دراسة تحليلية| خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية
| الملخص التنفيذي تتناول هذه الدراسة مشروع «رفح الجديدة» بوصفه اختبارًا مبكرًا لنموذج سياسي وأمني وعمراني جديد لغزة بعد الحرب، لا مشروعًا سكنيًا. تُظهر الدراسة أن الرؤية الأولية الطموحة (فبراير 2026: أكثر من 100 ألف وحدة سكنية) تقلّصت إلى منطقة تجريبية لا تتجاوز 50 ألف شخص، فيما يقارب سكان محافظة رفح 1.1 مليون نسمة وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. وتخلص الدراسة إلى أن جوهر المشروع تحوّل من ضمان «حق العودة» إلى فرض «حق الدخول» القائم على تدقيق أمني للسكان، وسط فجوة معلنة بين خريطة طريق مجلس السلام ورفض نتنياهو العلني لها في 9-10 أغسطس. وتقترح الدراسة إطارًا فلسطينيًا يشترط ربط أي إعادة إعمار بحق العودة وحماية الملكية والإدارة الفلسطينية وتحديد مهمة وزمن القوة الدولية. |
مقدمة: لماذا رفح؟
الحرب في غزة لم تدمّر المباني فقط، بل أصابت المجال الحضري والاجتماعي والمؤسسي بأكمله: نزوح واسع، إعادة توزيع للسكان، تغيّر في مناطق السيطرة والحركة، وإضعاف للمؤسسات المحلية، وبالتالي فإن أي مشروع لإعادة البناء سيحدد بالضرورة أي غزة ستُبنى.
تكتسب رفح أهمية استثنائية في هذا السياق: فهي تقع عند الحدود مع مصر، وترتبط بمعبر رفح، وتحوّلت أثناء الحرب إلى أكبر تجمع للنازحين في القطاع قبل أن تتعرض أجزاء واسعة منها للتدمير، وقد اختارها مجلس السلام نقطة انطلاق لتصوره الأول لإعادة إعمار غزة.
الأطروحة المركزية
«رفح الجديدة» ليست مشروعًا عمرانيًا مستقلًا، بل مختبر سياسي-أمني-سكاني، وجوهر ما يجري اختباره فيها هو تحوّل مركز القرار من «حق السكان في العودة» إلى «معايير السلطة في اختيار من يُسمح له بالدخول»، فإذا انتقلت السلطة على هذا القرار من الفلسطينيين أنفسهم إلى مجلس السلام والقوة الدولية والحكومة الإسرائيلية مجتمعين، فإن المشروع يتحول من أداة استعادة الحقوق إلى أداة لإدارة السكان.
هذا التحول من «العودة» إلى «الدخول» هو الفارق الجوهري بين إعادة الإعمار وإعادة الهندسة، ففي النموذج الأول: يعود سكان رفح إلى بيوتهم بحكم الانتماء والملكية.
وفي النموذج الثاني: يُمنح الدخول لسكان تختارهم معايير أمنية وسياسية، بصرف النظر عن انتمائهم الأصلي للمدينة.
الأسئلة الحاسمة الستة
يتحدد مسار المشروع بالإجابة عن ستة أسئلة: من يحق له الدخول والسكن؟ من يملك الأرض؟ من يدير المنطقة؟ من يحتكر القوة الأمنية فيها؟ من يتحكم بالحركة داخلها وخارجها؟ ومن يملك القرار النهائي بشأن مستقبلها؟ إذا كانت الإجابات فلسطينية ضمن إطار سيادي، فالمشروع مدخل لإعادة الإعمار.
وإذا توزعت هذه الإجابات بين مجلس السلام والقوة الدولية والحكومة الإسرائيلية مع إدارة فلسطينية محدودة الصلاحيات، فالمشروع أقرب إلى إعادة هندسة الفضاء الفلسطيني تحت غطاء إعادة الإعمار.
المحور الثاني: من الرؤية الكبرى إلى المشروع التجريبي
فبراير 2026: التصور الطموح
طرح مجلس السلام في فبراير 2026 تصورًا واسعًا يبدأ من رفح، يشمل أكثر من 100 ألف وحدة سكنية لخدمة أكثر من 500 ألف شخص، إلى جانب مدارس ومراكز صحية وبنية تحتية، ضمن رؤية أوسع لـ«غزة جديدة».
يوليو 2026: التراجع إلى «المشروع التجريبي»
بحلول يوليو/تموز، تقلّصت الطموحات إلى مشروع تجريبي أصغر تحت مسمى «New Rafah»، يستهدف نحو 50 ألف فلسطيني ضمن منطقة إنسانية وحوكمية محدودة.
هذا التراجع ليس تفصيلًا ماليًا بل يعكس ثلاثة عوامل متداخلة: العجز عن استيفاء شروط التسوية السياسية الكاملة (انسحاب إسرائيلي، نزع سلاح، إدارة فلسطينية، قوة دولية، تمويل)، والحاجة لإثبات قابلية النموذج للتطبيق عبر منطقة اختبار قابلة للتوسيع، وتحويل الإعمار إلى أداة لإدارة المرحلة الانتقالية نفسها لا لبنائها فقط.
ويحمل المشروع تسميات متعددة متداخلة في المصادر: «رفح الجديدة/New Rafah» كتوصيف رسمي لمجلس السلام، و«المدينة الخضراء/Green Rafah» و«مدينة الإمارات» كتسميات تسويقية وردت في تقارير إسرائيلية وإعلامية متطابقة على وجود مشروع سكني ممول إماراتيًا في شرق رفح.
وقد أكدت وكالة رويترز، استنادًا إلى خريطة تخطيطية اطّلعت عليها ومصادر مطلعة، أن الإمارات أعدّت خططًا لبناء مجمع سكني لإيواء آلاف الفلسطينيين في جزء من جنوب غزة يخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، تحت اسم «مجمع الإمارات للإسكان المؤقت»، بالتنسيق مع واشنطن ومجلس السلام واللجنة الفلسطينية التكنوقراطية المزمع أن تدير غزة.
كما أعلنت الإمارات في مؤتمر مجلس السلام الافتتاحي تعهدًا بنحو 1.2 مليار دولار لغزة، دون أن يُدرج مشروع المجمع السكني رسميًا ضمن عروض المؤتمر حول إعادة الإعمار.
هذا التطابق بين ثلاثة مصادر مستقلة (رويترز، وصحيفة جيروزاليم بوست، وتايمز أوف إسرائيل) على تفاصيل الخريطة والتمويل يرفع درجة الثقة في الواقعة، رغم أن التفاصيل النهائية للتمويل والإدارة وعدد المستفيدين لم تُحسم رسميًا حتى منتصف أغسطس 2026 بحسب تقارير إعلامية إماراتية ناقلة عن مصادر إسرائيلية.
هذا التفصيل مهم لأنه يكشف أن المشروع، في نسخته المتداولة إعلاميًا على الأقل، ليس مبادرة أممية محايدة، بل ترتيب ثلاثي بين مجلس السلام وجهة تمويل إقليمية والحكومة الإسرائيلية، بإدارة فلسطينية لم تُحسم بعد صلاحياتها فعليًا.
مقارنة تاريخية: الإدارات الدولية الانتقالية
قبل عرض التحذيرات الحقوقية، تفيد الدراسة من مقارنة تاريخية أوسع من إشارة عابرة، فمنذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، أنشأت الأمم المتحدة وهيئات دولية أخرى إدارات انتقالية تولّت صلاحيات تشريعية وتنفيذية وقضائية كاملة في أقاليم خارجة من نزاعات، أبرزها الإدارة الدولية في البوسنة والهرسك (منذ 1995 بموجب قرار مجلس الأمن 1031)، وبعثة الأمم المتحدة للإدارة المؤقتة في كوسوفو (1999)، والإدارة الانتقالية للأمم المتحدة في تيمور الشرقية (1999-2002).
وتخلص الأدبيات الأكاديمية المتخصصة في هذا المجال إلى أن شرعية هذه الإدارات ظلت محل نزاع مستمر بسبب غياب تفويض ديمقراطي مباشر من السكان المحليين، ومحدودية آليات مساءلتها أمام من تحكمهم، رغم اتساع صلاحياتها التنفيذية والتشريعية والقضائية بصورة غير مسبوقة في تاريخ عمليات الأمم المتحدة.
وجه الشبه الأهم بحالة رفح ليس تطابق الأدوار المؤسسية، بل النمط البنيوي المتكرر: منح فاعل خارجي (دولة أو ائتلاف دول) صلاحيات إدارة وموارد وقوة أمنية في إقليم خارج من حرب، دون آلية مساءلة مباشرة أمام سكانه، مقابل وعد بانتقال لاحق للسيادة المحلية لم يُحدَّد له دائمًا جدول زمني ملزم، وقد استغرق هذا الانتقال في الحالات الثلاث المذكورة أعوامًا طويلة، وفي بعضها لا يزال غير مكتمل حتى اليوم (البوسنة).
وهذا هو بالضبط المعيار الذي يجب أن يُقاس عليه أي إعلان مستقبلي بشأن «مدة» القوة الدولية أو الإدارة التكنوقراطية في رفح: فالوعد بالمؤقت في تجارب سابقة لم يمنع تحوله إلى شبه دائم من الناحية العملية.
التحذيرات الحقوقية المبكرة
قبل أن يتبلور المشروع رسميًا، حذّر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان من أن الخطط المتداولة تحت مسمى «المدينة الخضراء» في رفح قد تُستخدم لعزل السكان وتجميعهم قسرًا في مناطق خاضعة للسيطرة العسكرية، بما يُديم تهجيرهم عن مناطق سكناهم الأصلية.
وربط المرصد ذلك بتجربة سابقة مباشرة: مراكز توزيع المساعدات التي أقامتها ما سُمّيت «مؤسسة غزة الإنسانية» (GHF) في رفح مطلع 2026، والتي تحوّلت — بحسب توصيف المرصد — إلى ساحات قتل واعتقال وإخفاء قسري راح ضحيتها آلاف المدنيين.
هذه السابقة التشغيلية تحديدًا تفرض معيارًا رقابيًا صارمًا على أي بنية جديدة تُدار تحت غطاء إنساني في المنطقة نفسها.
من جهة أخرى، حذّر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك من أن أي إعلان لرفح «منطقة إنسانية» قد يعني إجبار سكان كثر — بينهم ذوو الإعاقة والمرضى والجرحى — على البقاء دون غذاء كافٍ، واعتبر أن الأثر التراكمي لسلوك القوات الإسرائيلية يثير مخاوف من فرض ظروف معيشية تتنافى مع استمرار وجود الفلسطينيين في غزة كمجموعة.
وحذّر المرصد الأورومتوسطي، في سياق منفصل يتعلق بمسودة قرار مجلس أمن قيد الإعداد لمجلس السلام، من تكرار «نموذج العراق بعد 2003»، حيث مُنحت الجهات الخارجية حصانات واسعة من المساءلة القانونية أفضت إلى إفلات ممنهج من العقاب.
هذه المقارنة التاريخية تمنح الدراسة معيارًا مقارنًا مهمًا: فمنح فاعلين خارجيين صلاحيات إدارة وموارد دون رقابة قضائية فلسطينية ليس افتراضًا نظريًا، بل نمط تكرر في سياقات ما بعد النزاع الأخرى.
المحور الثالث: الفجوة السياسية بين مجلس السلام والحكومة الإسرائيلية
رفض نتنياهو المعلن (9 أغسطس 2026)
أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في اجتماع للحكومة الإسرائيلية يوم الأحد 9 أغسطس/آب 2026، رفض حكومته الصريح لخريطة الطريق ذات البنود الخمسة عشر التي أقرّها مجلس السلام، قائلًا بالنص: «أريد أن أكون دقيقًا هنا: إسرائيل ترفض الوثيقة ذات الخمسة عشر بندًا»، وأضاف أن الجيش الإسرائيلي «لن ينسحب على الإطلاق حتى يُنزع سلاح حماس فعليًا»، مشددًا على أن المقصود هو «نزع سلاح حقيقي لا صوري» يشمل كل الأسلحة الثقيلة والخفيفة.
وجدد التزامه بعدم قيام دولة فلسطينية «ما دام رئيسًا للوزراء»، في وقت يخوض فيه معركة سياسية داخلية للبقاء في السلطة قبل ثلاثة أشهر من موعد الانتخابات المقرر في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، وسط استطلاعات تشير إلى مخاطر فقدان ائتلافه للأغلبية.
جاء رفض نتنياهو بعد أسبوع من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتفاقًا وصفه بـ«التاريخي» ينص على نزع سلاح حماس وكل الفصائل المسلحة في غزة بشكل كامل، فيما ردّت حماس ببيان أكدت فيه التزامها «بخريطة الطريق المتفق عليها»، ودعت الوسطاء والدول الضامنة إلى «تحمل مسؤولياتهم» لمنع أي «خروقات أو انتهاكات» قد تعرقل المسار.
تفصيل مهم: تراجع مبكر من مجلس السلام نفسه
يجب التمييز هنا بين الرفض الإسرائيلي الصريح والعلني في 9 أغسطس، وبين تنازل سابق قدّمه مجلس السلام نفسه: فقد أعلن المجلس في 3 أغسطس/آب — أي قبل تصريحات نتنياهو بأسبوع — أن القوات الإسرائيلية لن تنسحب إلى ما وراء «الخط الأصفر» (وهو خط تقسيم عسكري لا يغطي كامل مساحة القطاع) حتى يكتمل تفكيك سلاح حماس بالكامل، أي أن مجلس السلام كان قد جارى الموقف الإسرائيلي جزئيًا على هذه النقطة تحديدًا قبل أن يُصعّد نتنياهو الرفض ليشمل خريطة الطريق كلها علنًا.
وتفيد تقارير مستقلة بأن الجيش الإسرائيلي لا يزال يسيطر عسكريًا على نحو 70% من مساحة قطاع غزة وفق تقديرات مسؤولين فلسطينيين ووكالات إغاثة، وهو ما يمنح التسلسل المتنازع عليه بين نزع السلاح والانسحاب وزنًا عمليًا مباشرًا: فأي منطقة تجريبية في رفح تقع، من الناحية العسكرية الفعلية، ضمن أو على تخوم مساحة لا تزال تحت سيطرة إسرائيلية مباشرة، لا في منطقة انسحبت منها القوات فعليًا.
التسلسل المتنازع عليه
يكشف هذا الرفض عن فجوة جوهرية بين تسلسلين متعارضين:
رؤية مجلس السلام: نزع سلاح مرحلي ← تحقق ← انسحاب إسرائيلي تدريجي ← انتقال سياسي ← إعادة إعمار.
الموقف الإسرائيلي المعلن: نزع سلاح كامل أولًا ← ثم الانسحاب.
هذا التسلسل ليس تفصيلًا تفاوضيًا هامشيًا، بل يحدد ما إذا كانت «رفح الجديدة» ستقوم في منطقة انسحبت منها القوات الإسرائيلية فعليًا، أم داخل منطقة تحتفظ فيها بقدرة عسكرية وسيادية مباشرة.
مفارقة: رفض معلن وتنفيذ جزئي متزامن
رغم الرفض العلني، أفادت تقارير بأن يد الجيش الإسرائيلي قُيّدت في قطاع غزة استجابة لأحد بنود الاتفاق، وأن مصادر من حماس وفصائل فلسطينية أخرى تحدثت عن رسائل جرى تبادلها بشأن استمرار بعض مسارات التنفيذ رغم الرفض السياسي المعلن.
كما اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي أن تصريحات نتنياهو تمثل «استخفافًا صريحًا بالإرادة الدولية» وتحذيرًا من فرض وقائع جديدة على الأرض بمعزل عن الاتفاق السياسي الشامل.
هذا النمط — تنفيذ جزئي قبل تسوية سياسية نهائية — هو ما يمنح رفح أهميتها المضاعفة الآن: فإنشاء منطقة سكنية أو نشر شرطة أو تنظيم حركة سكان يمكن أن ينتج حقائق مادية على الأرض قبل حسم الوضع السياسي الشامل، بصرف النظر عن مصير خريطة الطريق نفسها.
القوة الدولية: فجوة بين المخطط والواقع
نصّت الخطة الأصلية على قوة استقرار دولية تصل إلى نحو 20 ألف جندي إلى جانب تدريب آلاف من عناصر الشرطة الفلسطينية.
لكن حتى منتصف أغسطس 2026 لم تتحقق هذه الأرقام؛ فقد وافق برلمان أوغندا على إرسال قوات ضمن هذه القوة، بعد تعهد سابق من المغرب بالمشاركة، بينما لا يزال الحجم الفعلي للقوة المنتشرة أقل بكثير من المستهدف.
ويطرح ذلك سؤالًا مركزيًا: هل يمكن بناء نموذج حكم وأمن مستقر في رفح قبل اكتمال القوة المفترض أن تحميه؟ وتمنح وثيقة مجلس السلام المقدمة إلى مجلس الأمن (S/2026/418) هذه القوة أدوارًا تتجاوز المراقبة التقليدية، إذ تشمل دعم الشرطة المدنية الفلسطينية والمساعدة في عملية معالجة السلاح وحماية المدنيين والعمليات الإنسانية.
وهذا يعني أنها، عند اكتمالها، ستكون فاعلًا في بناء النظام الأمني الجديد لا مجرد مراقب له.
المتغير الانتخابي الإسرائيلي
يقترب موعد الانتخابات الإسرائيلية المقبلة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، وهو ما يفرض قراءة الموقف الإسرائيلي الحالي على مستويين متمايزين: الحساب الاستراتيجي طويل المدى من جهة، والحساب الانتخابي الداخلي الآني من جهة أخرى، خصوصًا أن الرفض العلني جاء عقب ضغط من شركاء نتنياهو اليمينيين في الائتلاف.
وهذا يعني أن موقف الحكومة الإسرائيلية من الانسحاب والقوة الدولية قابل للتغيّر أو إعادة التغليف بحسب نتائج الانتخابات وتوازنات الحكومة المقبلة، ما يجعل نافذة أغسطس-أكتوبر 2026 حاسمة لرصد اتجاه المشروع فعليًا لا افتراضيًا.
المحور الرابع: الأسئلة الحرجة غير المحسومة
من حق العودة إلى حق الدخول: الفجوة العددية
يستهدف المشروع التجريبي نحو 50 ألف شخص، لكن وفق تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغ عدد السكان المقيمين في محافظة رفح وحدها نحو 1.1 مليون نسمة في ذروة النزوح إليها أثناء الحرب، بكثافة سكانية قفزت من نحو 4,360 فردًا لكل كيلومتر مربع عشية الحرب إلى ما يقارب 17 ألف فرد لكل كيلومتر مربع.
هذا يعني أن المنطقة التجريبية، حتى في أفضل تقدير، لا تستوعب سوى نسبة ضئيلة ممن نزحوا إلى رفح أو كانوا يقيمون فيها أصلًا.
وبيانات الإحصاء الوطنية الأحدث (يونيو 2026) تشير إلى أن أكثر من مليوني نازح لا يزالون داخل القطاع.
هذه الفجوة العددية تحوّل السؤال من «كيف يعاد بناء رفح؟» إلى «من مِن بين نحو مليون شخص يُسمح له بدخول الخمسين ألف مقعدًا المتاحة؟».
وقد تكرر توصيف آلية التدقيق الأمني للسكان في أكثر من مصدر مستقل: أشارت صحيفة لوموند إلى تدقيق أمني للراغبين في الدخول
كما أفادت تايمز أوف إسرائيل، نقلًا عن مسؤولي مجلس السلام أنفسهم، بأن التصور القائم يقضي بأن تنسحب القوات الإسرائيلية من المنطقة المخصصة لتحل محلها قوة الاستقرار الدولية المرتقبة، على أن تتولى اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية، بالتعاون مع هذه القوة، «فرز» عشرات آلاف الفلسطينيين القادمين من «المنطقة الحمراء» الخاضعة لحماس نحو «المنطقة الخضراء» التي كانت حتى الآن تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي مباشرة.
تطابق هذا الوصف بين مصدرين مستقلين (فرنسي وإسرائيلي) يرفع درجة الثقة في الواقعة عن كونها تسريبًا منفردًا، ويؤكد أن مصطلح «الفرز» أو «التدقيق» ليس توصيفًا نقديًا خارجيًا للمشروع، بل هو الآلية المعلنة من القائمين عليه أنفسهم.
وبذلك فإن السكن يتحول من حق مرتبط بالانتماء إلى امتياز مشروط بمعايير أمنية تحددها جهات لا تخضع لمساءلة فلسطينية مباشرة. هذا هو جوهر التحول من «حق العودة» إلى «حق الدخول» الذي تتبناه هذه الدراسة كإطارها التحليلي المركزي.
الملكية والعمران: رفح القديمة أم رفح بديلة؟
يحمل اسم «رفح الجديدة» سؤالًا لا ينبغي تجاوزه: هل هي إعادة بناء لرفح القديمة، أم بديل عنها؟ يمكن التمييز بين نموذجين متعارضين: نموذج إعادة البناء (عودة سكان رفح، حفظ الملكية، إعادة بناء الأحياء القائمة، اتصال جغرافي ووظيفي ببقية القطاع، إدارة فلسطينية)، ونموذج الإنشاء البديل (منطقة جديدة، سكان مختارون، ترتيبات أمنية خاصة، إدارة متعددة المستويات، علاقة مختلفة بالأرض، احتمال انفصال وظيفي عن المدينة القديمة)، والفارق بين النموذجين هو تحديدًا الفارق بين إعادة الإعمار وإعادة الهندسة.
التمويل: ثلاثة أرقام لا رقم واحد
أعلن أعضاء مجلس السلام في فبراير تعهدات بنحو 7 مليارات دولار، بينما قدّرت مؤسسات دولية الاحتياجات الإجمالية لإعادة إعمار غزة بعشرات المليارات.
وأشارت تقارير لاحقة إلى تمويل إماراتي مخصص تحديدًا لمشروع «المدينة الخضراء» في رفح، غير أن الفجوة الحقيقية تكمن بين ثلاثة أرقام مختلفة يجب قياسها بشكل مستقل: التمويل المُعلن، والتمويل المتاح فعليًا، والإنفاق المنفَّذ على الأرض؛ وحتى الآن لا تتوفر بيانات موثوقة تربط بين هذه المستويات الثلاثة، ما يجعل أي رقم تمويلي مُعلن غير كافٍ وحده للحكم على جدية المشروع أو حجمه الفعلي.
رفح والحدود المصرية
لا يمكن فهم المشروع بمعزل عن مصر؛ فإعادة تنظيم رفح تعني عمليًا إعادة تنظيم الحركة عبر معبر رفح، ودخول وخروج السكان والمساعدات والتجارة، والأمن الحدودي، والعلاقة مع سيناء، وقد أظهرت إعادة فتح المعبر في فبراير 2026 أنه ظل عنصرًا أساسيًا في ترتيبات المرحلة الانتقالية، يخضع فتحه وإغلاقه وإدارته لترتيبات أمنية وسياسية معقدة ومتغيرة.
وهذا يمنح «رفح الجديدة» احتمال أن تصبح أيضًا بوابة غزة إلى الخارج، بما يمنحها وزنًا سياسيًا يتجاوز حجمها السكاني المستهدف.
المحور الخامس: الانقسام الفلسطيني الداخلي كمتغير مستقل
لا يمكن التعامل مع «الموقف الفلسطيني» من المشروع باعتباره كتلة واحدة متجانسة في مواجهة الخارج؛ فالانقسام الفلسطيني الداخلي نفسه متغير حاسم في تحديد أي من السيناريوهات المطروحة أدناه سيتحقق فعليًا.
فمن جهة، تصف مصادر فلسطينية إعلامية ومؤسسات حقوقية المشروع بأنه «محاولة إسرائيلية للالتفاف على استحقاق إدارة غزة»، وتربطه بمسار متكامل لإعادة هندسة البيئة الأمنية والديموغرافية للقطاع، متزامنًا مع تداول مقترحات إدخال قوات دولية أوسع.
وتحذر مؤسسات حقوقية ميدانية من أن مراكز الإيواء المرتقبة قد تتحول إلى أداة لإعادة هندسة الواقع الديموغرافي عبر حصر السكان في مناطق محددة وتقسيم القطاع جغرافيًا ودفع المدنيين إلى انتقال قسري.
ومن جهة أخرى، فإن استمرار بعض مسارات التنفيذ رغم الرفض الإسرائيلي المعلن — والتواصل المشار إليه بين حماس وفصائل أخرى بشأن ذلك — يشير إلى أن الفصائل الفلسطينية ليست خارج المعادلة التفاوضية كليًا، حتى وإن كانت خارج بنية القرار الرسمية لمجلس السلام، أما موقف الإدارة الفلسطينية التكنوقراطية المزمع تشكيلها بحسب وثيقة مجلس السلام، فلا يزال غامضًا من حيث درجة استقلاليتها الفعلية عن الأطراف الدولية الممولة والمشرفة.
هذا التفاوت بين موقف رسمي فلسطيني غائب أو ضعيف الوضوح، وموقف فصائلي رافض معلن جزئيًا، وموقف حقوقي وميداني محذّر بقوة، يعني أن أي سيناريو مستقبلي لن يتحدد بمعزل عن قدرة الفلسطينيين — بمختلف مكوناتهم — على توحيد موقف تفاوضي مشترك حيال شروط دخول السكان وحفظ الملكية وصلاحيات الإدارة، وغياب هذا التوحد هو نفسه أحد أهم مؤشرات ترجيح السيناريوهات الأقل مثالية.
المحور السادس: السيناريوهات المرجحة
بناءً على المعطيات أعلاه، تطرح الدراسة أربعة سيناريوهات، مع معايير ترجيح صريحة لكل منها بدل الاكتفاء بالوصف:
السيناريو الأول: رفح بوابة غزة (الأقل ترجيحًا في المدى القصير)
يتوسع المشروع تدريجيًا: رفح ← خان يونس ← الوسطى ← مدينة غزة ← الشمال، ضمن انسحاب إسرائيلي فعلي واكتمال القوة الدولية وإدارة فلسطينية فعالة وتمويل مستدام وعودة سكان.
معيار الترجيح: يتطلب تراجعًا إسرائيليًا كاملًا عن الشرط المعلن (نزع سلاح كامل قبل الانسحاب) واختراقًا سياسيًا لم تظهر مؤشراته حتى منتصف أغسطس 2026؛ لذا فهو ممكن نظريًا لكنه الأقل ترجيحًا في الأفق المنظور.
السيناريو الثاني: رفح الآمنة (الأكثر ترجيحًا في المدى القصير)
تتحول «رفح الجديدة» إلى منطقة محدودة: أمن دولي، سكان محدودون بمعايير تدقيق، خدمات أفضل نسبيًا، إدارة فلسطينية محدودة الصلاحيات، حركة مقيدة، وتأخر إعمار بقية القطاع.
معيار الترجيح: يتسق مباشرة مع المعطيات الراهنة — حجم المشروع الفعلي (50 ألفًا) والفجوة مع الرفض الإسرائيلي والقوة الدولية غير المكتملة كلها تشير إلى استمرار نموذج محدود الحجم كأمر واقع، وهو ما يجعله السيناريو الأكثر ترجيحًا إذا استمر الجمود السياسي الحالي دون تغيّر جوهري بعد الانتخابات الإسرائيلية.
السيناريو الثالث: رفح نموذج إعادة الهندسة (خطر استراتيجي يستوجب المراقبة لا الافتراض المسبق)
يتوسع النموذج من الإسكان إلى إعادة توزيع السكان وإنشاء مدن جديدة وإعادة تنظيم الطرق والأمن ومناطق اقتصادية، فتتحول رفح إلى مختبر لغزة جديدة بالكامل.
معيار الترجيح: يتطلب تحقق هذا السيناريو استمرار نمط «التنفيذ الجزئي قبل التسوية» لفترة ممتدة دون رقابة فلسطينية أو دولية فعالة، إلى جانب تكرار سابقة الحصانة من المساءلة (نموذج العراق) وسابقة مراكز الإيواء غير الخاضعة للمحاسبة (نموذج GHF).
وجود هذه المؤشرات فعليًا في السجل الحديث يرفع احتمال هذا السيناريو عن كونه افتراضًا نظريًا بحتًا، لكنه يبقى مشروطًا بغياب الضغط المضاد.
السيناريو الرابع: رفح المعلقة (احتمال مرتفع في حال استمرار الانقسام الفلسطيني)
يستمر المشروع جزئيًا دون انتقال كامل، بسبب استمرار الرفض الإسرائيلي، وتعثر معالجة موضوع السلاح، وضعف القوة الدولية، ونقص التمويل الفعلي، واستمرار القيود، وغياب موقف فلسطيني موحد. فتبقى رفح بين مدينة مدمرة ومدينة جديدة غير مكتملة.
معيار الترجيح: هذا السيناريو ليس بديلًا حصريًا عن الثاني بل يمكن أن يتداخل معه زمنيًا؛ فكلاهما ينتج عن استمرار الجمود، لكن الرابع يفترض تعثرًا حتى في تنفيذ النسخة المحدودة نفسها، وخطورته تكمن في تحويل ما يُفترض أن يكون مرحلة مؤقتة إلى حالة دائمة بحكم الأمر الواقع، لا بحكم قرار سياسي معلن.
التقييم التحليلي والاستنتاج
بعد إدخال مستجدات أغسطس 2026، لم يعد دقيقًا القول إن هناك مشروعًا مستقرًا اسمه «رفح الجديدة» يُنفَّذ وفق خطة نهائية محسومة.
الأدق هو القول إن هناك عملية متحركة لإنتاج منطقة تجريبية في رفح، تتغير حدودها ووظيفتها وفق توازن القوى بين مجلس السلام والولايات المتحدة والحكومة الإسرائيلية والفصائل الفلسطينية والقوة الدولية ومصر — مع انقسام فلسطيني داخلي لم يُحسم بعد موقعه من المعادلة.
والمعيار الحقيقي لنجاح المشروع أو فشله ليس عدد الوحدات السكنية المبنية، بل: كم فلسطينيًا من سكان رفح الأصليين عاد فعليًا إلى مدينته؟ كم حق ملكية حُفظ موثقًا؟ من يدير المدينة يوميًا؟ من يملك القوة الأمنية فيها فعليًا لا اسميًا؟ من يتحكم بحركة الدخول والخروج؟ ومتى ينتهي زمنيًا الترتيب الانتقالي المعلن؟
إن نجح الفلسطينيون في تحويل المشروع من «منطقة تجريبية» إلى نواة لإعادة بناء مدينة فلسطينية كاملة ضمن قطاع موحد الإدارة والسيادة، فقد تصبح رفح نقطة انطلاق حقيقية للتعافي.
أما إذا تُرك تشكيلها بالكامل لتوازنات القوى الخارجية والأمنية، دون ربط واضح بحق العودة وحفظ الملكية والإدارة الفلسطينية، فقد تتحول أنقاض المدينة إلى أساس لنظام جغرافي وسياسي مختلف جوهريًا عن غزة التي كانت قائمة قبل الحرب، وهذا ما يستوجب مراقبة رفح الآن، قبل اكتمال المشروع لا بعده.
توصيات ومحددات فلسطينية للتعامل مع المشروع
تقترح الدراسة إطارًا سياسيًا فلسطينيًا يقوم على ثمانية محددات:
- أن تكون «رفح الجديدة» جزءًا من إعادة بناء المدينة القائمة لا بديلًا منفصلًا عنها.
- أن يبقى حق العودة شرطًا أساسيًا لا يجوز أن يتحول الإسكان المؤقت إلى آلية لتغيير أماكن إقامة السكان بحكم الأمر الواقع.
- حماية حقوق الملكية والتعويض العادل عن أي تغيير عمراني.
- أن تكون الإدارة المدنية اليومية فلسطينية حتى مع الدعم الدولي.
- تحديد دور القوة الدولية بمهمة ومدة وقواعد اشتباك واضحة ومرتبطة صراحة بانتقال السلطة إلى مؤسسات فلسطينية.
- رفض أي فصل جغرافي أو وظيفي بين رفح وبقية القطاع.
- شفافية كاملة في مصادر التمويل والتعهدات والأموال المحوّلة فعليًا والعقود والجهات المنفذة.
- ضمان مشاركة فعلية لسكان رفح أنفسهم وممثليهم المحليين في أي تخطيط، إذ لا يمكن بناء المدينة من دون أهلها.
© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أغسطس 2026 — جميع الحقوق محفوظة



