تقدير موقف| أ. ابراهيم الحواجري – خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية
| الملخص التنفيذي في 9 أكتوبر 2026 أدرجت واشنطن المحكمة الجنائية الدولية نفسها على قائمة العقوبات، بعد أن طالت عقوباتها 17 شخصاً مرتبطين بها. غير أن الأثر التشغيلي مؤجَّل: ترخيص عام يتيح معظم التعاملات الجارية حتى 7 أبريل 2027. وتخلص الورقة إلى أن الصمود القضائي قائم ومذكرتا نتنياهو وغالانت سارِيتان، لكن الحماية المالية والتقنية لا تزال وعوداً أكثر منها أدوات: لم تفعّل المفوضية الأوروبية نظام التعطيل بعد، وتتردد دول في الاعتقال، وجمعية الدول الأطراف (30 نوفمبر) أول اختبار حاسم. |
مقدمة
تتناول هذه الورقة سؤالاً واحداً: هل تملك المحكمة الجنائية الدولية والدول الداعمة لها أدوات فعلية لتحييد أثر العقوبات الأمريكية، وما حدود قدرتها على إنفاذ مذكرات التوقيف بحق المطلوبين في جرائم غزة؟ وتفصل بين ثلاثة مستويات كثيراً ما يختلط بعضها ببعض في التناول الإعلامي: ما أعلنته واشنطن، وما ينفَّذ فعلاً، وما قالته الأطراف المناهضة للعقوبات مقابل ما فعلته.
تعتمد الورقة على وثائق رسمية (نصوص الرخص العامة الصادرة عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي، والبيان الوزاري المشترك، وقرارات المحكمة) وعلى تغطية صحفية موثوقة حتى 27 أكتوبر 2026.
المحور الأول: مسار التصعيد، من الأمر التنفيذي إلى إدراج المؤسسة
لم تأتِ عقوبات أكتوبر من فراغ، فمنذ عام 2002 يحظر «قانون حماية أعضاء الخدمة الأمريكية» (ASPA) تعاون الجهات الأمريكية مع المحكمة، ويجيز نظرياً استخدام القوة لتحرير أمريكي محتجز لديها، ولذلك يسميه منتقدوه «قانون غزو لاهاي»، لكن الخلاف بقي عقدين سياسياً وتشريعياً.
والجديد منذ 2025 هو نقله إلى منظومة عقوبات تنفيذية: الأمر التنفيذي رقم 14203، ثم لوائح العقوبات المتصلة بالمحكمة التي أصدرتها الخزانة الأمريكية في يوليو 2025.
ويكشف التسلسل الزمني منطقاً واضحاً: اتسعت دائرة الاستهداف تدريجياً من المدعي العام إلى القضاة، ثم إلى رئيسة المحكمة، ثم إلى منظمات فلسطينية ومقررة أممية تزوّد المحكمة بالأدلة، وانتهت بالمؤسسة ذاتها.
الجدول (1): مراحل التصعيد الأمريكي ضد المحكمة (2025–2026)
| التاريخ | الإجراء | دلالته |
| فبراير 2025 | الأمر التنفيذي 14203 يجيز عقوبات على كل من يشارك في تحقيقات المحكمة بحق أمريكيين أو حلفائهم. | وضع الإطار القانوني للاستهداف |
| فبراير–أغسطس 2025 | إدراج المدعي العام كريم خان، ثم أربعة قضاة (5 يونيو)، ثم المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيز (9 يوليو)، ثم قاضيَين ونائبَي المدعي العام (20 أغسطس). | استهداف صانعي القرار القضائي |
| 4 سبتمبر 2025 | إدراج مؤسسات الحق والميزان والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان. | استهداف مصادر التوثيق المحلية |
| 18 ديسمبر 2025 | إدراج قاضيَين إضافيَّين. | استمرار توسيع القائمة |
| 13 يوليو 2026 | إعلان وزير الخارجية حملة ضد المحكمة تشمل تهديداً بعقوبات إضافية وحثّ الدول على الانسحاب. | الانتقال إلى خطاب «التفكيك» |
| 8 يونيو – 24 يوليو 2026 | تعليق عمل المدعي العام كريم خان (8 يونيو) ثم عزل جمعية الدول الأطراف له بأغلبية 82 دولة لسوء سلوك جسيم وإخلال جسيم بالواجب (24 يوليو)، وهو مسار تأديبي مستقل عن العقوبات. | ضعف قيادي داخلي يتزامن مع الضغط الخارجي |
| 18 أغسطس 2026 | إدراج رئيسة المحكمة القاضية تومويو أكاني وكبير المحامين في مكتب المدعي العام عبد الله سيي. | بلوغ رأس الهرم الإداري |
| 9 أكتوبر 2026 | إدراج المحكمة ككيان على قائمة المواطنين المحظورين (SDN) مع أربع رخص عامة (13–16). | الانتقال من الأفراد إلى المؤسسة |
| 13 أكتوبر 2026 | محكمة اتحادية أمريكية تصدر أمراً أولياً يمنع تطبيق العقوبات على مدّعين أمريكيين يقدّمون أدلة للمحكمة ويتعاملون مع المنظمات المدرجة. | ثغرة قضائية داخلية أمريكية |
ملاحظة: يتباين عدد المشمولين قبل 9 أكتوبر بين 13 قاضياً ومدعياً بحسب المحكمة و17 شخصاً بحسب الخزانة والخارجية الأمريكيتين، والفرق في تعريف «المرتبطين بالمحكمة».
المحور الثاني: ما الذي تغيّر فعلاً؟ بين النص القانوني والأثر التشغيلي
أعلن وزير الخارجية ماركو روبيو أن بلاده «ستحظر التعامل مع هذه المحكمة المارقة»، وأن الخيار أمام المحكمة هو أن تنهي «تهديداتها» أو أن تنهيها واشنطن.
ويعني الإدراج قانونياً تجميد ممتلكات المحكمة في الولايات المتحدة وحظر أي مساهمة أو خدمة أو سلعة تُقدَّم إليها من أشخاص خاضعين للولاية الأمريكية، مع إمكان معاقبة كل من يقدّم دعماً مالياً أو مادياً لها.
غير أن النص القانوني شيء والأثر الفعلي شيء آخر، فالرخص الأربع الصادرة في اليوم نفسه تخفف الحظر وتؤجله، وهذا ما أغفلته المسودة الأولى التي صوّرت الحظر نافذاً بالكامل:
الجدول (2): الرخص العامة المرافقة لقرار الإدراج
| الرخصة | ما تجيزه | سريانها |
| 13 | الصيانة والتصفية التدريجية للعمليات والعقود، ومنها مدفوعات الدول الأطراف للمحكمة والرواتب والتأمين الصحي والخدمات الطبية لموظفيها. | حتى 7 أبريل 2027 (180 يوماً) |
| 14 | الاتصالات والبرمجيات المؤسسية (كالمراسلة والبريد الإلكتروني). | دون تاريخ انتهاء معلن |
| 15 | مدفوعات المعاشات التقاعدية. | دون تاريخ انتهاء معلن |
| 16 | معاملات تخص أشخاصاً محتجزين لدى المحكمة. | دون تاريخ انتهاء معلن |
وتقول وزارة الخارجية الأمريكية إن مهلة الرخصة تمنح الدول الأطراف وقتاً «لإحراز تقدم ذي معنى» في حلول دبلوماسية وقانونية تعالج «المخاوف الأمريكية الجوهرية» تجاه المحكمة.
وهذه صياغة تكشف وظيفة العقوبة: هي أداة مساومة بموعد نهائي، لا حظراً مطلقاً فورياً.
ولم تحدّد واشنطن علناً ما المقصود بالتقدم، لكن مرجعيتها المعلنة هي تحقيقات المحكمة التي تمس أمريكيين وإسرائيليين، وهذا استنتاج تحليلي لا نص رسمي.
الخطر الحقيقي: الامتثال المفرط من الأطراف الثالثة
الأثر الأخطر في الأمد المنظور ليس الحظر المباشر بل تحسّب الشركات والمصارف الأوروبية من عقوبات ثانوية، فتقطع علاقتها بالمحكمة استباقاً، وقد حذّر 58 نائباً أوروبياً من هذا بالتحديد.
والمحكمة تضم نحو 900 موظف، وإدراج الكيان بأكمله يصعّب عزلها عن الأثر مقارنة بإدراج الأفراد.
وتشير تقديرات أستاذ القانون الدولي ويليام شاباس إلى أن المحكمة تعدّ «خطة بديلة» منذ أكثر من عام، شملت نقل بعض البرمجيات الأمريكية إلى بدائل أوروبية وإنهاء تعاقدها مع شركة تأمين فرنسية تعمل في السوق الأمريكية، وأن حجم الأثر النهائي «لم يتضح بعد».
ويترتب على ذلك تصحيح مفهومي: الدعوة إلى «صندوق بعملات وطنية بدلاً من الدولار» لا تعالج المشكلة وحدها، لأن الخطر يمتد إلى الخدمات التقنية والتأمين والوسطاء الماليين لا إلى عملة الدفع فقط، والمطلوب حلول مؤسسية لحماية قنوات الدفع والخدمات (انظر التوصيات).
المحور الثالث: دوافع القرار الأمريكي
تُظهر التصريحات الأمريكية والتغطيات المتخصصة خمسة دوافع متداخلة، بعضها معلن وبعضها استنتاج تحليلي:
حماية نتنياهو وغالانت من مسار الاعتقال: أشارت الإدارة صراحة إلى مذكرتي التوقيف الصادرتين بحق نتنياهو وغالانت بوصفهما من مبررات الخطوة، وقد شكر نتنياهو واشنطن على «قيادتها».
منع سابقة تطال الأمريكيين: يمثل تحقيق المحكمة في أفغانستان، الذي قد يشمل أفراداً من الجيش والاستخبارات الأمريكيين، الدافع المعلن الثاني.
وهنا تبدو قراءة الورقة الأولى («الخشية من تطبيق المبادئ ذاتها على الأمريكيين») سليمة وموثقة.
هندسة الردع المؤسسي: إدراج الكيان يقلص قدرة المحكمة على عزل نفسها بإجراءات فردية، ويضع الشركاء الخارجيين أمام كلفة امتثال أعلى.
توظيف التوقيت: جاء الإعلان بعد ساعات من منح جائزة نوبل للسلام للقاضية السابقة في المحكمة نافي بيلاي، ورأى شاباس في ذلك صلة بغضب الرئيس الأمريكي من لجنة الجائزة، لكن تقارير سابقة بتاريخ 21 سبتمبر تحدثت عن استعداد الإدارة لعقوبات شاملة، ما يرجح أن القرار مخطط مسبقاً وأن التوقيت صادف لا أنه سببه.
تشجيع الانسحاب: تحث واشنطن الدول على مغادرة المحكمة وتلوّح بربط المساعدات بموقفها منها.
وقد أعلنت تشاد وفنزويلا في يوليو 2026 خطوات انسحاب، بعد بوركينا فاسو ومالي والنيجر.
ويستثمر هذا المسار تحفظات بعض الأعضاء من «التطبيق غير المتكافئ» للقانون الدولي.
المحور الرابع: خريطة المواقف، ما قيل مقابل ما فُعل
أفرزت الأزمة موجة رفض واسعة، لكن قيمتها الاستراتيجية تُقاس بمدى ترجمتها إلى التزامات. ويقارن الجدول بين الأقوال والأفعال حتى 27 أكتوبر.
الجدول (3): المواقف من إدراج المحكمة، بين الخطاب والفعل
| الفاعل | ما قاله | ما فعله حتى 27 أكتوبر | مستوى الفجوة |
| المحكمة الجنائية الدولية | وصفت الإدراج بأنه محاولة لعرقلة العدالة، وقالت إن «التاريخ سيحكم على هذه اللحظة»، ودعت الدول إلى مضاعفة الدعم، وأكدت نائبة المدعي العام أن العمل سيستمر في كل الحالات. | استعدت منذ أكثر من عام: نقل برمجيات إلى بدائل أوروبية وإنهاء تعاقد مع شركة تأمين. | متوسطة: الاستمرار مرهون بقرارات الدول |
| الدول الثماني (كندا، الدنمارك، ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، اليابان، هولندا، بريطانيا) | أعلن وزراء خارجيتها «أسفهم واعتراضهم الشديد»، وأكدوا دعمهم لاستقلال المحكمة، وأن العقوبات ستؤثر تأثيراً كبيراً في عملها وموظفيها وأسرهم «إن طُبقت». | التزام بحوار «بنّاء وشامل» مع غير الأطراف قبل جمعية الدول الأطراف، ولا ذكر لقانون تعطيل أو آلية مالية أو لغزة. | عالية: موقف سياسي بلا أداة |
| الاتحاد الأوروبي | المفوضية: القرار «مؤسف بشدة»، والاتحاد «مستعد لاتخاذ أي تدابير ضرورية». المجلس الأوروبي (16 أكتوبر) طلب من المفوضية مبادرات لحماية المحكمة وتخفيف العقوبات عن الشركات الأوروبية. | المفوضية في 14 أكتوبر: نظام التعطيل «جزء من الرد لكننا لم نصل إلى هذه المرحلة»، وفي 19 أكتوبر: «ما زال على الطاولة» دون موعد، ولم تقرر حتى 23 أكتوبر. | عالية: تفضيل الدبلوماسية خلال مهلة الأشهر الستة |
| البرلمان الأوروبي | في جلسة 20 أكتوبر طالب متحدثو خمس كتل من سبع بالتفعيل الفوري. | خطاب 58 نائباً إلى رئيسة المفوضية (13 أكتوبر). | متوسطة: لا يملك قرار التفعيل |
| هولندا (الدولة المضيفة) | رئيس الوزراء روب يتن تعهد بالدفاع عن المحكمة «حجراً حجراً»، ووصف وزير الخارجية نظام التعطيل بأنه «الملاذ الأخير» و«علاج جذري». | لا طلب رسمي معلناً لتفعيل النظام ولا تعيين جهة عامة لضمان مدفوعات المحكمة، بحسب ما وثّقته منظمات حقوقية. | عالية |
| الأمم المتحدة | الأمين العام: القرار «ضربة خطيرة» لمسعى العدالة الجنائية الدولية. | لا إجراء ملزماً | خطاب فقط |
| الفلسطينيون | مؤسسات الحق والميزان والمركز الفلسطيني: «هجوم مباشر وغير مسبوق» على أسس المساءلة. حماس: دعت الدول الأطراف إلى خطوات عملية لحماية القضاة والموظفين. نقابة المحامين ومؤسسات الأسرى ومركز حماية: رفض للإجراءات الأمريكية. | متابعة قضائية في الولايات المتحدة ضمن دعاوى حريات التعبير، ولم نجد في المصادر المراجَعة بياناً رسمياً للرئاسة أو الخارجية أو الجامعة العربية بشأن إدراج 9 أكتوبر، ويلزم التحقق منه قبل النشر. | عالية: لا أدوات تنفيذية مستقلة |
| الاحتلال الإسرائيلي | رحّب نتنياهو بالإجراء وشكر واشنطن، ويرفض الاحتلال ولاية المحكمة. | استمرار الطعون القانونية أمام المحكمة. | — |
المحور الخامس: حدود الإنفاذ، العقوبات لا تُبطل المذكرات
أولاً: الوضع القانوني للمذكرات
أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى مذكرتي توقيف بحق نتنياهو وغالانت في 21 نوفمبر 2024 بإجماع قضاتها، بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة من 8 أكتوبر 2023 حتى 20 مايو 2024 على الأقل، ورفضت الطعون الإسرائيلية في الاختصاص بوصفها سابقة لأوانها. وأبقت دائرة الاستئناف على الاختصاص والمذكرات، وأكدت في 15 ديسمبر 2025 مقبولية القضية رداً على دفع «التكامل» الإسرائيلي، بينما كان طعنان آخران معلّقين وقتها: الأول في الوضع القانوني لفلسطين والاختصاص، والثاني في طلب تنحية المدعي العام.
وتفيد قراءة قانونية منشورة في سبتمبر 2026 بأن استئنافين إسرائيليين ما زالا قيد النظر، أحدهما في الاختصاص على الإسرائيليين، ما يستوجب تثبيت حالتهما من سجل المحكمة قبل النشر.
وقد رفضت الدائرة طلب تعليق المذكرات في 17 أكتوبر 2025 وأكدت نائبة المدعي العام في 18 سبتمبر 2026 أن المحكمة لم تتخذ أي خطوة لسحب المذكرات.
ولا يغيّر عزل كريم خان في 24 يوليو 2026 شيئاً في سريان المذكرتين، لأن سحبهما من اختصاص قضاة المحكمة وحدهم، لكنه قد يغذّي الحجج الإسرائيلية في مسار طلب التنحية وإبطال المذكرات.
والأهم أن إدراج المحكمة على قائمة العقوبات الأمريكية لا يغيّر شيئاً في التزامات الدول الأطراف بموجب نظام روما: فواجب الاعتقال والتسليم قائم، والمذكرات تبقى سارية إلى أن يلغيها قضاة المحكمة أنفسهم.
ثانياً: ثغرة التنفيذ في السلوك الفعلي للدول
الاختبار الحقيقي ليس في النصوص بل في سلوك الدول، وتبيّن السوابق ثلاث ثغرات:
سابقة المجر: استقبلت بودابست نتنياهو في أبريل 2025 دون اعتقاله، وأعلنت انسحابها من المحكمة أثناء الزيارة.
وفي يوليو 2025 أصدرت المحكمة قرار عدم امتثال بموجب المادة 87(7) وأحالته إلى جمعية الدول الأطراف.
ثم عكست الحكومة المجرية الجديدة برئاسة بيتر ماجيار قرار الانسحاب في أبريل–مايو 2026، ورحّب مكتب الجمعية بذلك، وأعلن ماجيار أن الاعتقال سيتم إن دخل نتنياهو البلاد، وهذه سابقة إيجابية، لكنها نتاج تغيير حكومي لا مؤسسي.
دول أعلنت رفض الاعتقال: ذكرت تقارير صحفية أن الأرجنتين والتشيك ورومانيا وبولندا وفرنسا وإيطاليا أعلنت أنها لن تعتقله إن زارها.
وقد لمّحت فرنسا إلى حصانة لرئيس حكومة دولة غير طرف، وهو دفع يخالف ما استقر عليه قضاء الاستئناف في قضية البشير ضمن إحالة الأردن عام 2019.
دول أعلنت الالتزام: تقول مصادر متعددة إن هولندا وإيرلندا والنرويج وإسبانيا وبلجيكا وسلوفينيا أكدت أنها ستنفّذ المذكرة، والتأكيدات هنا خطابية في معظمها ولم تُختبر.
والنتيجة أن العقوبات تضيف إلى هذه الثغرات ضغطاً غير مباشر: فهي تمنح الدول المترددة حجة سياسية إضافية، وتضعف قدرة المحكمة على متابعة عدم الامتثال، وهذا استنتاج تحليلي، لا واقعة موثقة.
المحور السادس: قراءة نقدية، حجج الطرف الآخر وحدود الحجة الفلسطينية
تقتضي الرصانة عرض أقوى حجج الخصوم ثم قياس مدى صمودها، وكذلك مراجعة نقاط الضعف في الرواية الفلسطينية والعربية.
أولاً: حجج واشنطن والاحتلال وردود المحكمة
| الحجة | صاحبها | الرد القضائي أو الوقائعي |
| المحكمة لا تملك ولاية على مواطني دولة غير طرف، ولا يجوز لها محاكمة أمريكيين. | واشنطن | تقرر المحكمة منذ زمن أن الجرائم المرتكبة على أراضي دولة طرف تدخل في اختصاصها أياً كانت جنسية الجاني، وقد أكدت الدائرة التمهيدية أن قبول الحكومة الإسرائيلية للاختصاص غير لازم لأن الاختصاص قائم على أساس إقليمي فلسطيني. |
| اتفاقيات أوسلو تمنع الجانب الفلسطيني من الولاية على الإسرائيليين، فلم يكن بوسع السلطة تفويض الاختصاص للمحكمة. | الكيان الإسرائيلي | رفضت الدوائر هذا الدفع في مراحله، وأبقت الاستئناف على المذكرات. |
| التحقيق الإسرائيلي الداخلي يغني عن المحكمة (مبدأ التكامل). | الكيان الإسرائيلي | أكدت دائرة الاستئناف في 15 ديسمبر 2025 مقبولية القضية. |
| المحكمة مسيّسة وتدّعي سلطة تقديرية مطلقة. | واشنطن | صدرت المذكرات بإجماع دائرة من ثلاثة قضاة بعد رد الطعون، غير أن المحكمة تبقى عرضة لنقد بعض أعضائها بشأن «التطبيق غير المتكافئ»، وقد استثمر خصومها عزل المدعي العام للتشكيك في أصل المذكرات، مع أن سحبها لا يملكه إلا القضاة. |
ثانياً: نقاط ضعف في خطاب الرفض الفلسطيني والعربي
غلبة الإعلان على الفعل: لم نجد في المصادر المراجَعة تعهدات مالية موثقة من دول أوروبية أو عربية بمساهمات طوعية إضافية، وهي معلومة وردت في المسودة الأولى فحُذفت.
انكشاف المنظمات الحقوقية: المنظمات الفلسطينية الثلاث مدرجة نفسها على القائمة منذ سبتمبر 2025، ما يحدّ من قدرتها على التمويل والتعامل مع الشركاء الدوليين، وهي تحتاج حماية قانونية ومالية موازية لحماية المحكمة.
سردية «الدعم الدولي الواسع» مبالغ فيها نسبياً: أعضاء مؤثرون ما زالوا يتجنبون الالتزام بالاعتقال، وخمس دول على الأقل أعلنت الانسحاب أو بدأت إجراءاته.
هشاشة الشرعية المؤسسية: عزل المدعي العام بتهم سوء سلوك جسيم منح خصوم المحكمة مادة دعائية، وترك مكتب الادعاء بلا رأس منتخب، إذ يديره نائباه منذ مايو 2025 ويقتضي الخطاب الفلسطيني التمييز بين نزاهة المسار القضائي وأزمة شخص بعينه، وألا يبني حجته على شخص المدعي.
عدم اليقين في حجم الأثر: يرى مختصون أن أثر العقوبات النهائي غير واضح بعد، وأن المحكمة أعدّت بدائل جزئية، والمبالغة في تصوير الانهيار تضعف الحجة بقدر ما تضعفها الاستهانة.
المحور السابع: السيناريوهات حتى أبريل 2027
تحدد الرخصة 13 ونافذة جمعية الدول الأطراف (تفتتح في لاهاي في 30 نوفمبر 20268) الأفق الزمني للتقدير. ويقدّم الجدول ثلاثة مسارات ومؤشرات رصد لكل منها:
الجدول (4): سيناريوهات الأشهر الستة المقبلة
| السيناريو | شروطه | مؤشرات الرصد | التقدير |
| أ. احتواء الأثر | تفعّل المفوضية نظام التعطيل أو تنشأ قناة دفع وضمان مؤسسية عبر الدولة المضيفة قبل أبريل 2027؛ وتواصل المحكمة التحقيق بلا تعطيل جوهري. | قرار المفوضية بإدراج لوائح العقوبات في ملحق نظام التعطيل؛ تعيين جهة عامة هولندية تضمن المدفوعات؛ قرارات جمعية 30 نوفمبر. | ممكن، ومرتبط بقرار أوروبي لم يُتخذ بعد |
| ب. تآكل تدريجي | لا تفعيل أوروبياً قبل انتهاء الرخصة؛ تنسحب شركات ومصارف استباقاً؛ تتباطأ بعض الأنشطة وتضعف الحماية للشهود والمتعاونين. | إنهاء موردين لخدماتهم؛ تأخر الرواتب؛ تعثر بعثات ميدانية؛ مزيد من إخطارات الانسحاب. | الأرجح في غياب قرار سريع |
| ج. تصعيد أمريكي | توسيع القوائم لتشمل شركات ومسؤولين أوروبيين أو دولاً تدعم المحكمة، وربط المساعدات بالانسحاب. | إدراج موردين أو منظمات جديدة؛ تهديدات رسمية لدول؛ موجة انسحابات جديدة. | محتمل، ويعتمد على ردود فعل أوروبا |
الترجيح: يميل التقدير إلى احتواء جزئي مع تآكل في الأطراف، أي مزيج من (أ) و(ب)؛ لأن ضغط المجلس الأوروبي والبرلمان وبعض الحكومات يقابله تردد المفوضية وتفضيلها الدبلوماسية خلال مهلة الأشهر الستة، وهذا حكم تحليلي يتغير بتغير القرار الأوروبي.
الخلاصة
تكشف الوقائع الموثقة أن الأزمة ليست انهياراً جاهزاً ولا صموداً مضموناً، فالمحكمة صامدة قضائياً، ومذكرتا التوقيف قائمتان، والرخصة الأمريكية تمنح أشهراً من التنفس.
وفي المقابل ما زال الرفض الدولي والأوروبي في مرحلة الأقوال، والإنفاذ رهين قرارات حكومات متفاوتة الالتزام، وفي هذا الفارق بين الخطاب والفعل يتحدد مصير المساءلة عن جرائم غزة.
وتتلخص خلاصة هذا التقدير في أن ما قبل 7 أبريل 2027 فرصة لتحويل الرفض إلى التزامات قابلة للقياس: قرار أوروبي بالتعطيل، وقناة دفع مؤسسية، وإعلانات اعتقال رسمية، وبرنامج حماية للمنظمات.
وإن لم يتحقق ذلك فسيتحول الإدراج من أداة مساومة إلى حظر فعلي، وسيكون المؤشر الأول جلسة جمعية الدول الأطراف في 30 نوفمبر.
التوصيات
تتوزع التوصيات بحسب الجهة المخاطَبة والأفق الزمني ودرجة الجدوى، وكلها ترتبط بمحطات قابلة للقياس قبل 7 أبريل 2027:
الجدول (5): مصفوفة التوصيات
| التوصية | الجهة | الأفق | الجدوى |
| الضغط لتفعيل نظام التعطيل الأوروبي وإدراج لوائح العقوبات المتصلة بالمحكمة في ملحقه، بدل الاكتفاء بإبقائه «على الطاولة». | دول أوروبية داعمة (هولندا، بلجيكا، إيرلندا، إسبانيا، سلوفينيا)؛ البرلمان الأوروبي | قبل 30 نوفمبر ومطلع 2027 | متوسطة: القرار بيد المفوضية |
| تعيين جهة عامة في الدولة المضيفة تضمن مدفوعات المحكمة ورواتبها، لتفادي اعتماد المحكمة على مصارف خاصة تخشى العقوبات الثانوية. | هولندا، بالتنسيق مع رئاسة المحكمة | قبل 7 أبريل 2027 | متوسطة إلى عالية |
| إكمال الانتقال التقني إلى بدائل أوروبية للسحابة والبرمجيات والتأمين، بتمويل مشترك من الدول الأطراف. | المحكمة والدول الداعمة | مستمر | متوسطة: بدأ فعلاً |
| إدراج بند عدم الامتثال (المادة 87(7)) والتعاون مع المذكرات على جدول جمعية الدول الأطراف، مع آلية متابعة للدول التي أعلنت رفض الاعتقال. | الدول الأطراف الملتزمة بالنظام | جمعية 30 نوفمبر | متوسطة إلى منخفضة |
| الحصول على إعلانات رسمية مكتوبة من وزارات الخارجية بالالتزام باعتقال المطلوبين، وتوثيقها في قاعدة بيانات منشورة. | السلطة الفلسطينية، المنظمات الحقوقية | فوري | عالية: قدرة ذاتية |
| الدول العربية الأطراف في نظام روما تعلن التزامات رقمية بمساهمات طوعية وتتخذ موقفاً داخل الجمعية. | الدول العربية الأطراف وجامعة الدول العربية | قبل 30 نوفمبر | متوسطة |
| إطلاق برنامج حماية قانونية ومالية للمنظمات الفلسطينية المدرجة، ودعم الدعاوى الأمريكية التي صدر فيها أمر أولي في 13 أكتوبر. | المنظمات الحقوقية والمحامون | جارٍ | متوسطة |
| تفعيل «الاختصاص القضائي العالمي» في المحاكم الوطنية للدول التي تتيحه قوانينها، بالتوازي مع مسار المحكمة. | المنظمات الحقوقية والمدنية | متوسط المدى | متوسطة إلى منخفضة |
© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أكتوبر 2026 — جميع الحقوق محفوظة



