تأجيل الانتخابات الفلسطينية: بين التبرير المعلن وحسابات الشرعية

قراءة في مرسوم 10 أكتوبر 2026 وأفق تجديد الشرعيات حتى 11 سبتمبر 2027

سياسات تحليلية|خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
ألغى مرسوم 10 أكتوبر 2026 موعد الانتخابات التشريعية (28 نوفمبر) وحدّد 11 سبتمبر 2027 لانتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة.
 لا تفسّر العوائق الإسرائيلية وحدها القرار؛ فالأرجح أن تعثّر الخطة الأمريكية وقرار مجلس الأمن تضافر معها.
وتتوقف كلفة التأجيل على جعل الموعد الجديد التزاماً قابلاً للمساءلة، إذ أيّد 53% من الجمهور الموعد الأول.
توصي الورقة بجدول ملزم، وحوار بمخرجات محددة، ومراجعة شرط الالتزام، وخطة للقدس وغزة.

مقدمة

في العاشر من أكتوبر 2026 أصدر الرئيس محمود عباس، بناءً على قرار اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، مرسوماً يلغي المرسوم رقم (4) لسنة 2026 الذي حدّد 28 نوفمبر موعداً للانتخابات التشريعية، ويدعو إلى انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة في 11 سبتمبر 2027. وبذلك تُرحَّل الانتخابات نحو عشرة أشهر عن موعدها الأول، بعد ثلاثة أشهر فقط من إصدار المرسوم الأول في 9 يوليو.

تنطلق الورقة من سؤال محوري: ما الذي يفسّر إلغاء موعد انتخابي بعد ثلاثة أشهر من تحديده، وقد قطعت لجنة الانتخابات المركزية شوطاً في التسجيل واستقبال القوائم؟ وكيف يغيّر ذلك معادلة الشرعية والمصالحة والموقف الدولي؟ وتفترض أن التأجيل ليس استجابة لمتغير واحد، بل نتاج تقاطع قيود خارجية حقيقية مع حسابات داخلية وتعقيدات في بنية المرجعيات، وأن كلفته تتوقف على ما إذا كان الموعد الجديد محصّناً بضمانات ملزمة.

تعتمد الورقة تحليل الوثائق (المراسيم والقرارات بقوانين وبيانات لجنة الانتخابات)، والمقارنة التاريخية مع تجارب 1996 و2005–2006 و2021، واستطلاعي المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية (PSR) في أغسطس وأكتوبر 2026، وتقارير مجموعة الأزمات الدولية وقرار مجلس الأمن 2803 بشأن السياق في غزة، وتحليل مواقف الفصائل والأطراف الدولية. وهي تقرّ بثلاثة قيود: أن نص المرسوم متاح عبر نقل وكالة وفا والصحافة؛ وأن استطلاع أكتوبر أُجري بين 7 و11 منه فلا يقيس ردّ الفعل على التأجيل؛ وأن بعض التفسيرات منسوبة لمحللين فلا تُعامل كوقائع.

المحور الأول: القرار بين الوقائع والمبررات

أولاً: التسلسل الزمني

التاريخالحدث
2 فبراير 2026مرسوم يدعو إلى انتخابات المجلس الوطني في 1 نوفمبر 2026 حيثما أمكن داخل فلسطين وخارجها، بالتمثيل النسبي الكامل؛ وكان مجلس الوزراء قد حدّد 25 أبريل موعداً لانتخابات الهيئات المحلية.
25 أبريل 2026انتخابات الهيئات المحلية؛ استُبعدت حماس فعلياً منها عبر شرط الالتزام ببرنامج منظمة التحرير.
14–16 مايو 2026المؤتمر الثامن لحركة فتح يتعهد بإجراء الانتخابات المتأخرة.
4 يونيو 2026المصادقة على نظام انتخابات المجلس الوطني: 350 مقعداً (200 للأراضي الفلسطينية و150 للخارج)؛ وإذا تزامن الانتخابان يشغل فائزو التشريعي مقاعد الأراضي في الوطني.
يونيو 2026قرار بقانون رقم (10) يعدّل قانون الانتخابات ويرفع مقاعد المجلس التشريعي من 132 إلى 200.
9 يوليو 2026المرسوم رقم (4): انتخابات تشريعية في 28 نوفمبر، على أن تُجرى الرئاسية في مطلع 2027
9–11 أغسطس 2026قرار بقانون يلغي القرار رقم (10) ويعيد المقاعد إلى 132، مع إبقاء نسبة الحسم 1% وحصة المرأة 33% على الأقل وسن الترشح 23 عاماً وشرط الالتزام بمنظمة التحرير.
15–19 أغسطس 2026التسجيل الميداني للناخبين؛ بلغت النسبة في الضفة 87.2% (1.62 مليون ناخب)، وقدّرت اللجنة أكثر من مليون ناخب في غزة وفق السجل المدني ونحو 140–150 ألفاً في القدس.
7–11 أكتوبر 2026تقديم القوائم لدى اللجنة؛ ويُجري PSR استطلاعه الميداني.
8–9 أكتوبر 2026رسالة نائب الرئيس حسين الشيخ إلى وزير الخارجية الفرنسي (مؤرخة في 8 أكتوبر) تنبئ بالتأجيل، وتنشر رويترز مضمونها في 9 أكتوبر.

ثانياً: السياق: هدنة هشّة لا حرب شاملة

لا يجري القرار في ظل حرب مفتوحة كما قد يوحي عنوان الموضوع، بل في ظل وقف إطلاق نار هشّ بدأ في 10 أكتوبر 2025 ضمن خطة الرئيس ترامب، وأقرّه مجلس الأمن بالقرار 2803 في 17 نوفمبر 2025، وأجاز بموجبه «مجلس السلام» وقوة دولية للاستقرار حتى 31 ديسمبر 2027 وبعد عشرة أشهر من الهدنة تفيد مجموعة الأزمات الدولية بأن الجيش الإسرائيلي يسيطر على 65–70% من القطاع، وأن الغارات والنيران قتلت أكثر من 1,200 فلسطيني منذ الهدنة، وأن اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهي لجنة تكنوقراط، لم تدخل القطاع بعد، ويوثّق المركز في إصدار حديث استمرار الخروقات الإسرائيلية وتعطّل المساءلة الدولية.*

وفي 30 يوليو 2026 أعلن مجلس السلام خارطة طريق لنزع السلاح وافقت عليها حماس وفصائل أخرى، لكن الحكومة الإسرائيلية رفضتها في 9 أغسطس وتراجع المجلس عن بعض بنودها.

 وحدّد المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر في 17 أغسطس مهلة تتراوح بين 60 و90 يوماً لبدء تسليم السلاح، وإلا دعمت واشنطن الكيان الإسرائيلي في «إنهاء المهمة».

 وتنقضي هذه المهلة بين منتصف أكتوبر ومنتصف نوفمبر 2026، أي بالتزامن مع صدور المرسوم، وقرب الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر.

وتفترض الورقة أن احتمال التصعيد قبل موعد الاقتراع الجديد أثّر في حسابات القرار، وهذا استنتاج تحليلي لا تصريح رسمي.

ثالثاً: ثلاثة خطابات رسمية متباينة

المرسوم (الخطاب المعلن): يعزو القرار إلى الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية والتوسع الاستيطاني واعتداءات المستوطنين وقيود الحركة واحتجاز أموال المقاصة، وإلى القيود التي تفرضها الحكومة الإسرائيلية على وصول طواقم لجنة الانتخابات والمراقبين الدوليين إلى غزة والقدس الشرقية، ويقدّم المهلة فرصة لحوار وطني شامل يعزز الوحدة ويصون وحدة الإقليم والنظام السياسي ويضمن مشاركة الفلسطينيين في القدس والضفة وغزة.

رسالة الشيخ إلى باريس (الخطاب الدبلوماسي): تقول إن الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية التي بُني عليها موعد 28 نوفمبر لم تتحقق، وإن المسؤولين توقعوا تحسّنها بتنفيذ مبادرة الرئيس ترامب وقرار مجلس الأمن، بما يشمل نشر قوات دولية وشرطة فلسطينية في غزة ونزع سلاح حماس وانسحاب القوات الإسرائيلية؛ وأوصوا بتعديل الموعد عدة أشهر ومواصلة الحوار.

الخطاب التوافقي: ينسب المرسوم القرار إلى مشاورات مع الفصائل والقوى وتوافق وطني بشأن العوائق الإسرائيلية.

الملاحظة التحليلية الأولى: الخطابان لا يتطابقان، فالمرسوم يركّز على ما يفرضه الاحتلال، بينما تربط الرسالة إلى باريس التأجيل بتعثّر ترتيبات سياسية وأمنية قام عليها تقدير الجدوى منذ يوليو.    وهذا الفرق يستدعي اختبار التفسيرات المتنافسة بدل الاكتفاء بالتبرير الرسمي.

رابعاً: اختبار أربعة تفسيرات

التفسيرسندهما يُضعفهتقديرنا
العوائق الإسرائيلية الميدانيةنص المرسوم؛ قيود وصول اللجنة والمراقبين؛ تصاعد الاستيطان واعتداءات المستوطنين؛ احتجاز المقاصة؛ وحظر السلطات الإسرائيلية المعتاد للتصويت الفلسطيني في القدس الشرقية.العوائق قائمة منذ مرسوم يوليو، ومع ذلك مضت اللجنة في التسجيل واستقبال القوائم، ورحّبت فرنسا قبل القرار بإطلاق بعثة أوروبية لمراقبة الانتخابات.عامل حقيقي ومساعد، لا يكفي وحده.
تعثّر الافتراضات الأمريكية–الأمميةرسالة الشيخ؛ وقراءة هاني المصري بأن تصوّر الانتخابات ارتبط بخطة ترامب (تخلي حماس عن الحكم ونزع سلاحها) وأن نتنياهو رفضها؛ وقد رفضت الحكومة الإسرائيلية خارطة طريق مجلس السلام في 9 أغسطس وتراجع المجلس عن بعض بنودها.لم يُنشر نص الرسالة كاملاً؛ ولم يشر المرسوم إلى هذا الارتباط؛ وقراءة المصري تقدير تحليلي.مرجّح بدرجة عالية.
الحسابات الانتخابية الداخليةفي اختبار PSR نالت قائمة فتح الرسمية بقيادة حسين الشيخ 17% في النموذج الأساسي ثم 12% بعد عرض البرامج، مقابل 22–25% لقائمة بشار المصري و20–22% لقائمة البرغوثي؛ ورأى محللون أن جاهزية الفصائل والتيارات أعادت حسابات السلطة.لا دليل وثائقياً على الدافع؛ والنماذج اختبارية لا توقعات؛ وكان 53% يؤيدون الموعد؛ وحماس التي استعدت للاقتراع أيدت التأجيل، ما يوحي بتقاطع مصالح لا بحساب طرف واحد.معقول لكن غير قابل للإثبات؛ يُعامل فرضية.
تعقيد المرجعياتارتباط مقاعد التشريعي بحصة الأراضي في المجلس الوطني (200 من 350)؛ ورأى المصري أن مجلساً تشريعياً منتخباً قد يخلق ازدواج مرجعية مع «مجلس السلام» الذي قال إنه نال ولاية أممية حتى نهاية العام المقبل.قراءة منسوبة لمحلل واحد؛ ولا نص رسمياً يعلن ذلك.جدير بالمتابعة.

تخلص الورقة إلى أن القرار نتاج تفاعل العاملين الأول والثاني: عوائق ميدانية حقيقية، وتعثّر ترتيبات سياسية وأمنية كان الموعد الأول قائماً على افتراض تحققها، مع احتمال أن تكون الحسابات الانتخابية قد خفّفت كلفة التراجع أو سرّعته.

 وهذا أدق من القول إن «الحرب جعلت الانتخابات مستحيلة»، إذ جرت الاستعدادات الفنية فعلاً في ظل الظروف نفسها.

وهو أدق كذلك من القول إن ضغوطاً دولية دفعت إلى التأجيل، فالمواقف المعلنة تشير إلى العكس: أسفت فرنسا للقرار ودعت إلى العدول عنه.

المحور الثاني: الشرعية بعد التأجيل

أولاً: إطار تحليلي موجز

يقترح ديفيد بيثام ثلاثة أبعاد لتقييم شرعية السلطة: المشروعية القانونية أي التزام السلطة بالقواعد، والتسويغ المستند إلى معتقدات مشتركة، والرضا المعبَّر عنه بأفعال مثل الانتخابات.

 وتضيف الورقة بعداً رابعاً تقتضيه الحالة الفلسطينية، هو شرعية التمثيل الوطني الجامع، إذ تستمد السلطة موقعها من منظمة التحرير بوصفها الممثل الشرعي والوحيد.

وهذا يجعل شرط الالتزام ببرنامج المنظمة في قانون الانتخابات نقطة تلاقٍ بين شرعية التمثيل وحق المشاركة.

ثانياً: الفجوة القانونية والمؤسسية

جرت آخر انتخابات تشريعية في 25 يناير 2006 وفازت فيها حماس بأغلبية 74 مقعداً من 132 وعدّها مركز كارتر والمعهد الوطني الديمقراطي مقاربة للمعايير الدولية، ما يدل على أن الاقتراع الفلسطيني قابل للإدارة بكفاءة تحت الاحتلال.

 وتعطل المجلس منذ 2007، ثم أصدرت المحكمة الدستورية في 12 ديسمبر 2018 قراراً بحلّه ودعت إلى انتخابات تشريعية خلال ستة أشهر، وأعلن الرئيس ذلك في 22 ديسمبر؛ ولم تُجرَ تلك الانتخابات.

وانتهت ولاية الرئيس عام 2009، وتُدار السلطة منذ ذلك الحين بالمراسيم، وتجيز المادة (43) من القانون الأساسي المعدّل للرئيس إصدار قرارات بقوانين في حالات الضرورة وفي غير أدوار انعقاد المجلس، على أن تُعرض على المجلس في أول جلسة وإلا زالت قوتها.

 وغياب المجلس منذ سنوات يعطل هذه الضمانة، فتبقى القواعد الانتخابية نفسها رهن قرارات السلطة التنفيذية.

ثالثاً: تقلّب القواعد الانتخابية

عُدّل قانون الانتخابات مرتين خلال نحو شهرين (يونيو وأغسطس 2026)، فقد رفع التعديل الأول عدد المقاعد إلى 200، ثم أُلغي في أغسطس وأُعيد العدد إلى 132 مع تعديلات فنية بتوصية من لجنة الانتخابات، منها حظر الجمع بين الترشح للرئاسة وعضوية التشريعي، ومنح مهلة ثلاثة أيام لتصويب طلبات الترشح، وتثبيت إجراءات خاصة بغزة على غرار القدس.

 ويبقى أكثر البنود حساسية شرط إقرار المرشحين والقوائم بالتزامهم بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً وببرنامجها السياسي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، وقد تحفّظت حماس على هذا الشرط، وبحثت عن مخرج عبر ائتلاف قوائم يضم تيارات أخرى، وأوردت ورقة سابقة للمركز أن 63% من الجمهور يعارضه بحسب استطلاعات. PSR

ليس كل تعديل دليلاً على هندسة انتخابية؛ فخفض سن الترشح وتخصيص حصة للمرأة وخفض نسبة الحسم تعزز التمثيل.

 غير أن تقلب القواعد بقرارات تنفيذية متتالية، وإبقاء شرط سياسي يستبعد قوى كبرى أو يدفعها إلى المناورة، يفتحان الباب أمام الطعن في حياد البيئة الانتخابية.

رابعاً: ما يقوله الجمهور

بيّن استطلاع PSR (7–11 أكتوبر 2026) أن 53% يؤيدون إجراء الانتخابات في موعدها 28 نوفمبر، و21% يقبلون تأجيلاً قصيراً لا يتجاوز ستة أشهر، و20% يعارضون إجراءها أصلاً؛ وتبلغ نية المشاركة 55%، وتبرز فجوة جيلية: لا يتجاوز تسجيل الفئة 18–22 عاماً 31%، ونية مشاركتها 46%.

 ولا يصحّ الاستنتاج أن الجمهور رفض التأجيل، فالعمل الميداني انتهى مع صدور المرسوم؛ لكن الأرقام تدل على أن الموعد الأول حظي بتأييد الأغلبية، وأن الموعد الجديد ينطلق من رصيد ثقة ضعيف: فقد بلغ الرضا عن أداء الرئيس 20% وعدم الرضا 76% في أغسطس، وكان استطلاع سابق لـPSR (رقم 96) قد أظهر تأييد 65% لإجراء الانتخابات واعتقاد 60% بأن السلطة لا تنوي إجراءها فعلاً،وهو شك يعزّزه التأجيل الجديد.

المحور الثالث: أربعة ملفات تحكم قابلية الاقتراع

أولاً: القدس

التجربةالترتيبالنتيجة
1996اقتراع نحو 5,367 مقدسياً في خمسة مكاتب بريد وفق الملحق الثاني من اتفاقية 1995.جرت الانتخابات بترتيب جزئي.
2005–2006ستة مكاتب بريد بطاقة 6,300 ناخب، واقتراع بقية الناخبين في محطات بضواحي القدس؛ وتشير تقارير 2006 إلى أن الترتيب أُقرّ بعد تدخل أمريكي.جرت الانتخابات بالترتيب نفسه.
2021أعدّت اللجنة إجراءات لنحو 150 ألف ناخب في الضواحي لا تتطلب موافقة إسرائيلية، واحتاجت مكاتب البريد إلى موافقتها.أجّل عباس الانتخابات إلى أجل غير مسمى في 29 أبريل 2021 بدعوى عدم السماح بالتصويت في القدس.
2026قدّرت اللجنة نحو 140–150 ألف مقدسي لهم حق الاقتراع؛ ويقول المرسوم إن السلطات الإسرائيلية تقيّد وصول الطواقم والمراقبين إلى القدس الشرقية.التأجيل إلى سبتمبر 2027.

ينظّم الملحق الثاني من اتفاق أوسلو الثاني (1995) اقتراع القدس الشرقية، وأعادت قوانين الانتخابات في 2007 و2021 تأكيد ذلك، وتدل التجربة على أمرين متلازمين، فالقدس عقدة حقيقية لأن الكيان الإسرائيلية يعدّها جزءاً من «عاصمته»، ويحجب عنها الاعتراف بأي مظهر سيادي فلسطيني.

لكن حلولاً جزئية جرى التوصل إليها في ثلاث دورات (1996 و2005 و2006)، فلا يصح التعامل مع الشرط المقدسي بوصفه حق نقض مطلقاً.

والمطلوب خطة بديلة تُعلن قبل بدء الدعاية الانتخابية بوقت كافٍ: صيغة مكاتب البريد حداً أدنى، واقتراع ضواحي القدس الواقعة خارج الجدار دون حاجة إلى موافقة، وتوثيق كل طلب موجّه إلى الحكومة الإسرائيلية وجوابها، حتى لا يُترك القرار لما تقرره في الأسابيع الأخيرة.

ثانياً: غزة

تقدّر اللجنة أكثر من مليون ناخب في غزة وفق السجل المدني، ويحفظ حقّهم في الاقتراع دون تسجيل مسبق، غير أن 30% من المستجيبين في غزة أفادوا بفقد وثائق هويتهم أو تلفها أثناء النزوح، وأُجري استطلاع PSR غرب «الخط الأصفر» وشماله وجنوبه، بينما أُجريت مقابلات سكان المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في مراكز الإيواء.

 ويشير المرسوم إلى قيود إسرائيلية على وصول طواقم اللجنة والمراقبين إلى القطاع.

وسياسياً، يعارض 74% نزع سلاح حماس قبل انسحاب إسرائيلي كامل، ويثق 42% باللجنة الوطنية التكنوقراطية المقترحة لإدارة القطاع (60% في غزة مقابل 29% في الضفة).

 وقد أتاح التعديل الأخير تثبيت إجراءات خاصة بغزة على غرار القدس، ما يمنح مرونة في التسجيل والاقتراع، لكنها تظل رهن وصول اللجنة والوضع الأمني، فضلاً عن أن لجنة إدارة غزة لم تدخل القطاع بعد وأن الجيش الإسرائيلي يسيطر على غالبيته.

ثالثاً: الرئاسة والخلافة

يعيد دمج الاستحقاقين السؤال الرئاسي إلى الواجهة، والرئيس يتم عامه الحادي والتسعين في نوفمبر 2026 وقد أصدر في أكتوبر 2025 إعلاناً دستورياً يقضي بتولي نائبه حسين الشيخ، نائب رئيس اللجنة التنفيذية، مهام رئاسة السلطة مؤقتاً مدة لا تزيد على 90 يوماً إذا شغر المنصب في غياب المجلس التشريعي، تُجرى خلالها انتخابات لاختيار رئيس جديد، وألغى الإعلان السابق الذي كان يمنح المهمة لرئيس المجلس الوطني.

ويعني ذلك أن كل شهر تأخير يطيل مرحلة تُدار فيها الخلافة المحتملة بالتعيين لا بالاقتراع.

المحور الرابع: الآثار المتوقعة

أولاً: الشرعية والثقة

يكلّف هذا التأجيل رصيداً سياسياً أكبر من سابقه لأن السلطة بنت خلال 2026 سلسلة التزامات: مرسوم المجلس الوطني، والمحليات، ومؤتمر فتح الثامن الذي تعهد بإجراء الانتخابات،وتعهد عباس الخطي للرئيس الفرنسي وولي العهد السعودي بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في سياق الاعتراف الفرنسي بدولة فلسطين في سبتمبر 2025، وقد أنجزت اللجنة مراحل فنية جوهرية، منها تسجيل 87% في الضفة، فيغدو الإلغاء أعلى كلفة من تأجيل في مرحلة مبكرة.

وفي المقابل أحسن المرسوم بربط الموعد الجديد بحوار وطني؛ غير أن حواراً بلا مخرجات ملزمة وجدول زمني قد يتحول إلى تأجيل ممدّد، وهو ما حذّر منه محللون مشيرين إلى حوارات سابقة لم تُنفَّذ مخرجاتها.

ثانياً: المصالحة وبنية التنافس

رحّبت حماس بالتأجيل وطالبت بحوار وطني تكون نتائجه واضحة وملزمة، ويعيد ترتيب المؤسسات، لا سيما المجلس الوطني والمجلس التشريعي، ويتفق على استراتيجية وطنية تشمل البرنامج السياسي وإدارة المرحلة الانتقالية وإنقاذ غزة.

 وأيّدت حركة الجهاد الإسلامي التأجيل كذلك، وكانت خمسة فصائل (حماس والجبهتان الشعبية والديمقراطية والجهاد والقيادة العامة) قد دعت في 28 يونيو 2026 إلى اجتماع وطني شامل يسبق الانتخابات، وانتقدت حماس في 20 يونيو ما وصفته بهندسة الانتخابات.

 غير أن التقاء المواقف على قبول التأجيل لا يعني اتفاقاً على قواعد المشاركة: فالشرط السياسي قائم، وحماس شكّلت ائتلافاً مع قوى أخرى لتجاوزه.

ثالثاً: الموقف الدولي

أسفت فرنسا للقرار ودعت إلى إجراء الانتخابات في أقرب وقت وأبدت استعدادها للمساعدة، وكانت قد رحّبت قبله بإطلاق بعثة أوروبية لمراقبة الانتخابات.

 وكانت مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس قد وصفت الانتخابات المقررة في نوفمبر، في الأسبوع نفسه، بأنها فرصة متأخرة لتجديد شرعية المؤسسات الفلسطينية.

 أما وزير الخارجية الإسرائيلي فوصف تبرير المرسوم بأنه ذريعة للتهرب من المسؤولية والمساءلة، ورد نائب الرئيس حسين الشيخ بأن الحكومة الإسرائيلية هي التي فرضت التأجيل بإجراءاتها.

 ويضع ذلك السلطة في موقف دفاعي: فهي تحتاج إلى إثبات أن العائق خارجي بإجراءات قابلة للتوثيق، لا ذريعة متكررة، خصوصاً أن قراءات غربية تربط الاعتراف بدولة فلسطين بما تعهدت به من إصلاح وانتخابات.

المحور الخامس: السيناريوهات حتى 11 سبتمبر 2027

يحكم المسار متغيران: درجة التوافق الوطني على قواعد المشاركة، ومدى تحقق البيئة السياسية والميدانية (تنفيذ الخطة الأمريكية والقرار الأممي، والانسحاب، وتسهيل القدس وغزة).

وتوصي القاعدة التاريخية بالحذر: فمنذ 2009 أُعلن عن انتخابات عامة مرتين (2021 و2026) وأُجّلت كلتاهما، ولم تُجرَ الانتخابات التي دعا إليها قرار المحكمة الدستورية في 2018 ويرى محللون أن الأشهر المقبلة قد تكشف ملامح المشهد الإسرائيلي بعد الانتخابات القادمة وتوجهات السياسة الأمريكية بعد انتخابات التجديد النصفي.

السيناريوالمنطق والافتراضاتمؤشرات الرصدالترجيح
اقتراع بتوافق وضماناتاتفاق على قواعد المشاركة (تعديل الشرط أو صيغة بديلة)، وترتيبات مقبولة للقدس وغزة، وجدول زمني معلن.نشر جدول تفصيلي خلال 60–90 يوماً؛ قرار بتعديل شرط الالتزام أو تفسيره؛ تأكيد بعثة المراقبة الأوروبية؛ ترتيبات الوصول إلى غزة.متوسط إلى منخفض
اقتراع منقوصانتخابات في الموعد دون تفاهم مع حماس، أو بمشاركة رمزية، أو دون القدس وجزء من غزة.بقاء الشرط بصيغته؛ إعلان مقاطعة؛ ترتيبات جزئية للقدس؛ اقتصار التسجيل على الضفة.متوسط
تأجيل ثانٍتعذر التوافق مع تدهور ميداني وغياب ضمانات دولية.غياب جدول زمني خلال 3–4 أشهر؛ تعديلات قانونية جديدة؛ استمرار قيود وصول اللجنة؛ ربط الموعد بمسار مجلس السلام.متوسط إلى مرتفع
تسوية انتقالية بديلةتوافق على حكومة أو هيئة انتقالية لمرحلة محددة مع التزام بموعد انتخابي.مخرجات حوار وطني شامل؛ اتفاق على المرجعيات؛ موافقة الفصائل الكبرى والمنظمة.منخفض
صدمة أمنية تعلّق المسارعودة التصعيد العسكري الشامل في غزة أو الضفة، أو انهيار الهدنة، فتُعلَّق الاستعدادات.انقضاء مهلة نزع السلاح دون تفاهم؛ استئناف الغارات الواسعة؛ نتائج الانتخابات الإسرائيلية.منخفض إلى متوسط (مخاطرة خارجية)

الترجيحات حكم تحليلي وليست احتمالات رقمية.

المحور السادس: التوصيات

تتوجه التوصيات إلى الرئاسة واللجنة التنفيذية والفصائل ولجنة الانتخابات المركزية والجهات الدولية الداعمة.

التوصيةالجهةالمهلةمؤشر النجاحالجدوى والعائق
1. تحويل الموعد إلى التزام قابل للمساءلة: جدول تفصيلي معلن (الترشح والتسجيل والدعاية والاقتراع)، وقاعدة معلنة لا يجوز بعدها التأجيل إلا لأسباب محددة وموثقة تتحقق منها لجنة الانتخابات وبعثة المراقبة.الرئاسة، اللجنة التنفيذية، لجنة الانتخاباتخلال 60 يوماًنشر الجدول ومعايير القوة القاهرةمرتفعة؛ قرار إداري. العائق: تحفّظ الرئاسة على تقييد صلاحيتها.
2. حوار وطني بمخرجات ملزمة ومحددة الأجل: يبدأ بقواعد المشاركة، ويشمل ممثلين عن الشباب والمرأة والشتات والمجتمع المدني والقطاع الخاص لا الفصائل وحدها.اللجنة التنفيذية، الفصائلانطلاق خلال 30 يوماً وانتهاء خلال 120وثيقة موقّعة بآليات تنفيذمتوسطة؛ العائق: سوابق حوارات لم تُنفَّذ وتباين الأوزان.
3. مراجعة شرط الالتزام ببرنامج المنظمة: استبداله بإقرار الالتزام بالقانون الأساسي والنظام الانتخابي وقبول نتائج الاقتراع، على غرار سابقتي 2006 والمحليات 2022 اللتين لم تشترطاه.الرئاسة، لجنة الانتخاباتقبل فتح باب الترشحقرار تعديل أو تفسيرمنخفضة إلى متوسطة؛ العائق: ضغط دولي ومعارضة داخل فتح والمنظمة.
4. تحصين البيئة الانتخابية: تثبيت القواعد بعد فتح باب الترشح بحيث لا تُعدّل إلا بتوافق، وضمان استقلال لجنة الانتخابات، وتفعيل محكمة قضايا الانتخابات التي أُنشئت عام 2021 وحماية الحريات وحياد المؤسسات والأجهزة الأمنية.الرئاسة، الحكومةمع الجدول الزمنيسقف زمني لتعديل القواعدمتوسطة؛ العائق: اعتياد التشريع بالمراسيم.
5. خطة القدس وغزة تُعلن مبكراً: صيغة 1996 و2005–2006 حداً أدنى، ومحطات لضواحي القدس، وتوثيق المراسلات مع الحكومة الإسرائيلية والوسطاء للحصول على جواب كتابي، وآلية بديلة لفاقدي الهوية في غزة.لجنة الانتخابات، الخارجية، الاتحاد الأوروبيخلال 90 يوماًجواب موثق أو إثبات الرفض؛ نشر خطة المحطاتمتوسطة؛ العائق: القرار الإسرائيلي وقيود الوصول إلى غزة.
6. معالجة فجوة الشباب: حملة تسجيل مستهدفة للفئة 18–22 عاماً (31% مسجلون) وتسجيل مرن في غزة.لجنة الانتخاباتقبل نشر السجل النهائيارتفاع تسجيل الشبابمرتفعة؛ تقنية ومنخفضة الكلفة.
7. ضمانات دولية مشروطة وقابلة للقياس: ربط الدعم الأوروبي والفرنسي بالجدول والمعايير، ومطالبة الحكومة الإسرائيلية بالإفراج عن المقاصة وتسهيل وصول اللجنة، وتعهد علني بعدم عرقلة التصويت في القدس.الاتحاد الأوروبي، فرنسا، الدول الداعمةمع الجدول الزمنيمعايير وبيانات معلنةمتوسطة؛ العائق: تردد الداعمين وربط الدعم بملفات أخرى.

الجدوى حكم تحليلي للورقة وليست نتيجة استطلاع.

مخاطر وتوازنات

  • تعديل شرط الالتزام قد يثير تحفظ أطراف دولية؛ ويُخفّف ذلك بإبقاء الالتزام بالقانون الأساسي وسلطة القانون وقبول نتائج الاقتراع.
  • الحوار الموسّع قد يطيل الوقت؛ ويُحتوى ذلك بسقف زمني ثابت لا يتجاوز 120 يوماً.
  • خطة القدس قد تُفسَّر قبولاً بترتيبات منقوصة؛ لذلك تُعلن ترتيباً إجرائياً لا يمس الموقف الفلسطيني من القدس، كما في 1996 و2005–2006.

خاتمة

لا يكفي تحديد موعد جديد لاستعادة الثقة، فقد حُدّدت مواعيد من قبل وأُلغيت.

 وتُقاس جدية المسار بما سيُفعل خلال الأشهر الثلاثة المقبلة: جدول معلن، وحوار بمخرجات، وقواعد مستقرة، وخطة للقدس وغزة، وإلا صار 11 سبتمبر 2027 حلقة جديدة في سلسلة التأجيل.

© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أكتوبر 2026 — جميع الحقوق محفوظة


* المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، «عام على اتفاق غزة.. آلاف الخروقات وأزمة إنسانية ومساءلة دولية معطّلة»، أكتوبر 2026. https://pcps.ps/?p=3081

شارك:

المزيد من المقالات