ثلاث سنوات على «طوفان الأقصى» وعام على وقف إطلاق النار.. قراءة في الموازين والمآلات والسيناريوهات

تقدير موقف استراتيجي-أ.ابراهيم الحواجري|خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
بعد ثلاث سنوات على 7 أكتوبر 2023 وعام على وقف إطلاق النار في غزة (10 أكتوبر 2025)، تخلص الورقة إلى أن القضية الفلسطينية استعادت حضورها السياسي والقانوني وفي الرأي العام العالمي، لكنها لم تكتسب سيادة موازية على القرار.
فالجيش الإسرائيلي يسيطر على نحو ثلثي القطاع، ومسار «مجلس السلام» عالق عند معادلة السلاح مقابل الانسحاب، والضفة تنزلق نحو ضم زاحف، وحرب إيران 2026 أعادت ترتيب أولويات الإقليم.
وتحويل المكاسب إلى نتائج يتطلب تمثيلاً فلسطينياً متجدد الشرعية، وموقفاً تفاوضياً قابلاً للتحقق، واستثماراً منهجياً للأدوات القانونية والدبلوماسية.

مقدمة

أنهت عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023 وما تلاها من حرب، افتراضاً ساد عقدين: أن القضية الفلسطينية يمكن إدارتها بالتسهيلات الاقتصادية والتنسيق الأمني دون أفق سياسي، وأن الإقليم يمكن إعادة تركيبه دون المرور بها.

 وبعد ثلاث سنوات، ومع مرور عام على وقف إطلاق النار الذي بدأ في 10 أكتوبر 2025 ضمن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذات النقاط العشرين، تتيح اللحظة حساباً أميناً: ما الذي تغيّر فعلاً، وبأي كلفة، وما الذي بقي معلقاً؟

تقترح الورقة قراءة مركزية: لقد نقل الحدث القضية إلى موقع أعلى في الوعي الدولي وفي القانون الدولي وفي حسابات خصومها وحلفائها، لكنه لم ينقل بالقدر نفسه قدرة الفلسطينيين على التحكم بمسار النتائج على الأرض.

 وهذه الفجوة بين «الحضور» و«القرار» هي مفتاح قراءة المرحلة وتحديد أولويات التحرك.

المحور الأول: الحصيلة بعد ثلاث سنوات — ما تقوله الأرقام الموثقة

تصدر حصيلة الضحايا عن وزارة الصحة في غزة، فيما تصدر مؤشرات الدمار والاحتياجات عن تقييم الأضرار والاحتياجات السريع المشترك بين الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والبنك الدولي (أبريل 2026). ويجمع الجدول التالي أبرز المؤشرات بمصادرها.

جدول (1): مؤشرات الحصيلة الإنسانية والعمرانية (حتى 8 أكتوبر 2026)

المؤشرالقيمة والمصدر
الشهداء في قطاع غزة منذ أكتوبر 202373,922، بينهم نحو 21 ألف طفل، و174,995 جريحاً (وزارة الصحة في غزة، نقلاً عن «بلان إنترناشونال»، 7 أكتوبر 2026)
الشهداء منذ بدء وقف إطلاق النارما لا يقل عن 1,400 بحسب وزارة الصحة في غزة، وتقول الحكومة الإسرائيلية إن ضرباتها تستهدف عناصر من المقاومة، وأعلن جيشها مقتل خمسة من جنوده في القطاع منذ الاتفاق
الوحدات السكنية المدمرة أو المتضررة371,888 وحدة (تقييم الأضرار والاحتياجات، أبريل 2026)
المنظومة الصحيةأكثر من 50% من المستشفيات خارج الخدمة
الاقتصادانكماش بنسبة 84%؛ أضرار مادية بقيمة 35.2 مليار دولار، وخسائر اقتصادية واجتماعية بقيمة 22.7 مليار
احتياجات التعافي وإعادة الإعمار71.4 مليار دولار على عقد، منها 26.3 مليار في أول 18 شهراً
الأمن الغذائي والمساعداتأكثر من 1.2 مليون شخص في انعدام حاد للأمن الغذائي بحسب التصنيف المرحلي المتكامل (IPC). وبلغ متوسط الشاحنات الداخلة 227 يومياً من وقف النار حتى نهاية مايو، مقابل 600 نصّت عليها الخطة، بينما تقول الحكومة الإسرائيلة إن نحو 600 شاحنة تدخل يومياً
الضفة الغربيةما لا يقل عن 1,136 فلسطينياً، بينهم 250 طفلاً على الأقل، بين 7 أكتوبر 2023 ومنتصف سبتمبر 2026 بحسب بيانات أممية

وتستوقف في هذه الأرقام ثلاث دلالات:

 الأولى أن وقف النار خفّض وتيرة القتل ولم يوقفه: فمنذ الاتفاق قتلت القوات الإسرائيلية ما لا يقل عن 1,400 فلسطيني بحسب الوزارة، أي بمتوسط يتجاوز 115 شهيداً كل شهر (حساب الورقة)، وهو معدل أدنى بكثير من زمن الحرب لكنه ينفي وصف الهدوء.

والثانية أن فجوة التمويل هائلة، فخطة «مجلس السلام» لإعادة الإعمار التي أُعلنت في سبتمبر بقيمة 2.45 مليار دولار تعادل نحو 3.4% من احتياجات العقد، ونحو 9.3% من احتياجات الأشهر الثمانية عشر الأولى.

والثالثة أن شروط التعافي ليست مالية فقط، فالتقييم الأممي الأوروبي يشترط حرية حركة الأفراد والبضائع ومواد البناء، وإزالة الركام والذخائر غير المنفجرة، وحماية حقوق السكن والملكية، ويؤكد أن التعافي يجب أن يسير بالتوازي مع العمل الإنساني وأن يكون فلسطيني القيادة وفق قرار مجلس الأمن 2803 (2025).

المحور الثاني: وقف إطلاق النار بعد عام — ما نُفّذ وما تعثّر

أنجز الاتفاق مرحلته الأولى سريعاً: أفرجت حماس عن 20 أسيراً إسرائيلياً حياً، وأفرجت الحكومة الإسرائيلية عن 1,968 أسيراً فلسطينياً، بينهم 250 محكوماً بالمؤبد و1,718 معتقلاً من غزة18، أما المراحل اللاحقة فتعثرت عند قضايا السيادة والأمن، كما يبيّن الجدول.

جدول (2): مؤشرات تنفيذ وقف إطلاق النار وخطة ترامب (أكتوبر 2026)

البندما نصّت عليه الخطةالوضع الراهن
وقف العملياتتعليق العمليات العسكريةلا عودة إلى حرب واسعة، لكن الضربات الإسرائيلية متواصلة، ووثّق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة 2,073 خرقاً بين أكتوبر 2025 ومارس 2026
الانسحابانسحاب إلى «الخط الأصفر» الذي أبقى 53% من القطاع تحت السيطرة الإسرائيلية، ثم انسحاب تدريجيوسّع الجيش سيطرته الفعلية إلى نحو ثلثي القطاع، وتنشط ميليشيات عميلة للاحتلال انطلاقاً من المنطقة الخاضعة له
المعابر والإغاثةزيادة المساعدات وفتح المعابرأُعيد فتح معبر رفح في 2 فبراير 2026، لكن أقل من 400 مريض غادروا عبره حتى أبريل، والمساعدات دون الحد المنصوص عليه، وتقول منظمات إغاثية إن مواد أساسية كأعمدة الخيام وزيوت المحركات وقطع الغيار ممنوعة
الحكم والإدارةهيئة فلسطينية تكنوقراطية بإشراف «مجلس السلام»عُيّنت «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» برئاسة علي شعث في يناير 2026 ولم تدخل القطاع بعد. وأُعلن ميثاق مجلس السلام في دافوس (22 يناير 2026) وعُقد اجتماعه الافتتاحي في واشنطن (19 فبراير)
السلاحنزع سلاح الفصائلأعلن ترامب قبول حماس والفصائل خارطة طريق من 15 نقطة. وقالت حماس إنها ستسلّم سلاحها ليُخزَّن تحت إشراف حكومة التكنوقراط رافضة مصطلح «نزع السلاح»، بينما رفضت الحكومة الإسرائيلية الخطة واشترطت نزعاً كاملاً قبل أي انسحاب
القوة الدوليةقوة استقرار مؤقتة تتسلم الأرض تدريجياًعُيّن قائد أمريكي (الميجر جنرال جاسبر جيفرز)، والتزمت إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وألبانيا وكوسوفو وأوغندا بقوات. والخطة المعلنة 20 ألف جندي وتدريب 12 ألف شرطي فلسطيني، لكن القوة لم تُشكَّل بعد
إعادة الإعمارإعادة تطوير القطاع لصالح سكانهخطة بقيمة 2.45 مليار دولار أُعلنت في سبتمبر مقابل احتياجات تبلغ 71.4 مليار

يكشف الجدول نمطاً واضحاً: ثبّت الاتفاق وقف الحرب الواسعة، لكنه ثبّت معه واقع سيطرة وتقسيم، لا واقع تسوية، فالمرحلة الأولى كانت مقايضة آنية قابلة للتنفيذ (أسرى مقابل أسرى ووقف نار)، أما ما بعدها فيتطلب قرارات سيادية متزامنة في السلاح والانسحاب والحكم، وليس لدى أي من الطرفين استعداد لها بالتزامن.

وتتمحور العقدة الحاكمة حول التتابع، فالحكومة الإسرائيلية تطلب نزع السلاح أولاً، وحماس والغالبية الفلسطينية تطلبان انسحاباً وإعماراً أولاً؛ إذ يعارض 72% من الفلسطينيين نزع سلاح حماس قبل انسحاب إسرائيلي كامل بحسب استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية (أغسطس 2026).

وتدخل المسألة في حسابات الانتخابات الإسرائيلية أيضاً؛ فقد قال وزير الجيش الإسرائيلي إسرائيل كاتس في سبتمبر إنه لا حل حقيقياً لغزة دون «الهجرة».

 وينفي مسؤولون إسرائيليون وجود خطط لتهجير السكان بالقوة، فيما تراجع ترامب عن فكرة التهجير أمام معارضة عربية ودولية قوية، وهو ما يعكس أن الرفض الجماعي أفلح في منع تحول الفكرة إلى سياسة أمريكية رسمية، لا في إغلاق الباب أمام من يطرحونها داخل الكيان الإسرائيلي.

المحور الثالث: الإقليم — من «وحدة الساحات» إلى حرب إيران

تغيّر المشهد الإقليمي منذ 2025 تغيراً يتجاوز الأطر التي سادت في الذكرى الأولى والثانية، ففي 28 فبراير 2026 شن الجيش الإسرائيلي والولايات المتحدة هجوماً جوياً على إيران اُستشهد فيه المرشد علي خامنئي؛ وردّت إيران بضرب قواعد أمريكية والكيان الإسرائيلي ومواقع في دول مجاورة وأغلقت مضيق هرمز.

 وتوقفت الهجمات في 8 أبريل بهدنة لأسبوعين أعلنتها باكستان، لكن محادثات إسلام آباد (12–13 أبريل) فشلت وفرضت واشنطن حصاراً بحرياً؛ ثم وقّع الطرفان في 17 يونيو مذكرة تفاهم من 14 نقطة، قبل أن ينهار وقف النار في 8 يوليو إثر هجمات إيرانية على سفن تجارية في هرمز.

وفي أكتوبر 2026 دخلت الحرب شهرها الثامن: لا يزال هرمز مغلقاً في معظمه منذ أكثر من سبعة أشهر، ورفض ترامب عرضاً إيرانياً بإعادة فتحه تدريجياً، وقال نائبه جي دي فانس إن على طهران خفض قدرتها على التخصيب خفضاً جوهرياً لإنهاء الحرب.

وفي لبنان دخل حزب الله الحرب في 2 مارس، فردّ الكيان الإسرائيلي بقصف مكثف وغزو بري لجنوب لبنان، وهي تحتل أجزاء منه.

 وتوصلت الحكومة الإسرائيلية ولبنان إلى وقف نار في 16 أبريل مع بدء أول مفاوضات مباشرة بينهما منذ عقود، ورفض حزب الله اتفاقاً أولياً في 4 يونيو، ثم أُعلنت هدنة منفصلة في 19 يونيو بوساطة أمريكية وقطرية وإيرانية وُصفت بالهشة، وبلغت حصيلة الضحايا اللبنانيين في حرب 2026 نحو 3,980 شهيداً .

وفي اليمن أعلن الحوثيون في يوليو حصاراً بحرياً على السعودية، وسيطروا في 11–13 سبتمبر على كامل الساحل اليمني للبحر الأحمر، بما فيه ميناء المخا وجزيرة ميون، ليشرفوا فعلياً على باب المندب.

وسجلت مصر 4.67 مليار دولار من إيرادات قناة السويس في العام المالي 2025/2026 مقابل 8.8 مليار في 2022/2023، وقدّر وزير خارجيتها الخسائر بنحو 11 مليار دولار.

وعلى مسار التطبيع، حافظت السعودية على شرطها: لا تطبيع دون مسار «لا رجعة فيه» نحو دولة فلسطينية، رغم ضغوط ترامب المتجددة وربطه في يوليو اتفاقاً نووياً مع الرياض بانضمامها إلى اتفاقيات إبراهام.

جدول (3): الساحات الإقليمية ودلالتها بالنسبة للقضية

الساحةأبرز المستجدات (2026)الدلالة للقضية الفلسطينية
إيرانحرب منذ 28 فبراير، واستشهاد المرشد، وإغلاق هرمز، ومفاوضات متعثرةارتبطت ترتيبات غزة بمسار أمريكي–إيراني أوسع، فتراجع وزن غزة في أولويات الوساطة
لبناندخول حزب الله الحرب، واحتلال إسرائيلي لأجزاء من الجنوب، وهدنة هشةانتقل حزب الله من الإسناد إلى معركة فرض الانسحاب عن أرضه
اليمن والبحر الأحمرسيطرة الحوثيين على باب المندب، وحصار بحري على السعوديةورقة ضغط بحرية كبيرة لكنها غير مرتبطة بمطلب فلسطيني محدد، وكلفتها على مصر والسعودية عالية
السعودية والتطبيعتمسك بشرط المسار غير القابل للارتداد نحو الدولةبقي شرط الدولة ورقة عربية قائمة في مواجهة الضغط الأمريكي
مصر والأردنمعارضة التهجير وتراجع ترامب عن الفكرةأثبت الموقف العربي الجماعي قدرته على منع سياسة بعينها لا على فرض بديل

وتقتضي القراءة الدقيقة التمييز بين ما يُنسب إلى «وحدة الساحات» وما يُنسب إلى الحرب الأمريكية–الإيرانية، فالمحور تلقى ضربات استراتيجية قاسية (اغتيال قيادات لبنانية وإيرانية، وسقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، واحتلال أجزاء من جنوب لبنان)، وأظهر في الوقت نفسه قدرة تعطيل غير متكافئة عبر الممرات المائية.

المحور الخامس: الكيان الإسرائيلي — تفوق تكتيكي وإرهاق استراتيجي

الكلفة الاقتصادية

أنفق الكيان الإسرائيلي على حرب إيران وحدها نحو 35 مليار شيكل (11.5 مليار دولار) من الميزانية، منها 22 مليار للدفاع.

وقدّرت وزارة المالية خسارة الاقتصاد بنحو 9.4 مليار شيكل أسبوعياً في ظل قيود «الجبهة الداخلية» الحمراء في بداية الحرب، وخفّضت توقع النمو لعام 2026 من 5.2% إلى 4.7%13.

ونقلت تقارير عن محافظ “بنك إسرائيل” أن الإنفاق العام منذ أكتوبر 2023 تجاوز 352 مليار شيكل، وعن تقرير البنك السنوي أن الناتج أقل بنحو 8.6% من مساره قبل الحرب. وهذه كلفة ضاغطة وتراكمية لكنها لا تدل على انهيار؛ والأدق وصفها بضغط مالي متفاقم مع كل جولة قتال جديدة.

السياسة والانتخابات

تُجرى الانتخابات في 27 أكتوبر 2026، وهي الأولى منذ 7 أكتوبر، وتفيد استطلاعات متقاربة بأن لا معسكر يبلغ 61 مقعداً: فاستطلاع القناة 12 (22 سبتمبر) أعطى حزب «يشار» بزعامة غادي آيزنكوت 23 مقعداً مقابل 20 لليكود، و54 مقعداً للمعارضة مقابل 50 للائتلاف و12 للأحزاب العربية؛ بينما أعطى استطلاع «زمان يسرائيل» (2 أكتوبر) الحزبين 21 مقعداً لكل منهما وللائتلاف 53 مقعداً.

وقد تحول ملف المسؤولية عن 7 أكتوبر والفشل الأمني إلى قضية انتخابية مركزية، ويعني ذلك أن مسار غزة سيتأثر بنتيجة الانتخابات وبمدة تشكيل الحكومة، وقد تمتد إلى ديسمبر.

الميزان الأمني

حقق الكيان الإسرائيلي مكاسب عسكرية موثقة: اغتيال أمين عام حزب الله في 2024 والمس بقوة الحزب، ثم حرب 2026 واحتلال أجزاء من جنوب لبنان، واغتيال مرشد الثورة الغسلامية في إيران، والسيطرة على نحو ثلثي غزة.

 غير أن هذه المكاسب لم تتحول إلى حسم سياسي: فحماس ما تزال حاضرة، وحزب الله رفض اتفاق يونيو، وإيران لم تقدم تنازلات نووية، والحرب في شهرها الثامن.

والصورة إذن تفوق تكتيكي يقابله إرهاق استراتيجي واستنزاف قانوني ودبلوماسي، كما يوضح المحور التالي.

المحور السادس: الحضور الدولي — الاعتراف والقانون والرأي العام

الاعتراف بالدولة

شهد سبتمبر 2025 أوسع موجة اعتراف غربية: بريطانيا وكندا وأستراليا والبرتغال في 21 سبتمبر، ثم فرنسا وبلجيكا ولوكسمبورغ ومالطا وأندورا وموناكو في 22 سبتمبر؛ وكانت إسبانيا وإيرلندا والنرويج قد اعترفت في ربيع 2024.

وتتراوح الإحصاءات بين 151 و157 دولة من أصل 193 عضواً في الأمم المتحدة بحسب طريقة الحساب.

وقيّدت بلجيكا أثر اعترافها بشروط، ورفضت الحكومة الإسرائيلية الخطوة بوصفها “مكافأة لحماس”، وانتقد ترامب هذه الدعوات.

والاعتراف تصريحي بطبيعته: لا تتحول به أرض ولا تُنتزع سلطة، ولذلك تكمن قيمته في الأدوات التي يُبنى عليها.

المسار القانوني

يسير المسار القانوني على ثلاثة مستويات: رأي استشاري لمحكمة العدل الدولية (يوليو 2024) يقضي بعدم قانونية الاحتلال منذ 1967 ويدعو الدول إلى عدم الاعتراف بآثاره؛ وقضية الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب أفريقيا، وقد قدمت الحكومة الإسرائيلية مذكرتها المضادة في 12 مارس 2026 وتدخلت 22 دولة، وحُدد لجنوب أفريقيا موعد حتى نوفمبر 2027 للرد وللكيان الإسرائيلي حتى مايو 2029 لرده التالي؛ ومذكرتا اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير جيشه السابق منذ نوفمبر 2024.

 وتبقى التدابير المؤقتة التي أصدرتها محكمة العدل في 2024 سارية، وتقول منظمات حقوقية والأمم المتحدة إن الحكومة الإسرائيلية لم تلتزم بها كاملة.

 وخلاصة ذلك أن المسار القانوني يرفع كلفة السلوك الإسرائيلي ويؤسس لمساءلة طويلة الأمد، لكنه لا يغيّر في المدى المنظور ميزان القوة على الأرض.

الرأي العام

أظهر استطلاع غالوب (فبراير 2026) أن 41% من الأمريكيين يتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين، مقابل 33% قبل عام، للمرة الأولى منذ بدء القياس عام 2001 تقريباً.

وبلغ التعاطف مع الفلسطينيين 65% بين الديمقراطيين و53% بين الفئة العمرية 18–34 عاماً، وسجل التعاطف الجمهوري مع الكيان الإسرائيلي (70%) أدنى مستوى له منذ 2004.

 غير أن هذا التحول لم ينعكس بعد على السياسة الأمريكية: فواشنطن هي التي ترسم إطار غزة عبر «مجلس السلام»، وتلك هي الفجوة بين تحول الرأي العام وبقاء القرار.

المحور السابع: الميزان الاستراتيجي — هل عادت القضية إلى المركز؟

جدول (4): الميزان الاستراتيجي بحسب الأطراف (2023 – أكتوبر 2026)

الفلسطينيونعودة القضية إلى الواجهة السياسية والقانونية: اعتراف 151–157 دولة وزخم قضائي الإفراج عن 1,968 أسيراً تحول غير مسبوق في التعاطف الأمريكي73,922 شهيداً و174,995 جريحاً في غزة 371,888 وحدة سكنية مدمرة أو متضررة وانكماش 84% سيطرة إسرائيلية على ثلثي غزة وضم زاحف في الضفة أزمة تمثيل متفاقمةمكاسب رمزية وقانونية كبيرة وكلفة بشرية ومادية هائلة، دون قدرة بعد على فرض النتائج
الكيان الإسرائيليضرب حزب الله وقتل المرشد الإيراني واحتلال أجزاء من جنوب لبنان. استعادة الأسرى الأحياء وسيطرة على ثلثي غزةكلفة اقتصادية وفاتورة حرب متراكمة تراجع التعاطف الأمريكي ملاحقة قانونية دولية انقسام سياسي قبل الانتخاباتتفوق تكتيكي وإرهاق استراتيجي
الإقليم والنظام الدوليارتفاع كلفة تجاهل القضية: شرط سعودي للتطبيع، وموجة اعتراف غربيةاضطراب هرمز وباب المندب، وخسائر مصرية نحو 11 مليار دولار حرب إقليمية متعددة الجبهاتارتفاع كلفة التجاهل دون إنتاج ترتيبات ملزمة

هل أعاد الطوفان القضية الفلسطينية إلى مركز النظام الإقليمي والدولي؟ الجواب المركّب يتوزع على ثلاثة مستويات.

أولها المركزية الرمزية والقانونية والأخلاقية: نعم، وتدل عليها موجة الاعتراف وتحول الرأي العام والمسارات القضائية.

وثانيها المركزية التفاوضية والإجرائية: لا؛ فالقرارات المتعلقة بغزة (الحكم والأمن والإعمار) تُتخذ في إطار «مجلس السلام» الذي يرأسه ترامب، وتُحسم حدود الانسحاب بمنطق القوة لا بمنطق الاعتراف.

وثالثها المركزية الإقليمية: جزئية؛ فالقضية حاضرة بوصفها شرطاً سعودياً للتطبيع ومصدر ضغط شعبي، لكنها تُعالج ضمن حزمة أكبر تقودها واشنطن وتنافسها طهران.

ومن ثم يمكن القول إن الطوفان رفع كلفة تجاوز القضية، دون أن يمنح أصحابها حتى الآن سيادة على مسار الحل، وتحدد القدرة على سد هذه الفجوة جوهر الخيارات الفلسطينية في الأشهر المقبلة.

السيناريوهات المحتملة (أفق 6–9 أشهر)

يحكم المشهد متغيران رئيسان: مسار الحرب الأمريكية–الإيرانية (وقد حذّر ترامب من تصعيد بعد الانتخابات النصفية الأمريكية)، ونتيجة الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر وما يتبعها من مفاوضات ائتلافية، وتتجنب الورقة النسب المئوية المجردة لأن المدخلات غير مستقرة، وتقدّم بدلاً منها ترتيباً نوعياً مع مؤشرات إنذار قابلة للرصد.

جدول (5): مصفوفة السيناريوهات ومؤشرات الإنذار

السيناريوالوصف والمحركاتمؤشرات الإنذار المبكرالاحتمال
1. التجميد المُدار (الأرجح)استمرار وقف نار هش على امتداد الخط الأصفر مع ضربات متقطعة، وإعمار محدود، وبقاء اللجنة الوطنية وقوة الاستقرار خارج التنفيذ الكامل. المحركات: تعارض أولويات الأطراف وانشغال واشنطن بإيران.وتيرة الضربات الشهرية؛ غياب دخول اللجنة الوطنية إلى غزة؛ بقاء الشاحنات دون 600 يومياً؛ اتساع السيطرة الإسرائيلية خلف الخط الأصفر.مرتفع
2. تنفيذ تدريجي لخارطة «مجلس السلام»مقايضة تخزين السلاح تحت إشراف تكنوقراطي بجدول انسحاب، ودخول اللجنة الوطنية، ونشر قوة الاستقرار. المحركات: نتيجة الانتخابات الإسرائيلية، والضغط الأمريكي، وقبول حماس جدولاً قابلاً للتحقق.إعلان جدول انسحاب موثق؛ دخول أول وحدات القوة الدولية؛ تسليم دفعة أولى من السلاح؛ ارتفاع الشاحنات نحو 600.متوسط إلى منخفض
3. انهيار وقف النار والتصعيدعودة عمليات واسعة في غزة. المحركات: تصعيد أمريكي إسرائيلي ضد إيران، أو اغتيالات واسعة، أو خطوات ضم في الضفة، أو حسابات انتخابية.تجدد الحرب في هرمز أو لبنان؛ انسحاب إسرائيلي من آلية الوساطة؛ ارتفاع الخروق اليومية؛ إعلان قرارات ضم.متوسط (قد يرتفع بتجدد حرب إيران)
4. انفتاح سياسيحكومة إسرائيلية أكثر استعداداً للتفاوض، وانتخابات فلسطينية في 28 نوفمبر تجدد الشرعية، ودفعة عربية وأوروبية نحو مسار الدولة.نتيجة الانتخابات الإسرائيلية؛ إجراء الانتخابات الفلسطينية بمشاركة شاملة؛ مبادرة عربية موحدة بشرط المسار غير القابل للارتداد.منخفض

الخلاصة

بعد ثلاث سنوات، تقف القضية الفلسطينية في موقع تناقض: أعلى حضوراً سياسياً وقانونياً وأخلاقياً مما كانت عليه قبل 7 أكتوبر، وأقل قدرة على التحكم بالنتائج على الأرض.

وقد أثبتت الأحداث أن القوة العسكرية المفرطة وحرب الإبادة التي انتهجها الكيان الإسرائيلي لا تحسم الصراع، وأن تجاوز القضية يرفع كلفة الإقليم كله؛ لكنها أثبتت أيضاً أن الحضور وحده لا يصنع قراراً.

ويتوقف ما بعد ذلك على قدرة الفاعل الفلسطيني على تحويل الزخم إلى مشروع سياسي متماسك: تمثيل متجدد الشرعية عبر انتخابات تُجرى في موعدها، وموقف تفاوضي موحد يقدّم صيغاً قابلة للتحقق، واستثمار منهجي للأدوات القانونية والدبلوماسية، وإسناد عربي مشروط بإيصال فعلي للمساعدات ومسار واضح نحو الدولة، وفي غياب ذلك سيبقى وقف إطلاق النار هدنة تثبّت الواقع بدل أن تغيّره.

التوصيات الاستراتيجية

تنطلق التوصيات من تشخيص الفجوة بين الحضور والقرار، وتُصاغ بحيث ترتبط كل توصية بجهة وأفق زمني ومؤشر نجاح.

جدول (6): التوصيات وجهات التنفيذ ومؤشرات النجاح

التوصيةالجهة والأفقمؤشر النجاح
1. إبرام ميثاق وطني انتخابي: قواعد المشاركة، وبرنامج تفاوضي مشترك، ورقابة دولية، وتفويض موحد للتعامل مع مجلس السلام.حماس وفتح  والفصائل ومنظمة التحرير؛توقيع الوثيقة؛ قبول الرقابة؛ تسجيل قوائم شاملة
2. تقديم صيغة فلسطينية قابلة للتحقق لمقايضة السلاح بالانسحاب: تخزين متدرج تحت إشراف حكومة التكنوقراط مرتبط بجداول انسحاب موثقة وفتح المعابر وبدء الإعمار.حماس والفصائل بتنسيق مع اللجنة الوطنية والوسطاء؛ 3 أشهراتفاق جداول معلنة؛ انتشار أول وحدات القوة الدولية
3. إنشاء آلية وطنية موحدة لحماية التجمعات المهددة في الضفة وتوثيق الاستيطان والعنف بما يخدم الملاحقة القضائية.السلطة ومنظمة التحرير والمؤسسات الحقوقية؛ 6 أشهرقاعدة بيانات موحدة؛ ملفات قضائية مقدمة؛ تراجع التهجير
4. تفعيل المسارات القانونية: متابعة دعوى جنوب أفريقيا مع الدول المتدخلة (22 دولة)، وطلب تنفيذ التدابير المؤقتة والرأي الاستشاري، وتشجيع الولاية القضائية الوطنية.وزارة الخارجية ومنظمة التحرير بالتعاون مع الدول الداعمة؛ 12 شهراًمرافعات منتظمة؛ دعاوى وطنية جديدة؛ قرارات تنفيذية للدول
5. ربط التمويل بإيصال فعلي للمواد: آلية عربية–إسلامية للإيواء المؤقت وإزالة الركام وإدخال المواد المحتجزة (أعمدة الخيام وقطع الغيار)، والضغط لبلوغ 600 شاحنة يومياً.مصر وقطر والسعودية والإمارات وتركيا ومنظمة التعاون؛ 3–6 أشهرمتوسط الشاحنات اليومي؛ نسبة تمويل 26.3 مليار دولار
6. توحيد الموقف العربي حول شرط السعودية (مسار لا رجعة فيه ومحدد زمنياً نحو الدولة) مظلةً جماعية لأي تطبيع جديد.جامعة الدول العربية والرياض؛ مستمربيان عربي موحد؛ عدم انضمام أطراف جديدة دون ضمانات
7. تحويل الاعتراف إلى أدوات: ربط الاتفاقيات الاقتصادية بمنتجات المستوطنات، ودعم الانتخابات الفلسطينية ورقابتها، واعتماد عقوبات على عنف المستوطنين.الاتحاد الأوروبي والدول المعترفة؛ 6–12 شهراًقرارات تنفيذية؛ تمويل مراقبة الانتخابات

© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أكتوبر 2026 — جميع الحقوق محفوظة

شارك:

المزيد من المقالات