تحليل سياسيات|المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
| الملخص التنفيذي تفحص الورقة صلة التمويل الدولي لغزة بعد وقف إطلاق النار (أكتوبر 2025) بشروط أمنية ومؤسسية ومكانية. تبيّن الوثائق أن الشرطية معلنة: فمجلس السلام يربط الإعمار الكامل شروط سياسية وميدانية، وصندوقه الرسمي لم يتلقَّ شيئاً حتى مايو من تعهدات بلغت 17 مليار دولار، ويُخصَّص نحو ثلث خطته الأولى (2.45 مليار) للأمن. وتخلص إلى أن النمط يُعيد إنتاج التبعية بصرف النظر عن النوايا، وتقترح مبادئ تفاوض وطنية وبدائل قابلة للتنفيذ. |
مقدمـة
منذ وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر 2025، انتقل الجدل حول غزة من سؤال الحرب إلى سؤال: من يموّل الإعمار، وبأي شروط، ولمصلحة من؟ فقد أقرّ مجلس الأمن في 17 نوفمبر 2025 القرار 2803 الذي أيّد خطة ترامب الشاملة، ورحّب بإنشاء «مجلس السلام» بوصفه إدارة انتقالية، وأجاز نشر قوة دولية للاستقرار.
وبحلول أكتوبر 2026 تبلورت الصورة: احتياجات هائلة، وتعهدات معلنة تفوق ما صُرف منها بكثير، وإعمار مرهون بترتيبات سياسية وأمنية لم تُحسم بعد.
تسعى الورقة إلى الإجابة عن السؤال الآتي: إلى أي مدى، وبأي آليات، تقيّد شروط التمويل الدولي لغزة في 2025–2026 مسار التعافي المبكر، وتعيد إنتاج علاقة التبعية؟ ويتفرع عنه ثلاثة أسئلة: ما بنية قنوات التمويل ومن يتحكم فيها؟ وما الشروط المعلنة والموثقة، وما الذي ما زال في إطار التقدير؟ وما الخيارات الواقعية المتاحة للفاعل الفلسطيني؟
وتنطلق من فرضية قابلة للاختبار والدحض: كلما رُبط التمويل بشروط سياسية وأمنية تقع خارج سيطرة الفاعل الفلسطيني، تراجعت حصة الإنفاق على القدرات الإنتاجية والخدمات الأساسية الدائمة لصالح الإغاثة المؤقتة، وتعمّقت الاعتمادية على القنوات الخارجية.
وتُدحَض الفرضية إذا أظهر الصرف الفعلي أن الإنفاق الإنتاجي والخدمي يتقدم دون ارتباط بتلك الشروط، أو أن الفاعل الفلسطيني يملك سلطة قرار حقيقية على التخصيص.
وتعتمد منهجية تحليل وثائقي للمصادر الأولية: قرار مجلس الأمن 2803، وتقرير مجلس السلام إلى المجلس في 15 مايو 2026 (S/2026/418)، والخطة الستة أشهر المعلنة في 23 سبتمبر 2026، مقارنةً بتقارير صحفية وبيانات منظمات دولية، وبجولتي إعمار 2009 و2014.
المحور الأول: الإطار النظري والمفاهيمي
من مدرسة التبعية إلى «نزع التنمية»
نشأت مدرسة التبعية في نقد التفسيرات المعيارية للتخلف: فقد رأى راؤول بريبيش أن شروط التبادل تميل تاريخياً ضد منتجي المواد الأولية في الأطراف، وصاغ سمير أمين مفهومي التبادل غير المتكافئ والتراكم المتمركز على الذات، وذهب أندريه غوندر فرانك إلى أن التخلف نتاج علاقة بالمركز لا مرحلة سابقة عليه.
غير أن إسقاط هذه الأطروحات على غزة يحتاج إلى تعديل جوهري، لأن الأمر لا يقتصر على استغلال هامش من مركز، بل يتصل بسلطة خارجية تتحكم في المعابر والنقد والتجارة والأرض.
ولذلك يبدو مفهوم «نزع التنمية» (De-development) عند سارة روي أقرب إلى الحالة؛ فهو لا يصف تنمية متعثرة، بل تفكيكاً منهجياً للقدرة الإنتاجية المحلية تحت السيطرة الإسرائيلية، بحيث يفقد الاقتصاد قدرته على التراكم الذاتي.
وتكمل أدبيات المعونة هذا التشخيص: فقد رأت لو مور أن المساعدات بعد أوسلو خدمت أولويات سياسية للمانحين ولم تعالج شروط الاحتلال، وبيّن خالدي وسمور أن برنامج بناء الدولة وفق وصفة نيوليبرالية فكّ ارتباط الاقتصاد بمشروع التحرر، وحلّل هيفر الاقتصاد السياسي للاحتلال بوصفه نظام ضبط لا استغلال فحسب.
الإعمار الشرطي: تعريف إجرائي
يُقصد بـ«الإعمار الشرطي» في هذه الورقة: ربط تدفق التمويل وإدخال المواد وتشغيل المشاريع بشروط تتجاوز الاحتياج التنموي ذاته، وتتحكم بها جهات غير فلسطينية أو تتخطى سلطة القرار الفلسطيني.
ولتحويل المفهوم إلى أداة قياس تقترح الورقة أربعة أنواع من الشروط:
الشرط الأمني-السياسي: كنزع السلاح، وإقصاء قوى بعينها من الحكم.
الشرط المؤسسي: تحديد الجهة الوحيدة المخوّلة بالإدارة، ومعايير الرقابة المالية والامتثال.
الشرط الإجرائي: التسجيل والتدقيق والفحص الأمني، وتصنيف المواد، وقواعد ما يسمى بمكافحة تمويل الإرهاب.
الشرط المكاني: ربط مواقع الإعمار والسكن بخطوط السيطرة العسكرية.
وتقيس الورقة التبعية بأربعة مؤشرات: حصة الإنفاق على الإغاثة والمأوى المؤقت مقابل القدرات الإنتاجية والخدمات الدائمة؛ وحصة التمويل المار عبر قنوات خارجية مقابل المؤسسات الفلسطينية؛ ومدى الاعتماد على موافقات إسرائيلية للإدخال والتشغيل؛ والارتباط المكاني للإعمار بمناطق السيطرة العسكرية، وبهذا تُختبر الفرضية دون حاجة إلى إثبات النوايا.
المحور الثاني: بنية التمويل الدولي لغزة 2025–2026
أعاد القرار 2803 رسم قنوات التمويل. فمجلس السلام، الذي وُقّع ميثاقه في 16 يناير 2026 وأُطلق في دافوس في 22 يناير، يضم 28 دولة ويرأسه الرئيس الأمريكي، ويعمل عبر مكتب الممثل السامي لغزة (نيكولاي ملادينوف)، واللجنة الوطنية لإدارة غزة (NCAG) برئاسة علي شعث، وقوة الاستقرار الدولية بقيادة أمريكية.
وأُنشئ «صندوق إعمار غزة وتنميتها» (GRAD) الذي يتولى البنك الدولي أمانته المحدودة، إلى جانب «صندوق فلسطين للإعمار والتنمية» التابع للبنك الدولي وصندوق الأمم المتحدة متعدد المانحين، وقد رحّب اجتماع لجنة الاتصال الخاصة (AHLC) في بروكسل في 20 أبريل 2026 بهذه الآليات.
الجدول (1): أبرز المعطيات المالية والإنسانية
| المؤشر | القيمة |
| احتياجات التعافي والإعمار خلال عقد | 71.4 مليار دولار |
| تقدير الأضرار المادية | 35.2 مليار دولار |
| استثمارات إعمار يتوقعها مجلس السلام | أكثر من 30 مليار دولار |
| تعهدات إعمار تلقاها المجلس | 17 مليار دولار (منها 10 مليارات أمريكية) |
| المحوَّل فعلاً (تقديرات متباينة، مايو–يونيو 2026) | من نحو 1% (مسؤولان) إلى لا شيء في الصندوق الرسمي (مصدر مطلع) إلى «مئات الملايين» (مسؤول في المجلس) |
| النداء الإنساني الأممي (ديسمبر 2025) | 3.72 مليار دولار |
| خطة الستة أشهر (سبتمبر 2026) | 2.45 مليار دولار، 66 مشروعاً، تمويلها غير مكتمل |
| البطالة / المباني المتضررة أو المدمَّرة | نحو 80% / نحو 85% |
| الركام | نحو 70 مليون طن |
وتكشف الأرقام ثلاث فجوات متتالية: بين الاحتياج (71.4 مليار) والتعهد (17 ملياراً، أي أقل من ربع الاحتياج)، وبين التعهد والتحويل، وبين التحويل والإنفاق.
وتتباين التقديرات في الفجوة الثانية، ففي مايو قدّر مسؤولان أن نحو 1% حُوِّل، وأفاد مصدر مطلع لوكالة فرانس برس، تعقيباً على تقرير لفاينانشال تايمز، بأن الصندوق الرسمي المدار من البنك الدولي لم يتلقَّ أي مبلغ، وأن التبرعات ذهبت إلى حساب لدى «جي بي مورغان» لا تحكمه متطلبات شفافية مستقلة، فيما ردّ المجلس بأن الصندوق «آلية واحدة من عدة آليات» لم يستخدمها المانحون.
وقال مسؤول في المجلس لاحقاً إنه جمع «مئات الملايين»، وقال وزير الخارجية الأمريكي أمام مجلس الشيوخ إن أياً من العشرة مليارات الأمريكية لم يُحوَّل، ثم أبلغت واشنطن الكونغرس بنحو 206 ملايين دولار لقوة الاستقرار بوصفها أول تمويل أمريكي ذي شأن، ولا يعلن المجلس حجم ما تلقاه، ولذلك لا يصح الجزم برقم واحد.
وتنتقل الورقة من تقدير نقطي إلى نطاق: بين صفر وأقل من 5% من التعهدات في أعلى التقديرات (إن عُدّت «المئات» دون المليار). وتتفق الروايات على أمرين: أن الصرف ضئيل قياساً بالتعهد، وأن أبرز ما أُعلن صرفه موجَّه إلى الأمن، ومنه 100 مليون دولار إماراتية لتدريب شرطة غزة الجديدة، وهو تحويل تتضارب الروايات في إتمامه (إذ أفادت ملخصات لتقرير فاينانشال تايمز بأنه مجمّد وقتها)،3,41 وتمويل قوة الاستقرار.
وقد اعترف المجلس بالفجوة بين الالتزام والصرف في تقريره، بعدما نفى في أبريل وجود قيود تمويلية، ويقتضي النشر تحديث هذه الفقرة بأي إعلان رسمي لاحق لحجم المقبوض.
وتعمل اللجنة الوطنية بوصفها هيئة تكنوقراط من غزة معتمدة بتوافق فصائلي بحسب تقرير المجلس، وتنص خارطة الطريق المقترحة على جعلها السلطة الانتقالية الوحيدة المشروعة، لكنها لم تدخل المناطق الخاضعة للسيطرة الفلسطينية، ولا تزال حتى أكتوبر 2026 تعمل من مقرها المؤقت في القاهرة، فيما لم تُنفَّذ المرحلتان الثانية والثالثة من الخطة.
وتعتمد اللجنة على المجلس في التمويل وعلى معايير رقابية أُعدّت بدعم البنك الدولي.
وهنا مفارقة تستحق التسجيل: الجهة الفلسطينية الوحيدة المخوّلة بالإدارة تعمل داخل هيكل لا تملك قراره المالي.
المحور الثالث: الشرطية: ما هو معلن وما هو مرجَّح
شرطية معلنة لا مضمرة
خلافاً للتصور القائل بأن الشروط تُفرض في الخفاء، فإن أقوى الأدلة صادر عن مجلس السلام نفسه، فتقريره إلى مجلس الأمن يعلن أن الإعمار الكامل لا يمكن إطلاقه قبل نزع سلاح موثق، ويصفه بأنه شرط أساسي لثقة المانحين.
وتنص خارطة الطريق التي قدّمها الضامنون (مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة) على أن يبدأ الإعمار في مناطق «معتمدة» منزوعة السلاح تحت سلطة اللجنة، وأن ينسحب الجيش الإسرائيلي على مراحل مرهونة بتقدم موثق في نزع السلاح.
وبحسب ما كشفته “تايمز أوف إسرائيل”، كتب المبعوثان ملادينوف وليتستون إلى رئيس اللجنة أن التزامات الخطة تفقد قوتها إذا لم تقبل حماس الإطار ضمن مهلة يحددها المجلس، وفسّرت الصحيفة ذلك بأنه تخلٍّ عن مساءلة الحكومة الإسرائيلية بشروط الخطة في تلك الحالة.
وفي المقابل، يحمّل المجلس حماس المسؤولية الرئيسة عن تعطل التنفيذ لرفضها نزع السلاح المتحقَّق منه، فيما تردّ حماس بأن الحكومة الإسرائيلية لم تلتزم بالمرحلة الأولى لجهة الغارات ومعايير المساعدات وتشغيل معبر رفح.
ويقرّ تقرير المجلس بانتهاكات شبه يومية، دون أن يسمّي الحكومة الإسرائيلية صراحة.
وتحتاج هذه المسألة إلى متابعة لأنها تحدد من يتحمل كلفة الجمود.
الجدول (2): مصفوفة الشرطية
| نوع الشرط | أمثلة | الجهة الفاعلة | درجة الدليل |
| أمني-سياسي | ربط الإعمار الكامل بنزع السلاح الموثق؛ انسحاب مرحلي مرهون به | مجلس السلام والضامنون والحكومة الإسرائيلية | موثق |
| مؤسسي | حصر الشرعية الانتقالية باللجنة الوطنية؛ معايير رقابة مالية بدعم البنك الدولي | مجلس السلام | موثق |
| إجرائي | قواعد تسجيل المنظمات الدولية؛ فحص أمني للعمال؛ مكافحة تمويل الإرهاب. | الحكومة الإسرائيلية ومجلس السلام | موثق جزئياً |
| مكاني | الإعمار شرق «الخط الأصفر»؛ «رفح الخضراء»؛ «مجتمعات مخططة» | الحكومة الإسرائيلية والولايات المتحدة والإمارات | موثق جزئياً |
| مالي | رفض تحويل جزء من أموال المقاصة المحتجزة إلى مجلس السلام | الحكومة الإسرائيلة | موثق |
نقاط الاختناق الإجرائية
المنظمات الدولية: أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية أن المنظمات التي لم تجدد تسجيلها لن تعمل في غزة اعتباراً من 1 يناير 2026، مبررة ذلك بمنع ما أسمته “تسلل عناصر إرهابية”، وقالت «كوغات» إنها تسهم بأقل من 1% من المساعدات الداخلة.
وحذّرت 53 منظمة دولية من أن ذلك يعطل عمليات لا غنى عنها، ومنها نحو 600 ألف مادة إيواء في خطوط الإمداد.
أموال المقاصة: رفض وزير المالية الإسرائيلي طلباً أمريكياً بتحويل جزء من أموال المقاصة المحتجزة، وتبلغ نحو 5 مليارات دولار، إلى مجلس السلام، محتجاً بأن ذلك قد يمنح السلطة موطئ قدم في غزة.
المواد ثنائية الاستخدام: تصنّف السلطات الإسرائيلية جلّ مواد المأوى الأساسية «ثنائية الاستخدام»، ولا تسمح إلا بدخول 15 شاحنة أسبوعياً من هذا الصنف من الأردن لجميع القطاعات، فيما تقيّد أو ترفض دخول الإسمنت والخشب والصفائح المعدنية وأدوات البناء، بحسب مجموعة المأوى الأممية والمجلس النرويجي للاجئين.
ويحتاج نحو 94% من السكان إلى شكل من أشكال مساعدات المأوى والمستلزمات المنزلية. وتواجه فرق إزالة الألغام قيوداً مماثلة على معدات تصنفها السلطات ثنائية الاستخدام.
وبين 10 أكتوبر و16 ديسمبر 2025 رُفض دخول نحو 9 آلاف طن من الإمدادات لأسباب منها التصنيف ثنائي الاستخدام، والقيد قديم؛ فقد وثّقت الأمم المتحدة عام 2016 قيوداً إضافية على مواد البناء المصنفة بهذا الوصف.
وهو تقييد جزئي لا منع مطلق، إذ تدخل بعض المواد بحصص بطيئة.
المأوى المؤقت: أفادت تقارير بأن القيادة الإسرائيلية لا تجيز نشر البيوت المتنقلة حتى ما بعد الانتخابات في نوفمبر 2026 على الأقل.
الكوادر: تأخر إرسال دفعات الشرطة إلى التدريب في مصر جزئياً لغياب ضمانة بعودتهم إلى غزة.
الإطار القانوني
أصدرت محكمة العدل الدولية في 22 أكتوبر 2025 رأياً استشارياً، غير ملزم لكنه تفسير موثوق، خلص إلى أن الكيان الإسرائيلي بوصفه سلطة احتلال ملزم بضمان حصول سكان الأراضي المحتلة على مستلزمات الحياة اليومية، ومنها الغذاء والمأوى والوقود والإمدادات الطبية، وأن عليها التعاون بحسن نية مع الأمم المتحدة، وذلك بأغلبية عشرة أصوات مقابل صوت.
ورفضت الخارجية الإسرائيلية الرأي، وتنقل هذه الخلاصة قيود المواد والتسجيل من خانة الخلاف السياسي إلى خانة الالتزام القانوني، لكن حدود أثرها واضحة: فالرأي غير ملزم، ولا يتوافر له مسار إنفاذ.
مقارنة تاريخية
ليست الشرطية جديدة، ولا فجوة التعهد والصرف، ففي مؤتمر شرم الشيخ في 2 مارس 2009 تعهد المانحون بنحو 4.48 مليارات دولار، على أن تُوجَّه عبر الحساب الموحد للخزينة وآليات دولية قائمة كبرنامج «بيغاس» الأوروبي وصندوق البنك الدولي، أي عبر السلطة لا عبر الإدارة القائمة في غزة.
وفي القاهرة في أكتوبر 2014 أُعلن عن نحو 5 مليارات دولار للأراضي الفلسطينية، منها 3.5 مليارات لغزة بحسب موقع المتابعة الذي يشرف عليه البنك الدولي؛ وبلغ المصروف بحلول 31 مارس 2016 نحو 1.41 مليار دولار (40%)، ولم تغطِّ التدخلات ذات الأولوية الممولة سوى نحو 12% من احتياجات التعافي.
وكانت رويترز قد أفادت بعد شهرين من المؤتمر بأن نحو 2% فقط حُوِّل، وبأن الدول العربية كانت بين الأضعف التزاماً.
ويفضي ذلك إلى استنتاجين: أن فجوة التعهد والصرف نمط متكرر لا طارئ، وأن القناة مرّت في الجولتين السابقتين عبر السلطة، بينما انتقلت في 2026 إلى هيئة جديدة يرأسها الرئيس الأمريكي لا تحتفظ فيها السلطة إلا بدور تنسيقي عبر مكتب اتصال.
وهذا يغيّر طبيعة التبعية من تبعية لمانحين متعددين إلى تبعية لمركز قرار واحد يجمع التمويل والحكم والأمن.
حجج المانحين وتقييمها
للمانحين حجج لها وزنها: التزامات قانونية بمكافحة تمويل الإرهاب وغسل الأموال، وخطر تحويل المساعدات إلى جهات مسلحة، وخطر إعادة التدمير إن سبق الإعمار نزع السلاح.
ويقول مجلس السلام إن تحويل المساعدات الأممية العينية انخفض من نحو 90% في ذروة القتال إلى نحو 1% منذ نوفمبر 2025، وهو رقم صادر عن الطرف المعني ولم نتحقق منه مستقلاً.
غير أن هذه الحجج لا تفسّر ثلاثة أمور: اتساع الشروط لتشمل ما لا صلة مباشرة له بالسلاح كالمأوى المؤقت والتسجيل؛ وانتقائية تطبيقها بين الأطراف بحسب التقارير؛ وغياب آلية فلسطينية للتظلم أو المراجعة.
المحور الرابع: التعافي المبكر في مواجهة الإخضاع السياسي
ما الذي يُفترض أن يكونه التعافي المبكر
في الأدبيات الأممية، التعافي المبكر مرحلة تصل الإغاثة العاجلة بالتنمية المستدامة، فتعيد تشغيل الخدمات الأساسية وسبل العيش المحلية وتقلل الاعتماد على المساعدة. وتتيح الخطة الستة أشهرية اختباراً جزئياً للفرضية. فبحسب أكسيوس ووثيقة اطّلعت عليها صحيفة واشنطن فري بيكون، تتوزع الـ2.45 مليار دولار على ست مجموعات، يستحوذ الأمن والسلام فيها على نحو 885 مليوناً، والبنية التحتية على نحو مليار، ويبقى نحو 565 مليوناً بالاشتقاق للتنمية البشرية وتسريع الاقتصاد والتحول الرقمي والشؤون القانونية مجتمعة.
الجدول (4): مكونات الخطة الستة أشهرية (مليون دولار)
| المجموعة | المبلغ | أبرز البنود المعلنة | الحصة |
| الأمن والسلام | نحو 885 | قوة الاستقرار ؛ موقع دعم محصّن دائم في رفح لنحو 5 آلاف فرد ؛ مقر ومنشآت للجنة الوطنية ؛ برنامج نزع السلاح ؛ منشأة شرطة | نحو 36% |
| البنية التحتية | نحو 1,000 | مأوى مؤقت 400؛ إزالة ركام وذخائر غير منفجرة 275؛ ترميم منازل متضررة جزئياً 78؛ مستشفيات 50؛ طرق | نحو 41% |
| باقي المجموعات (تنمية بشرية، تسريع الاقتصاد، تحول رقمي، شؤون قانونية) | نحو 565 (بالاشتقاق) | لم تُنشر حصة كل مجموعة | نحو 23% |
وتُستخلص ثلاث ملاحظات:
أولاً، يعادل المرصود لموقع دعم محصّن دائم لقوة الاستقرار في رفح (275 مليوناً) المرصود لإزالة الركام والذخائر غير المنفجرة.
ثانياً، يتقدم الأمن على مجموع المجموعات غير الإنشائية، وسقف ما يمكن أن يذهب إلى «تسريع الاقتصاد» لا يتجاوز بضع مئات الملايين.
ثالثاً، يتسق ذلك مع اتجاه الصرف الأولي نحو الشرطة والقوة الدولية، وللإنصاف، فحجة المانحين أن الأمن شرط لأي إعمار، وأن جزءاً من الإنفاق الأمني، كمقر اللجنة الوطنية وتدريب الشرطة، يخدم بنية الحكم الفلسطينية لا الإخضاع.
وتؤيد المعطيات الفرضية في شقها المتعلق بأولوية الأمن، لكنها لا تحسم شقها المتعلق بتراجع الإنتاج لغياب بيانات الصرف الفعلي.
ويأتي الإعلان، بحسب أسوشييتد برس، في وقت تتعثر فيه خطة وقف إطلاق النار نفسها.
البعد المكاني
أوضح مؤشرات ارتباط الإعمار بخطوط السيطرة هو ما يجري شرق «الخط الأصفر». فإسرائيل تسيطر على نحو 53% من القطاع بحسب رويترز.
وذكر دبلوماسيان عربيان لــ”تايمز أوف إسرائيل” في نوفمبر 2025 أن مقترحاً أمريكياً عُرض على مانحين خليجيين يتصور نحو ست مناطق سكنية في الشطر الخاضع للسيطرة الإسرائيلية قد تستوعب حتى مليون فلسطيني، وقوبل ببرود من بعضهم.
وفي أغسطس 2026 أفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي بأن نتنياهو وكاتس أجازا أعمال بنية تحتية في «رفح الخضراء» داخل المنطقة الخاضعة للجيش، بعمال من غزة يخضعون لفحص من الشاباك، فيما وصف مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية المشروع بأنه إسكان مؤقت بدعم إماراتي «خالٍ من حكم حماس».
والبعد المكاني ليس إسرائيلياً وإماراتياً فحسب، بل يرد في تخطيط مجلس السلام نفسه: فهو يعدّ «منطقة إنسانية تجريبية» في محيط رفح تحل فيها قوة الاستقرار محل القوات الإسرائيلية المنسحبة، وقد أقرّ المجلس الوزاري الإسرائيلي في يوليو 2026 نشراً أولياً بنحو 200 جندي، ورأت صحيفة يديعوت أحرونوت، بحسب ما نقله معهد FDD، أن القرار يمنح المجلس وضعاً خاصاً ويتيح “برنامجاً تجريبياً للخدمات والمأوى في مناطق لا تسيطر عليها حماس”.
وهذا يجعل الإعمار الأول مرتبطاً بمناطق بعينها لا بمجمل القطاع.
وتحدثت رويترز عن خريطة تخطيطية لمجمع إماراتي قرب رفح، ونقلت عن دبلوماسيين أن مسؤولين أمريكيين رأوا في الإسكان بالمناطق الخاضعة للجيش الإسرائيلي وسيلة تحفّز السكان على مغادرة مناطق السيطرة الفلسطينية، وأن أربعة دبلوماسيين شككوا في أن ينتقل الفلسطينيون بأعداد كبيرة، وتساءلوا إن كانت المقترحات تهدد بتقسيم دائم لغزة.
وذكرت رويترز في 25 فبراير أن شركة غزية تعاقدت على بنائه بتمويل إماراتي، وأن الإمارات تنسّق مع واشنطن ومجلس السلام واللجنة الوطنية، وأن الخطة لم تُدرج في عروض مؤتمر الإعمار.
وأفادت وثائق مسرّبة نشرها موقع «دروب سايت» بأن «مجتمعاً مخططاً» لنحو 25 ألف شخص سيضم نقاط تفتيش ومراقبة بيومترية، فيما حللت صور الأقمار الصناعية، بحسب «فورنسيك آركيتكتشر»، تجهيز أرض في رفح بنمط لا يُرى في غيرها شرق الخط.
وتكشف هذه المعطيات عدم تماثل لافت: فبينما تعلن القيادة الإسرائيلية أن لا إعمار قبل نزع السلاح، يُجاز العمل في مناطق بعينها خارج سلطة الفاعل الفلسطيني، وهذا يعزز القراءة القائلة إن الشرط في التطبيق مكاني بقدر ما هو أمني.
الآثار الاجتماعية والاقتصادية: فرضيات تحتاج اختباراً
تتداول الأدبيات والتقارير الفلسطينية ثلاثة مخاوف، تعرضها الورقة بوصفها فرضيات لا وقائع مثبتة:
أولها تفتيت الروابط الجماعية حين يرتبط الحصول على المأوى أو العمل أو المنح بفحص فردي وامتثال.
وثانيها نشوء شريحة وسيطة من المقاولين ومديري المنظمات تتصل مصالحها باستمرار النموذج، على نحو ما رُصد في تجارب ما بعد أوسلو.
وثالثها إضعاف المجتمع المدني حين تتحول منظماته إلى منفّذ لمشاريع فرعية بسبب شروط التسجيل والامتثال.
ولاختبارها تقترح الورقة جمع بيانات عن توزيع العقود بحسب نوع الجهة المنفذة، وعن نسبة الأموال المصروفة عبر مؤسسات فلسطينية، وعن مدة تسجيل المنظمات المحلية وكلفة امتثالها.
المحور الخامس: الخيارات والتوصيات
معضلة القبول والرفض
يواجه الفاعل الفلسطيني معضلة حقيقية: فرفض التمويل المشروط كلياً يحرم مئات الآلاف من المأوى والماء والرعاية في بيئة تبلغ فيها البطالة نحو 80% ويعيش معظم السكان في خيام ومآوٍ مؤقتة، وقبوله بلا قيد يكرّس الاعتمادية.
لذلك لا تدعو الورقة إلى المقاطعة العامة، بل إلى «قبول مقيَّد»: قبول التمويل الإنساني والخدمي دون شروط سياسية، والتفاوض الجمعي على ما سواه ضمن حدود دنيا غير قابلة للمقايضة.
ولا تعوّل الورقة على التمويل الشعبي والتعاونيات بديلاً عن مليارات الإعمار، فاحتياجات العقد المقدّرة بـ71.4 مليار دولار تفوق قدرتها بما لا يُقاس.
ودورها المعقول توسيع هوامش القرار المحلي في قطاعات محدودة: إعادة تدوير الركام، والطاقة الشمسية اللامركزية، والزراعة الحضرية، والمشتريات المحلية.
الخـــلاصــــة
تخلص الورقة إلى أن التمويل الدولي لغزة في 2025–2026 لا يعمل بوصفه تدفقاً تقنياً محايداً، بل بوصفه منظومة شروط أمنية ومؤسسية وإجرائية ومكانية تتحكم في وتيرة الإعمار واتجاهه.
وأقوى الأدلة على ذلك ليس تسريباً، بل وثيقة رسمية تربط الإعمار الكامل بنزع السلاح، وتدعم المعطيات فرضية الورقة جزئياً: فجوة واسعة بين التعهد والصرف تكررت في 2009 و2014، وصندوق رسمي فارغ في مايو، وتخصيص نحو ثلث الخطة الأولى للأمن، وارتباط للإعمار المبكر بمناطق السيطرة الإسرائيلية، وقيود موثقة على مواد المأوى.
لكنها لا تثبت قصدية الإخضاع، ولا تحسم نمط الإنفاق الإنتاجي لغياب بيانات الصرف الفعلي.
وعليه فالمطلوب ليس رفض التمويل ولا قبوله كما هو، بل انتزاع قاعدتين: ألا تُربط الخدمات الأساسية بشروط سياسية، وأن يمتلك الفاعل الفلسطيني قرار التخصيص والرقابة.
ويبقى الاختبار الحاسم في الأشهر المقبلة: هل تُصرف التعهدات؟ وهل تدخل اللجنة الوطنية إلى مجمل القطاع؟ وما حصة الإنتاج من الإنفاق؟ فإجابات هذه الأسئلة تحدد ما إذا كانت غزة تتجه إلى تعافٍ فعلي أم إلى إدارة دائمة للأزمة.
التــوصيــات
- اعتماد «مصفوفة الشرطية» أداة رصد تصنّف كل اتفاق وآلية، ونشر تقرير دوري بحصة الإغاثة والإنتاج والقنوات الفلسطينية من الصرف الفعلي.
- تبنّي مبادئ تفاوض دنيا: لا تجزئة جغرافية للإعمار، ولا ربط للخدمات الأساسية بشروط سياسية، ولا نقل سكان، وملكية فلسطينية لقرار التخصيص.
- فصل التعافي المبكر (الماء والكهرباء والصحة والتعليم وإزالة الركام) عن مسار الشروط السياسية والميدانية عبر مبدأ «الخدمات الأساسية غير مشروطة».
- تنويع القنوات عبر آليات الأمم المتحدة والبنك الدولي المتعددة المانحين بدل الاعتماد على قناة واحدة.
- الدفع نحو «قائمة بيضاء» متفق عليها لمواد المأوى ومعدات إزالة الركام والألغام، مع تتبع الاستخدام النهائي بدل المنع الشامل.
- ربط أي ترتيب مالي بالإفراج عن أموال المقاصة المحتجزة.
- نشر المانحين تقارير صرف شهرية تقارن التعهد بالصرف عبر GRAD والبنك الدولي.
- توسيع هوامش الإنتاج المحلي: ركام، طاقة شمسية، زراعة، مشتريات محلية.
©المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أكتوبر 2026 — جميع الحقوق محفوظة



