركّب يجمع بين الأول والرابع، مع احتمال أن ينزلق إلى الثالث إذا تعثرت مفاوضات لبنان أو استؤنفت الحرب الأمريكية–الإيرانية.
أما الثاني فمشروط بثلاثة متغيرات: نتائج الانتخابات الإسرائيلية، والتزام واشنطن بتسلسل متبادل لا بشرط أحادي، وقدرة الفلسطينيين على توحيد موقفهم.
سابعاً: الخلاصات والتوصيات
اختبار الفرضيات
الجدول (6): ما أثبتته الأدلة وما قيّدها
| الفرضية | الحكم | الأدلة الداعمة | الأدلة المقيِّدة |
| الأولى: القضية متغير مستقل مشروط | مدعومة بقوة | انفجار الميدان في 2023 فتح جبهات متعددة، وتراجع أثرها في 2011–2019 | بعض الجبهات، ومنها الحرب على إيران، لها منطق مستقل |
| الثانية: الأثر تضخيم للكلفة لا فرض اتجاه | مدعومة | تحوّط الخليج، وصمود الاتفاقات شكلاً، وتعثر توسع التطبيع | لا قياس مباشر لدوافع القرار الرسمي؛ الاستدلال من السلوك والتوقيت |
| الثالثة: وحدة التمثيل شرط للعائد السياسي | مدعومة جزئياً | ربط القرار 2803 وإعلان نيويورك المسار السياسي بإصلاح السلطة وبحراك الانتخابات | لم تُجرَ بعد الانتخابات المقررة، فالفرضية استدلالية |
الخلاصات
- القضية الفلسطينية متغير مستقل مشروط: تعمل محركاً حين تتوافر ثلاثة شروط، هي انفجار الوضع الميداني، وتحول الرأي العام إلى قيد فعلي، وإخفاق البدائل التي تتجاوزها.
- أثر القضية يُضخّم كلفة تجاوزها ولا يفرض اتجاهاً واحداً للاصطفافات؛ ولذلك تعقّد الإقليم ولم ينقلب.
- فجوة الرسمي والشعبي هي القيد الأهم على التطبيع؛ وتزداد حدتها كلما توسع استخدام القوة خارج الساحة الفلسطينية.
- الاعتراف الدولي المتنامي مشروط بإصلاح السلطة ونزع سلاح المقاومة، فيقيّد الفلسطينيين بقدر ما يخدمهم.
- العائد السياسي للثقل الإقليمي للقضية يتوقف على وحدة التمثيل الفلسطيني، وهي الحلقة الأضعف اليوم.
توصيات للفاعل الفلسطيني
الجدول (7): مصفوفة التوصيات للفاعل الفلسطيني
| التوصية | الجهة المنفذة | الأفق | مؤشر النجاح |
| تثبيت مرجعية تمثيلية جامعة عبر مسار انتخابي شامل (المجلس الوطني والتشريعي والرئاسة) بمشاركة الجميع وضمانات إقليمية | لجنة الانتخابات المركزية والفصائل؛ مصر وقطر ضامنتين | حتى مطلع 2027 | إجراء التصويت في الضفة وغزة والقدس دون استبعاد |
| موقف وطني موحد من السلاح والإدارة: تسلسل متبادل بين ضبط السلاح والانسحاب، بضمانات مكتوبة وآلية تحقق مستقلة، ورفض مقايضة الإغاثة بالسلاح | الفصائل والوسطاء ومجلس السلام | فوراً | وثيقة وطنية مكتوبة؛ قبول آلية التحقق |
| تحويل الاعتراف الدولي إلى إجراءات: حظر تجارة المستوطنات، وعقوبات على المستوطنين، ومراجعة الاتفاقات التفضيلية مع الكيان الإسرائيلي | وزارة الخارجية والبعثات؛ الدول المعترفة | 6–12 شهراً | عدد الدول التي تتخذ إجراءات فعلية |
| حماية الضفة بدعم صمود التجمعات المهددة، وتوثيق الانتهاكات توثيقاً قابلاً للاستخدام القانوني، وتفعيل المجالس المحلية المنتخبة | الحكومة والمجالس المحلية والمنظمات الحقوقية | مستمر | تراجع النزوح؛ ملفات توثيق مقبولة قانونياً |
| بناء قنوات مستقلة مع الرياض وأنقرة والقاهرة والدوحة وإسلام آباد بدل الركون لقناة واحدة | القيادة السياسية | مستمر | تعدد الوسطاء وتنوع القنوات |
وتنطوي هذه التوصيات على مخاطر: فقد تتعثر الانتخابات بفعل قيود الاحتلال أو مقاطعة بعض القوى، وقد ترفض الحكومة الإسرائيلية التسلسل المتبادل كما فعلت في أغسطس 2026.
توصيات للدول العربية والإسلامية
- تحويل موقف «لا تطبيع بلا مسار موثوق» إلى شروط مكتوبة قابلة للقياس: وقف الضم والاستيطان، وجدول للانسحاب، ومسار زمني للدولة.
- ربط التمويل بالتنفيذ: أن تُربط مساهمات الإعمار (71.4 مليار دولار) بالانسحاب وبتمكين لجنة الإدارة الفلسطينية، وألا تتحول إلى إدارة أمنية بلا أفق سياسي.
- إدراج الاعتداءات على سيادة الدول العربية، وسابقتها ضرب الدوحة، ضمن حسابات الردع الجماعي في الأطر الدفاعية الجديدة.
توصيات للفاعلين الدوليين
- تطبيق رأي محكمة العدل الدولية بشأن الاحتلال عملياً، ووقف دعم أنشطة الاستيطان.
- ربط أي دور في مجلس السلام والقوة الدولية بانسحاب إسرائيلي وفق جدول معلن وبأفق سياسي واضح نحو الدولة.
- دعم إجراء الانتخابات الفلسطينية ومراقبتها، والضغط على الحكومة الإسرائيلية لتسهيل التصويت في القدس وغزة.
- رفع القيود عن دخول المساعدات، فقد وصلت إلى 35% فقط من الشاحنات المخصصة بموجب الاتفاق.
تاسعاً: خاتمة
تكشف هذه الورقة أن القضية الفلسطينية لا تستحق وصف «المركز» بإطلاق، ولا تُختزل في وصف «الملف الهامشي».
فهي متغير مستقل مشروط، يشتد أثره حين ينفجر الميدان وتتحول الجماهير إلى قيد وتتعطل الممرات وتخفق الترتيبات التي تتجاوزها.
وقد أظهرت سنوات 2023–2026 أن محاولات الهندسة الأمنية التي تفصل الإقليم عن هذه القضية ثبتت عرضة للاهتزاز، لكنها لم تنهَر، وأن ما نتج عنها هو إقليم أكثر تعقيداً وتحوطاً لا إقليم أُعيد ترتيبه حول محور واحد.
وتحمل الأشهر المقبلة نافذتين حاسمتين: انتخابات الكنيست في الكيان الإسرائيلي في 27 أكتوبر، وانتخابات فلسطين في 28 نوفمبر.
فإن اتُّخذ من الأولى مدخلاً لتسلسل متبادل في غزة، ومن الثانية مدخلاً لتجديد الشرعية الفلسطينية، أمكن تحويل الثقل الإقليمي للقضية إلى مسار سياسي، وإلا فإن الغالب أن تبقى القضية محركاً للأزمات لا للحلول.
© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية سبتمبر 2026 — جميع الحقوق محفوظة



