أزمة الرواية الإسرائيلية في حرب غزة.. من “لا أرض أخرى” إلى NAZA: شهادات الداخل وحدود احتواء الرواية الرسمية

دراسة تحليلية – أ. ابراهيم الحواجري|خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
تتناول هذه الورقة التحليلية تصدع الرواية الرسمية الإسرائيلية لحرب غزة نتيجة تراكم شهادات وإنتاجات صحفية وسينمائية صادرة من داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها.
وتميّز الورقة بين خطين متمايزين غالباً ما يُخلط بينهما: تحقيقات “لافندر” و“أين القائد؟” الصحفية المنشورة عام 2024 حول استخدام الذكاء الاصطناعي في تحديد أهداف الاغتيال، وفيلم NAZA (2026) الذي يوثق هذه المنظومة عبر شهادات مباشرة لأربعة وعشرين ضابطاً واستخبارياً إسرائيلياً سابقاً، مستنداً إلى سابقة فيلم “لا أرض أخرى” (2024) الذي أرسى نموذج الشهادة الإسرائيلية الداخلية وإن كان مكرّساً لقضية مختلفة هي تهجير مسافر يطا في الضفة الغربية.
وتحلل الورقة نمط الرد الحكومي والعسكري المتكرر عبر حروب غزة المتعاقبة (2009، 2014، 2023-2026)، القائم تاريخياً على تكذيب الشهادات وإحالتها للتحقيق ثم إغلاقها، وتستعرض تحول هذا النمط في الحرب الراهنة إلى تهديدات مباشرة بسحب الجنسية ووصم صريح بـ“معاداة السامية” من رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه، وتربط ذلك بمسار مساءلة دولي قائم فعلاً منذ مذكرات توقيف الجنائية الدولية الصادرة في نوفمبر 2024.
 وتخلص الورقة إلى أن جوهر الأزمة ليس في واقعة بعينها بل في تآكل قدرة المؤسسة الإسرائيلية على احتكار السردية أمام جمهورها الداخلي، مع تقديم سيناريوهات مستقبلية مقيّدة بمؤشرات قابلة للرصد وتوصيات لصناع القرار والفاعلين الحقوقيين والإعلاميين.

مقدمة

شكّلت السردية الرسمية الإسرائيلية لعقود عنصراً من عناصر إدارة المواجهة مع الفلسطينيين، قائمة على تصوير السلوك العسكري بوصفه دفاعاً مشروعاً عن النفس ملتزماً بمعايير القانون الدولي.

غير أن استطالة حرب غزة، وما رافقها من كلفة بشرية ومادية غير مسبوقة، أوجدت بيئة كشفت عن تصدعات متتالية في هذه السردية؛ إذ بدأت شهادات وتحقيقات صادرة من داخل الجيش والمجتمع والإعلام الإسرائيلي نفسه تُنتج رواية مغايرة لما تقدمه الناطقية الرسمية.

وتنطلق هذه الدراسة من ملاحظة منهجية أولية: أن كثيراً من التغطية العربية لهذه الظاهرة تخلط بين مشروعين إعلاميين متمايزين يتشاركان بعض صنّاعهما، وهما فيلم “لا أرض أخرى” (2024) الذي يوثق تهجير مسافر يطا في الضفة الغربية، وفيلم NAZA (2026) المخصص كلياً لمنظومة الاستهداف بالذكاء الاصطناعي في غزة.

تصحح هذه الورقة هذا الخلط، وتبني عليه تحليلاً لمسار الشهادة الداخلية عبر ثلاث محطات متعاقبة: التحقيقات الصحفية، ثم الإنتاج السينمائي المسند إليها، ثم الرد الحكومي المتصاعد.

وتطرح الورقة السؤال المركزي التالي: إلى أي مدى تكشف شهادات الداخل الإسرائيلي عن أزمة في الرواية الرسمية لحرب غزة، وما حدود قدرة الحكومة الإسرائيلية على احتواء هذه الشهادات أمام مجتمعها والرأي العام الدولي؟ وتخلص إلى سيناريوهات مستقبلية وتوصيات موجهة لصناع القرار والفاعلين الحقوقيين والإعلاميين.

المحور الأول: من “لا أرض أخرى” إلى NAZA — تصحيح الالتباس وبناء التسلسل

يشترك في المشروعين السينمائيين الصحفي والمخرج الإسرائيلي يوفال أبراهام، لكنهما عملان منفصلان بموضوعين مختلفين، والتمييز بينهما ضروري لفهم تطور أزمة الرواية:

  • “لا أرض أخرى” (No Other Land، 2024): أخرجه يوفال أبراهام مع الفلسطيني باسل عذرا وحمدان بلال وريتشيل تسور، ويوثق على مدى سنوات هدم منازل وتهجير سكان مسافر يطا جنوب الخليل بالضفة الغربية.

فاز بجائزة مهرجان برلين 2024 ثم بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي في مارس 2025.

  • NAZA (2026): أخرجه يوفال أبراهام وريتشيل تسور حصرياً، وعُرض لأول مرة في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية في 10 سبتمبر 2026 وفاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة.

 يستند الفيلم إلى أربع وعشرين مقابلة مع ضباط واستخباريين إسرائيليين سابقين تحدثوا بشرط إخفاء هويتهم، ويوثق تحديداً منظومة الاستهداف بالذكاء الاصطناعي في غزة، وعنوانه مشتق من المصطلح العسكري العبري “نيزيك أجبي” (Nezek Agavi)، أي “الضرر الجانبي”.

أنتج الفيلمَ الثاني تحالفٌ بريطاني شارك فيه صحيفة الغارديان بصفتها أحد المنتجين، وأشرف على إنتاجه التنفيذي المخرج جوناثان غليزر، وصُوِّر جزء كبير منه سراً على أسطح مبانٍ في تل أبيب على مدى ثلاث سنوات.

 وبحسب أبراهام، فإن الوحدة الأساسية للاستهداف في المنظومة التي يوثقها الفيلم هي “البيت العائلي” في غزة وليس الفرد المستهدف وحده، وهو ما يربط مباشرة بين الفيلم وبين تحقيقات “لافندر” الصحفية التي سبقته بعامين، والتي يفصّلها المحور التالي.

المحور الثاني: تحقيقات “لافندر” و“أين القائد؟” — التأصيل الصحفي لمنظومة الاستهداف

نشر يوفال أبراهام في مجلة 972+ وموقع Local Call الإسرائيليين، بتاريخ 3 أبريل 2024، تحقيقاً استقصائياً استند إلى شهادات ست مصادر استخباراتية إسرائيلية، كشف عن استخدام الجيش الإسرائيلي لمنظومة ذكاء اصطناعي أُطلق عليها اسم “لافندر” لوضع قوائم استهداف ضمّت في مرحلة ما نحو 37 ألف اسم فلسطيني رُشِّحوا كعناصر مرتبطة بحماس أو الجهاد الإسلامي.

  • نسب “الأضرار الجانبية” المرخَّصة مسبقاً: أفاد مصدران للتحقيق بأن الجيش اعتمد نسبة تصل إلى 15-20 مدنياً مقابل كل عنصر ميداني منخفض الرتبة، وأكثر من مئة مدني في حالات استهداف قادة.
  • منظومة “أين القائد؟” (Where’s Daddy?): برنامج تتبع مرتبط بلافندر يُنبّه ضابط الاستهداف عند دخول الشخص المستهدف إلى منزله، بحيث يجري القصف والعائلة بأكملها داخل المنزل، لا في سياق نشاط عسكري.
  • نسبة خطأ مُقرّ بها داخلياً: أشارت تقديرات مرتبطة بالتحقيق إلى أن دقة المنظومة في تصنيف الانتماء بلغت نحو 90%، أي أن نسبة خطأ تقارب 10% كانت متوقَّعة ومقبولة عملياً ضمن آلاف الترشيحات.

لم ينفِ الجيش الإسرائيلي وجود هذه الأنظمة نفياً قاطعاً، لكنه اعترض على وصفها بأنها “تحدد” الأهداف آلياً، مؤكداً أن ضباطاً بشريين يراجعون كل توصية، بينما نفى رسمياً وجود “سياسة” لقتل عشرات الآلاف داخل منازلهم.

ولتجاوز الطابع النظري لهذه الأرقام، وثّقت منظمة “بتسيلم” الإسرائيلية لحقوق الإنسان حالة ميدانية محددة رافقت التحقيق: ففي محاولة اغتيال أيمن نوفل، قائد لواء وسط غزة في حركة حماس، أفاد أحد المصادر الاستخباراتية بأن الجيش رخّص مسبقاً بمقتل نحو 300 مدني، ما أدى إلى تدمير عدة مبانٍ سكنية في مخيم البريج؛ ووثّقت بتسيلم في الموقع نفسه مقتل عشرات الأشخاص ودفن مئات آخرين تحت الركام.

 وبالتوازي، قدّرت تحليلات صور الأقمار الصناعية لبرنامج الأمم المتحدة UNOSAT أن أكثر من 60% من مباني مدينة غزة كانت قد تضررت أو دُمرت بحلول فبراير 2024 وحده [16]، وهو رقم يمنح تقديرات “الضرر الجانبي” المذكورة في التحقيق بعداً مادياً ملموساً يتجاوز الأرقام المجردة.

وقد شكّل هذا التحقيق، قبل صدور فيلم NAZA بعامين، الأساس الوثائقي الذي بُني عليه لاحقاً كل من الفيلم ومسار المساءلة الدولية الذي يستعرضه المحور الرابع.

المحور الثالث: تآكل السردية الرسمية — نمط متكرر عبر ثلاث حروب

لا تمثل شهادات حرب غزة الحالية سابقة منفردة، بل امتداداً لنمط تكرر في كل مواجهة عسكرية كبرى خاضها الجيش الإسرائيلي في غزة منذ 2009.

 فبعد عملية “الرصاص المصبوب” (2008-2009)، نشرت صحيفة هآرتس شهادات جنود قدّموها لطلاب معهد أكاديمي قبل تجنيدهم، تضمنت وقائع استهداف مدنيين بقواعد اشتباك فضفاضة.

وردّ رئيس أركان الجيش آنذاك، غابي أشكنازي، برسالة علنية للجنود عبّر فيها عن ارتياحه لأن هذه “الشهادات” تبيّن أنها “كاذبة ولا أساس لها من الصحة” بعد أن أغلق المدعي العسكري العام التحقيق لعدم كفاية الأدلة.

وفي حرب 2014، جمعت منظمة “كسر الصمت” (Breaking the Silence) شهادات ستين جندياً وضابطاً في تقرير من 237 صفحة وثّق نمط الأضرار المدنية، فردّ الجيش الإسرائيلي بأن المنظمة “رفضت تقديم أدلة” تتيح التحقيق.

 أما في الحرب الراهنة، فقد وثّق فيلم تلفزيوني بريطاني بعنوان “Breaking Ranks: Inside Israel’s War” (2025) شهادات جنود ومقاتلين نشطين وسابقين تصف استهداف مدنيين دون “ذنب”، وقوبل بدوره بانتقادات رسمية تتهمه بالانتقائية.

القاسم المشترك بين المحطات الثلاث هو أن الاستجابة الرسمية لم تتغير في جوهرها عبر خمسة عشر عاماً: تكذيب أولي، ثم مطالبة الشهود بأدلة يصعب تقديمها دون كشف هويتهم، ثم إغلاق الملف.

غير أن ما يميز الحرب الراهنة هو حجم الشهادات وتزامنها مع منصات دولية ذات وصول جماهيري واسع (مهرجانات سينمائية، أوسكار)، وهو ما يفسر تحول الرد الرسمي من التكذيب الفني إلى المواجهة السياسية المباشرة كما يوضح المحور التالي.

المحور الرابع: الرد الحكومي — من الاتهام بالتشويه إلى تهديد الجنسية

عقب فوز “لا أرض أخرى” بجائزة برلين في فبراير 2024، ألقى يوفال أبراهام كلمة دعا فيها إلى وقف إطلاق النار وإنهاء “حالة الأبارتايد” بينه وبين شريكه باسل عذرا، مشيراً إلى أنه يخضع للقانون المدني بينما يخضع عذرا للقانون العسكري رغم أنهما يعيشان على بعد نصف ساعة.

أعقب ذلك تهديدات بالقتل دفعت أبراهام لإلغاء رحلة عودته، ووصفت أوساط ألمانية وإسرائيلية الخطاب بـ“معاداة السامية” رغم دعوته الصريحة للمساواة لا لنزع الشرعية عن الكيان الإسرائيلي.

وبعد فوز الفيلم بالأوسكار في مارس 2025، وصف وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهر الجائزة بأنها “لحظة حزينة لعالم السينما” واعتبر تمويل مثل هذه الأعمال “تخريباً ضد دولة إسرائيل”، معلناً عن إجراءات لوقف تمويل حكومي عن أعمال يراها “مُشوِّهة لصورة إسرائيل”.

بلغ التصعيد ذروته مع عرض NAZA في مهرجان البندقية في سبتمبر 2026، حيث نال الفيلم تصفيقاً وقوفاً استمر نحو 25 دقيقة، وهو ما دفع نتنياهو نفسه للتعليق في مقطع مصور نشره عبر تيليغرام بأن ما جرى “صادم” وأن إسرائيل “تحارب التحريض العالمي المعادي للسامية، وعندما يأتي من الداخل فهذا أمر لا يُحتمل”، فيما دعا وزيران في الحكومة، من بينهم زوهر، إلى سحب الجنسية الإسرائيلية عن أبراهام وتسور .

يمثل هذا التطور تحولاً نوعياً في طبيعة الرد الرسمي: فبينما اقتصر الرد في 2009 و2014 على النفي الفني وإغلاق ملفات التحقيق، انتقل في 2024-2026 إلى مواجهة سياسية مباشرة من رئيس الحكومة الإسرائيلية نفسه، ومطالبة رسمية بإجراء غير مسبوق هو نزع الجنسية عن مواطنين إسرائيليين بسبب عمل صحفي وسينمائي، وهو ما يعكس إدراكاً حكومياً بأن المواجهة لم تعد حول وقائع ميدانية قابلة للنفي، بل حول شرعية الشاهد ذاته.

المحور الخامس: البعد القانوني الدولي — مسار مساءلة قائم لا مجرد احتمال مستقبلي

خلافاً لتصورٍ شائع يقدّم المساءلة الدولية كأفق مستقبلي مرهون بهذه الشهادات، فإن المحكمة الجنائية الدولية أصدرت بالفعل في 21 نوفمبر 2024 مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الأسبق يوآف غالانت، بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تشمل استخدام التجويع أسلوباً حربياً واستهداف السكان المدنيين، عن الفترة الممتدة من أكتوبر 2023 إلى مايو 2024.

ما تضيفه شهادات NAZA وتحقيقات “لافندر” ليس إصدار مذكرات جديدة من فراغ، بل تعزيز قاعدة الأدلة المتاحة لفرق الادعاء لتوسيع نطاق التهم أو تدعيم الملفات القائمة أمام كل من الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية في قضية جنوب أفريقيا ضد الكيان الإسرائيلي.

 ويظل الفارق بين وجود المذكرات وتنفيذها كبيراً: تنفيذها مشروط بدخول نتنياهو أو غالانت إلى إحدى الدول الأعضاء الـ124 في المحكمة، وهو ما يحدّ عملياً من أثرها الفوري وإن لم يُلغِ أثرها الرمزي والدبلوماسي المتراكم.

جدول (1): مقارنة بين الأعمال الثلاثة ومحطات الرد الرسمي

العمل / التاريخالموضوع الأساسيرد الفعل الرسمي المباشر
تحقيق “لافندر” (972+ ،أبريل 2024)توصيف منظومة الذكاء الاصطناعي ونسب الأضرار الجانبية المرخَّصةعدم نفي قاطع لوجود الأنظمة، مع اعتراض على وصفها بأنها “تقرر” الاستهداف آلياً
فيلم “لا أرض أخرى” (2024، أوسكار 2025)تهجير مسافر يطا بالضفة الغربيةوصف الفوز بـ“لحظة حزينة” ووقف تمويل حكومي عن أعمال مشابهة
فيلم NAZA (2026، البندقية)منظومة الاستهداف بالذكاء الاصطناعي في غزة عبر 24 شهادة داخليةتصريح نتنياهو بـ“معاداة سامية” ودعوة وزراء لسحب الجنسية

المحور السادس: التداعيات على الرأي العام الإسرائيلي والغربي

أنتجت هذه المحطات المتراكمة انقساماً متصاعداً داخل المجتمع الإسرائيلي بين رفض يميني حاد يصف صنّاع هذه الأعمال بالخيانة، وأوساط حقوقية وفنية تتبنى الشهادات وتدفع باتجاه نشرها محلياً لمواجهة ما تصفه بحالة إنكار جمعي.

كما ساهمت هذه الأعمال، إلى جانب أفلام أخرى تناولت غزة من زوايا مختلفة مثل “صوت هند رجب” الذي نال تصفيقاً مماثلاً في مهرجان البندقية قبل عام واحد، في تعزيز حضور الشهادة الفلسطينية والإسرائيلية المشتركة في المحافل الثقافية الدولية، وإحراج الحكومات الغربية الداعمة عسكرياً للكيان الإسرائيلي أمام رأي عام متزايد الاطلاع على تفاصيل لم تعد حكراً على التغطية الرسمية.

ويتقاطع هذا الانقسام الرمزي مع ظاهرة ملموسة داخل مؤسسة الاحتياط العسكري نفسها:

 تشير تقديرات نشرتها مجلة 972 + في أبريل 2025 إلى أن أكثر من مئة ألف جندي احتياط إسرائيلي توقفوا عن الاستجابة لأوامر الاستدعاء، مع تقديرات لهيئة البث الإسرائيلية الرسمية (كان) بتراجع معدل الانتشار في صفوف الاحتياط بما يقارب النصف.

غير أن الدقة المنهجية تقتضي التمييز هنا بين ظاهرتين لا ينبغي الخلط بينهما: فالتحليل ذاته يقدّر أن نحو 1500 حالة فقط، أي ما يعادل 1.5% من إجمالي حالات عدم الالتحاق بين أكتوبر 2023 وأبريل 2025، كانت مدفوعة برفض أخلاقي أو سياسي صريح للحرب (عصيان الضمير)، بينما تعود الغالبية العظمى لأسباب أخرى كالإرهاق النفسي والجسدي والضغوط الاقتصادية والأسرية.

 وهذا التمييز مهم تحليلياً: فالتآكل الفعلي في القدرة العسكرية على حشد الاحتياط أوسع بكثير من ظاهرة “رفض الخدمة” الأيديولوجي المرتبط مباشرة بأزمة الرواية، وإن كان الأخير – رغم صغر حجمه النسبي – يحظى بصدى إعلامي ورمزي أكبر من وزنه العددي، لكونه الوحيد المرتبط تفسيرياً بموضوع هذه الورقة.

المحور السابع: سيناريوهات مستقبلية

تطرح الورقة ثلاثة سيناريوهات مرتبطة بمؤشرات قابلة للرصد خلال الأشهر المقبلة، دون ترجيح قاطع لأي منها نظراً لتعدد المتغيرات المؤثرة (مسار الحرب، الانتخابات الإسرائيلية، موقف الإدارة الأمريكية):

السيناريو الأول – التشريع القمعي: تمرير الائتلاف الحكومي تشريعات تُجرّم تصوير عمليات الجيش أو تسريب شهادات لجهات أجنبية.

مؤشره الأقرب للرصد: أي مشروع قانون من هذا النوع يُطرح على الكنيست خلال الأشهر المقبلة.

السيناريو الثاني – استمرار الوضع الراهن: تواصل تسرب الشهادات عبر المنصات الدولية دون قدرة الحكومة على منعها، مع بقاء الانقسام الداخلي الإسرائيلي عند مستواه الحالي دون حسم.

مؤشره: استمرار صدور أعمال وتحقيقات مماثلة دون تغيير نوعي في الاستجابة الحكومية.

السيناريو الثالث – تدويل متزايد: استخدام فرق الادعاء الدولية لهذه الشهادات في توسيع لوائح الاتهام القائمة أصلاً، مع تصاعد ضغوط برلمانية غربية لتقييد صادرات السلاح.

مؤشره: أي قرار حظر توريد سلاح رسمي من دولة عضو في الجنائية الدولية يستند صراحة إلى هذه الشهادات.

الخــاتمــة

تُظهر هذه الدراسة أن أزمة الرواية الإسرائيلية لحرب غزة ليست حدثاً عابراً بل نمطاً متكرراً منذ 2009 اتخذ في الحرب الراهنة أبعاداً أوسع بفعل حجم الشهادات وتزامنها مع منصات دولية واسعة الأثر، وبفعل تحول الرد الرسمي من التكذيب الفني إلى المواجهة السياسية المباشرة التي بلغت حد المطالبة بسحب الجنسية عن مواطنين إسرائيليين.

وتبقى المساءلة الدولية، رغم وجودها الفعلي منذ نوفمبر 2024، مقيدة بحدود التنفيذ العملي أكثر من كونها غائبة.

التــوصــيات

  1. للمؤسسات الحقوقية والقانونية الفلسطينية والدولية: بناء ملف أدلة موحّد يربط تحقيقات “لافندر” بحالات ميدانية موثقة من منظمات مثل بتسيلم وتحليلات UNOSAT الفضائية (على غرار حالة أيمن نوفل)، وتقديمه كـ“بلاغ” (communication) رسمي إلى مكتب المدعي العام للجنائية الدولية بموجب المادة 15 من نظام روما الأساسي، بما يدعم توسيع لائحة الاتهام القائمة أصلاً بحق نتنياهو وغالانت بدل الاكتفاء بالاستشهاد الإعلامي بالشهادات.
  2. لوسائل الإعلام العربية والدولية: التمييز الدقيق بين “لا أرض أخرى” وNAZA وتحقيقات “لافندر” عند التغطية، ونسب كل رقم أو واقعة إلى مصدرها الأصلي (تحقيق صحفي، منظمة حقوقية، تحليل أقمار صناعية) تفادياً لخلط يوفر ذريعة للتشكيك في مصداقية التغطية العربية ذاتها.
  3. للدبلوماسية الفلسطينية والعربية: الاستناد إلى مسار المساءلة الدولية القائم فعلاً منذ نوفمبر 2024 في الضغط الدبلوماسي بدل تصويره احتمالاً مستقبلياً، والدفع باتجاه إحالات قضائية وطنية بموجب مبدأ “الولاية القضائية العالمية” في الدول الأعضاء بالجنائية الدولية التي قد يزورها مسؤولون إسرائيليون، إلى جانب ربط أي مطالبة بحظر تصدير السلاح بمرجعية قانونية محددة (كمذكرات التوقيف القائمة) لا بخطاب عام.
  4. للمنظمات الدولية المعنية بحرية التعبير: رصد أي مشروع تشريع إسرائيلي يستهدف تجريم التوثيق أو تسريب الشهادات أو سحب الجنسية عن صحفيين، باعتباره مؤشراً مبكراً قابلاً للتتبع على السيناريو الأول المذكور أعلاه.

© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية سبتمبر  2026 — جميع الحقوق محفوظة

شارك:

المزيد من المقالات

منطق الإحلال المتجدد: التهجير كبنية مستمرة في المشروع الاستيطاني الصهيوني، من الترانسفير التأسيسي إلى خطط ما بعد وقف إطلاق النار في غزة

ورقة تحليلية توثّق امتداد خطط تهجير غزة الراهنة (فك الارتباط 710، الجزيرة الاصطناعية) إلى منطق إحلال استيطاني تأسيسي، وتحلل حدوده الأمريكية والعربية والدولية بعد وقف إطلاق النار.