فائض القوة وعجز الحسم| الكيان الإسرائيلي بعد ثلاث سنوات من الحرب: لماذا لا يتحول التفوق العسكري إلى مكاسب سياسية مستدامة؟

تقدير موقف استراتيجي| خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
بالرغم من أن الكيان الإسرائيلي منذ أكتوبر 2023  أظهر تفوقاً عسكرياً واسعاً في غزة ولبنان وإيران، إلا أنه لم يستطع تحويل هذا التفوق إلى ترتيبات سياسية مستقرة في أي ساحة منها.
وتجادل الورقة بأن الفجوة ليست عجزاً تقنياً فحسب، بل نتاج خيار يفضّل السيطرة الميدانية على التسوية، تدعمه بنية ائتلافية تعدّ أي أفق سياسي تنازلاً، وتُبقي انتخابات 27 أكتوبر، التي لم تمنح أي كتلة أغلبية، هذا الخيار مفتوحاً.
وترجّح الورقة أن «إدارة الصراع بالسيطرة» هي المسار الأرجح خلال 12–24 شهراً، وتقدّم توصيات عملية للفاعل الفلسطيني والعربي.

أولاً: المدخل: السؤال والفرضية وضبط المفاهيم

لا تُقاس نتائج الحروب بما تحققه الجيوش في الميدان، بل بقدرة الدول والكيانات على تحويل الإنجاز العسكري إلى واقع سياسي وأمني يستمر دون حرب متجددة.

وقد جعلت الحرب على غزة الممتدة منذ السابع من أكتوبر 2023 هذا السؤال محور الجدل داخل الكيان الإسرائيلي نفسه: فمعهد دراسات الأمن القومي وصف الحال في يوليو 2026 بـ«الجمود الاستراتيجي»، إذ لم تُترجم ما وصفه بالإنجازات التكتيكية والتعاون العسكري غير المسبوق مع الولايات المتحدة إلى “نصر سياسي وأمني مستدام”، وخلص معهد سياسات الشعب اليهودي في تقييمه لعام 2026 إلى أن “إضعاف حماس وحزب الله وتوجيه ضربة قاسية لإيران لم يتحول بعد إلى إطار سياسي واستراتيجي مستقر”.

ولا تكتفي هذه الورقة بإعادة تقديم التشخيص الإسرائيلي، بل تضيف ثلاثة أمور: تختبر ما إذا كانت الفجوة نتيجة عجز أم خيار؛ وتُدخل متغيراً لم تلتقطه التقديرات السابقة، وهو نتائج انتخابات 27 أكتوبر 2026؛ وتنتقل من التشخيص إلى انعكاسات وتوصيات للفاعل الفلسطيني والعربي.

السؤال المركزي:  إلى أي مدى حوّل الكيان الإسرائيلي تفوقه العسكري في غزة ولبنان وإيران إلى مكاسب سياسية مستدامة، وهل الفجوة بين الأمرين نتاج عجز أم نتاج خيار؟

وهذه الفجوة تتغذى بخيار سياسي يفضّل الاحتفاظ بالسيطرة الميدانية والغموض السياسي على أثمان التسوية (دور فلسطيني فاعل، انسحاب، أفق سياسي)، وبقيود حقيقية تفرضها قدرة الخصوم على التكيّف وحدود الشريك الأمريكي.

ضبط المفاهيم

التفوق العسكري: القدرة على تدمير قدرات الخصم وإصابة قيادته وفرض حرية العمل الجوي والاستخباري وتغيير موازين القوة الميدانية.

المكسب السياسي المستدام: وضع يستوفي أربعة شروط مجتمعة: سلطة حاكمة معترف بها في المنطقة المعنية؛ وانخفاض مستدام في المواجهة العسكرية دون عمليات كبرى متكررة؛ وقدرة على خفض الانتشار العسكري دون انهيار الترتيب؛ وقدر كافٍ من الغطاء الدولي والإقليمي.

«بعد الحرب»: لا يعني التعبير انتهاء القتال، فالحرب مع إيران لم تُغلق، وغزة ولبنان تحت وقف نار هش؛ بل يعني مرحلة اختبار النتائج. ولذلك اختير للورقة عنوان لا يوحي بانتهائها.

خط زمني موجز

التاريخالحدث
7 أكتوبر 2023عملية “طوفان الأقصى” وبدء الحرب على غزة.
10 أكتوبر 2025بدء وقف إطلاق النار في غزة وفق الخطة الأمريكية الشاملة.
نوفمبر 2025القرار 2803 يؤيد الخطة ويتيح لمجلس السلام نشر قوة استقرار دولية.
يناير 2026تشكيل مجلس السلام واللجنة الوطنية لإدارة غزة، ولم تدخل اللجنة القطاع حتى الآن.
28 فبراير 2026بدء الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران واغتيال المرشد علي خامنئي.
2 مارس 2026بدء التصعيد الأخير بين الكيان الإسرائيلي وحزب الله في لبنان.
7 أبريل 2026هدنة أمريكية إيرانية لأسبوعين بوساطة باكستانية.
14 يونيو 2026اتفاق مرحلي أمريكي إيراني بوساطة باكستانية يشمل إعادة فتح هرمز ووقف القتال في لبنان.
26 يونيو 2026توقيع «الإطار الثلاثي» بين الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي ولبنان.
31 يوليو 2026إعلان خريطة لنزع السلاح المرحلي في غزة بين مجلس السلام والفصائل، ثم تراجع مجلس السلام عن ربط التسليم بالانسحاب في 3 أغسطس.
20–21 أكتوبر 2026جولة محادثات أمنية إسرائيلية لبنانية أمريكية في فلوريدا دون اختراق.
27 أكتوبر 2026انتخابات الكنيست الـ26 دون أغلبية لأي كتلة.
31 ديسمبر 2026موعد انتهاء ولاية اليونيفيل بموجب القرار 2790

ثانياً: غزة: سيطرة تتّسع بلا سلطة بديلة

تمثل غزة أوضح حالات الفجوة، فالأهداف الإسرائيلية تجاوزت ما أعلنته من “هزيمة حماس عسكرياً” إلى “إنهاء حكمها ونزع سلاحها” و”منع تكرار هجوم السابع من أكتوبر”، وهي أهداف تتطلب بديلاً سياسياً وإدارياً.

وقد أعقب وقفَ إطلاق النار في أكتوبر 2025 إطار دولي كامل: خطة شاملة، وقرار أممي، ومجلس سلام، ولجنة فلسطينية تكنوقراطية، وقوة استقرار مرتقبة.

غير أن تقرير مكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة (24 سبتمبر 2026) يسجل أن هذه الترتيبات قائمة على الورق ولم تدخل طور العمل داخل القطاع: فاللجنة الوطنية لم تتمكن من دخوله لتولي الحكم، ولم ينتشر أفراد قوة الاستقرار، ولم تُنفذ عملية نزع سلاح حماس، ويبقى نحو ثلثي القطاع خارج متناول المدنيين أو خاضعاً لقيود وصول شديدة.

 وإنسانياً، ما زال أكثر من 350 ألف وحدة سكنية مدمرة أو متضررة، وقُدّرت كلفة التعافي بـ71.4 مليار دولار، منها 26.3 مليار في الأشهر الثمانية عشر الأولى، فيما لم يُموَّل نداء الطوارئ لعام 2026 إلا بنسبة 40%.

ولم تقف الوقائع عند حدود الجمود، بل تحركت نحو التوسع، فقد ترك الخط الأصفر عند وقف النار نحو 53% من القطاع تحت السيطرة الإسرائيلية، وأعلن نتنياهو في 28 مايو أنه وجّه الجيش إلى توسيعها إلى 70%، وأفادت لجنة التحقيق الأممية بأن مناطق السيطرة الإسرائيلية بلغت 60% على الأقل حتى 2 سبتمبر 2026، فيما تقدّر هيومن رايتس ووتش مساحة ما يقع داخل الخط بنحو 64%.

 وتتفاوت الأرقام بتفاوت منهجيات القياس، لكن الاتجاه واحد.

وقتلت النيران الإسرائيلية منذ وقف النار ما لا يقل عن 1,400 فلسطيني بحسب وزارة الصحة في غزة، وحذّر المفوض السامي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف في مايو من أن الخط قد يتحول إلى سياج أو جدار فصل دائم.

وتكشف هذه المعطيات عقدة تسلسل لا رفضاً مجرداً، ففي 30–31 يوليو أعلن الرئيس الأمريكي اتفاقاً بين مجلس السلام والفصائل، تفاوضت عليه مصر وقطر وتركيا، على خريطة لنزع السلاح على مراحل بإشراف لجنة تحقق؛ وقالت حماس إنها لن تنفذ أي جزء منها ما لم تنفذ الحكومة الإسرائيلية التزاماتها بالانسحاب.

 غير أن الحكومة الإسرائيلية رفضت التسلسل المرحلي، وأعلن نتنياهو أنه لن ينسحب من خطوطه الحالية قبل نزع السلاح بالكامل.

 وبعد لقائه ملادينوف أعلن مجلس السلام أن الانسحاب خلف الخط الأصفر لن يتم إلا بعد اكتمال نزع السلاح، الخفيف والثقيل والأنفاق على السواء.

 أي أن الوسيط الأمريكي انتقل عملياً إلى الموقف الإسرائيلي بعد أيام من إعلان اتفاق كان يربط التسليم بالانسحاب.

وحتى منتصف أكتوبر لم يُؤكَّد تسليم أي سلاح، ويتهم مسؤولون أمنيون إسرائيليون حماس بإعادة بناء قدراتها، فيما أفادت تقارير بأن الكيان الإسرائيلي سمح بدخول شركة أمريكية لتحديد مواقع تسليم محتملة.

 ويطالب تقرير الأمم المتحدة بوضوح أكبر في تسلسل الانتقال.

وفي تقدير الورقة، يحوّل تسلسل «نزع كامل أولاً ثم انسحاب» السيطرة الميدانية من وسيلة إلى شرط، ويُبقي الخط الأصفر قابلاً للاتساع، فتضعف حوافز التنفيذ لدى «الطرف الأضعف».

ولا يعني ذلك أن الكيان الإسرائيلي عاجز عن التأثير في مستقبل القطاع؛ فهو يملك قدرة فعلية على منع ترتيبات لا تناسبه وفرض وقائع جزئية، وحجته الأمنية، أي عدم الثقة بتسليم حماس سلاحها وإعادة بنائها قدراتها، ليست بلا أساس.

 لكن هذه الحجة لا تفسّر رفض التسلسل المتبادل الذي قبلته الفصائل، ولا اتساع الخط خلال الهدنة؛ وقدرته على الفيتو لا تعادل قدرته على إنتاج بديل قابل للحياة.

ثالثاً: لبنان: حدود الضغط العسكري

اندلعت المواجهة الأخيرة مع حزب الله في 2 مارس 2026، بعد يومين من الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، إذ أطلق الحزب صواريخ على الكيان الإسرائيلي للمرة الأولى منذ أكثر من عام، وانتشرت القوات الإسرائيلية خلالها في عمق وصل إلى نحو عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.

 وفي 26 يونيو وُقّع «الإطار الثلاثي» بين واشنطن وتل أبيب وبيروت لإنهاء التصعيد، تلته جولتا مفاوضات في روما ثم جولة عسكرية أمنية في فلوريدا يومي 20 و21 أكتوبر انتهت، وفق التقارير، دون اختراق في القضايا الأساسية.

ويصف تقرير Security Council Report لنوفمبر لبنان بأنه عالق في مأزق سياسي وأمني، وهو توصيف يتقاطع بصورة لافتة مع «الجمود» الذي رصده التقدير الإسرائيلي.

 فالقوات الإسرائيلية تحتفظ بمواقع وتواصل عمليات الهدم، ويبدو أنها تحتفظ بمواقع وكتائب شبه دائمة، منها في منطقة شمال الليطاني، فيما يساور قلق بعض أعضاء المجلس من أن يشي بناء هذه المواقع بنية بقاء دائم.

 وفي المقابل يربط حزب الله بحث سلاحه بالانسحاب الكامل.

ويبرز هنا مأزق تسلسل الالتزامات: الحكومة الإسرائيلية تشترط تقدماً ملموساً نحو نزع السلاح الشامل قبل الانسحاب، والحزب يشترط الانسحاب ووقف الانتهاكات قبل مناقشة سلاحه، وهو ما وصفه تقرير الأمين العام بأنه مطالب متنافسة بشأن التسلسل.

 وللمعطى نفسه وجهان: فالتقرير يسجل أن الحزب لم يعلن مسؤوليته عن أي هجوم على القوات الإسرائيلية منذ 19 يونيو، بينما نسبت الحكومة الإسرائيلية إليه ثلاث هجمات على الأقل.

 وهذا يدعم القول إن الضغط العسكري خفّض النشاط العملياتي المعلن للحزب، ويدعم في الوقت نفسه القول إن هذا الخفض لم يُترجم إلى قبول بنزع السلاح.

ويزداد الاختبار صعوبة مع اقتراب انتهاء ولاية اليونيفيل في 31 ديسمبر 2026 بموجب القرار 2790 (أغسطس 2025)، على أن ينتهي الانسحاب الكامل خلال عام.

ويشير التقرير إلى أن الإطار الثلاثي لا يذكر مجلس الأمن ولا قراراته ولا أي دور للقوة الأممية، وأن معظم أعضاء المجلس يرون ضرورة استمرار وجود دولي، فيما لا تبدو واشنطن مستعدة لمراجعة موقفها؛ وقد أبدت بيروت انفتاحاً على تمديد محدود أو بعثة خلف، وطالب 86 نائباً لبنانياً بالتمديد.

 وهكذا قد تدخل المنطقة فراغاً أمنياً في الجنوب، وهو نقيض الاستقرار الذي يُفترض أن تنتجه السيطرة.

وللتجربة اللبنانية سابقة ذات دلالة: فقد بقي الجيش الإسرائيلي في الجنوب منذ اجتياح 1982 حتى انسحابه في مايو 2000، وأقام «الحزام الأمني» منذ 1985، بينما نشأ حزب الله وتعاظم في ظل هذا الوجود.

 ولا يعني ذلك أن التاريخ سيعيد نفسه، لكنه يذكّر بأن الاحتفاظ بالأرض لمنع التهديد قد يتحول إلى مولّد له.

رابعاً: إيران والإقليم: حين يتحول التفوق إلى التزام مفتوح

بدأت المواجهة المباشرة في 28 فبراير 2026 بهجوم أمريكي إسرائيلي استهدف البنية العسكرية والنووية وقيادة النظام، وأدى إلى مقتل المرشد علي خامنئي وتعيين نجله مجتبى خلفاً له.

 وردّت إيران بضربات على قواعد أمريكية ومنشآت في دول الخليج وعلى الكيان الإسرائيلي، وأغلقت عملياً مضيق هرمز، وفرضت واشنطن حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية.

 وبعد هدنة لأسبوعين في 7 أبريل بوساطة باكستانية، أُبرم اتفاق مرحلي في 14 يونيو يشمل إعادة فتح المضيق ووقف القتال بين حزب الله والكيان الإسرائيلي وهدنة ستين يوماً، لكن الطرفين يتبادلان الاتهام بخرقه، ويتبادلان الضربات بصورة متقطعة، وتواصل إيران مهاجمة سفن تجارية في المضيق.

وحتى 3 نوفمبر نقلت رويترز عن مسؤول إيراني رفيع أن طهران وواشنطن بعيدتان عن اتفاق رغم تكثيف الوساطة القطرية؛ وأن الولايات المتحدة نفذت ضربات وصفتها بالدفاعية على جزيرة قشم؛ وأن الحرس الثوري أعلن إسقاط طائرة أمريكية من طراز MQ-9 قرب مضيق هرمز؛ وأن طهران تربط إعادة فتح المضيق بتلبية شروطها وتؤجل الملف النووي إلى ما بعد ذلك، وكانت قد أعلنت في 2 نوفمبر خطة مشروطة لفتح المضيق واستئناف المحادثات النووية مقابل رفع التجميد عن أصولها ورفع العقوبات.

 وتتحدث واشنطن علناً عن ضرب منشأة «جبل فأس» (Pickaxe Mountain) تحت الأرض قرب نطنز، فيما تقول رصدات المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إن إيران تحصّن مداخلها، ولا مؤشر على محاولتها الوصول إلى مخزون اليورانيوم عالي التخصيب.

أما الملف النووي فيظل بلا تحقق دولي: فمع عجز الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن تفتيش المواقع الرئيسة، يبقى حجم المخزون عالي التخصيب (نحو 440 كغ مخصبة إلى 60% بحسب آخر تقدير للوكالة قبل الحرب) ومكانه وحالته غير متحقق منهما، وقد قال مسؤول إيراني إن «غراماً واحداً» من اليورانيوم لن يغادر البلاد.

ويكشف المسار ثلاث حقائق:

الأولى أن التفوق العسكري الأمريكي الإسرائيلي قادر على الضرب، لكنه لم ينتج اتفاقاً ولا تحققاً نووياً، ولا يزال الخلاف على البرنامج النووي وهرمز ورفع العقوبات بلا حل.

 والثانية أن إيران نقلت المواجهة إلى مجال تملك فيه رافعة غير متماثلة: فقد افترض صندوق النقد في أكتوبر أن يبقى المضيق مغلقاً حتى مارس 2027 وامتد القتال إلى السعودية واليمن، وربطت طهران مسار التفاوض بالجبهة اللبنانية إذ حمّلت واشنطن مسؤولية عدم ضمان الانسحاب الإسرائيلي من لبنان.

 والثالثة، وهي الأهم لموضوع الورقة، أن توظيف الكيان الإسرائيلي لتفوقه رهن بشريك قد تختلف حساباته: فقد وصف معهد الأمن القومي ردوده على جبهة الشمال بأنها مقيّدة بضغط أمريكي مرتبط بمسار التفاهم مع طهران.

 وهذا يعني أن ملف لبنان صار ورقة في مفاوضات لا تملك الحكومة الإسرائيلية وحدها قرارها.

خامساً: الضفة الغربية وسوريا: ساحتان خارج الحرب المباشرة

في الضفة الغربية، حيث لا حرب مفتوحة، تتقدم الوقائع الأحادية، فقد وثّقت الأمم المتحدة منذ بداية 2026 أكثر من 1,430 حادثة عنف للمستوطنين تسببت بإصابات أو أضرار في نحو 260 تجمعاً فلسطينياً، واستشهاد 76 فلسطينياً بنيران القوات الإسرائيلية أو المستوطنين حتى 10 أغسطس، وتهجير نحو 3,800 فلسطيني، إلى جانب خطوات لتسجيل الأراضي في المنطقة (ج) يُرجَّح أن تسهّل تسوية أوضاع المستوطنات والبؤر.

 ويحتجز الكيان الإسرائيلي نحو ستة مليارات دولار من أموال المقاصة، فيما قدّر البنك الدولي عجز السلطة بأكثر من 10% من الناتج، ويصف معهد الأمن القومي الوضع في الضفة بأنه متقلب ويستنزف الموارد باستمرار.

وتفيد هذه الساحة في المقارنة: فهنا لا تواجه الحكومة الإسرائيلية «فجوة» لأنها لا تسعى إلى تسوية أصلاً، بل إلى تغيير الواقع تدريجياً، وهو ما يعزز، في تقدير الورقة، فرضية السيطرة بديلاً عن التسوية.

وفي سوريا، حيث تحتفظ القوات الإسرائيلية بمواقع منذ ديسمبر 2024، لم يُعلن اتفاق أمني حتى الآن.

 فقد قال وزير الخارجية السوري إن الطرفين اتفقا نظرياً على ما يقارب كل شيء مطلع العام، ومنه مناطق أمنية في الجنوب ومنطقة عازلة تقتصر على القوات الأممية، قبل أن تتعطل المحادثات مع اندلاع الحرب على إيران، وانقطع الاتصال بعد ضربة إسرائيلية على قاعدة أبو الظهور، ثم استؤنفت بوساطة أمريكية في أغسطس. والمفارقة أن معهد الأمن القومي نفسه يدعو إلى تسريع هذا المسار لتقليص الانتشار العسكري وتحرير الموارد، ما يعني أن البديل الدبلوماسي معروف لكنه لا يُفعَّل.

سادساً: الفاعل الفلسطيني والعربي: ما الذي يملكه؟

تتحرك الأطراف الفلسطينية والعربية في هامش ضيق لكنه غير معدوم. ففي غزة، قبلت الفصائل خريطة لنزع السلاح المرحلي عبر الوسطاء المصري والقطري والتركي، وربطت تنفيذها بالتزامات الانسحاب، وأصدر الوسطاء الثلاثة بياناً مشتركاً وصف استهداف المدنيين والمرافق الصحية بأنه انتهاك صارخ للقانون الدولي.

 واللجنة الوطنية جاهزة تخطيطياً لكن دخولها مرهون بترتيبات ميدانية لا تملكها.

 أما السلطة الفلسطينية فتقيّدها أزمة مالية خانقة، إذ تحتجز الحكومة الإسرائيلية نحو ستة مليارات دولار من أموال المقاصة ويتجاوز العجز 10% من الناتج.

وعربياً، تملك الرياض أقوى الأوراق: فالتقدير الإسرائيلي نفسه يقرّ بأن السعودية جعلت التطبيع مرهوناً بأفق سياسي فلسطيني.

 ويتبين من وقائع أغسطس أن الوساطة التي تنتج اتفاقاً لا تضمن تنفيذه ما لم تقترن بضمانة أمريكية ملزمة للكيان الإسرائيلي، وأن الوسطاء، رغم حضورهم، لم يغيّروا حتى الآن تسلسل مجلس السلام. ومن ثم فإن الأوراق الفلسطينية والعربية الأقوى هي التسلسل المكتوب والتوحيد المؤسسي والتطبيع المشروط، لا المواقف الخطابية.

سابعاً: الكلفة الاقتصادية: استنزاف بطيء لا انهيار

تُظهر البيانات صورة أدق مما يُفترض عادة. فمن جهة، الاقتصاد صامد: رفع صندوق النقد في 13 أكتوبر توقعه لنمو 2026 إلى 4.5% بعد أن كان 3.5% في أبريل، وتوقع 2027 عند 4.4%.

وهذا يعني أن فرضية «الانهيار الاقتصادي» لا تصلح أساساً لتحليل قدرة الكيان الإسرائيلي على الاستمرار.

ومن جهة أخرى، الكلفة المالية ثقيلة ومتراكمة، فقد توقع الصندوق في مشاورات المادة الرابعة أن يتسع العجز إلى 6.2% من الناتج في 2026 مقابل 5.2% في 2025، وأن يبلغ الدين 70.1% ثم 70.7% في 2027، مع بقاء الإنفاق الدفاعي مرتفعاً وقيود على عرض العمل بسبب التعبئة وتراجع العمالة غير الإسرائيلية، ودعا إلى تعزيز مالي تدريجي يعتمد أساساً على الإيرادات.

 وبحسب ملخص صحفي لتقرير الخبراء، ما زال الناتج أدنى بنحو 9% من مساره قبل الحرب، ويتجه الدين إلى نحو 74% بحلول 2031، ويفيد معهد الديمقراطية الإسرائيلي بأن الإنفاق الدفاعي ارتفع من 4.2% من الناتج عام 2022 إلى قرابة 8% في موازنة 2026 (نحو 175 مليار شيكل مع احتياطي الحرب)، وأن حصته من الموازنة ارتفعت من 16% إلى نحو الربع، وأن الإنفاق المدني الحقيقي للفرد سيتراجع نحو 3.3% بين موازنتي 2025 و2026، وهو إنفاق يقل أصلاً بنحو عشر نقاط من الناتج عن وسط الدول المتقدمة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

 وقدّر “بنك إسرائيل” كلفة الحرب المالية بنحو 350 مليار شيكل حتى نهاية 2025، وارتفع الدين من 60.5% إلى 68.5%.

والخلاصة أن الكلفة الاقتصادية متغير مقيِّد لا حاسم: فهي لا تُجبر الكيان الإسرائيلي على إنهاء الحرب، لكنها تضيّق هامش الاختيار بين الإنفاق المدني والعسكري، وتفاقم مشكلات سوق العمل التي يعدّها الصندوق قيداً هيكلياً، ومنها تدني مشاركة فئات واسعة من السكان.

 ويعني هذا أن حجة الاستنزاف الاقتصادي لا تكفي وحدها لتفسير تحول متوقع في السياسة؛ والأرجح أن العامل الأكثر أثراً هو الشريك الأمريكي لا الموازنة.

ثامناً: الشرعية والتحالفات: شروط تحويل الوقائع إلى ترتيبات

يرى معهد سياسات الشعب اليهودي أن الكيان الإسرائيلي أقوى عسكرياً وأفضل تموضعاً إقليمياً، لكنه يواجه تآكلاً في الشرعية الغربية، وهشاشة متزايدة في علاقته بالولايات المتحدة، واستقطاباً داخلياً أعمق؛ ويشير المعهد في دراسة أخرى إلى أن مؤشر العلامة الوطنية (Anholt–Ipsos) وضع الكيان في أدنى القائمة أو قربها سنتين متتاليتين، وإلى تراجع التأييد في الولايات المتحدة وألمانيا.

 ويصف معهد الأمن القومي ما جرى بأنه تآكل غير مسبوق في المكانة الدولية، من العزلة في المؤسسات الدولية إلى التهديد بالحظر، ويعدّ أزمة الثقة مع الإدارة الأمريكية بشأن «اليوم التالي» ضربة للمحور الأهم في الأمن القومي.

 وعلى المستوى الأممي، قالت لجنة التحقيق المستقلة في 26 أكتوبر إن أفعالاً إبادية ما زالت تُرتكب في غزة رغم وقف النار،  وبلغ عدد الدول المعترفة بدولة فلسطين 161 دولة بحسب تقرير الأمم المتحدة.

ولا ينبغي المبالغة في أثر ذلك: فالعلاقة بواشنطن ما زالت الركيزة، ولا تبدو الولايات المتحدة مستعدة حتى الآن لمراجعة موقفها من إنهاء مهمة اليونيفيل رغم اعتراض أغلب أعضاء مجلس الأمن، ما يبين أن الغطاء الأمريكي ما زال فاعلاً حين تتقاطع المصالح.

لكن الشرعية والتحالفات لا تمس صورة الكيان الإسرائيلي فقط؛ بل قدرته على تحويل الوقائع إلى ترتيبات، فالإطار الثلاثي في لبنان وخطة غزة وأي مسار مع الرياض ودمشق تحتاج كلها أطرافاً أخرى، وإحدى أقوى أوراق الاستدامة، أي التطبيع السعودي، بيد طرف عربي.

تاسعاً: السيناريوهات خلال 12–24 شهراً

السيناريوالمضمون والمحركاتمؤشرات المراقبةالانعكاس على الفلسطينيينالترجيح
إدارة الصراع بالسيطرةاستمرار الخط الأصفر وتوسعه، وبقاء مواقع في لبنان، وضربات انتقائية. المحركات: حسابات الائتلاف، ومنطق «الضمانة»، وانشغال واشنطن بإيران.تحريك جديد للخط الأصفر؛ إنشاءات ثابتة في الجنوب اللبناني؛ عدم نشر قوة الاستقرار؛ استمرار حكومة تصريف الأعمال.تثبيت تقسيم القطاع وتأخر الإعمار وتعمق أزمة السلطة المالية.الأرجح
تصعيد إقليمي متجدداستئناف الضربات على إيران ودخول حزب الله. المحركات: فشل الوساطة القطرية، وضرب «جبل فأس»، وحوادث هرمز.ضربات على منشآت نووية؛ هجمات يعلن عنها الحزب؛ هجمات على ناقلات؛ انهيار قنوات الوساطة.تجميد مسار غزة وتوسيع هامش الوقائع في الضفة.محتمل، وقراره أمريكي أكثر منه إسرائيلي
تسوية جزئية انتقائيةخطوات متبادلة: دخول اللجنة الوطنية ونشر قوة الاستقرار مقابل انسحاب مرحلي، وترتيبات أمنية في لبنان وسوريا. المحركات: ضغط أمريكي وحوافز سعودية، وحكومة وحدة أو أقلية، واتفاق مع إيران.دخول اللجنة الوطنية القطاع؛ انتشار أفراد قوة الاستقرار؛ تسلسل مكتوب؛ تمديد اليونيفيل أو بعثة بديلة؛ اتفاق أمني مع سوريا.فرصة لتثبيت مرجعية فلسطينية موحدة إن توافرت.أقل ترجيحاً في الأفق القريب

السيناريوهات ليست متنافية بالضرورة؛ فقد يتقدم مسار جزئي في لبنان أو سوريا بالتوازي مع الإدارة بالسيطرة في غزة. وتتحدد الأرجحية بغياب حكومة إسرائيلية مفوّضة بتنازلات خلال الأشهر المقبلة، وباحتمال أن يتخذ قرار التصعيد في واشنطن.

عاشراً: التقدير الاستراتيجي

تخلص الورقة إلى أن الكيان الإسرائيلي حقق تفوقاً عسكرياً حقيقياً لا يصح إنكاره، لكنه لم يحوّله إلى مكسب سياسي مستدام في أي ساحة.

وتتغذى الفجوة من ثلاثة عوامل: قدرة الخصوم على التكيّف ونقل المواجهة إلى مجالات لا تُجزّ فيها القوة بسهولة، كمضيق هرمز؛ واختيار إسرائيلي تدل عليه المؤشرات للسيطرة بديلاً عن التسوية في غزة والضفة وجزئياً في لبنان؛ وقيد الشريك الأمريكي الذي يعمل أحياناً مُمكّناً وأحياناً كابحاً.

وتُظهر انتخابات 27 أكتوبر أن البنية السياسية الإسرائيلية لن تنتج على الأرجح في الأمد القريب حكومة قادرة على تقديم تنازلات سياسية، ما يرجّح «إدارة الصراع بالسيطرة» بكلفة مالية وسياسية متراكمة لكنها محتملة، مع قابلية عالية للانفجار عند أول خلل في المسار الإيراني.

 والمعضلة الإسرائيلية ليست في القدرة على استخدام القوة، بل في القدرة على تقليل الحاجة إليها؛ غير أن هذا الميزان لا يُحسم في تل أبيب وحدها، بل في واشنطن والرياض وبيروت وغزة أيضاً.

حادي عشر: التوصيات

تنطلق التوصيات من أن الفجوة تعني أن الكيان الإسرائيلي  يملك الفيتو لا القدرة على إنتاج البديل؛ ومن ثم فإن البديل الواقعي يُبنى فلسطينياً وعربياً، ويُفرض بالتفاعل مع الشريك الأمريكي.

  1. تفعيل مرجعية فلسطينية موحدة لإدارة غزة: تشغيل قناة الارتباط بين السلطة واللجنة الوطنية، والتوافق على خطة تعافٍ وطنية واحدة كما يوصي تقرير الأمم المتحدة.
  2. التمسك بخريطة 31 يوليو بتسلسلها المتبادل، وطلب ضمانة أمريكية وعربية مكتوبة تربط كل مرحلة من نزع السلاح (بصيغة تخزين داخل القطاع تحت إشراف اللجنة الوطنية ولجنة التحقق) بخطوة انسحاب مقابلة.
  3. معاملة فترة تشكيل الحكومة الإسرائيلية (حتى نحو 42 يوماً من التكليف) نافذةً للرصد: توثيق أي تحريك للخط الأصفر أو توسيع للمواقع، ورفعه إلى الأمم المتحدة والوسطاء.
  4. عدم عزل الضفة الغربية عن أي تسوية: ربط ترتيبات غزة بوقف الإجراءات الأحادية في الضفة (تسجيل الأراضي، عنف المستوطنين) وإطلاق أموال المقاصة.
  5. استثمار تقرير لجنة التحقيق الأممية والمسارات القضائية الدولية لرفع كلفة الوقائع المفروضة.

© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية نوفمبر 2026 — جميع الحقوق محفوظة

شارك:

المزيد من المقالات