قراءة أمنية وقانونية واجتماعية-مقارنة في الأساليب والمواجهة والحدود القانونية
دراسة تحليلية أمنية-أ. ابراهيم الحواجري| خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية
| الملخص التنفيذي تتبّع هذه الورقة تحوّل ظاهرة عملاء الاحتلال في قطاع غزة خلال حرب 2023–2026 من نموذج «العميل الفرد» إلى شبكات ومجموعات مسلحة محلية، أبرزها مجموعة ياسر أبو شباب التي أقرّ نتنياهو بدعمها في يونيو/حزيران 2025 قبل مقتل قائدها في ظروف غامضة في ديسمبر/كانون الأول 2025. وتضع الورقة هذه التجربة في سياقين مقارنين: التجربة الغزية-الفلسطينية ذاتها منذ الانتفاضة الأولى، وتجربة «جيش لبنان الجنوبي» التي تُظهر أن المليشيات المحلية المدعومة من قوة احتلال تنهار عادة بسرعة إذا تراجعت مصلحة الاحتلال أو انسحب. كما تكشف الورقة أن اتفاق وقف إطلاق النار (تشرين الأول/أكتوبر 2025) لم يُنهِ الظاهرة بل حوّل أداتها من «المليشيا العلنية» إلى «الخلية الفردية» المستخدمة في عمليات اغتيال محددة حتى مطلع 20263. وتوثّق الورقة، استنادًا إلى بيانات تاريخية من التجربة الغزية نفسها (نحو 30 حكم إعدام نُفذ بحق العملاء بين 2010 و2018)، وتخلص إلى توصيات تجمع بين الفاعلية الأمنية وصون معايير المحاكمة العادلة والنسيج الاجتماعي. |
مقدمة
تُعد ظاهرة التعاون مع سلطات الاحتلال إحدى أكثر الظواهر الأمنية تعقيدًا في المجتمعات الواقعة تحت الاحتلال؛ لأنها تقع عند نقطة التقاء الأمن والسياسة والاقتصاد والبنية الاجتماعية والدينية.
ولا يقتصر أثرها على نقل المعلومات، بل قد يمتد إلى تحديد مواقع الأشخاص والمنشآت، وتسهيل الوصول إلى مناطق معينة، ومراقبة التحركات، وخلق الفوضى الداخلية، أو تشكيل مجموعات محلية قادرة على تنفيذ مهام لا ترغب القوة المحتلة في تنفيذها بصورة مباشرة.
ولأن مصطلح «التعاون» أو «العمالة» يُستخدم في الخطاب العام الفلسطيني بمعانٍ متفاوتة الحدة، تعتمد هذه الورقة تعريفًا تشغيليًا يميّز بين ثلاثة مستويات متدرجة:
- المستوى الإخباري: نقل معلومات عن أفراد أو مواقع أو تحركات لجهة الاحتلال، دون مشاركة مباشرة في عمل عسكري.
- المستوى اللوجستي: تقديم تسهيلات ميدانية (مراقبة، دلالة، حراسة قوافل، إدارة معابر) دون حمل السلاح بالضرورة.
- المستوى المسلح: الانخراط في مجموعة مسلحة تعمل بتنسيق مباشر أو غير مباشر مع قوات الاحتلال، بما في ذلك تنفيذ عمليات اغتيال أو مواجهة مسلحة مع أطراف فلسطينية.
وتسعى الورقة إلى الإجابة عن خمسة أسئلة: كيف تعاملت التجربة الفلسطينية تاريخيًا مع الظاهرة قبل 2023؟ ما الذي تضيفه المقارنة مع تجارب احتلال أخرى (جنوب لبنان)؟ كيف تطورت الظاهرة والمواجهة الأمنية معها خلال حرب 2023–2026؟ وما الحدود القانونية والاجتماعية لملاحقة المتهمين؟.
أولًا: الخلفية التاريخية: التجربة الفلسطينية في التعامل مع «العمالة» قبل 2023
1. من الانتفاضة الأولى إلى ما قبل 2007: «التخلص السريع»
بدأت فصائل المقاومة الفلسطينية، منذ الانتفاضة الأولى (1987)، بمكافحة العمالة عبر خلايا خاصة تتولى الملاحقة والتحقيق والتصفية عند «ثبوت» التورط، من دون أي إطار قضائي منظم؛ فقد اقتصرت مهمة إحدى أولى خلايا كتائب القسام في غزة على ملاحقة العملاء وتصفيتهم، وكذلك كانت مهمة خلايا أخرى لفصائل المقاومة.
ويمكن حصر أساليب التصفية في تلك الحقبة في أربعة أشكال موثقة: القتل الفوري في مكان الرصد؛ القتل بعد تحقيق يشمل غالبًا الشدة والعنف؛ «المحاكمة العلنية » التي يُتلى فيها اعتراف انتُزع أثناء التحقيق قبل التنفيذ؛ والتصفية داخل مرافق احتجاز السلطة بعد نشوئها عام 1994 — وأبرز حالاتها تصفية أحد العملاء، المتهم باغتيال القيادي عماد عقل، داخل زنزانته في سجن السرايا.
وتُقرّ الأدبيات الفلسطينية نفسها بأن هذا النمط، رغم مبرراته الميدانية (صعوبة الاحتجاز الآمن تحت الملاحقة الإسرائيلية)، افتقد لأي ضمانة إجرائية، وأدى في حالات موثقة إلى معاقبة أشخاص لا ترقى الأدلة إلى اثبات إدانتهم، وتحميل عائلات كاملة وزر اتهامات لم تثبت.
2. 2007–2023: مأسسة نسبية مع بقاء التصفية الميدانية
مع تولي حركة حماس إدارة غزة عام 2007، شهد الملف تطورًا مؤسسيًا: اتُّفق بين الفصائل عام 2010 على تسليم كل المتهمين بالعمالة — حتى من صفوفها — إلى جهاز الأمن الداخلي ليحيلهم إلى القضاء العسكري، ونُفذ أول حكم إعدام حكومي رسمي بحق متعاونين في العام نفسه.
وبلغ إجمالي أحكام الإعدام المنفذة بحق متعاونين بين عامي 2010 و2018 نحو ثلاثين حكمًا، إلى جانب أحكام بالسجن متفاوتة بحسب طبيعة النشاط ومدته.
غير أن التصفية الميدانية لم تختفِ، خصوصًا خلال العدوانات الإسرائيلية المتكررة حين تعذّر الاحتجاز الآمن؛ وتكشف إحصائية نشرها موقع «المجد» الأمني حول التعامل مع ملف العملاء خلال عدوان 2014 أن 5% من الحالات جرت تصفيتها ميدانيًا، و25% جرى التعامل معها ميدانيًا (اعتقال أو إصابة أثناء المطاردة)، و20% اعتُقلوا في أماكن مخصصة، و50% وُضعوا تحت إقامة جبرية. وتجدر الإشارة إلى فجوة قانونية جوهرية ظلت قائمة طوال هذه الفترة: نص القانون الأساسي الفلسطيني لعام 2003 في مادته 109 على وجوب مصادقة رئيس السلطة الفلسطينية على أي حكم إعدام قبل تنفيذه، وهو ما لم يُستوفَ عمليًا في غالبية أحكام الإعدام المنفذة في غزة بعد الانقسام، ما جعلها محل إدانة متكررة من مؤسسات حقوقية فلسطينية ومن السلطة في رام الله ذاتها.
3. المعالجة المجتمعية: بين الوصم ومحاولات الاحتواء
في مقابل صرامة المعالجة الأمنية، طوّرت المقاومة والحكومة في غزة، منذ 2007، سياسات لتخفيف أثر الوصم الاجتماعي على عائلات المتهمين: الامتناع عن ذكر أسماء من نُفذت بحقهم أحكام إعدام في البيانات الرسمية، ومعاملة أبناء بعض المتهمين معاملة أبناء الشهداء في بيانات علنية، وحملات وطنية دعت العائلات إلى «التبرؤ» العلني من دون تحويل ذلك إلى نبذ شامل، إلى جانب فتح «باب توبة» مؤقت للعملاء لتسليم أنفسهم دون إحالة قضائية.
هذه السوابق تكشف أن مؤسسات المقاومة نفسها كانت على وعي مبكر بمخاطر تحوّل الوصم الاجتماعي إلى عقاب جماعي — وهو ما يمنح توصيات هذه الورقة في القسم الاجتماعي أساسًا من التجربة المحلية لا من مبدأ نظري مستورد فحسب.
ثانيًا: التحول في ظاهرة العملاء خلال حرب 2023–2026
1. من العميل الفرد إلى الشبكة المسلحة: حالة أبو شباب
مثّلت مجموعة ياسر أبو شباب، التي نشطت في مناطق شرق رفح، المثال الأبرز على هذا التحول، فبحسب تقارير صحفية، بدأت المجموعة العمل في مايو/أيار 2025 على تأمين قوافل مساعدات إنسانية قرب معبر كرم أبو سالم، بأسلحة زُعم أن قوات الاحتلال زوّدتها بها، قبل أن يُقر أبو شباب نفسه، في مقابلة مع موقع إعلامي إسرائيلي في يوليو/تموز 2025، بوجود «تنسيق» مع الجيش الإسرائيلي في ملف توزيع المساعدات.
وفي 5 يونيو/حزيران 2025 اعترف نتنياهو علنًا بأن الحكومة الإسرائيلية تدعم مجموعات مسلحة فلسطينية معارضة لحماس «بناءً على نصائح أمنية تهدف إلى تقليل خسائر الجنود الإسرائيليين».
غير أن مسار المجموعة لم يستقر؛ فقد أعلنت وسائل إعلام إسرائيلية وفلسطينية في 4 ديسمبر/كانون الأول 2025 مقتل أبو شباب في رفح، وسط روايات متضاربة حول الجهة المسؤولة — بين اشتباك داخلي بين عناصره، وكمين نفذته كتائب القسام، ووفق مصادر أمنية إسرائيلية نقلتها صحيفة يديعوت أحرونوت فإنه «ضُرب حتى الموت» قبل نقله إلى مستشفى في جنوب الكيان.
ووصفت شبكة CNN مقتله بأنه «ضربة محتملة لخطط إسرائيل لما بعد الحرب» في القطاع.
2. من جمع المعلومات إلى التأثير في البيئة الداخلية
لم تعد وظيفة الشبكات المحتملة مقتصرة على المعلومات العسكرية؛ إذ أفاد الباحث السياسي مهند مصطفى بأن مليشيات محلية متعاونة تسهّل على وحدات إسرائيلية متخصصة مثل «وحدة المستعربين» الوصول إلى مناطق يصعب عليها التنقل فيها دون اكتشاف، ما يجعل من العملاء المحليين أداة لتنفيذ مهام تتراوح بين الاغتيال وإحداث الفوضى، إضافة إلى أدوار إدارية مثل المشاركة في تنظيم حركة العبور عند معبر رفح، بما يقترب من وظيفة «حكومة ظل» في مناطق محددة.
3. ارتباط التعاون بالأزمة الإنسانية
أصبحت المساعدات الإنسانية عنصرًا حساسًا في البيئة الأمنية؛ فقد ظهرت تقارير عن استغلال الحاجة إلى الغذاء والدواء والعمل، بينما اتهمت مصادر فلسطينية الكيان الاسرائيلي باستخدام عروض المساعدة والوظائف كوسيلة للوصول إلى المواطنين.
وفي المقابل، ظلت اتهامات السلطات الإسرائيلية لحماس باستغلال المساعدات لأغراض عسكرية موضع نفي واعتراض من جهات إنسانية دولية.
ثالثًا: درس مقارن — مصير المليشيات المحلية المدعومة من الاحتلال: حالة «جيش لبنان الجنوبي»
تقدّم تجربة «جيش لبنان الجنوبي» (جيش لحد)، الذي أنشأه الكيان الإسرائيلي عام 1976 ودعمه حتى انهياره عام 2000، سياقًا مقارنًا غنيًا لفهم حدود استدامة الشبكات المدعومة من الاحتلال.
بلغ عديد هذه المليشيا في ذروتها نحو ثلاثة آلاف عنصر، غالبيتهم من المسيحيين الموارنة في بداياتها، ثم اتسعت لتضم نحو 50% من المسلمين الشيعة بحلول 1992 عبر آلية تجنيد قسري غير مباشر: ربط الحصول على تصاريح السفر والخدمات الصحية والزراعية بوجود فرد من العائلة داخل المليشيا، إلى جانب سياسة «الجدار الطيب» في تقديم الخدمات.
وهذا النمط يشبه إلى حد بعيد آليات «الحاجة الإنسانية» الموثقة في غزة، وإن اختلف السياق الزمني والحجم.
والأهم من زاوية التحليل المقارن أن هذه المليشيا، رغم عمرها الممتد لأكثر من عشرين عامًا وحجمها الكبير نسبيًا، انهارت خلال أيام معدودة عقب الانسحاب الإسرائيلي المفاجئ في مايو/أيار 2000؛ إذ فرّ آلاف العناصر وعائلاتهم إلى داخل الكيان الإسرائيلي، بينما سلّم آخرون أنفسهم لحزب الله الذي أحالهم إلى القضاء اللبناني، الذي بدوره ميّز في الأحكام بين من انضم قسرًا (أحكام مخففة بضعة أشهر إلى سنوات) ومن ارتكب جرائم تعذيب أو قتل مباشرة (أحكام مشددة أو لجوء دائم لمن فروا).
هذا التمييز القضائي اللبناني بين المُكرَه والمتورط الفعلي يتقاطع تمامًا مع التصنيف الثلاثي الذي تعتمده هذه الورقة (إخباري/لوجستي/مسلح)، ويقدّم سابقة عملية على إمكانية تطبيقه قانونيًا لا نظريًا فقط.
وتخلص المقارنة إلى استنتاجين تحليليين يمكن إسقاطهما بحذر على الحالة الغزية:
أولًا، أن استقرار الشبكات المدعومة من الاحتلال مرتبط عضويًا باستمرار المصلحة الإسرائيلية المباشرة، لا بقوة الشبكة الذاتية أو حجمها — وهو ما يفسر جزئيًا هشاشة مجموعة أبو شباب وغيرها من المجموعات أمام الاختراق رغم الدعم العلني الذي حظيت به لفترة.
وثانيًا، أن المعالجة القضائية المتدرجة (تمييز بين الإكراه والطواعية، بين الجريمة الجسيمة والمشاركة الهامشية) ليست تنازلًا أمنيًا، بل شرط لتجنب أن تتحول ملفات ما بعد الصراع إلى أزمات اجتماعية ممتدة، كما حدث مع آلاف «أبناء لحد» الذين بقوا عالقين بلا هوية وطنية واضحة حتى اليوم.
رابعًا: أساليب تجنيد العملاء خلال حرب 2023–2026
يمكن تصنيف الأساليب التي تظهر في المصادر المفتوحة ضمن خمس فئات، مع تفاوت واضح في درجة التوثيق المستقل لكل منها:
| الأسلوب | آلية الاستخدام | درجة التوثيق |
| الابتزاز والضغط | استغلال معلومات شخصية أو التهديد بإيذاء الشخص أو عائلته | موثّق في شهادات متكررة عبر سنوات الاحتلال |
| الحاجة الإنسانية | الغذاء أو الدواء أو المال أو العمل مقابل معلومات أو خدمات | موثّق في تقارير عديدة خلال 2023–2025، ويشبه نمط «الجدار الطيب» اللبناني |
| المنصات الرقمية | صفحات وحسابات تقدّم مساعدات أو وظائف وهمية | موثّق في تحذيرات أمنية محلية 2024 |
| الاستغلال الإجرامي | تجنيد أفراد متورطين أصلًا في السرقة والنهب لمهام مراقبة أو أمن | موثّق في حالة أبو شباب ومجموعات مماثلة 2025 |
| التجنيد داخل مجموعات مسلحة | انتقال التعاون من الفرد إلى مجموعة منظمة ومسلّحة | موثّق علنًا بإقرار الأطراف نفسها 2025–2026 |
وتكشف هذه الأنماط أن العامل الاقتصادي لم يعد مجرد وسيلة لدفع المال، بل أصبح جزءًا من بيئة التجنيد نفسها؛ فكلما ازداد اعتماد السكان على مصادر محدودة للغذاء والعمل والحركة، ازدادت إمكانية تحويل هذه الاحتياجات إلى أدوات ضغط — وهو نمط تؤكده المقارنة مع التجربة اللبنانية أعلاه بوصفه سمة متكررة في سياقات الاحتلال لا خصوصية غزية بحتة.
خامسًا: البعد الاجتماعي والوطني والديني في تجريم التعاون
يسبق التجريم القانوني للتعاون مع الاحتلال في المجتمع الفلسطيني منظومة أعمق من الرفض الاجتماعي والوطني والديني، وهذا ما يفسر شدة ردود الفعل الشعبية تجاه من يُتهمون بالعمالة، بصرف النظر عن مآل القضية قضائيًا:
- على المستوى العشائري: يصنّف العرف العشائري الفلسطيني التعاون مع الاحتلال ضمن أشد الموبقات الاجتماعية، وتاريخيًا لجأت عائلات وعشائر إلى «التبرؤ» العلني من أفراد اتُّهموا بالعمالة، بوصف ذلك وسيلة لحماية سمعة العائلة الجماعية، بمعزل عن أي حكم قضائي.
- على المستوى الوطني السياسي: شكّلت معاداة «العمالة» أحد المحاور القليلة التي حافظت على إجماع عابر للفصائل والانقسام السياسي منذ عهد الانتداب البريطاني وحتى اليوم، بوصفها خيانة للقضية الجامعة.
- على المستوى الديني: يوظَّف الخطاب الديني السائد في المساجد والمنابر الفلسطينية مفردات «إعانة العدو» و«الخيانة» لوصف التعاون مع قوة احتلال في سياق نزاع مسلح فعلي، بما يجعله في مرتبة أخلاقية-دينية متدنية في الوعي الجمعي.
غير أن هذه المنظومة الاجتماعية-القيمية، على مشروعيتها كرادع أخلاقي جماعي، تحمل مخاطر منهجية جسيمة إذا تُركت لتحل محل الإجراء القضائي بدل أن تكمّله؛ فكما بيّن القسم الثاني أعلاه، كانت مؤسسات المقاومة نفسها — منذ 2007 — على وعي بهذا الخطر، فطوّرت سياسات لحماية عائلات المتهمين من النبذ الشامل.
وتخلص الورقة إلى أن قوة الرفض الاجتماعي والديني والعشائري للتعاون — وهي حقيقية وعميقة الجذور وسبق للتجربة المحلية أن طوّرت آليات للتعامل معها بمسؤولية — ينبغي أن تُستثمر في تعزيز الوعي المجتمعي والإبلاغ المسؤول، لا أن تُستخدم مبررًا لتجاوز حق المتهم في محاكمة عادلة.
سادسًا: تطور المواجهة الأمنية مع شبكات التعاون خلال الحرب
المرحلة الأولى (2023–2024): منع الاختراق وإعادة بناء الأمن
شهدت الفترة الأولى من الحرب انهيارًا واسعًا في البنية الأمنية نتيجة الاستهداف الإسرائيلي المستمر للمؤسسات الأمنية والشرطية، ما جعل مواجهة التعاون جزءًا من معركة الحفاظ على الجبهة الداخلية. وبحسب مصادر محلية، شُكّلت في هذه المرحلة وحدات متخصصة من بينها ما عُرف إعلاميًا بـ«وحدة سهم» لمواجهة نهب المساعدات وملاحقة العملاء، إلى جانب حملات توعية ضد محاولات التجنيد عبر المنصات الرقمية.
المرحلة الثانية (2025): من ملاحقة الأفراد إلى مواجهة المجموعات المسلحة
برز في هذه المرحلة الجناح الميداني المعروف باسم «رادع»، الذي وصفته وكالات فلسطينية بأنه الذراع الميدانية لأمن قوى المقاومة، ونفذ حملات اعتقال واسعة ضد من وصفتهم بـ«العملاء والعناصر الخارجة عن القانون».
وأعلنت الوحدة في تشرين الأول/أكتوبر 2025 عن عمليات تمشيط في مدينة غزة استهدفت مواقع مليشيات مسلحة متهمة بإطلاق النار على نازحين ومهاجمة مدنيين.
وفي الوقت نفسه، نقلت تقارير عبرية (القناة 12) أن حملة «رادع» شملت عمليات وُصفت بـ«التحييد-التصفية» لعدد من المطلوبين دون محاكمة معلنة، بالتوازي مع إعلان الحكومة في غزة عفوًا عامًا لأفراد عشائر ومجموعات لم يثبت تورطهم في جرائم خطيرة — وهي سياسة تُذكّر بحملات «باب التوبة» التي وثّقها القسم الثاني من هذه الورقة كنمط متكرر في التجربة الفلسطينية لاحتواء الظاهرة دون تعميم العقاب.
المرحلة الثالثة (2025–2026): ما بعد وقف إطلاق النار — استمرار الظاهرة بأدوات جديدة
دخل اتفاق وقف إطلاق النار (شرم الشيخ) حيّز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025 بموافقة الحكومة الإسرائيلية وانسحاب جزئي للجيش، إلا أن مصادر طبية وحكومية في غزة وثّقت، بحلول آذار/مارس 2026، أكثر من 2000 خرق إسرائيلي للاتفاق أسفرت عن سقوط نحو 690 قتيلًا فلسطينيًا، وسط اتهامات رسمية باستمرار الاحتلال في «إطلاق» عناصر من العملاء لتنفيذ عمليات اغتيال داخل مناطق تُعرف بـ«الخط الأصفر».
هذا التطور يعني أن وقف إطلاق النار لم يُنهِ وظيفة شبكات العملاء، بل نقلها من سياق «حرب مفتوحة» إلى سياق «تهدئة هشة» تُستخدم فيها هذه الشبكات لأغراض استخبارية وأمنية أكثر تحديدًا، وهو تحول يماثل — من حيث المنطق لا التفاصيل — انتقال جيش لحد من مليشيا علنية كبيرة إلى عناصر متفرقة عقب سحب الدعم الإسرائيلي المباشر عنها.
الأثر الأمني على سير عمليات الاحتلال
من الخطأ اعتبار كل نجاح أو إخفاق عسكري نتيجة مباشرة لنشاط العملاء؛ فالحرب في غزة تتأثر بعوامل أكبر بكثير، أبرزها التفوق الجوي والاستخباري والتكنولوجي الإسرائيلي والاستطلاع الجوي والفضائي.
غير أن وجود شبكات بشرية محلية يمنح الطرف الذي يستخدمها ثلاث مزايا محتملة: تحسين المعلومات الميدانية الدقيقة؛ خفض تكلفة السيطرة الميدانية عبر تكليف عناصر محلية بمهام كانت تتطلب انتشار قوات نظامية أكبر؛ وضرب الجبهة الداخلية عبر نشر الخوف وزعزعة الثقة بالمؤسسات، وهو بُعد اكتسب أهمية متزايدة بعد وقف إطلاق النار حين تحوّل الاغتيال الفردي إلى أداة رئيسية أكثر من المواجهة المسلحة المفتوحة.
سابعًا: الأبعاد القانونية
1. القانون الفلسطيني
تتضمن التشريعات الفلسطينية نصوصًا تجرّم صورًا متعددة من التخابر والخيانة؛ إذ يُجرّم القانون الثوري لمنظمة التحرير الفلسطينية لعام 1979 في مادته 131 السعي أو التخابر مع جهة معادية لمعاونتها في عملياتها الحربية أو الإضرار بالعمليات الفلسطينية، بينما تنص مادته 140 على عقوبات مشددة بحق من يتخابر مع العدو أو يمدّه بمعلومات أو مؤن أو يؤدي أعمالًا تعرّض العمليات للخطر. كما يجرّم قانون المخابرات العامة رقم 17 لسنة 2005 صورًا من التخابر مع دولة أجنبية وتسليم أسرار دفاعية.
2. القانون الدولي الإنساني
لا يوجد في القانون الدولي الإنساني مفهوم عام يجعل كل أشكال «التعاون» جريمة حرب تلقائيًا؛ فالتقييم يعتمد على طبيعة الفعل نفسه، فإذا تعلّق النشاط بالتجسس، توجد قواعد خاصة بشأن الجواسيس تُعرّف التجسس بأنه الحصول سرًا أو بذرائع كاذبة على معلومات في منطقة عمليات الخصم بقصد نقلها إليه. أما بالنسبة للسكان في الأراضي المحتلة، فتحظر المادة 51 من اتفاقية جنيف الرابعة إجبار الأشخاص المحميين على الخدمة في قوات دولة الاحتلال أو الضغط عليهم للتطوع فيها، وتظل قوانين الإقليم المحتل قائمة من حيث الأصل وفق المادة 64 من الاتفاقية نفسها.
3. الحق في محاكمة عادلة وحدود العقوبة
تنص المادة 5 من اتفاقية جنيف الرابعة على وجوب معاملة الشخص المشتبه في نشاط معادٍ معاملة إنسانية، وعدم حرمانه من حقوق المحاكمة العادلة والمنتظمة حتى في حالات التجسس المؤكدة.
أما عقوبة الإعدام، فتخضع بموجب المادة 68 لشروط صارمة ولا تُطرح لمجرد وجود اتهام بالعمالة.
التحديات الأمنية والقانونية
- غياب قاعدة بيانات مستقلة: لا توجد إحصائية عامة موحدة لعدد المتعاونين أو المعتقلين أو من خضعوا للمحاكمة في الحرب الحالية، خلافًا لفترة 2010–2018 التي توفرت عنها أرقام رسمية جزئية.
- صعوبة التحقق المستقل: معظم المعلومات تصدر عن أطراف في النزاع، ما يحدّ من إمكانية التحقق المستقل.
- الخلط بين الجريمة العادية والتعاون الفعلي: قد تتداخل السرقة والجريمة المنظمة مع العمل لصالح الاحتلال، لكن إثبات إحداهما لا يعني تلقائيًا إثبات الأخرى.
- خطر الانتقام الجماعي والعقوبة قبل المحاكمة: كما بيّنت الأقسام الثاني والسادس والعاشر، فإن قوة الوصم الاجتماعي والديني للتعاون تجعل الاتهام وحده كافيًا أحيانًا لتوليد عقوبة فعلية تسبق القضاء.
- توظيف المساعدات الإنسانية أمنيًا: تحويل الغذاء والدواء والمأوى إلى أدوات ضغط استخباري، على نمط سياسة «الجدار الطيب» اللبنانية، يهدد حياد العمل الإنساني.
- تطور الشبكات إلى مجموعات مسلحة قابلة للتفكك المفاجئ: كما أظهرت واقعة مقتل أبو شباب، وكما تؤكد المقارنة مع جيش لحد، فإن هذه المجموعات عرضة لانهيار سريع مرتبط بمصلحة الاحتلال لا بصلابتها الذاتية.
ثامنًا السيناريوهات المستقبلية
- انحسار نسبي مرجّح في المدى القريب للشكل «العلني»: مقتل أبو شباب وتصاعد ملاحقات «رادع» يحدّان مؤقتًا من المليشيات المسلحة الظاهرة للعيان، تمامًا كما انهار جيش لحد سريعًا فور تراجع الدعم الإسرائيلي المباشر؛ هذا السيناريو مرجّح بدرجة عالية استنادًا إلى السابقة المقارنة.
- استمرار شبه مؤكد لنمط التعاون الفردي منخفض الظهور: ما دامت الظروف الاقتصادية والإنسانية هشة، يبقى تجنيد الأفراد بأساليب الابتزاز والحاجة الإنسانية هو النمط الأكثر ديمومة، لأنه لا يتطلب بنية علنية قابلة للاستهداف.
- احتمال متوسط لتحول الأداة من «المليشيا» إلى «الخلية»: تشير تطورات مارس 2026 إلى أن الاحتلال ينتقل من دعم تشكيلات مسلحة مرئية إلى تفعيل عناصر فردية لمهام اغتيال محددة، وهو نمط أصعب في الرصد والملاحقة.
- احتمال منخفض لكن غير معدوم لتسييس الملف وتكرار «أزمة أبناء لحد»: إذا لم تُعالَج ملفات المتورطين بتدرج قانوني واضح بعد انتهاء الحرب، فقد تنشأ فئة اجتماعية عالقة بلا حل، على غرار آلاف اللبنانيين الذين بقوا في إسرائيل بلا هوية وطنية واضحة بعد عام 2000.
الخلاصة
تكشف حرب غزة 2023–2026، مقروءة في ضوء التجربة الفلسطينية التاريخية منذ الانتفاضة الأولى وفي ضوء تجربة جيش لبنان الجنوبي، أن ظاهرة عملاء الاحتلال ليست جديدة في بنيتها بقدر ما تجددت أدواتها.
فالانتقال من العميل الفرد إلى الشبكة المسلحة، ثم إلى الخلية الفردية بعد وقف إطلاق النار، يعيد إنتاج نمط شهدته تجارب احتلال أخرى: شبكات تزدهر بقدر ما يستمر الدعم الخارجي، وتنهار أو تتحول بمجرد تراجعه، بينما تبقى المعالجة القانونية والاجتماعية الرصينة، هي الضمانة الحقيقية لعدم تكرار أي أخطاء في الماضي.
والنتيجة الأهم أن التعاون لا يمكن اختزاله في العامل الأمني وحده، ولا في العامل القيمي والاجتماعي وحده؛ فكلما ازدادت الحاجة الاقتصادية والإنسانية، وكلما ضعفت مؤسسات الدولة والقانون، ازدادت قدرة أي طرف خارجي على استغلال نقاط الضعف داخل المجتمع — بينما يظل الرفض الاجتماعي والديني والوطني العميق لهذه الظاهرة رادعًا حقيقيًا ينبغي توظيفه في الوعي والإبلاغ المسؤول والمعالجة القضائية المتدرجة، لا في عقوبات فورية تُقوّض هدف حماية النسيج الداخلي الذي تسعى إليه أصلًا.
التوصيات
أمنيًا
- إنشاء قاعدة بيانات أمنية وقضائية موحدة للمتهمين بالتعاون، مع الفصل الصريح بين «المشتبه به» و«المتهم» و«المدان»، على غرار الأرقام الرسمية الجزئية التي توفرت خلال 2010–2018.
- اعتماد إجراءات تحقق متعددة المصادر قبل اتخاذ أي إجراء ضد شخص أو عائلة.
- تطوير آليات مكافحة التجنيد الرقمي التي تستغل المساعدات والوظائف والحاجة الاقتصادية.
- التعامل مع الشبكات المسلحة كظاهرة مركّبة تجمع الأمن والجريمة والسياسة، لا كفئة واحدة متجانسة، مع تجنب المبالغة في تقدير صلابتها الذاتية كما تُظهر تجربتا أبو شباب وجيش لحد.
- إعطاء أولوية لتفكيك شبكات الوسطاء والممولين بدل التركيز على العقوبات الفردية وحدها.
قانونيًا
- تطبيق المادة 109 من القانون الأساسي فعليًا (مصادقة رئاسية على أحكام الإعدام)
- اعتماد تدرج عقابي صريح يميّز بين المُكرَه والمتورط الفعلي، مستفيدًا من السابقة القضائية اللبنانية بعد انهيار جيش لحد.
- نشر إحصائيات دورية ومراجعة مستقلة لملفات العملاء تتيح للباحثين والمنظمات الحقوقية قياس حجم الظاهرة الفعلي.
اجتماعيًا وإنسانيًا
- حماية منظومة المساعدات من التوظيف الأمني من أي طرف كان.
- البناء على سياسات الحماية الاجتماعية التي طُوّرت فعليًا منذ 2007 (عدم نشر الأسماء، احتواء العائلات) وتوسيعها بدل استحداثها من الصفر.
- تطوير برامج لإعادة دمج من يثبت تعرضه للابتزاز أو الإكراه دون مشاركته في جرائم خطيرة، مع التمييز الصارم بينهم وبين من شارك عمدًا في عمليات قتل أو تجسس أو استهداف — لتفادي تكرار سيناريو الفئة الاجتماعية العالقة الذي أنتجته تجربة جيش لحد.
- رفع الوعي الرقمي لدى السكان بخصوص عروض المساعدات والوظائف والاتصالات المجهولة.
© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أغسطس 2026 — جميع الحقوق محفوظة



