تحليل سياسات – أ. أبو عامر |خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية
| الملخص التنفيذي منذ إعلان تشكيلها في كانون الثاني/يناير 2026، تدير اللجنة الوطنية لإدارة غزة (NCAG) أعمالها من مقر مؤقت في القاهرة دون دخول فعلي إلى القطاع. تتقاضى قيادات اللجنة رواتب تتراوح بين 16 و17 ألف دولار شهريا، في وقت لم يودَع فيه أي مبلغ في صندوق GRAD التابع للبنك الدولي، والمخصَّص أصلا لتمويل إعادة الإعمار بشفافية، بينما تُوجَّه تدفقات المانحين إلى حساب خاص لدى بنك JPMorgan Chase خارج أطر الرقابة الدولية المعتادة . تخلص هذه الورقة إلى أن الفجوة بين الحضور الدبلوماسي والغياب الميداني ليست عارضا تقنيا بل نتاج تصميم مؤسسي يفصل التمويل عن المساءلة، وإن كانت قيود خارجة عن إرادة اللجنة (تعطل نشر قوة الاستقرار، واستمرار السيطرة الإسرائيلية على الدخول والمعابر) تفسر جزءا من الجمود. توصي الورقة بربط أي تمويل إضافي بمرور الأموال حصرا عبر صندوق البنك الدولي، وبإلزام اللجنة ومجلس السلام بنشر تقارير مالية دورية تفصيلية. |
مقدمة
شكّل قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، الصادر في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 بموافقة 13 عضوا وامتناع روسيا والصين عن التصويت، الإطار القانوني الدولي لمرحلة ما بعد الحرب في غزة، عبر إقرار خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المكونة من عشرين نقطة، وتأسيس ثلاث هيئات متوازية: مجلس السلام، واللجنة الوطنية لإدارة غزة، وقوة الاستقرار الدولية.
وبعد نحو ثمانية أشهر من انطلاق عمل اللجنة، لا تزال تدير اجتماعاتها وتحركاتها الدبلوماسية بالكامل تقريبا من مقرها المؤقت في القاهرة، دون أن يقابل ذلك أي مشروع إغاثي أو تنموي منفَّذ فعليا داخل قطاع غزة.
في الوقت نفسه، كشفت تحقيقات صحفية دولية، أبرزها ما نشرته صحيفة الغارديان وصحيفة فايننشال تايمز، عن مفارقة مالية حادة: رواتب قيادية مرتفعة نسبيا لأعضاء اللجنة، إلى جانب توجيه تمويل المانحين نحو حساب مصرفي خاص غير خاضع لآليات الإفصاح المعتمدة دوليا لإدارة أموال إعادة الإعمار.
تنطلق هذه الورقة من سؤال بحثي محدد: هل يعكس النموذج المالي الحالي للجنة الوطنية ومجلس السلام اختلالا بنيويا في الحوكمة، أم أنه انعكاس لمرحلة تأسيسية انتقالية تحكمها قيود سياسية وأمنية خارجة عن إرادة الفاعلين المحليين؟ وتفترض الورقة أن التفسيرين غير متعارضين: فبنية التمويل تنطوي على عجز حوكمي حقيقي وقابل للتصحيح، لكنها تعمل أيضا داخل بيئة سياسية وأمنية تفرض قيودا حقيقية على أي إدارة ميدانية، وهو ما يجب أخذه بالحسبان دون أن يُستخدم لتبرير غياب الشفافية.
منهجيا، تعتمد الورقة على مقاربة تحليل السياسات المالية العامة، وتقوم على مراجعة نص قرار مجلس الأمن 2803، والبيانات الرسمية الصادرة عن اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وتقارير صحفية استقصائية موثقة (الغارديان، فايننشال تايمز، رويترز، NPR)، وتحليلات مؤسسات بحثية متخصصة (مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي).
وتقتصر الورقة على الفترة من كانون الثاني/يناير حتى أيلول/سبتمبر 2026، وتقرّ بأن جانبا من الأرقام المالية الواردة فيها يستند إلى مصادر صحفية ثانوية أو تقديرات غير رسمية في غياب أي كشف مالي منشور من اللجنة أو مجلس السلام، وهو ما تُشير إليه الورقة صراحة عند كل رقم غير مؤكد رسميا.
أولا: الإطار المؤسسي والقانوني
1. الهندسة الثلاثية للحوكمة الانتقالية
أقام قرار 2803 هندسة حوكمة من ثلاث طبقات متكاملة نظريا:
- مجلس السلام: هيئة إدارية انتقالية دولية عليا، برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تتمتع بشخصية قانونية دولية، وتشرف على تنسيق التمويل وإعادة التنمية حتى نهاية عام 2027 أو لحين استكمال السلطة الفلسطينية برنامجها الإصلاحي.
- اللجنة الوطنية لإدارة غزة (لجنة التكنوقراط): الذراع التنفيذي المعيّن من مجلس السلام والخاضع لمساءلته، وتضم نخبة من التكنوقراط الفلسطينيين المكلفين بإدارة القطاعات الخدمية اليومية.
- قوة الاستقرار الدولية (ISF): المكوّن الأمني الذي يُفترض أن يهيئ الظروف لعمل اللجنة ميدانيا داخل غزة، وتشمل الدول التي أعلنت مساهمتها بقوات حتى الآن إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا، إضافة إلى التزام مصر والأردن بتدريب الشرطة المدنية؛ ولا يزال نشر القوة متعثرا ولم تكتمل ترتيبات مقرها الميداني بعد.
ووفق نص القرار، يُلزَم مجلس السلام برفع تقارير دورية كل ستة أشهر إلى مجلس الأمن حول سير تنفيذ الخطة الشاملة، وهو ما يمنح، نظريا، أداة رقابية دولية، لكنه لا يلزم بنشر تفاصيل مالية للجمهور أو لمؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني، وهي الفجوة التي تتناولها هذه الورقة.
2. اللجنة الوطنية: التشكيل والاختصاصات
أُعلن عن التشكيل الكامل للجنة في منتصف كانون الثاني/يناير 2026 برئاسة د. علي عبد الحميد شعث، وهو مهندس مدني فلسطيني من مواليد خان يونس (1958)، حاصل على الدكتوراه من جامعة كوينز البريطانية، وشغل سابقا مواقع قيادية في السلطة الفلسطينية شملت نائب وزير التخطيط ونائب وزير النقل ورئاسة مجلس الإسكان وسلطة الموانئ.
وتضم اللجنة، بحسب الإعلان الرسمي، أربعة عشر عضوا آخرين يتوزعون على الملفات الخدمية التالية:
| العضو | الملف | العضو | الملف |
| بشير الريس | المالية | علي برهوم | المياه والبلديات |
| عائد أبو رمضان | الاقتصاد والتجارة والصناعة | هناء ترزي | الشؤون الاجتماعية والمرأة |
| عمر شمالي | الاتصالات | أسامة السعداوي | الإسكان والأراضي |
| عائد ياغي | الصحة | عدنان أبو وردة | العدل والقضاء |
| جبر الداعور | التعليم | سامي نسمان | الداخلية |
| عبد الكريم عاشور | الزراعة | رامي حلس | الشؤون الدينية |
| — | — | حسني المغني | شؤون العشائر |
يتولى الرئيس شعث، إضافة إلى رئاسة اللجنة، الإشراف المباشر على ملفات الطاقة والنقل والأوقاف.
وتجدر الإشارة إلى أن بعض المصادر الإعلامية أشارت إلى خمسة عشر عضوا لا أربعة عشر عند إعلان شعث نفسه عن التشكيل، وهو تفاوت طفيف في العدّ لم تحسمه اللجنة عبر كشف رسمي بأسماء الأعضاء وتواريخ التحاقهم، وهو ما يُضاف إلى فجوة الإفصاح العامة التي تتناولها الورقة.
ثانيا: من التأسيس إلى اليوم: الأنشطة المعلنة مقابل الحضور الميداني
يُظهر تتبع الأنشطة التي أعلنت اللجنة عن نفسها عبر قنواتها الرسمية، للفترة الممتدة من كانون الثاني/يناير حتى آب/أغسطس 2026، تركزا شبه كامل للنشاط في الاجتماعات الدبلوماسية واللوجستية من مقر القاهرة، مقابل غياب أي مشروع تنفيذي موثق داخل قطاع غزة:
| التاريخ | النشاط | المكان |
| إبريل 2026 | سلسلة لقاءات مع ممثل الاتحاد الأوروبي، مفوض الأونروا، نائبة المنسق الإنساني للأمم المتحدة، وفد الصليب الأحمر، البنك الدولي، ووكالتي GIZ وKfW، وسفراء كندا وأستراليا ونيوزيلندا واليونان | القاهرة |
| 25 يونيو 2026 | استقبال الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي لعملية السلام كريستوف بيجو | القاهرة |
| 16 يوليو 2026 | مشاركة رئيس اللجنة في اجتماع مجموعة المانحين لفلسطين برعاية المفوضية الأوروبية وحضور 65 وفدا | بروكسل |
| 11 أغسطس 2026 | اجتماع تنسيقي مع وكالات أممية ودولية (الأغذية العالمي، اليونيسف، الصحة العالمية، الإنمائي، الهجرة، أوتشا) ومعهد توني بلير | القاهرة |
يتضح من هذا الحصر أن الزيارة الخارجية الوحيدة لرئيس اللجنة كانت إلى بروكسل، وأن باقي الأنشطة الموثقة رسميا أُديرت من داخل مقر ثابت في القاهرة.
هذا النمط، وإن دلّ على تركز غير متكافئ للجهد في التنسيق الدبلوماسي على حساب الحضور الميداني، يجب أن يُقرأ مع تحفظين منهجيين: الأول أن اللجنة أعلنت في تموز/يوليو 2026 تلقيها “موافقة مبدئية” لدخول القطاع دون أن يتحول ذلك إلى دخول فعلي حتى تاريخ إعداد هذه الورقة؛ والثاني أن اجتماعاتها في القاهرة نفسها لا تعني بالضرورة غياب أثر — فالتنسيق مع منظمات الإغاثة الأممية قد يترجم إلى خدمات تُنفَّذ عبر تلك المنظمات لا عبر اللجنة مباشرة، وهو ما لا تسمح البيانات المتاحة بقياسه بدقة.
ثالثا: البنية المالية: صندوق البنك الدولي في مقابل الحساب الخاص
1. صندوق GRAD: التصميم والغرض المعلن
بطلب من إدارة ترامب وعقب صدور القرار 2803، أنشأ البنك الدولي صندوقا ماليا وسيطا متعدد المانحين يحمل اسم “GRAD” (صندوق إعادة إعمار وتنمية غزة)، ليكون قناة موحدة ومنضبطة لتجميع أموال المانحين وتوجيهها لإعادة الإعمار والإنعاش المبكر.
غير أن وثائق البنك الدولي نفسها تصف دوره في هذا الصندوق بأنه “أمين محدود المسؤولية” فقط، أي أنه لا يتحمل أي مسؤولية ائتمانية عن كيفية إنفاق الأموال بعد تحويلها إلى مجلس السلام، وهو ما يحدّ سلفا من قدرة الصندوق على فرض رقابة فعلية حتى لو استُخدم بالكامل.
2. حساب JPMorgan: النشأة والإشكاليات الرقابية
في اجتماع لمجلس السلام عُقد في 19 شباط/فبراير 2026 بحضور ممثلي 40 دولة، أُعلن عن تعهدات مالية بلغت نحو 17 مليار دولار لدعم عملية الإعمار والاستقرار في غزة، شملت 10 مليارات دولار تعهدت بها الولايات المتحدة، و7 مليارات دولار من دول خليجية وآسيوية (الإمارات، المغرب، البحرين، قطر، السعودية، كازاخستان، أذربيجان، أوزبكستان، والكويت)، إضافة إلى مليارين تجمعهما مكاتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية و75 مليون دولار من الاتحاد الدولي لكرة القدم.
بحلول أيار/مايو 2026، أي بعد نحو ثلاثة أشهر من هذا الإعلان الضخم، كشف تحقيق لصحيفة فايننشال تايمز أن صندوق GRAD التابع للبنك الدولي لم يتلقَّ دولارا واحدا من هذه التعهدات، في حين فضّل المانحون توجيه أموالهم إلى حساب خاص أنشأه مجلس السلام لدى بنك JPMorgan Chase، غير خاضع لأي إطار رقابي أو إفصاح مماثل لما يفرضه صندوق البنك الدولي.
وتفيد مصادر مطلعة نقلتها هيئة الإذاعة الوطنية العامة الأمريكية (NPR) بأن عدة حسابات أُنشئت أصلا، وأن المانحين “فضّلوا” ببساطة حساب جيه بي مورغان دون أن يوضَّح سبب هذا التفضيل.
وقد رجّحت مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي أن تفاوض إدارة ترامب مع بنك JPMorgan نفسه بشأن حساب مجلس السلام يثير حساسية إضافية، نظرا لدعوى قضائية شخصية رفعها ترامب سابقا ضد البنك ورئيسه التنفيذي جيمي دايمون بقيمة 5 مليارات دولار، ما يطرح تساؤلات حول احتمال تقاطع مصالح في أي تسوية محتملة بين الطرفين.
وبحسب متحدث باسم مجلس السلام نقلت تصريحه فايننشال تايمز، فإن “عدة قنوات” متاحة لاستقبال التبرعات وأن المانحين اختاروا بدائل لصندوق البنك الدولي دون مزيد من التفصيل.
3. الكونغرس الأمريكي: من التمويل المشروط إلى السحب الفعلي
خلافا لما تشير إليه بعض الروايات المتداولة عن “تعليق” الكونغرس لمبلغ 1.2 مليار دولار، تُظهر السجلات الصحفية مسارا مختلفا وأكثر دقة: في 29 تموز/يوليو 2026، أخطرت وزارة الخارجية الأمريكية الكونغرس بسحبها الفعلي (لا مجرد تعليقها) لمبلغ 50 مليون دولار كانت قد خصصته لمجلس السلام من ميزانية المنظمات والبرامج الدولية، عقب ضغط مكثف من السيناتورة الديمقراطية جين شاهين رئيسة الأقلية في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ.
ووصف نواب ديمقراطيون في مجلس النواب الحساب الخاص لدى جيه بي مورغان بأنه أقرب إلى “صندوق أسود” (slush fund) يفتقر إلى أي جهة تدقيق أو رقابة معلنة.
في المقابل، وفي مسار منفصل تماما عن تمويل اللجنة الوطنية والإنعاش التنموي، أخطرت وزارة الخارجية الكونغرس في 30 تموز/يوليو 2026 بتخصيص أكثر من 206 ملايين دولار (200 مليون دولار لتجهيزات ومركبات وتشغيل قوة الاستقرار الدولية، و6 ملايين دولار إضافية لتحويل مركبات مدرعة أمريكية لدعمها)، وهو أول تمويل أمريكي جوهري يُخصَّص فعليا لعمل قوة الاستقرار منذ إقرار القرار 2803.
كما أفادت تقارير بأن الإدارة الأمريكية أعادت توجيه نحو مليار دولار من اعتمادات إنسانية وإغاثية سابقة لتمويل مجلس السلام بطريقة تتجاوز اشتراطات الإخطار المسبق للكونغرس.
رابعا: تحليل التدفقات المالية الفعلية
يوضح الجدول التالي أبرز الأرقام المتاحة حتى أيلول/سبتمبر 2026، مع بيان درجة موثوقية كل رقم نظرا لغياب أي كشف مالي رسمي منشور من اللجنة الوطنية أو مجلس السلام:
| البند | القيمة | المصدر ودرجة الموثوقية | البند |
| إجمالي التعهدات المعلنة (فبراير 2026) | ≈17 مليار دولار من 40 دولة، منها 10 مليارات أمريكية و7 مليارات خليجية وآسيوية | معلن رسميا في اجتماع مجلس السلام — موثوقية عالية | إجمالي التعهدات المعلنة (فبراير 2026) |
| الرصيد الفعلي في صندوق GRAD (البنك الدولي) | صفر دولار حتى مايو 2026 على الأقل | تحقيق فايننشال تايمز، متعدد المصادر — موثوقية عالية | الرصيد الفعلي في صندوق GRAD (البنك الدولي) |
| تمويل مُعاد توجيهه من اعتمادات إنسانية أمريكية | ≈1 مليار دولار، خارج إخطار الكونغرس المعتاد | تقرير صحفي واحد (ms.now) — موثوقية متوسطة | تمويل مُعاد توجيهه من اعتمادات إنسانية أمريكية |
| تمويل أمريكي مُسحوب فعليا (يوليو 2026) | 50 مليون دولار | The Hill، مؤكد بإخطار رسمي لوزارة الخارجية — موثوقية عالية | تمويل أمريكي مُسحوب فعليا (يوليو 2026) |
| تمويل أمريكي مُخصَّص لقوة الاستقرار (يوليو 2026) | ≈206 ملايين دولار | Times of Israel عبر وثائق أُخطر بها الكونغرس — موثوقية عالية | تمويل أمريكي مُخصَّص لقوة الاستقرار (يوليو 2026) |
| مساهمة إماراتية تشغيلية مزعومة | ≈20 مليون دولار لتمويل مكتب الممثل السامي | مصدرا واحدا (منصات استقصائية بديلة) دون تأكيد مستقل — موثوقية منخفضة | مساهمة إماراتية تشغيلية مزعومة |
| رواتب أعضاء اللجنة الوطنية | 16–17 ألف دولار شهريا للعضو العادي | الغارديان، عن مصدر مطلع على اللجنة — موثوقية عالية للنطاق، لا للرقم الدقيق لكل عضو | رواتب أعضاء اللجنة الوطنية |
| راتب الممثل السامي لمجلس السلام (ميلادينوف) | ≈400 ألف دولار سنويا | الغارديان — موثوقية عالية، وهذا بند منفصل عن رواتب اللجنة الوطنية | راتب الممثل السامي لمجلس السلام (ميلادينوف) |
بناء على تقدير غير رسمي أعدته منصات فلسطينية بافتراض 14 عضوا، وراتب 25 ألف دولار شهريا للرئيس و16 ألف دولار لبقية الأعضاء، تصل فاتورة الرواتب وحدها إلى نحو 1.8 مليون دولار للفترة من منتصف كانون الثاني/يناير حتى مطلع أيلول/سبتمبر 2026 (نحو 7.5 أشهر)، أي ما يعادل نحو 2.9 مليون دولار على أساس سنوي كامل.
أما الكلفة التشغيلية الإجمالية، بإضافة رواتب المستشارين والفرق الفنية والإقامة الفندقية وقاعات الاجتماعات، فتقع وفق النموذج التقديري نفسه في نطاق تقريبي يتراوح بين 3 و4.5 مليون دولار عن الفترة نفسها، لا في رقم واحد حاسم، إذ يتوقف موضع الرقم داخل هذا النطاق على افتراضات غير مؤكدة حول عدد المستشارين ووتيرة السفر.
وتؤكد هذه المنصات نفسها أن أرقامها “تقديرية” وليست كشفا رسميا، وهو ما تتبناه هذه الورقة كذلك: الرقم الدقيق للإنفاق الفعلي غير معروف للجمهور، وهذا الغموض بحد ذاته هو صلب الإشكالية التي تعالجها الورقة، لا مجرد الرقم بذاته.
خامسا: قراءة تحليلية — كفاءة الإنفاق والمساءلة
1. مؤشر الكلفة الإدارية إلى الأثر الميداني
في غياب أي بيانات عن مشاريع منفَّذة فعليا داخل غزة بتمويل من اللجنة أو مجلس السلام، لا يمكن حساب مؤشر كفاءة إنفاق دقيق (نسبة النفقات الإدارية إلى الإنفاق البرامجي) بالمعنى الذي تعتمده عادة مؤسسات تقييم العمل الخيري والإنساني، مثل Charity Navigator، والتي تعتبر عادة أن إبقاء النفقات الإدارية والتشغيلية دون 15-20% من إجمالي الإنفاق مؤشرا على الكفاءة .
وتجدر الإشارة إلى أن هذا المعيار نفسه محل نقاش داخل قطاع العمل الإنساني، إذ حذّر تحالف مؤسسات دولية، من بينها BBB Wise Giving Alliance، مما يُعرف بـ”أسطورة النفقات الإدارية” (the Overhead Myth)، أي الاكتفاء بنسبة واحدة دون النظر إلى الشفافية والحوكمة والنتائج الفعلية؛ وبناء عليه، تستخدم هذه الورقة نسبة 15-20% كمرجعية إرشادية تقريبية لا كمعيار قاطع.
لكن المؤشر البديل الأدق لحالة اللجنة الوطنية هو “مؤشر الفراغ البرامجي”: فمقابل تعهدات معلنة بـ17 مليار دولار، ورصيد صفري في القناة الرسمية المخصصة للإعمار (GRAD)، فإن كل دولار موثّق الإنفاق حتى الآن (الرواتب، ونفقات التشغيل في القاهرة، وتمويل قوة الاستقرار غير المنتشرة بعد) يذهب إلى بند إداري أو أمني تحضيري، لا إلى بند إغاثي أو إعماري مباشر داخل القطاع.
هذه النتيجة لا تعني بالضرورة “هدرا” بالمعنى الدقيق للكلمة — إذ يمكن اعتبار بعضها كلفة تأسيسية طبيعية لأي إدارة انتقالية — لكنها تعني غياب أي مؤشر أداء قابل للقياس يربط التمويل بالنتائج، وهو ما تنبغي معالجته، بصرف النظر عن أي جدل حول عتبة النسبة المئوية الدقيقة.
2. مقارنة معيارية: من رام الله إلى بغداد
يفوق راتب عضو اللجنة الوطنية العادي (16 ألف دولار شهريا) براتب الوزير في السلطة الفلسطينية، الذي لا يتجاوز 4 آلاف دولار شهريا وفق مقارنات نشرتها منصات فلسطينية متابعة لملف اللجنة، أي أربعة أضعاف تقريبا.
وفي الوقت نفسه، يظل هذا الرقم أدنى من سلّم الرواتب الذي اعتمدته سلطة التحالف المؤقتة في العراق برئاسة بول بريمر عقب عام 2003، حين بلغ الدخل السنوي لبعض المناصب الأمنية والرئاسية العليا نحو مليون دولار، وراتب الوزير الشهري نحو 25 ألف دولار.
هذه المقارنة التاريخية تكشف أن نموذج “الإدارة الانتقالية المكلفة” ليس استثناء فلسطينيا، بل نمط متكرر في تجارب إدارية دولية مشابهة، وإن كان ذلك لا يبرر غياب الإفصاح عنه، بل يعزز الحاجة إلى مواءمته مع الأطر المرجعية للمنظمات الإنسانية والتنموية الدولية العاملة في السياق نفسه، لا مع سوابق استثنائية كتجربة العراق.
3. اقتصاد سياسي للتأخير: تفسيرات متنافسة
يمكن تفسير استمرار الفجوة بين النشاط الدبلوماسي والغياب الميداني بثلاثة عوامل متداخلة لا يُغني أحدها عن الآخرين:
أولا، استمرار السيطرة الإسرائيلية الفعلية على أكثر من نصف مساحة قطاع غزة وعلى المعابر، وهو قيد أمني وسياسي حقيقي يسبق أي قرار إداري للجنة نفسها.
ثانيا، تعثر نشر قوة الاستقرار الدولية وعدم اكتمال تمويلها حتى تموز/يوليو 2026، ما يحرم اللجنة من مظلة أمنية ضرورية لأي حضور ميداني آمن.
ثالثا، بنية تمويل تسمح عمليا باستمرار الإنفاق التشغيلي (رواتب واجتماعات) دون ربط ذلك بمؤشرات إنجاز ميدانية، وهو ما يخلق حافزا مؤسسيا ضعيفا نحو الإسراع في الانتقال إلى العمل الميداني الأكثر تعقيدا وكلفة وخطورة.
سادسا: قيود بنيوية لا يمكن إغفالها
توخيا للدقة والرصانة، تقر هذه الورقة بأن جانبا من النقد الموجَّه للجنة الوطنية يحتاج إلى تأطير أكثر إنصافا: فاللجنة لا تملك، بحكم التصميم المؤسسي لقرار 2803 نفسه، صلاحية مستقلة لدخول غزة أو إدارة الأمن فيها، بل ترتبط ولايتها الميدانية بجهوزية قوة الاستقرار الدولية وموافقات أمنية إسرائيلية لم تكتمل بعد.
كما أن جزءا من نشاطها “الدبلوماسي” الموثق في القاهرة يستهدف فعليا تنسيق عمل منظمات أممية تنفّذ خدمات مباشرة في غزة (الأغذية العالمي، اليونيسف، الصحة العالمية)، بما يعني أن جزءا من الأثر الميداني قد يكون قائما فعلا، لكنه يُنسب لهذه المنظمات لا للجنة، وهذا التمييز غائب عن أغلب التغطيات النقدية للجنة، بما فيها الصيغة الأولى من هذه الورقة.
هذان التحفظان لا يُسقطان جوهر النقد المتعلق بالشفافية المالية، لكنهما يمنعان اختزال المشكلة كاملة في “سوء نية” أو “تقصير متعمد” من جانب أعضاء اللجنة أنفسهم.
النتائج
- فجوة تمويل موثقة لا مجرد انطباع: رصيد صفري في صندوق GRAD الرسمي مقابل 17 مليار دولار من التعهدات، وتوجيه فعلي للتمويل نحو حساب خاص خارج الرقابة الدولية المعتادة، وهي وقائع مؤكدة بتحقيقات صحفية متعددة المصادر لا برواية طرف واحد.
- ازدواجية معيارية في المساءلة: بينما يخضع صندوق البنك الدولي لقواعد إفصاح صارمة، يعمل الحساب البديل دون التزام مماثل، ما يفرغ الغرض الأصلي من إنشاء GRAD من مضمونه العملي.
- رقابة كونغرسية جزئية وانتقائية: سحب الكونغرس تمويلا مباشرا بقيمة 50 مليون دولار لمجلس السلام في تموز/يوليو 2026، في حين مرّر بالتوازي أكثر من 206 ملايين دولار لتمويل الجانب الأمني (قوة الاستقرار)، ما يعكس قلقا أمريكيا من الشفافية المالية أكثر منه معارضة لمبدأ التمويل ذاته.
- غياب مؤشرات أداء تربط الإنفاق بالنتائج: لا تتوفر آلية معلنة تربط صرف الدفعات المالية بإنجازات ميدانية قابلة للقياس (كمية الركام المُزال، عدد الوحدات السكنية المؤقتة)، ما يجعل من الصعب تمييز الكلفة التأسيسية المشروعة عن الهدر الفعلي.
- قيود بنيوية حقيقية تتقاطع مع عجز الحوكمة: استمرار القيود الأمنية والسياسية على دخول اللجنة إلى غزة عامل حقيقي في تفسير غياب الأثر الميداني، لكنه لا يفسر غياب الإفصاح المالي، وهما مشكلتان متمايزتان تستحقان معالجتين مختلفتين.
خــاتمـــة
لا تختزل هذه الورقة تجربة اللجنة الوطنية لإدارة غزة في ثمانية أشهر من الفشل أو النية المبيّتة، لكنها تخلص إلى أن الفجوة بين حجم التعهدات الدولية المعلنة وضآلة ما وصل فعليا إلى القنوات الرسمية الخاضعة للرقابة هي المشكلة الجوهرية التي ينبغي أن تتقدّم على أي نقاش حول كفاءة الإنفاق أو حجم الرواتب.
فما لم تُغلَق هذه الفجوة عبر توحيد قناة التمويل وتفعيل الإفصاح الدوري، سيظل السؤال عن الأثر الميداني للجنة سؤالا بلا إجابة موثوقة، بصرف النظر عن حسن نية القائمين عليها أو سوئها.
التــوصــيات
- توحيد قناة التمويل عبر صندوق GRAD حصرا:
الجهة المعنية: مجلس السلام والدول المانحة.
الأفق الزمني: فوري.
الأداة: اشتراط أي دولة مانحة إضافية بتحويل مساهماتها حصرا عبر صندوق البنك الدولي المعتمد دوليا، تفعيلا للغرض الذي أُنشئ من أجله.
- نشر تقرير مالي دوري مفصَّل:
الجهة المعنية: اللجنة الوطنية لإدارة غزة ومجلس السلام.
الأفق الزمني: ربع سنوي ابتداء من الربع الرابع لعام 2026.
الأداة: نشر بيانات الإنفاق مصنَّفة حسب البند (رواتب، لوجستيات، استشارات، خدمات ميدانية) بما ينسجم مع التزام مجلس السلام القائم أصلا برفع تقارير كل ستة أشهر إلى مجلس الأمن، عبر تحويله إلى إفصاح عام موازٍ.
- ربط الدفعات المالية بمؤشرات إنجاز ميدانية:
الجهة المعنية: المانحون وأمانة صندوق GRAD.
الأفق الزمني: عند كل جولة تمويل جديدة.
الأداة: تحديد مؤشرات كمية معلنة سلفا (حجم الركام المُزال، عدد الوحدات المؤقتة المؤهلة، حجم المساعدات الموزعة) كشرط لصرف الشرائح التالية.
- مواءمة سلّم أجور اللجنة مع مرجعية معلنة:
الجهة المعنية: مجلس السلام.
الأفق الزمني: مع أول مراجعة مالية دورية.
الأداة: تبني سلّم أجور معلن يستند إلى مرجعية معيارية واضحة (مثل سلالم الأمم المتحدة للمهام الميدانية عالية المخاطر) بدلا من ترك الرواتب دون إطار مرجعي منشور.
- الإسراع بتحديد جدول زمني معلن لدخول اللجنة إلى غزة:
الجهة المعنية: مجلس السلام وقوة الاستقرار الدولية.
الأفق الزمني: خلال الربع الأول من 2027 كحد أقصى.
الأداة: ربط تمويل قوة الاستقرار المُقَر (206 ملايين دولار) بجدول نشر معلن، كشرط لتفعيل حضور اللجنة الميداني الفعلي.
© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية سبتمبر 2026 — جميع الحقوق محفوظة



