دراسة تحليلية – أ. ابراهيم الحواجري|خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية
| الملخص التنفيذي تدرس هذه الورقة تصاعد الهشاشة في السلم الأهلي بغزة كأثر للحرب موازٍ للدمار المادي. استناداً إلى بيانات لجان الإصلاح، وتوثيق أممي لاستهداف الشرطة، ومؤشرات إنسانية دولية، تخلص إلى أن غزة لم تدخل حتى نهاية سبتمبر/أيلول 2026 مرحلة تفكك اجتماعي شامل، لكنها تعيش هشاشة مرتفعة وقابلية متزايدة لتحوّل النزاعات إلى عنف مسلح. وتعرض فرضية تورط الاحتلال الاستخباراتي في تأجيج النزاعات الأسرية كادعاء موثّق من يحتاج تحققاً مستقلاً لا كحقيقة مؤسَّسة. وترى أن أخطر تهديد مباشر هو انتشار السلاح غير الموجَّه في الخلافات المدنية في ظل غياب قضاء فاعل بسبب الحرب واستمرار الاستهدافات، وتقترح عشرة مؤشرات إنذار مبكر وثلاثة سيناريوهات، وتختم بتوصيات تنفيذية محددة الجهة والأداة والأفق الزمني. |
مقدمة
لا تنتهي آثار الحرب بانتهاء القصف أو توقف العمليات العسكرية؛ فالحرب الطويلة تترك وراءها مجتمعاً مثقلاً بالفقد والنزوح والفقر والدمار والصدمة النفسية، وتعيد تشكيل علاقات الأفراد والعائلات والمؤسسات.
وفي قطاع غزة، تزامنت هذه التداعيات مع تضرر البنية المدنية والأمنية وتراجع القدرة على تقديم الخدمات وإنفاذ القانون، وهو ما خلق بيئة أكثر قابلية لظهور النزاعات أو تحول الخلافات اليومية إلى عنف.
تنطلق الورقة من فرضية مفادها أنه كلما طال أمد آثار الحرب، واستمر النزوح والفقر والدمار وضعف المؤسسات وانتشار السلاح، ازدادت احتمالات انتقال الخلافات الاجتماعية من المجال المدني إلى المجال العنيف، وأصبحت البيئة أكثر قابلية للاستغلال والتحريض.
وتهدف الورقة إلى: تحديد مصادر تهديد السلم الأهلي في غزة، وتحليل العلاقة بين الحرب والعنف المجتمعي، وتقييم قدرة المؤسسات الاجتماعية والأمنية على احتواء النزاعات، وفحص الادعاءات المتعلقة بدور الاحتلال في إضعاف البيئة الاجتماعية بأسلوب نقدي متحفظ، ووضع مسارات عملية للتعافي.
أولاً: الحرب كعامل مركّب لإضعاف منظومة السلم الأهلي
يمكن تلخيص أثر الحرب في سلسلة ضغوط مترابطة: القتل والدمار، فالنزوح، فقدان الدخل والفقر، التنافس على الموارد الشحيحة، الاحتقان الاجتماعي، ثم في حالات محدودة اللجوء إلى السلاح لحسم الخلاف.
هذه السلسلة أداة تفسيرية توضيحية لا قانوناً حتمياً؛ إذ لا يؤدي الفقر تلقائياً إلى الجريمة، لكن اجتماع الفقر الحاد مع غياب مرجعية قضائية فاعلة وانتشار السلاح يرفع احتمال تحوّل الخلاف اليومي إلى عنف.
تزداد المشكلة تعقيداً مع فقدان مئات آلاف الأسر منازلها ومصادر دخلها وتشتت أفرادها. ووفق تقييم الأضرار والاحتياجات الصادر عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي (RDNA)، دُمّرت أو تضررت أكثر من 371 ألفاً و888 وحدة سكنية، أي ما يتجاوز 81% من إجمالي المباني في القطاع.
وتتحول إعادة الإعمار نفسها إلى ملف مرتبط مباشرة بالسلم الأهلي؛ لأن الخلافات على الملكية والتعويضات وأولوية إعادة البناء يمكن أن تصبح مصادر نزاع مستقبلية إذا لم تُدر وفق قواعد شفافة وموثقة.
ثانياً: النزوح ومراكز الإيواء.. بيئة اجتماعية شديدة الحساسية
بلغ عدد سكان قطاع غزة نحو 2.114 مليون نسمة وفق تقدير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في يوليو/تموز 2026، ويعيش جزء كبير منهم أوضاع نزوح متكرر في مراكز إيواء وخيام تتداخل فيها عوامل ضغط متعددة: الاكتظاظ، ضعف الخصوصية، نقص المياه والغذاء، التنافس على الخدمات والمساعدات، اختلاط عائلات من مناطق مختلفة، التوتر النفسي، وانتشار الشائعات، وهذا التراكم يجعل أي خلاف صغير قابلاً للتوسع سريعاً في غياب آلية تدخل فورية.
تكتسب هذه النقطة أهمية إضافية في ضوء تصريحات صادرة عن جهاز أمن المقاومة في سبتمبر/أيلول 2026 أفادت بضبط جهاز تجسس قرب أحد مراكز الإيواء في مدينة غزة، وبإشارتها إلى ضبط عميل عام 2024 قالت إنه كُلّف بإثارة الخلافات داخل مراكز الإيواء وتحريض النازحين على القتل.
تُنقل هذه المعلومة كما وردت عن مصدرها الأمني الوحيد، دون أن تتوفر للورقة وسيلة تحقق مستقلة منها؛ وهي تُدرج هنا كمؤشر على تصور المؤسسة الأمنية المحلية لحساسية هذه الأماكن، لا كواقعة مؤكدة.
ثالثاً: استهداف الشرطة الفلسطينية.. أثر مباشر على القدرة على احتواء النزاعات
يحتاج ضبط السلم الأهلي إلى جهة قادرة على التدخل السريع عند وقوع النزاع، ولذلك فإن استهداف الشرطة أو تعطيل عملها لا يمثل مسألة أمنية بحتة، بل ينعكس مباشرة على قدرة المواطنين على حل خلافاتهم بالطرق القانونية، ووثّق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (OHCHR) ما لا يقل عن 18 هجوماً إسرائيلياً استهدف أفراد الشرطة في غزة خلال الفترة بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب 2026، أسفرت عن استشهاد ما لا يقل عن 77 فلسطينياً، بينهم 57 من أفراد الشرطة و6 أطفال و4 نساء، ست منها وقعت منذ يونيو/حزيران وحده. واعتبر المفوض السامي لحقوق الإنسان أن الاستهداف المتزايد لأفراد الشرطة، الذين يُصنَّفون مدنيين محميين بموجب القانون الدولي الإنساني، يرقى إلى جريمة حرب.
ومن منظور السلم الأهلي، يمكن قراءة هذا الاتجاه ضمن معادلة تفسيرية: استهداف الشرطة يقلّص القدرة على التدخل السريع، ما يطيل أمد بقاء النزاع القائم، فيتيح له فرصة التوسع، ويرفع احتمال اللجوء إلى السلاح، وبالتالي احتمال الثأر.
وقد ربطت وزارة الداخلية في غزة، في بيانات متكررة، بين استهداف أفراد الشرطة والمؤسسة الأمنية وتراجع القدرة على حفظ الأمن الداخلي.
رابعاً: فرضية الاختراق والتحريض
أعلن جهاز أمن المقاومة في غزة، في 8-9 سبتمبر/أيلول 2026، امتلاكه “معلومات موثقة” عن تورط مخابرات الاحتلال في التحريض على استخدام السلاح في الخلافات العائلية، مستشهداً بواقعة ضبط عميل عام 2024 .
هذا الادعاء جدير بالتسجيل بوصفه جزءاً من الخطاب الأمني الرسمي في غزة، لكنه يبقى حتى الآن مستنداً إلى مصدر رسمي محلي واحد دون تأكيد مستقل من جهة قضائية أو صحفية أو حقوقية؛ ولذلك تتعامل هذه الورقة معه كفرضية تستحق المتابعة لا كحقيقة مؤسَّسة عليها استنتاجات قاطعة.
بصرف النظر عن مدى ثبوت هذا الادعاء تحديداً، فإن الأثر البنيوي لسياسات الاحتلال على السلم الأهلي في غزة موثق بشكل أوسع وأكثر استقلالية عبر مستويين لا يحتاجان لمصدر أمني واحد لإثباتهما:
الأول هو الدمار المباشر للمساكن والبنية التحتية والمؤسسات الذي وثقته تقييمات أممية ودولية مشتركة (RDNA)، والثاني هو استهداف الشرطة والمؤسسات الأمنية الذي وثقه مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بشكل مستقل كما ورد في المحور الثالث.
هذان المستويان كافيان لتفسير جانب كبير من إضعاف قدرة المجتمع على ضبط نفسه، دون الحاجة إلى افتراض تدخل استخباراتي مباشر منظم لتفسير كل حالة نزاع فردية.
خامساً: المؤشرات الإحصائية للضغط الاقتصادي والإنساني
ترسم المؤشرات التالية، مجتمعة، صورة البيئة البنيوية التي تتصاعد داخلها النزاعات الاجتماعية:
| المؤشر | أحدث قيمة موثقة ومصدرها | دلالته على السلم الأهلي |
| معدل البطالة في غزة | نحو 68% خلال فترة الحرب (الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بيانات 2025) [1]، مع تراجع المشاركة في القوى العاملة إلى نحو 25% | انهيار سوق العمل وفقدان مصادر الدخل، وزيادة الاعتماد على المساعدات والاقتصاد غير الرسمي |
| الناتج المحلي الإجمالي للفرد | 212 دولاراً عام 2025 مقابل نحو 1,250 دولاراً عام 2022 (الأونكتاد) | انهيار اقتصادي عميق يرفع الضغط على الأسر ويغذي التنافس على الموارد |
| احتياجات التعافي وإعادة الإعمار | نحو 71.4 مليار دولار على مدى عقد (تقييم RDNA المشترك: أمم متحدة، اتحاد أوروبي، بنك دولي) ، منها 35.2 مليار أضرار مباشرة و22.7 مليار خسائر اقتصادية-اجتماعية | فجوة هائلة بين الاحتياجات والقدرة المحلية، وضغط اقتصادي طويل الأمد |
| الوحدات السكنية المدمَّرة أو المتضررة | أكثر من 371,888 وحدة (أكثر من 81% من مباني القطاع) | أزمة سكن ونزوح تُبقي ملف الملكية والتعويضات مصدر نزاع محتمل |
| سكان غزة | نحو 2.114 مليون نسمة (الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، يوليو 2026) | كثافة سكانية مرتفعة على مساحة محدودة تضاعف أثر أي أزمة خدمات |
| الأمن الغذائي الحاد (IPC المرحلة 3 فأعلى) | نحو 1.4 مليون شخص (تقرير أغسطس 2026) [5]، مع تحذير من ارتفاع النسبة إلى 67% من السكان في حال تراجع المساعدات | استمرار انعدام الأمن الغذائي يرفع حساسية التنافس على الموارد والمساعدات |
ملاحظة منهجية: تتفاوت تقديرات البطالة بين مصادر رسمية مختلفة (68% إلى ما يزيد على 80% بحسب توقيت المسح)؛ اعتُمد هنا الرقم الأكثر تكراراً في بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2025.
سادساً: دور لجان الإصلاح والعشائر والمؤسسات الأمنية في احتواء النزاعات
في ظل تضرر البنية التحتية للمؤسسات الأمنية والقضائية الرسمية (الشرطة، النيابة العامة، المحاكم)، برز فراغ في جهات إنفاذ القانون وحل النزاعات، حاولت جهات ثلاث ملأه بدرجات متفاوتة من النجاح:
- لجان الإصلاح والوجهاء: تعمل عبر أكثر من 90 لجنة تضم أكثر من 850 رجل إصلاح منتشرين في محافظات القطاع، وتعتمد أدوات تقليدية (العطوة، الصلح العشائري) لاحتواء الدماء ووقف تفاقم الشجارات فوراً.
وتفيد وزارة الداخلية بأن نسبة حل القضايا المعروضة على هذه اللجان بلغت نحو 80% في بعض الفترات المرصودة؛ لكن هذا الجهد يبقى قائماً على التراضي ويفتقر إلى القوة الجبرية الإلزامية التي تملكها الحكومة.
- المؤسسات الأمنية الباقية: تحاول عناصر الشرطة والأمن الداخلي وأمن المقاومة العمل، أحياناً بشكل غير رسمي، لضبط الجرائم الكبرى كالقتل والسرقة المنظمة والعمالة، وقد حققت نجاحات موضعية، لكن اتساع رقعة النزوح وكثافة السكان يبطئان سرعة الاستجابة.
- التحدي القضائي: توقف عمل المحاكم النظامية بشكل شبه كامل جعل التقاضي في الحقوق المدنية والمالية شبه مستحيل، ما يفاقم تراكم النزاعات ويرفع الطلب على لجان الإصلاح كبديل مؤقت لا كحل بنيوي.
توضح البيانات الشهرية الصادرة عن الإدارة العامة لشؤون العشائر والإصلاح حجم الطلب على هذه الآلية البديلة خلال عام 2026:
| الشهر | عدد القضايا المعالجة | طبيعة القضايا |
| فبراير/شباط 2026 | 1,585 | مشاجرات، قضايا مالية، خلافات على أراضٍ، مشكلات عائلية، قضايا قتل، سرقات وغيرها |
| أبريل/نيسان 2026 | 1,966 | الفئات ذاتها أعلاه |
| يونيو/حزيران 2026 | 1,295 | الفئات ذاتها أعلاه |
المصدر: بيانات شهرية صادرة عن الإدارة العامة لشؤون العشائر والإصلاح بوزارة الداخلية في غزة، كما نقلتها تقارير صحفية متعددة. اعتمدت الورقة الأشهر التي توفر لها توثيق مباشر لرقم القضايا وتاريخ نشره؛ ولا تدّعي شمول جميع أشهر العام.
يبقى المدى الشهري (نحو 1,300 إلى نحو 2,000 قضية) مؤشراً على استمرار ضغط مرتفع ومستقر نسبياً على آلية الوساطة المجتمعية طوال عام 2026، لا على اتجاه تصاعدي أو تنازلي حاد.
سابعاً: هل غزة أمام تفكك اجتماعي شامل؟
تؤكد البيانات المعروضة أعلاه وجود هشاشة حقيقية في السلم الأهلي، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات دخول غزة مرحلة تفكك اجتماعي شامل.
في المقابل، هناك مؤشرات على قدرة المجتمع على الصمود والمقاومة الاجتماعية: استمرار عمل لجان الإصلاح بمعدل حل يقارب 80% من القضايا المعروضة، استمرار تدخل بقايا الأجهزة الأمنية في النزاعات، رفض قطاعات اجتماعية واسعة للاقتتال الداخلي، واستمرار الروابط العائلية والمجتمعية كشبكة أمان غير رسمية.
وقد أكدت وزارة الداخلية في أغسطس/آب 2026 وجود حالة من التماسك المجتمعي والرفض الشعبي لمظاهر الفوضى.
التوصيف الأدق، بناءً على ما تقدم، هو أن غزة تعاني هشاشة مرتفعة في السلم الأهلي وقابلية متزايدة للتدهور، لكنها لم تصل، وفق البيانات المتاحة حتى نهاية سبتمبر/أيلول 2026، إلى مرحلة التفكك المجتمعي الشامل.
هذا التوصيف قابل للتغير بسرعة إذا تعطل عمل لجان الإصلاح، أو تصاعد استهداف الشرطة، أو تراجعت المساعدات الإنسانية بشكل حاد.
الاستنتاجات
- الحرب أضعفت عدداً من مقومات السلم الأهلي في غزة عبر مسارين موثقين بشكل مستقل: تدمير البنية السكنية والمؤسسية، واستهداف الشرطة الذي وثقه مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان؛ دون أن يؤدي ذلك حتى الآن إلى تفكك اجتماعي شامل.
- حجم القضايا التي تعالجها لجان الإصلاح شهرياً (بين 1,295 و1,966 قضية في الأشهر الموثقة من عام 2026) يمثل مؤشراً واضحاً على الضغط الذي تتعرض له العلاقات الاجتماعية، وعلى ارتفاع الاعتماد على الوساطة غير الرسمية في غياب قضاء فاعل.
- انهيار الردع القانوني، الناتج عن توقف المحاكم واستهداف الشرطة، يجعل العشيرة والسلاح مرجعية بديلة للحماية وتحصيل الحقوق، وهو اتجاه يحمل مخاطر طويلة الأمد على سيادة القانون حتى بعد انتهاء الحرب.
- مراكز الإيواء المكتظة، إلى جانب الفقر المدقع وتوقف سبل العيش، تشكل بيئة خصبة لتصاعد الاحتكاك الاجتماعي، بصرف النظر عن مدى ثبوت وجود تحريض خارجي منظم فيها.
- استخدام السلاح غير الموجَّه في الخلافات العائلية يمثل، بإجماع كل من وزارة الداخلية ولجان الإصلاح وأمن المقاومة، أحد أخطر تهديدات السلم الأهلي وأكثرها إلحاحاً للمعالجة.
- فرضية التورط الاستخباراتي المباشر للاحتلال في تأجيج النزاعات الأسرية تبقى فرضية جديرة بالمتابعة القضائية والصحفية المستقلة، لا خلاصة يمكن البناء عليها وحدها في التحليل أو التوصيات.
مؤشرات الإنذار المبكر التي يجب مراقبتها
تقترح الورقة اعتماد عشرة مؤشرات إنذار مبكر يمكن رصدها شهرياً لبناء مؤشر وطني للسلم الأهلي في غزة:
- ارتفاع حوادث إطلاق النار في الخلافات بين المواطنين.
- زيادة حالات القتل ضمن الأسرة الواحدة أو العشيرة الواحدة.
- تصاعد حالات الثأر والانتقام العائلي.
- ارتفاع عدد النزاعات المحالة إلى لجان الإصلاح شهرياً بشكل متسارع (لا مجرد استقرارها عند مستوى مرتفع).
- زيادة نسبة استخدام السلاح ضمن ملفات لجان الإصلاح.
- تراجع قدرة الشرطة على التدخل الميداني السريع.
- انتشار شائعات ذات طابع تحريضي في مراكز الإيواء أو عبر منصات التواصل.
- تزايد النزاعات على الأراضي والمنازل في سياق إعادة الإعمار.
- ارتفاع النزاعات المرتبطة بتوزيع المساعدات الإنسانية.
- ظهور مجموعات محلية مسلحة تعمل خارج أي إطار قانوني أو عشائري متعارف عليه.
السيناريوهات المحتملة
استناداً إلى المسارات الثلاثة الموثقة أعلاه، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات لمآلات السلم الأهلي في غزة:
السيناريو الأول – الانزلاق نحو فوضى أوسع: استمرار الحرب أو تعطلها المتكرر مع تراجع إضافي في قدرة الأجهزة الأمنية والقضائية، وتوسع نفوذ الجماعات المسلحة غير الخاضعة للمساءلة على حساب مؤسسات الوساطة والجهات الحكومية.
تشمل مؤشراته المبكرة استمرار النزوح وتراجع الخدمات وضعف آليات تسوية النزاعات، وأولوية التدخل فيه هي الإنذار المبكر والوساطة المحلية وحماية قنوات توزيع المساعدات.
السيناريو الثاني – الضبط المجتمعي المؤقت (الوضع الراهن): استمرار نجاح لجان الإصلاح ومحاولات الفصائل تشكيل ترتيبات أمنية محلية تفرض حداً أدنى من الأمن دون القضاء على الجريمة كلياً، بوصفه حلاً انتقالياً بانتظار نهاية الحرب.
أولوية التدخل هنا ربط الوساطة العشائرية بآليات قانونية واضحة وتوثيق النزاعات وإحالة ما يستوجب اختصاصاً قضائياً.
السيناريو الثالث – التعافي والنهوض المؤسساتي: توقف الحرب وإطلاق مسار تعافٍ حقيقي، يشمل توافقاً وطنياً على إعادة تفعيل الأجهزة الشرطية والقضائية، ودمج الشباب العاطل عن العمل في برامج تشغيل تقلل حوافز الانخراط في الجريمة.
أولوية التدخل فيه هي تقديم الخدمات والعدالة المحلية وفرص العمل والدعم النفسي – الاجتماعي.
توصيات لصناع القرار والمؤسسات المجتمعية
تحدد كل توصية أدناه الجهة المسؤولة عن التنفيذ، والأداة العملية المقترحة، وأفقاً زمنياً تقريبياً، تفادياً للتوصيات العامة غير القابلة للمتابعة:
- صناع القرار السياسي والفصائلي — الجهة: القيادة السياسية الموحدة والفصائل الرئيسية.
الأداة: بيان توافقي علني يفوّض الأجهزة الأمنية ولجان الإصلاح رسمياً بملاحقة مثيري الفتن وتجار السوق السوداء، مقروناً بآلية شكاوى مستقلة تمنع تحوّله إلى أداة تصفية حسابات. الأفق الزمني: خلال 30 يوماً من إقرار الورقة.
- المؤسسات الأمنية — الجهة: وزارة الداخلية بالتنسيق مع أمن المقاومة.
الأداة: غرفة عمليات مشتركة دائمة في كل محافظة لإدارة أزمات الأحياء ومراكز الإيواء، وبروتوكول موحّد لإحالة أي بلاغ تحريض أو اختراق مشتبه به إلى النيابة العامة خلال 48 ساعة، بدل الاكتفاء بالتصريح الإعلامي.
الأفق الزمني: تأسيس الغرف خلال شهرين.
- لجان الإصلاح والعشائر — الجهة: التجمع الوطني للقبائل والعشائر بالتنسيق مع الإدارة العامة لشؤون العشائر والإصلاح.
الأداة: ميثاق شرف مكتوب وموحّد يجرّم حمل السلاح في الخلافات الشخصية والعائلية، موقّع علناً من ممثلي العائلات الكبرى وموزّع على جميع اللجان الـ90.
الأفق الزمني: صياغته والتوقيع عليه خلال ثلاثة أشهر.
- المؤسسات الإغاثية والدولية — الجهة: وكالات الأمم المتحدة العاملة في التوزيع (برنامج الأغذية العالمي، الأونروا) بالتنسيق مع اللجان المحلية والشرطة.
الأداة: نظام تسجيل وتوزيع موحّد بمعايير أولوية معلنة يقلل الاحتكاك عند نقاط التوزيع. الأفق الزمني: تطبيقه في دورات التوزيع المقبلة لكل جهة من الجهات الإغاثية.
- المؤسسات القضائية والقانونية — الجهة: النيابة العامة ومجلس القضاء الأعلى، بغطاء توافقي فصائلي.
الأداة: تشكيل لجان قضائية طارئة محدودة الاختصاص بالنزاعات المالية والجنائية البسيطة (دون العقوبات الجسيمة)، بقرار رسمي معلن ومحدد المدة.
الأفق الزمني: خلال شهرين من توفر الغطاء السياسي المطلوب في التوصية الأولى.
- المؤسسات الصحية والنفسية — الجهة: وزارة الصحة بالشراكة مع منظمات الصحة النفسية الدولية العاملة في غزة.
الأداة: توسيع فرق التدخل النفسي – الاجتماعي المتنقلة لتغطية مراكز الإيواء الكبرى، مع تدريب كوادر محلية إضافية.
الأفق الزمني: خطة تدريجية على مدى ستة أشهر.
- المستوى الإعلامي — الجهة: المكتب الإعلامي الحكومي بالتنسيق مع روابط الصحفيين.
الأداة: خلية تحقق سريع من الشائعات المرتبطة بالعنف الأسري والعشائري، تنشر توضيحاً رسمياً خلال 24 ساعة من انتشار أي شائعة خطيرة.
الأفق الزمني: تفعيلها فوراً.
- الباحثون ومراكز الأبحاث — الجهة: مراكز الأبحاث الفلسطينية بالشراكة مع وزارة الداخلية ومنظمات حقوقية مستقلة.
الأداة: قاعدة بيانات إلكترونية موحدة لحوادث النزاع الأسري والعشائري، بتحديث شهري ومعايير تصنيف متفق عليها مسبقاً، لإنهاء تضارب الأرقام الذي لا يزال يعيق أي تقييم دقيق لحجم الظاهرة.
الأفق الزمني: تصميمها الأولي خلال ستة أشهر.
© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية سبتمبر 2026 — جميع الحقوق محفوظة



