ما بعد «لا مكان للأونروا»: بين الإقصاء السياسي والاحتياج التشغيلي في ترتيبات «مجلس السلام» لغزة

أ.إبراهيم الحواجري |خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
تفحص الورقة العلاقة بين الإقصاء المعلن للأونروا من ترتيبات «مجلس السلام» والاعتماد الفعلي على قدراتها.
وتخلص إلى أن الموقف السياسي موثّق (منشور 1 يوليو 2026، ودعوة واشنطن إلى تحويل التمويل، وغياب الوكالة عن قائمة الشركاء)، لكنه يقترن باتصالات مؤكَّدة وبقدرات ميدانية لا بديل جاهزاً لها.
وقانونياً لا يملك المجلس إنهاء ولاية الأونروا الممتدة حتى 2029، لكنه قادر على تفريغها عملياً عبر التمويل والشراكات.
والمرجَّح «تعايش صامت» مع تفكيك وظيفي تدريجي، ما يوجب مقاربة فلسطينية وعربية قائمة على المشروطية والإصلاح لا الرفض المجرد.

أولاً: المقدمة

في الأول من يوليو/تموز 2026 كتب «مجلس السلام» على منصة X أنه «لا مكان للأونروا في غزة الجديدة»، معلناً طيّ صفحة ما وصفه بمجمّع الاعتماد الدائم على المساعدات.

 وفي 25 سبتمبر/أيلول كشفت وكالة «أسوشيتد برس» أن مسؤولين مرتبطين بالمجلس التقوا الوكالة مراراً، وأكد مسؤول في المجلس ذلك، وقال في الوقت نفسه إن «أيام الأونروا انتهت».

وبين هذين الموقفين تتحدد مسألة الورقة: هل نحن أمام قرار نهائي بإنهاء دور الوكالة، أم أمام أداة ضغط وإعادة تشكيل تمهّد لاستيعاب قدراتها تحت مسمى آخر؟

السؤال المركزي

إلى أي مدى يمثل إقصاء الأونروا من ترتيبات «مجلس السلام» مشروعاً لإعادة هندسة منظومة الخدمات في غزة، وما حدود قدرة المجلس القانونية والعملية على تنفيذه، وما تبعاته على قضية اللاجئين؟

وتتفرع عنه ثلاثة أسئلة:

  • ما الموثّق من مواقف المجلس وأفعاله تجاه الوكالة، وما الذي لا يزال ادعاءً أو استنتاجاً؟
  • ما الذي يستطيعه المجلس قانونياً وعملياً، وما الذي لا يستطيعه؟
  • كيف يمكن للفاعلين الفلسطينيين والعرب والأمميين الحدّ من أثر الإقصاء دون تعريض الخدمات للخطر؟

الإطار التحليلي

تستعين الورقة بمفهوم «التفريغ المؤسسي»، أي تعطيل وظائف مؤسسة قائمة دون إلغاء صفتها القانونية، عبر قطع الموارد وتغيير الشركاء ونقل الوظائف والكوادر إلى أطر بديلة، وهو نمط تناقشه أدبيات المنظمات الدولية بصيغ مختلفة حين يعجز طرف عن إلغاء مؤسسة ولا يرغب في بقائها.

وتفرّق بين ثلاثة مستويات: القانوني (من يملك الولاية)، والفعلي (من يملك الموارد والوصول)، والخطابي (كيف تُقدَّم الوكالة: عبئاً أم ضرورة).

ويتيح هذا التمييز تفسير المفارقة: فقد تتعايش استفادة فعلية من الوكالة مع إنكار خطابي لشرعيتها وبقاء قانوني محمي.

ثانياً: المسار الزمني

لم يأتِ الإقصاء من فراغ؛ فهو يقع عند تقاطع ضغط إسرائيلي ممتد، وإنشاء مجلس بتفويض من مجلس الأمن، وتجديد أممي لولاية الوكالة، ويبيّن الجدول (1) أبرز المحطات.

جدول (1): المسار الزمني لإقصاء الأونروا من ترتيبات غزة

التاريخالواقعةالدلالة
28 أكتوبر 2024إقرار الكنيست قانونين يمنعان نشاط الأونروا داخل الكيان الإسرائيلي ويسحبان امتيازاتها ويحظران الاتصال الرسمي بها، وبدء النفاذ نهاية يناير 20259خلفية إسرائيلية سابقة على المجلس
10 أكتوبر 2025بدء وقف إطلاق الناريفتح مسار الإعمار والحكم الانتقالي
22 أكتوبر 2025رأي محكمة العدل الدولية الاستشاري بشأن التزامات الكيان الإسرائيلي تجاه الأمم المتحدة، ومنها الأونرواأقوى مرجعية قانونية متاحة
17 نوفمبر 2025القرار 2803: ترحيب بالمجلس بوصفه إدارة انتقالية وتفويض حتى 31 ديسمبر 20278مصدر صفة المجلس القانونية
5 ديسمبر 2025الجمعية العامة تمدد ولاية الأونروا من 30 يونيو 2026 إلى 30 يونيو 2029، بتصويت 145 مقابل 10 وامتناع 18.حماية قانونية لوجود الوكالة
26 يناير 2026بحسب وصف أممي داخلي لاجتماع في القاهرة لم تحضره الوكالة، أبدى رئيس اللجنة الوطنية علي شعث نية البناء على عملها إلى حد كبيرمؤشر على واقعية تشغيلية داخل منظومة المجلس
31 مارس 2026آخر يوم عمل للمفوض العام فيليب لازاريني؛ وكريستيان ساوندرز قائم بأعمال رئاسة الوكالةتغير القيادة
30 يونيو 2026المندوب الأميركي جيف بارتوس يدعو في مؤتمر التعهدات إلى وقف تمويل الأونروا وتوجيهه إلى المجلسربط الإقصاء بالتمويل
1 يوليو 2026منشور المجلس «لا مكان للأونروا في غزة الجديدة»، واحتجاج وزارة الخارجية الفلسطينيةالإعلان السياسي
23 سبتمبر 2026خطة الـ66 مشروعاً (2.45 مليار دولار) وإحاطة للجمعية العامة سمّت وكالات أممية شريكة دون الأونرواالإقصاء المؤسسي
24–25 سبتمبر 2026اجتماع وزاري بحضور أكثر من 50 دولة حول الوكالة، ثم تقرير «أسوشيتد برس» عن الاجتماعات غير المعلنةتعبئة دولية وكشف للمفارقة

المصدر: إعداد الباحث

ثالثاً: الموقف المعلن: ثلاث طبقات من الدليل

يمكن توثيق الموقف المعلن على ثلاثة مستويات تتصاعد من الخطاب إلى الفعل:

 الأول خطابي: منشور 1 يوليو.

 والثاني مالي: ففي مؤتمر التعهدات السنوي للأونروا في 30 يونيو، خيّر السفير الأميركي جيف بارتوس الدول بين تمويل الوكالة، ووصفه بأنه تمويل للتحريض والإرهاب والجمود، وتمويل «مجلس السلام» الذي قال إنه يمنح الغزيين طريقاً إلى السلام والازدهار.

والثالث مؤسسي: ففي إحاطة المجلس للجمعية العامة في 23 سبتمبر سمّى المسؤولون وكالات أممية شريكة ولم يسمّوا الأونروا.

وتُظهر هذه الطبقات أن الأمر يتجاوز تصريحاً عابراً إلى توجيه للموارد وانتقاء للشركاء، وهذا أقوى ما هو موثّق من دلائل على النية،أما ما نُسب إلى المجلس بعد 23 سبتمبر فيستند إلى تصريح مسؤول لم يُكشف اسمه لا إلى بيان رسمي.

ولا يمكن فصل هذا الموقف عن الخلفية الإسرائيلية: فقد سبق الكيان الإسرائيلي المجلس بتشريعات 2024، وقال سفيرها لدى الأمم المتحدة داني دانون إن “إسرائيل” حذّرت لسنوات من اختراق حماس للوكالة.

 وتبقى الكلمة الميدانية الفاصلة للحكومة الإسرائيلية، التي تمنع حتى الآن دخول اللجنة الفلسطينية التي اختارها المجلس لإدارة القطاع.

رابعاً: الإطار القانوني: ما يملكه المجلس وما لا يملكه

ولاية الأونروا

أنشأت الجمعية العامة الأونروا بقرارها 302 (د-4) لعام 1949 جهازاً فرعياً لها، وهي التي تحدد ولايتها وتجددها.

وفي 5 ديسمبر 2025 جددت الجمعية العامة الولاية ثلاث سنوات حتى 30 يونيو 2029، «دون المساس بالفقرة 11 من القرار 194».

 وجاء التصويت المسجَّل بتأييد 145 دولة ومعارضة 10 وامتناع 18، وكانت الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي بين المعارضين العشرة، وأكد القرار دعم الجمعية الكامل لولاية الوكالة وأدان مقتل أكثر من 300 من موظفيها وإصابتهم.

صفة المجلس

مصدر صفة «مجلس السلام» هو القرار 2803 الصادر عن مجلس الأمن في 17 نوفمبر 2025 بأصوات 13 دولة وامتناع الصين وروسيا.

وقد رحّب القرار بالمجلس بوصفه إدارة انتقالية تنسّق التمويل وإعادة التطوير إلى أن تستكمل السلطة الفلسطينية برنامج إصلاحها، وأجاز عمل المجلس والوجود الدولي المدني والأمني حتى 31 ديسمبر 2027، وطلب من المجلس تقريراً خطياً كل ستة أشهر إلى مجلس الأمن.

 وترى قراءات قانونية أن القرار منحه «شخصية قانونية دولية» دون تعريفها، ولم نجد في مقاطع النص الرسمي التي تمت مراجعتها، ولا في القراءات المنشورة، ما يخوّله إنهاء ولاية أجهزة الجمعية العامة.

 بل شدّد القرار على أهمية استئناف المساعدات الكاملة بالتعاون مع المجلس عبر منظمات متعاونة تشمل الأمم المتحدة والصليب الأحمر والهلال الأحمر، وأبدى ممثل الصومال قلقاً من محدودية وضوح دور الأمم المتحدة فيه.

 وفي ذلك، في تقديرنا، مدخل لحجة مهمة: الإطار الذي منح المجلس صفته يفترض شراكة مع الأمم المتحدة لا إقصاءها، والمجلس نفسه يسمّي وكالات أممية شريكة، فالإقصاء إذن انتقائي يستهدف الجهاز الأممي المختص باللاجئين الفلسطينيين تحديداً.

وبذلك فإن الحجة القائلة إن المجلس «بلا ولاية قانونية» غير دقيقة؛ فالأدق أنه يملك صفة انتقالية معتبرة، لكنها لا تمتد إلى تعديل تفويض الأونروا.

الرأي الاستشاري لمحكمة العدل

في 22 أكتوبر 2025 أصدرت محكمة العدل الدولية رأياً استشارياً بطلب من الجمعية العامة، خلصت فيه إلى أن الكيان الإسرائيلي ما زال قوة احتلال ملزم بقواعد القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، وأن عليه التعاون بحسن نية مع الأمم المتحدة وتقديم كل مساعدة لأعمالها، ومنها أعمال الأونروا، واحترام امتيازات المنظمة وحصاناتها بموجب المادة 105 من الميثاق واتفاقية 1946.

 والرأي استشاري غير ملزم، لكنه تفسير مرجعي للقانون الواجب التطبيق، وتفيد «أسوشيتد برس» بأن المحكمة ترى أن مزاعم اختراق حماس للوكالة لم تثبت.

 وتعمل النرويج، صاحبة المبادرة الرئيسية، على مشروع قرار في الجمعية العامة لتنفيذ ما ورد فيه،غير أن الرأي يخاطب التزامات الكيان الإسرائيلي لا المجلس، وقيمته في تقديرنا أنه يمنح الدول المانحة مرجعاً قانونياً يرفع كلفة التعاون مع القيود المفروضة على الوكالة.

جدول (2): حدود قدرة «مجلس السلام» تجاه الأونروا

الصلاحيةهل يملكها؟الأساس والملاحظة
إنهاء ولاية الأونروا أو تعديلهالاالولاية بيد الجمعية العامة وقد جُددت حتى 2029؛ ولم نجد في القرار 2803 ما يمنح المجلس هذه السلطة
تحديد الشركاء المعتمدين في خططهنعمسمّى مسؤولو المجلس وكالات أممية شريكة دون الأونروا في إحاطة 23 سبتمبر
التأثير في توجيه التمويلسياسياً فقطدعوة بارتوس إلى تحويل التمويل للمجلس4؛ لكن قرار التمويل يبقى للدول المانحة
اشتراط فحص الموظفينجزئياًقال مسؤول في المجلس إن الموظفين سيبقون إن اجتازوا الفحص؛ ولا يُعرف من يجريه ولا بأي صفة
التحكم في الدخول والتنسيق الميدانيلا مباشرةالقيود الإسرائيلية هي التي أضعفت دور الوكالة في تنسيق دخول المساعدات
سحب مرافق الوكالة أو حصاناتهالامخالف لحصانات الأمم المتحدة كما أكد الرأي الاستشاري

المصدر: إعداد الباحث ؛ والاستنتاج بشأن القرار 2803 مبني على المقاطع المنشورة من نصه الرسمي (انظر الملحق).

الخلاصة القانونية: لا يملك المجلس إلغاء الأونروا، لكنه يملك التأثير في تفريغها عبر التمويل وانتقاء الشراكات وشروط الفحص، فالمعركة القانونية البحتة مرجّحة نظرياً لصالح الوكالة، أما المعركة العملية فمفتوحة.

خامساً: الاحتياج التشغيلي: ما الذي يصعب استبداله؟

تُظهر البيانات أن دور الأونروا في تنسيق دخول المساعدات وتوزيعها تراجع بفعل القيود الإسرائيلية، لكن برامجها الأساسية استمرت، وما زالت تملك قوة عاملة في غزة أكبر من أي وكالة أممية أو منظمة غير حكومية أخرى،  ويلخص الجدول (3) أبرز ما تقدمه الوكالة اليوم وما أعلنه المجلس من بدائل.

جدول (3): ما تقدمه الأونروا في غزة اليوم وما أُعلن من بدائل

المجالما تقدمه الأونروا (بيانات الوكالة)البديل المعلنالفجوة (تقدير الباحث)
الصحةنحو 14 ألف موعد طبي يومياً، وتدعم، بحسب رئيسها السابق، نحو نصف النظام الصحي العاملم يُعلن بديل تفصيليأي انقطاع يصيب نصف المنظومة ولا جهة معلنة بقدرة مماثلة
المياه والصرفتشغيل أنظمة للمياه والنفايات تخدم أكثر من مليون فلسطينيلم يُعلن بديل تفصيليخدمة أساسية يصعب نقلها دون طواقم ومعدات وتمويل
التعليمبرامج للثقافة الرقمية والرياضيات لأكثر من 280 ألف طفل، ومساحات تعلم مؤقتة لـ60 ألفاً آخرينلم يُعلن بديل تفصيليخطر فقدان الاستمرارية التعليمية في ظل غياب المدارس النظامية
القوى العاملةنحو 11 ألف موظف فلسطينيقال مسؤول المجلس إن الموظفين قد يبقون بعد الفحصالأصل الأثمن وموضع الصراع الفعلي
الإغاثة والتنسيقدورها التنسيقي في دخول المساعدات وتوزيعها تراجع بفعل القيود الإسرائيليةوكالات أممية أخرى سمّاها المجلس شريكةالاستبدال قائم فعلاً هنا، وهو الجزء الأقل تأثيراً في الاستمرارية

المصدر: بيانات الوكالة كما أوردتها «أسوشيتد برس»؛ عمود الفجوة تقدير الباحث، ولا ينفي غياب البديل المعلن احتمال وجود ترتيبات غير معلنة.

سادساً: خطة الـ66 مشروعاً: ما تقوله وما لا تقوله

في 23 سبتمبر 2026 عرض المجلس على هامش الجمعية العامة خطة مدتها ستة أشهر بقيمة 2.45 مليار دولار تضم 66 مشروعاً في البنية التحتية والتعليم والصحة والمأوى والأمن الغذائي.

وينبغي قراءتها بدقة: فهي، بحسب «أسوشيتد برس»، موجّهة أساساً إلى المانحين المحتملين، وقد أقرّ المجلس بأن كلفة الإعمار الكاملة تبلغ نحو 35.2 مليار دولار على المدى المتوسط، فيما لم يبدأ الإعمار بعد ولم تدخل القوة الدولية ولا الحكومة الجديدة القطاع، وبحساب الباحث تمثل الخطة نحو 7% من الكلفة المتوسطة المقدّرة.

شكل (1): حجم خطة الستة أشهر قياساً إلى كلفة الإعمار المتوسطة المقدّرة

المصدر: أسوشيتد برس؛ والنسبة بحساب الباحث.

ويترتب على ذلك ثلاث نتائج تحليلية:

 الأولى أن غياب الأونروا عن خطة صغيرة وأولية لا يساوي إقصاءها من مرحلة الإعمار المقبلة؛ فالمعيار هو من سيدير الأموال الكبيرة لاحقاً.

والثانية أن الخطة أداة تنافس على قناة التمويل، وهو ما يعززه ربط السفير الأميركي بين تمويل الوكالة وتمويل المجلس.

 والثالثة أن الرفض المطلق للخطة لن يوقفها، وقد يُخرج الفلسطينيين من تحديد شروطها؛ ومن هنا ترجيحنا لمنطق المشروطية.

سابعاً: المفارقة: بين الخطاب والاتصالات

أكدت «أسوشيتد برس» عقد ثلاثة اجتماعات على الأقل هذا العام بين مسؤولي الأونروا واللجنة الوطنية لإدارة غزة، آخرها في سبتمبر، واجتماعات متعددة مع المجلس أكدها مسؤول فيه، وطلب «معهد توني بلير»، الشريك للمجلس، مساعدة الوكالة.

 ويفسّر كل طرف ذلك بطريقة مختلفة: فمسؤول المجلس يقول إن الغرض فهم آلية عمل الوكالة لبناء برامج أكثر كفاءة ومساءلة، وإن موظفيها سيبقون إن اجتازوا الفحص وأدّوا ولايتهم، وإن برامجها قد تستمر إن خدمت الغزيين؛ بينما يرى لازاريني أن المجلس يريد التخلص من الوكالة وهو يدرك كلفة ذلك.

ويلفت الانتباه أن اللجنة الوطنية، وهي الذراع التنفيذي المرتقب للمجلس، تبدو أقرب إلى الواقعية التشغيلية: فبحسب وصف أممي داخلي لاجتماع القاهرة أبدى رئيسها نية البناء على عمل الوكالة، ونقل لازاريني عنه قوله إنه لا يعرف كيف ينجح من دونها، ولم يردّ شعث على طلبات التعليق.

وهذا يوحي بتباين بين الخط السياسي المعلن للمجلس والحاجة العملية لهيئته التنفيذية، مع التنبيه إلى أن رواية الحديث مصدرها رئيس الوكالة السابق، وهو طرف معني.

جدول (4): ثلاث قراءات للمفارقة ومؤشرات الحسم

القراءةما يدعمهاما يضعفهامؤشر الحسم
أ. الاضطرار التشغيليقول المسؤول إن البرامج قد تستمر؛ موقف اللجنة الوطنية؛ طلب معهد بلير المساعدةغياب أي ترتيب مكتوب معلناتفاق تشغيل مكتوب وعلني مع الوكالة
ب. الاستيعاب وإعادة التسميةاشتراط الفحص؛ توجيه التمويل؛ غياب الوكالة عن قائمة الشركاءلا توثيق حتى الآن لنقل فعلي للموظفين أو المرافقتوظيف موظفي الوكالة لدى جهات جديدة؛ نقل المرافق والسجلات
ج. التباين الداخليمضمون وصف اجتماع القاهرة؛ تباين لهجة اللجنة والمجلسمصدر الرواية طرف معني ولم يعلق شعثبيانات علنية للجنة عن علاقتها بالوكالة

المصدر: تحليل الباحث.

وفي تقديرنا فإن القراءتين (أ) و(ب) متداخلتان: اضطرار تشغيلي يدفع إلى الانتفاع بالوكالة، مع رغبة سياسية في إعادة تعريفها.

 أما حسم الاتجاه فيتوقف على المؤشرات المبينة، وهي قابلة للرصد خلال الأشهر المقبلة.

ثامناً: الرواية المقابلة: الاتهامات وحدود صمودها

تكتسب الورقة رصانتها من عرض حجج الطرف المقابل ثم اختبارها لا من تجاهلها، ويلخص الجدول (5) أبرز هذه الحجج.

جدول (5): حجج الإقصاء وتقييمها

الحجةالأساس المعلنالتقييم
اختراق الوكالة وارتباطها بحماسادّعت الحكومة الإسرائيلية في يناير 2024 أن مئات المسلحين يعملون في الوكالة وأن أكثر من اثني عشر موظفاً شاركوا في هجوم 7 أكتوبر؛ ويستشهد السفير دانون بفصل الوكالة 70 موظفاً مرتبطين بفصائلقال لازاريني إنه لم يتلقَّ أدلة مكتوبة، وترى المحكمة بحسب «أسوشيتد برس» أن المزاعم لم تثبت، لكن فصل الوكالة موظفين متهمين يؤكد أن الحياد والفحص مسألة حقيقية تحتاج ضمانات مؤسسية
الاعتماد الدائم على المساعداتحجة المجلس أن الوكالة تكرّس الاعتمادالاعتماد نتاج النزوح والدمار والقيود؛ فبحسب IPC سيواجه نحو 90% من السكان انعدام أمن غذائي حاد لولا المساعدات، وتغيير مقدّم الخدمة لا يعالج جذر الاعتماد
الكفاءة والمساءلةقال مسؤول في المجلس إن الهدف برامج أكثر كفاءة ومساءلةمطلب مشروع يمكن تلبيته داخل إطار أممي بإصلاحات قابلة للتحقق؛ وقد طالبت ألمانيا بمثلها قبل تأييد أي تجديد مقبل

المصدر: إعداد الباحث.

الدرس العملي: الاعتراف بالشق المشروع من الانتقاد وتحويله إلى مسار إصلاح أممي يسحب الذريعة من خصوم الوكالة ويوسّع قاعدة المؤيدين لها، بدل الاكتفاء بنفي الاتهامات.

تاسعاً: قضية اللاجئين: ما الموثّق وما المحتمل

ما يمكن توثيقه أن المجلس لم يعلن موقفاً من وضع اللاجئين أو حق العودة؛ فتصريحاته تتناول دور الوكالة في «غزة الجديدة».

أما الربط بقضية اللاجئين فهو استنتاج تحليلي له أساس: فالأونروا هي المؤسسة الأممية التي تحتفظ بسجل اللاجئين المسجلين، وتجديد ولايتها جاء دون المساس بالفقرة 11 من القرار 194، وهو ربط شكلي لكنه يُبقي الوكالة شاهداً مؤسسياً على أن القضية سياسية.

ولا بد من الدقة القانونية: ولاية الأونروا إغاثية وتشغيلية وليست ضامناً لحق العودة؛ فالأدق وصفها بأنها شاهد مؤسسي وسجل حيّ للقضية لا مصدر الحق، وهذه الدقة تحمي الحجة الفلسطينية من الطعن.

 وتتمثل المخاطر المحتملة في ثلاثة مسارات:

تغيير الوصف: انتقال الغزي من «لاجئ مسجل» إلى «متلقي خدمة» عبر جهات لا تحمل صفة اللاجئين.

الحيازة: مصير سجلات الوكالة وبياناتها ومرافقها إن نُقلت وظائفها إلى جهات أخرى.

السابقة: أن يصير نموذج غزة مرجعاً لمناطق عمل أخرى للوكالة.

ومؤشرات الرصد: نقل السجلات، وتغيير معايير الأهلية، وربط الخدمات بالفحص الأمني. وهذه مخاطر محتملة لا سياسة معلنة، ويجب أن تُعرض في الخطاب الفلسطيني بهذه الدرجة من الدقة ليظل مقنعاً.

عاشراً: خريطة المواقف

جدول (6): مواقف الأطراف الرئيسية

الطرفالموقف الموثّقالمصدر
الأمم المتحدة (الوكالة)لازاريني يعدّ الجمع بين إعلان عدم الحاجة إلى الوكالة وتوقع أن تؤدي دورها تناقضاً صارخاً؛ وساوندرز وصفها في 30 يونيو بأنها حيوية لتقدم المجلسأسوشيتد برس
الجمعية العامةجددت الولاية حتى 2029 بتصويت مسجَّل 145 مقابل 10 وامتناع 18، وكانت الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي بين المعارضين العشرةالأمم المتحدة
الولايات المتحدةدعوة بارتوس إلى وقف التمويل وتحويله إلى المجلس واللجنة الوطنية؛ وكانت بين معارضي التجديدميدل إيست آي؛ الأمم المتحدة
الكيان الإسرائيليةقانونا الكنيست 2024؛ والسفير دانون يتحدث عن اختراق الوكالةJNS؛ القدس
الأردنوزير الخارجية أيمن الصفدي: الوكالة لا غنى عنها، عقب اجتماع وزاري حضرته أكثر من 50 دولةأسوشيتد برس
ألمانياامتنعت للمرة الأولى في تصويت أولي واشترطت إصلاحات قابلة للتحققتقرير صحفي
السلطة الفلسطينيةوزارة الخارجية احتجت على بيان المجلس وشددت على أهمية عمل الوكالة“تايمز أوف إسرائيل“
حماسأدانت بيان المجلس ودعت المجتمع الدولي إلى ضمان استمرار عمل الوكالةJNS

المصدر: إعداد الباحث. تقتصر الخريطة على المواقف الموثقة، ولا تدّعي إجماعاً لم يوثَّق.

والملاحظ أن الاعتراض على الإقصاء يضم الأمم المتحدة وأطرافاً عربية وبعض المانحين الأوروبيين، لكن موقف كبار المانحين الغربيين ليس متجانساً، فتأييدهم مرتبط بالإصلاح، وهذا ما يجعل مسار الإصلاح الموثوق شرطاً لتوسيع الغطاء الدولي.

حادي عشر: السيناريوهات حتى نهاية 2027

يمتد الأفق الزمني للتحليل إلى 31 ديسمبر 2027، تاريخ انتهاء التفويض الوارد في القرار 2803، وتشكل تقارير المجلس نصف السنوية إلى مجلس الأمن محطات رصد، والترجيحات المبينة نوعية وتحليلية لا إحصائية.

جدول (7): سيناريوهات مستقبل الأونروا في غزة

السيناريوالترجيحالمحركاتمؤشرات الرصدالأثر
التعايش الصامت والتفكيك الوظيفي: إقصاء معلن مع استمرار الوكالة فعلياً ونقل تدريجي لوظائف وموظفين إلى أطر جديدةالأعلىالضرورة التشغيلية؛ تأخر دخول اللجنة؛ أولوية المجلس لجذب التمويل؛ الضغط السياسي الإسرائيلي المستمررسائل رسمية غامضة؛ اتفاقات فنية غير معلنة؛ إعادة تسمية برامجاستنزاف الوكالة وغموض قانوني ومالي
الإقصاء الكامل: حظر فعلي ونقل الخدمات إلى اللجنة ووكالات أخرى ومتعاقدينمنخفض إلى متوسطدخول اللجنة؛ تحويل المانحين للمجلس؛ ضغط أميركي وإسرائيليتعليق تمويل كبير؛ إغلاق مرافق؛ انتقال جماعي للموظفينتفكك شبكة الخدمات وخطر انتكاس الأمن الغذائي والصحي
إعادة الإدماج المقنّن: دور معلن للوكالة ضمن مسار إصلاح وفحص بإشراف أمميمنخفض إلى متوسطحزمة إصلاح؛ قرار للجمعية العامة؛ تمويل متعدد السنواتاتفاق تشغيل مكتوب؛ تعديل خطاب المجلسحماية الولاية والسجل مقابل رقابة أشد

المصدر: تقدير الباحث.

ويرجّح السيناريو الأول لأن الإقصاء الكامل يصطدم بغياب بديل جاهز وبوجود اللجنة الوطنية خارج القطاع وبولاية ممتدة إلى 2029 ومعارضة أكثر من 50 دولة، بينما لا تتوافر بعد شروط إعادة الإدماج المقنّن.

الخـــلاصـــة

تدعم الأدلة المتاحة ثلاث نتائج:

 أولاً، ثمة نية سياسية موثّقة لإنهاء دور الأونروا في غزة، ظهرت في الخطاب والتمويل والشراكات.

 ثانياً، ثمة عجز تشغيلي موثّق عن الاستغناء عنها: اتصالات مؤكدة، وقوة عاملة تقارب 11 ألفاً، وخدمات صحية ومائية وتعليمية لا بديل معلناً لها، ولجنة وطنية لم تدخل القطاع بعد.

 ثالثاً، قانوناً لا يملك المجلس إنهاء الولاية الأممية، لكنه يملك أدوات تفريغها.

أما السؤال عمّا إذا كان ذلك مشروعاً مقصوداً لتصفية قضية اللاجئين فلا تتيح الأدلة الجزم به؛ فهو خطر محتمل له مؤشرات قابلة للرصد لا سياسة معلنة.

والأقرب إلى الدقة القول إن الصراع يدور حول وظيفة الوكالة لا اسمها: القوة العاملة، وقناة التمويل، وسجل اللاجئين، والتفويض الأممي المستقل.

ومن يحمِ هذه الأصول الأربعة يحمِ جوهر الدور، ولو تغيّرت التسميات.

وتبقى أسئلة بحثية مفتوحة، أهمها: نص أي ترتيبات تشغيلية بين الوكالة واللجنة الوطنية، ومعايير الفحص ومن يجريه، ومصير موظفي الوكالة إن نُقلت وظائفها، ومضمون التقرير الأول للمجلس إلى مجلس الأمن.

التوصيات

تقوم التوصيات على فكرة المشروطية: ربط أي انخراط في ترتيبات المجلس بضمانات للولاية الأممية، مع تقديم مسار إصلاح يسحب ذرائع الإقصاء.

  1. تبني موقف فلسطيني موحد يربط أي انخراط في خطة الإعمار بضمانات: بقاء الولاية الأممية، وعدم نقل موظفي الوكالة أو مرافقها أو سجلاتها دون إطار أممي صريح
  2. تحويل الاتصالات الفنية للجنة الوطنية لإدارة غزة إلى بروتوكول تنسيق مكتوب مع الوكالة والإعلان عن مبدأ البناء على شبكتها
  3. تمويل الدول العربية والمانحون متعدد السنوات للوكالة مشروط بإصلاحات قابلة للتحقق؛ وتحويل زخم اجتماع 24 سبتمبر إلى مجموعة اتصال دائمة
  4. ضرورة توجه الجمعية العامة والدول الراعية باتخاذ قرار لتنفيذ الرأي الاستشاري وتوضيح موقع الأونروا في أي ترتيبات انتقالية، بالبناء على مبادرة النرويج
  5. تبني الأمين العام للأمم المتحدة مطالبة المجلس بأن يتناول تقريره نصف السنوي لمجلس الأمن دور الوكالات الأممية القائمة وأثر استبعادها؛ وإبقاء أي دمج أو نقل للوظائف بقرار من الجمعية العامة
  6. توثيق المؤسسات الحقوقية والقانونية انتهاكات الحصانات وإعداد رأي قانوني مبني على الرأي الاستشاري وتزويد الدول به؛ ودراسة طلب رأي استشاري إضافي عبر الجمعية العامة إن لزم، أما الدعاوى المباشرة أمام محكمة العدل فمقصورة على الدول.
  7. تبني إعلامي للخطاب القائم على أرقام الخدمات ووقائع موثقة، مع الاعتراف بمسألة الحياد ومعالجتها، وتجنب تعميمات لم توثَّق

© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أكتوبر 2026 — جميع الحقوق محفوظة

شارك:

المزيد من المقالات