بعد ثلاثة أعوام من «طوفان الأقصى»: العقيدة الأمنية الإسرائيلية بين التآكل وإعادة التشكّل (2023 – 2026)

قراءة في الاستمرارية والتغيّر وحدود الاستدامة

دراسة تحليلية-أ.إبراهيم الحواجري|خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
تخلص الورقة إلى أن عقيدة الإنذار والردع والدفاع والحسم تآكلت بعد 7 أكتوبر 2023، وحلّ محلها نموذج يعيد إحياء أدوات قديمة بحدّة أكبر: الاستباق، والأحزمة الأمنية، والحرب الطويلة.
 وقد منح هذا النموذج الاحتلال حرية عمل ميدانية، لكنه رفع كلفته المالية والبشرية، وأبقى اعتماده على الدعم الأمريكي، وفاقم أزمتي الاحتياط والتجنيد. وترى الورقة أن استدامته مشروطة بمؤشرات يمكن رصدها، وتقدّم توصيات سياسية وقانونية ورصدية للفاعلين الفلسطينيين والعرب والدوليين.

مقدمة

يمثّل السابع من أكتوبر 2023 نقطة تحوّل في دراسة الأمن الإسرائيلي، لأنه وقع في بيئة اعتقدت المؤسسة الأمنية أنها تحكمها بالمراقبة والحواجز التكنولوجية.

وبعد ثلاث سنوات من الحرب على غزة، وجولات القتال مع لبنان وإيران وسوريا، ونشر رئيس الحكومة الإسرائيلية في 18 أكتوبر 2026 وثيقة رسمية بعنوان «العقيدة الأمنية» المحدَّثة، صار ممكناً تقييم ما تغيّر في العقيدة الأمنية الإسرائيلية فعلاً، وما لم يتغيّر، وما كلفته وحدود استمراره.

وتنبع أهمية الورقة من أنها تفصل بين ثلاثة مستويات كثيراً ما تُخلط في التحليل: الإخفاق الذي كشفه الهجوم، والعقيدة التي تبنّاها الكيان الإسرائيلي بعده، وكلفة هذه العقيدة وقدرتها على الاستمرار.

وتعتمد قدر الإمكان على بيانات إسرائيلية رسمية وشبه رسمية، حتى تكون خلاصاتها قابلة للفحص من الباحث وصانع القرار.

سؤال الورقة: كيف تغيّرت العقيدة الأمنية الإسرائيلية بين أكتوبر 2023 وأكتوبر 2026؟ وما الذي تغيّر فيها فعلاً مقابل ما تسارع من مسارات قائمة؟ وما حدود استدامتها؟

الفرضية: تآكلت العقيدة التقليدية فعلاً، والبديل الذي نشأ هو في معظمه تصعيد لأدوات قديمة لا قطيعة معها؛ وهو يحقق مكاسب عملياتية، لكنه يراكم أعباء بشرية ومالية وسياسية تحدد سقف استدامته.

المنهج وحدود الدراسة: تحليل وثائقي مقارن لتحقيقات الجيش الإسرائيلي، وبيانات وزارة المالية و”بنك إسرائيل” ودائرة الإحصاء المركزية، واستطلاعات معهد دراسات الأمن القومي والمعهد الإسرائيلي للديمقراطية، ووثيقة رئيس الحكومة، إلى جانب مصادر دولية، وقد أُعدّت قبل نتائج الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر 2026.

أولاً: الإطار النظري والتاريخي

العقيدة التقليدية

تُنسب إلى ديفيد بن غوريون في خمسينيات القرن الماضي ثلاثية الردع والإنذار المبكر والحسم السريع، وأُضيف إليها لاحقاً ركن الدفاع، وقد صُمّمت لتعويض ضيق العمق الجغرافي، والتفوق العددي للخصوم، ومحدودية الموارد عن تحمّل حرب طويلة.

 والصيغة الرباعية المتداولة بناء تحليلي لاحق أكثر منها نصاً عقدياً مكتوباً في عهد بن غوريون.

التآكل المبكر

لم يبدأ تآكل هذه العقيدة في 2023، فمنذ حرب 1973 ثم حرب 2006 وجولات غزة بين 2008 و2021، انتقلت الممارسة من السعي إلى الحسم إلى «إدارة الصراع» وتأخير تعاظم قدرات الخصم، وهو ما صاغته أدبيات «جز العشب».

 وأُطلق اسم «الكونسبتسيا»* على الافتراض الذي حكم التقدير الإسرائيلي قبل حرب 1973 ثم قبل 2023: أن الخصم مردوع، وأنه يفضّل تحسين أوضاعه الاقتصادية على المبادرة إلى هجوم واسع.

مفاهيم التحليل

تستخدم الورقة أربعة مفاهيم: الردع بالعقاب (رفع كلفة الهجوم)، والردع بالمنع (حرمان الخصم من القدرة أو من إمكان النجاح)، والاستباق (ضرب هجوم وشيك)، والوقاية (ضرب قدرة قبل اكتمالها).

 وتقيس التحول بسؤالين: هل غيّرت إسرائيل غايتها أم أدواتها؟ وهل هذه الأدوات جديدة أم عودة إلى ممارسات سابقة؟

ثانياً: السابع من أكتوبر: إخفاق مركّب

أسفر هجوم 7 أكتوبر (عملية طوفان الأقصى) عن مقتل نحو 1,200 شخص وأسر نحو 250، بحسب الأرقام الإسرائيلية المتداولة.

وخلص التحقيق الداخلي للجيش الإسرائيلي، الذي عُرضت نتائجه في أواخر فبراير 2025، إلى أن استراتيجية إدارة الصراع انهارت، وكذلك افتراض إمكان احتواء الهجمات عند السياج، وإلى أن حجم المفاجأة والانهيار العملياتي كان أشد مما حدث في حرب 1973، كما خلص إلى أن فرقة غزة كانت عملياً مهزومة لعدة ساعات.

وعلى مستوى الإنذار، حصلت الاستخبارات في أبريل 2022 على وثيقة من نحو 40 صفحة، عُرفت باسم «سور أريحا»، تصف سيناريو اقتحام واسعاً، ولم يُفعَّل نموذج الإنذار الذي طُوّر لمثل هذا الاحتمال.

 وسجّل التحقيق غياب التفكير النقدي وتحدي الفرضيات داخل شعبة الاستخبارات، ولم يجد تقصيراً جسيماً لدى الضباط بقدر ما وجد خللاً في المنظومة.

 ووصف قائد الوحدة 8200 يوسي ساريئل، الذي استقال، ما جرى بأنه خلل ثقافي ومؤسسي واسع في الجيش لا حادث عابر.

وأفادت تغطيات التحقيق بأن حماس استفادت من افتراضات إسرائيلية راسخة ومن خداع استراتيجي.

ويظل غياب لجنة تحقيق رسمية مستقلة ثغرة في المساءلة، إذ يتهم خصوم رئيس الحكومة، ومنهم غادي آيزنكوت، الحكومة برفض إنشائها.

وتستخلص الورقة أن المؤسسة العسكرية خرجت من الصدمة بثلاث خلاصات تحكم العقيدة الجديدة: لا يُعتمد على الإنذار وحده، ولا على الحواجز وحدها، ولا يُتسامح مع وجود قدرة معادية قرب الحدود.

ثالثاً: العقيدة المستحدثة: ما الذي تغيّر؟

في 18 أكتوبر 2026، قبل تسعة أيام من الانتخابات، نشر مكتب رئيس الحكومة بمساعدة مجلس الأمن القومي وثيقة موجزة من عشرة مبادئ هي الأولى من نوعها منذ نحو عقد.

 وتنقل الوثيقة التركيز من الاحتواء والدفاع إلى الاستباق، وتشمل منع الخصوم من امتلاك سلاح نووي، والردع بالقدرة على إطلاق نيران ضخمة ودقيقة، ووقف الاقتحامات عبر مناطق أمنية وحماية الجبهة الداخلية، والاستقلال في تصنيع السلاح، وأعلن نتنياهو استعداد الكيان لضرب إيران استباقياً حتى دون دعم أمريكي.

وانتقد آيزنكوت ولابيد الوثيقة بوصفها شعارات انتخابية خالية من مفهوم أمني، وربط آيزنكوت ذلك بإعفاء الحريديم من التجنيد وغياب لجنة تحقيق، وترى الورقة أن قيمة الوثيقة في أنها تضفي طابعاً رسمياً على ممارسة سبقتها بسنتين، لا في أنها تنشئ عقيدة جديدة.

الجدول (1): العقيدة التقليدية وما بعد 7 أكتوبر: استمرارية أم تغيّر؟

الركنقبل 7 أكتوبربعد 7 أكتوبرطبيعة التحول
الإنذار المبكرتعويل على التفوق الاستخباري والتكنولوجي لتعبئة الاحتياط قبل الهجوم.تقليل التعويل على الإنذار، وإبعاد الخصم مكانياً بما يقلل جدوى المفاجأة.تغيّر في الوزن لا في المبدأ
الردعرفع كلفة الهجوم على الخصم (ردع بالعقاب).منع القدرة نفسها بضربة استباقية بغض النظر عن النوايا.تسارع لمسار قديم (الاستباق والوقاية)
الدفاع ونقل المعركةسياج وحواجز ومنظومات اعتراض داخل الحدود.مناطق أمنية داخل أراضي الخصم، ولا انسحاب منها إلا عند انتفاء التهديد.عودة للشريط الأمني بصورة أوسع وأدوم
الحسم السريعحروب قصيرة لحماية الاقتصاد والاحتياط.قبول حرب طويلة متعددة الجبهات.تغيّر فعلي نسبياً
التحالفات والاعتماددعم أمريكي مع هامش استقلال عملياتي.خطاب استقلال تسليحي مع اعتماد قائم على الدعم الأمريكي.تناقض بين الخطاب والواقع

ويتضح من الجدول أن أعمق تغيّرين هما قبول الحرب الطويلة وتحويل المنطقة العازلة من إجراء مؤقت إلى قاعدة دائمة؛ أما الاستباق فامتداد لتقليد إسرائيلي قديم، والشريط الأمني امتداد لتجربة جنوب لبنان بين 1985 و2000.

ويعرض باحثون إسرائيليون مؤيدون للمبدأ الجديد قاعدة الانسحاب المشروط: لا انسحاب من هذه المناطق إلا عند انعدام أي تهديد يمكن التحقق منه.

ويرى محللون أن الكيان الإسرائيلي لم يعد يثق بالقوات الدولية ولا باتفاقات وقف النار ولا بحكومات الجوار لإبعاد الخصم عن حدودها.

رابعاً: التطبيق على الجبهات

يعرض الجدول التالي أبرز المعطيات الموثقة لكل جبهة، مع تاريخ المعطى ومصدره:

الجدول (2): أثر العقيدة المستحدثة على الجبهات (2025 – 2026)

الجبهةالمعطى الموثقالدلالة
غزةبدأ وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025 وأبقى «الخط الأصفر» نحو 53% من القطاع تحت السيطرة الإسرائيلية، وقال نتنياهو في مايو 2026 إن النسبة بلغت 60%، ونقلت تقارير أن قائد فرقة غزة أعلن في 2 أكتوبر 2026 أن الجيش يحتل 63% وأقام 40 موقعاً جديداً، فيما أفادت تقارير إسرائيلية بتوجيه لاحق بعدم مواصلة التوسع غرباً.الخط المؤقت يتحول إلى واقع شبه دائم، ويتركز نحو 2.1 مليون فلسطيني في مساحة أضيق.
لبناناستؤنفت الحرب في 2 مارس 2026 بعد الهجوم على إيران، ويحتفظ الجيش الإسرائيلي بمنطقة بعمق نحو 10 كم تعادل نحو 600 كم² (مايو 2026) ، رغم هدن متتالية في أبريل ويونيو، وأعلن وزير الجيش يسرائيل كاتس، بحسب مركز القدس للشؤون العامة، أن الجيش لن ينسحب ما دام حزب الله غير منزوع السلاح.الأحزمة مرتبطة بشروط سياسية مفتوحة، وتفرض كلفة بشرية مستمرة على القوات المنتشرة.
سوريانحو 400 كم² و9 مواقع نشطة بعمق 15 كم (مايو 2026).اتساع مفهوم العمق الأمني إلى جبهة لم تكن مصدر هجوم في 7 أكتوبر.
الإجمالينحو 1,220 كم² خارج الحدود، أي نحو 5% من مساحة الكيان، بحسب تقرير للقناة «ماكو» في 23 مايو 2026.حجم الانتشار الثابت الذي تتحمله منظومة الاحتياط.
إيرانبعد حرب الاثني عشر يوماً في يونيو 2025، شنّت الولايات المتحدة والكيان هجوماً على إيران في 28 فبراير 2026، وأُعلنت هدنة مشروطة في 7–8 أبريل، واغتيل المرشد الأعلى علي خامنئي، وفي أكتوبر 2026 عاد التلويح بالضربات، مع تقارير عن استبعادها قبل الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية النصفية.سقوط «المعركة بين الحروب» لصالح مواجهة مباشرة، مع بقاء الاعتماد على المظلة الأمريكية.
الضفة الغربيةفي 23 أكتوبر 2026 قُتل جنديان في هجوم قرب الخليل، وأعلن نتنياهو إغلاقاً شاملاً وعملية واسعة بتطبيق «نموذج المخيمات» القائم على الإخلاء والتفتيش من بيت إلى بيت.تعميم منطق السيطرة المكانية داخل الضفة، ويستدعي توثيقاً وحماية للمدنيين.

ويتضح أن المنطق واحد في الجبهات الحدودية الثلاث: السيطرة المكانية بدل الاعتماد على الحاجز.،غير أن الجبهة الإيرانية تكشف حدود هذا المنطق، إذ لا تُحسم مواجهة بعيدة المدى بحزام أرضي، وتبقى معتمدة على الدفاع الجوي والاستخبارات والتنسيق مع واشنطن.

خامساً: كلفة التحول ومؤشرات الإجهاد

راجعت الورقة المؤشرات المتداولة عن الإنهاك الإسرائيلي في ضوء أحدث البيانات الرسمية وشبه الرسمية، وتبيّن أن بعضها يؤيد فرضية الإجهاد، وبعضها يخالف خطاب «الانهيار»، كما يوضح الجدول:

الجدول (3): مؤشرات الكلفة والإجهاد (آخر معطيات موثقة)

المؤشرآخر المعطيات الموثقةالقراءة التحليلية
الاحتياطبلغ متوسط الخدمة 94 يوماً في 2024 و78 يوماً في 202526. وكان متوسط خدمة المقاتلين 136 يوماً والقادة 168 في السنة الأولى، مقابل ما كان قبل الحرب من حتى 25 يوم عمليات كل ثلاث سنوات، وحُدّد سقف 55 يوماً للخدمة الاعتيادية في 202627. ويخدم نحو 53 ألف احتياطي يومياً.العبء مرتفع بصورة غير مسبوقة، لكنه تراجع عن ذروة 2024 بفعل سياسة ترشيد.
العجز الماليبلغ نحو 6.8% في 202428، ثم 4.7% في 2025، و3.2% تراكمياً في أغسطس 2026 مع نمو الإيرادات 11.5%، ويُتوقع ارتفاع العجز إلى نحو 100 مليار شيكل بنهاية العام بسبب زيادات الدفاع.الاقتصاد أكثر تماسكاً مما يفترضه خطاب الانهيار، لكن العبء مؤجَّل لا ملغى.
الإنفاق الدفاعيرُفعت ميزانية الدفاع إلى نحو 140 مليار شيكل في 2025، وإلى نحو 143–144 مليار في موازنة 2026 على حساب التعليم والصحة والرعاية، وقدّر “بنك إسرائيل” كلفة الحرب بين 2023 و2025 بنحو 55.6 مليار دولار.تحول بنيوي في أولويات الإنفاق، لا طارئ مؤقت.
الهجرةغادر 69,300 إسرائيلي في 2025 وعاد 19,000، بصافي هجرة سلبية 50,300، مقابل متوسط نحو 36,000 مغادر سنوياً بين 2009 و2021، وبلغ عدد من غادروا لثلاثة أشهر فأكثر نحو 90,900 في 2025 بحسب جامعة تل أبيب، وغادر بين يناير 2023 وسبتمبر 2024 أكثر من 3,000 مهندس و875 طبيباً، وبلغ الصافي بعد العائدين 2,330 و481.اتجاه حقيقي ونوعي يؤكد استنزاف الكفاءات، وتتجادل الحكومة والمعارضة في تفسيره.
ثقة الجمهوربلغت الثقة العالية بالجيش 73% من الجمهور في يوليو 2026، و59% برئيس الأركان38، و26% بالحكومة في مايو، وبين اليهود نحو 85% (مايو 2026) مقابل 86.5% في ديسمبر 2023، فيما بلغت الثقة بالقيادة العليا 65% في نوفمبر 2025.لا يدعم المعطى فرضية انهيار الثقة بالجيش؛ التآكل أوضح في الحكومة والقيادة العليا.
الخسائر والذخائرسجّلت صحيفة معاريف 1,138 قتيلاً من الجيش و11,730 مصاباً معترفاً به، واستهلاكاً للذخيرة يعادل ثلاثة عقود في أقل من ثلاث سنوات.ضغط على القوة البشرية والمخزون يقيّد القدرة على حروب إضافية.
التجنيدثمة نحو 30,000 مصنَّف متهرباً من الخدمة، نصفهم تقريباً من الحريديم، وقضت المحكمة العليا في يونيو 2024 بوجوب تجنيدهم، وأمرت في نوفمبر 2025 بإجراءات إنفاذ، بينما يتقدم مشروع قانون لإعادة الإعفاء.أزمة المساواة في العبء تضعف الشرعية الداخلية للحرب الطويلة.

ويقود هذا إلى ثلاثة استنتاجات:

أولاً، تثبت المعطيات أن الكيان الإسرائيلي يتحمل الحرب الطويلة بكلفة متراكمة.

 وثانياً، العبء الأثقل بشري ومؤسسي (الاحتياط والتجنيد والكفاءات) لا مالي.

 وثالثاً، أدق مؤشرات الاستدامة هي أيام الخدمة، والاستجابة لسقوف الميزانية، والهجرة النوعية، لا الثقة بالجيش.

سادساً: التحليل: حدود الاستدامة

كيف يرى مؤيدو العقيدة نجاحها؟

يرى مؤيدو العقيدة الجديدة، ومنهم مستشار الأمن القومي السابق مئير بن شبات، أنها تثبّت السيطرة في مناطق حيوية وتتيح حرية عمل لمنع تعاظم الخصم، ويستشهدون بتدمير بنى هجومية قرب الحدود، وباغتيال المرشد الإيراني وضرب بنى إيران العسكرية والنووية، وبتعافي الإيرادات الحكومية، وببقاء ثقة الجمهور بالجيش مرتفعة، وبتأييد واسع بين الإسرائيليين للمناطق العازلة.

 وهذه حجج وجيهة تكتيكياً، ويجب أن تواجهها أي قراءة فلسطينية رصينة بدل تجاهلها.

لماذا لا تكفي هذه الحجج؟

فجوة الغاية السياسية: بعد ثلاث سنوات لا يوجد أفق سياسي معلن للحرب، فما زال رئيس الحكومة الإسرائيلية يقول إن مهمة القضاء على حماس ستقع على عاتق الكيان، وما زالت أكثر من مئة منظمة إنسانية وحقوقية تصف وقف النار في غزة بأنه قائم بالاسم فقط. والقوة التي تحقق مكاسب عملياتية دون غاية سياسية تُستهلك في إدارة الواقع الذي صنعته.

فجوة القوة البشرية: تعني المناطق العازلة انتشاراً ثابتاً على نحو 1,220 كم²20 يتطلب قوات دائمة، في وقت يبلغ فيه الاحتياط سقف طاقته وتتعطل مساواة العبء بسبب أزمة تجنيد الحريديم. وتفيد تقارير بسقوط قتلى كل أسبوع في القطاع اللبناني.

فجوة الاعتماد: يتحدث نتنياهو عن «استقلال تسليحي» وعن ضرورة أن ينتج الكيان  سلاحه، وقد وقّعت وزارة الجيش في مارس 2026 صفقة بأكثر من 150 مليون شيكل لإنشاء خط محلي لإنتاج قذائف 155 ملم.

 لكن ذلك يعكس إدراكاً للهشاشة أكثر مما يعكس تحرراً منها: فالاعتماد على الدعم الأمريكي قائم، وقد حذّر نتنياهو نفسه من احتمال وصول رئيس أمريكي معادٍ بعد عامين، ولمّحت تقارير إلى سعيه لحزمة مساعدات مستقبلية تعادل نصف الحالية.

 وتصف الورقة هذا الاعتماد بأنه عميق لا مطلق، وتراه نافذة ضغط قد تضيق كلما نضجت خطوط الإنتاج المحلية.

فجوة الشرعية: تنطوي الأحزمة العازلة على هدم وتهجير في أراضٍ محتلة، وهو ما تحظره المادتان 49 و53 من اتفاقية جنيف الرابعة، وقد خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، بحسب ما أوردته منظمات حقوقية، إلى أن “إسرائيل: ارتكبت إبادة جماعية في غزة، في تقريرين صدرا في سبتمبر 2025 ويونيو 2026، وهذه كلفة قانونية قد تتحول إلى قيد سياسي في عواصم الحلفاء.

سيناريوهات 2027 – 2028

الجدول (4): سيناريوهات استدامة العقيدة ومؤشرات رصدها

السيناريوالوصفمؤشرات الرصد
استمرار القبضة الممتدةبقاء المناطق العازلة في غزة ولبنان وسوريا مع جولات قتال متقطعة وضربات مع إيران.بقاء الخط الأصفر قرب 60–63%، واستمرار الإضافات الدفاعية، وتمديد خدمة الاحتياط فوق سقف 55 يوماً.
تعديل تحت الضغطتنازلات جزئية في المرحلة الثانية بغزة وتفاهمات في لبنان بضغط أمريكي أو نتيجة الانتخابات.جداول انسحاب معلنة، وتوجيهات بوقف توسيع الخط، وتقدم المسار التفاوضي مع لبنان.
تصعيد شاملضربة على إيران أو عملية واسعة في الضفة تعيد فتح عدة جبهات معاً.إعلان عملية عسكرية واسعة، وتمديد تعبئة الاحتياط، وإجراءات طوارئ في الجبهة الداخلية.

وتمثل الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر 2026 والانتخابات الأمريكية النصفية في 3 نوفمبر محطتين تحددان اتجاه هذه السيناريوهات، وتستوجب مراجعة الورقة بعد نتائجهما.

سابعاً: النتائج

1. تآكلت العقيدة التقليدية فعلاً، لكنها لم تُستبدل بقطيعة: فأغلب عناصر العقيدة المستحدثة (الاستباق، الشريط الأمني) عودة إلى ممارسات سابقة، والتغيّر الأعمق هو قبول الحرب الطويلة وتأبيد المناطق العازلة.

2. كان 7 أكتوبر إخفاقاً مفاهيمياً قبل أن يكون عملياتياً: فقد خلص التحقيق العسكري الإسرائيلي إلى انهيار إدارة الصراع، وإلى أن المفاجأة فاقت ما جرى في 1973.

3. تحقق العقيدة الجديدة مكاسب ميدانية لكنها تفتقر إلى غاية سياسية: فبعد ثلاث سنوات ما زال هدف القضاء على حماس معلناً، وتمتد المناطق العازلة على نحو 1,220 كم².

4. الإجهاد الإسرائيلي حقيقي لكنه غير منهار: فالعبء الأثقل بشري ومؤسسي (الاحتياط والتجنيد والهجرة النوعية)، بينما بقيت الثقة بالجيش مرتفعة والاقتصاد متماسكاً نسبياً.

5. الاعتماد على الولايات المتحدة عميق لا مطلق: وهو نقطة ضعف تدركها القيادة الإسرائيلية وتسعى إلى تقليصها.

6. كلفة العقيدة الجديدة قانونية وسياسية أيضاً: وتقابلها كلفة إنسانية فلسطينية هائلة لا تُقاس بمؤشرات الإنهاك الإسرائيلي.

ثامناً: التوصيات

تُبنى التوصيات على النتائج أعلاه، وتركّز على أدوات قابلة للتنفيذ في مجالات الدبلوماسية والقانون والرصد:

  1. ضرورة الإصرار الفلسطيني والوسطاء على رفض تحويل «الخط الأصفر» والمناطق العازلة إلى حدود أمر واقع.
  2. إنشاء مراكز البحث والدراسات «لوحة مؤشرات الإجهاد» ونشرها دورياً.
  3. توثيق المؤسسات الحقوقية والقانونية الفلسطينية القانوني للأحزمة العازلة وتوثيق الهدم والتهجير.
  4. التخطيط الدبلوماسية الفلسطينية والعربية والبرلمانات الغربية لحملات برلمانية وتشريعية لاشتراط تراخيص تصدير الذخائر والأنظمة بالامتثال للقانون الدولي.
  5. العمل على حماية المواطنين والمخيمات في الضفة وتجهيز خطة طوارئ للإيواء والإغاثة والتوثيق الفوري، ومخاطبة دولية بشأن العملية المعلنة في الخليل.

الخاتمة والاستشراف

تُظهر المعطيات أن الكيان الإسرائيلي أنتج بعد 7 أكتوبر عقيدة أكثر خشونة وأقل تحفظاً في استخدام القوة، لكنها ليست عقيدة جديدة بقدر ما هي نسخة مشدّدة من عقيدة قديمة. وتتوقف قدرته على الاستمرار على ثلاثة متغيرات يمكن رصدها: القوة البشرية، والاعتماد على واشنطن، والكلفة القانونية والسياسية.

وأجدى ما يملكه الفاعلون الفلسطينيون والعرب هو العمل على هذه المتغيرات الثلاثة بأدوات القانون والدبلوماسية والرصد، لا افتراض انهيار وشيك.

© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أكتوبر 2026 — جميع الحقوق محفوظة


* الكونسبتسيا (Conceptzia – הקונספציה) مصطلح عبري يُترجم إلى «التصور» أو «المفهوم» أو «النظرية المسبقة»، ويُستخدم في السياق السياسي والأمني الإسرائيلي للإشارة إلى مجموعة من الافتراضات والتقديرات التي تتشكل لدى صانع القرار، وتتحول مع الوقت إلى قناعات ثابتة يُبنى عليها فهم الواقع واتخاذ القرارات.

لكن المصطلح اكتسب دلالة خاصة في الكيان بعد حرب أكتوبر 1973، ثم عاد بقوة إلى التداول بعد عملية  «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر 2023.

شارك:

المزيد من المقالات