إعادة بناء الشرعية الفلسطينية بعد الحرب..الانتخابات الرئاسية والتشريعية: من جدل التقديم إلى اختبار صمود الجدول الزمني المقرر

سياسات تحليلية-خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
لم يعد سؤال “أي انتخابات تُقدَّم؟” مفتوحاً: فقد حسمته ثلاثة مراسيم رئاسية متتالية خلال عام 2026، وحددت جدولاً زمنياً دقيقاً: انتخابات المجلس الوطني في 1 نوفمبر 2026 (بمشاركة الشتات لأول مرة)، فالتشريعية في 28 من الشهر نفسه، فالرئاسية في الربع الأول من 2027.
هذه الورقة تنتقل من مناقشة أي مسار يُفضَّل إلى اختبار نقدي لاحتمالات صمود هذا الجدول ذاته أمام أربعة عوامل ضغط متزامنة: غياب توافق فصائلي كامل إذ رفضت حماس التعديلات القانونية التي مهّدت للاستحقاق، وقيد احتلالي مباشر أثبتت تجربة تأجيل انتخابات 2021 قدرته على إجهاض العملية من مرحلتها الأولى، وواقع ميداني وإداري معقد في قطاع غزة الخاضع لإشراف مجلس السلام الدولي واللجنة الوطنية لإدارة غزة بموجب قرار مجلس الأمن 2803، وغياب آلية طوارئ معلنة تحول دون تكرار سيناريو التأجيل المفتوح الذي أنهى تجربة 2021.
وتخلص الورقة إلى تسع توصيات عملية وعاجلة، أبرزها إقفال ملف الخلاف القانوني، وتثبيت ترتيبات بديلة لتصويت القدس قبل الموعد لا بعده، وتحديد آلية واضحة لإجراء الحملات السياسية داخل غزة في ظل الإدارة الانتقالية الدولية القائمة.

تمهيد

في 9 يوليو 2026، أصدر الرئيس محمود عباس مرسوماً يحدد 28 نوفمبر 2026 موعداً لانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني – أول اقتراع تشريعي منذ عشرين عاماً – على أن تليها الانتخابات الرئاسية في الربع الأول من عام 2027، بعد أن كانت انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، بمشاركة الشتات للمرة الأولى، قد تحددت لها مسبقاً جلسة 1 نوفمبر 2026 بموجب مرسوم فبراير ونظام انتخابي أُقر في يونيو من العام نفسه.

بهذا، خرج الجدل الفلسطيني الطويل حول “أي استحقاق يُقدَّم؟” من دائرة النقاش النظري إلى واقع مقرر بمواعيد ملزمة.

غير أن صدور المرسوم لا يعني بالضرورة اكتمال الطريق إليه، فقد شهد الفلسطينيون سابقة مطابقة تقريباً عام 2021: مرسوم بتسلسل الاستحقاقات، تلته مباشرة عملية تسجيل وترشح فعلية، ثم تأجيل أحادي عند أول عقبة حقيقية، والفارق الوحيد اليوم هو أن الاستحقاقات الثلاثة (الوطني والتشريعي والرئاسي) باتت مترابطة زمنياً على مدى أقل من خمسة أشهر، وأن الأرض التي ستجرى عليها العملية – وتحديداً قطاع غزة – أصبحت خاضعة لإدارة انتقالية دولية لم تكن قائمة عام 2021.

تفحص هذه الورقة الجدلية المعقدة بين ضرورة أن يترجم هذا الجدول الزمني تجديداً حقيقياً للشرعية الفلسطينية، وبين مخاطر أن يتعثر في منتصف الطريق كما تعثر سلفه قبل خمس سنوات، أو أن يكتمل شكلياً دون توافق وطني فعلي فيعيد إنتاج انقسام 2006-2007 بأدوات جديدة.

وتخلص إلى أن صمود الجدول الزمني ليس مسألة تقنية أو إجرائية، بل رهين بأربعة اختبارات متزامنة يفصّلها المحور الثالث: التوافق الفصائلي، والقيد الاحتلالي، وواقع غزة الإداري، وآلية الطوارئ الغائبة.

المحور الأول: أزمة الشرعية الفلسطينية بعد الحرب — الجذور التي يحاول الاستحقاق المقرر معالجتها

غياب الانتخابات الرئاسية والتشريعية لعقدين: تعود آخر انتخابات رئاسية إلى عام 2005، وآخر انتخابات تشريعية إلى يناير 2006، والفاصل الزمني بينهما وبين استحقاقات 2026-2027 يقترب من عقدين كاملين. أدى ذلك إلى تركّز صلاحيات التشريع والتنفيذ في يد المؤسسة الرئاسية عبر “القوانين بقرارات”، دون رقابة برلمانية موازية، وإلى تآكل تدريجي في القيمة التمثيلية لرأس السلطة والمجلس التشريعي كلما طال أمد غياب التفويض الشعبي المتجدد.

تعطل المجلس التشريعي وفراغ الرقابة: شُلّ المجلس التشريعي عملياً مع اندلاع الانقسام المسلح عام 2007، قبل أن تحله المحكمة الدستورية بالضفة الغربية عام 2018، وترتب على ذلك غياب المساءلة البرلمانية للحكومة ومراقبة الموازنات العامة، دون أن تنجح الأطر التشاركية البديلة، كالمجلس المركزي، في تعويض هذا الفراغ، نظراً لقيامها على التعيين والحصص الفصائلية لا الاقتراع المباشر.

أزمة الثقة الشعبية والفجوة الجيلية: تشير المعطيات الديموغرافية إلى أن نسبة كبيرة من المجتمع الفلسطيني هم من مواليد ما بعد آخر انتخابات تشريعية عامة، أي جيل كامل لم يمارس حقه الانتخابي في اختيار ممثليه.

وقد شهد عام 2026 محاولة أولى لكسر هذه العزلة عبر تشكّل تحالفات عابرة للفصائل، أبرزها ما يُعرف بـ”التحالف من أجل التغيير والتحرر الوطني”، وهو إطار يخوض الانتخابات المقبلة بخطاب مستقل عن ثنائية فتح وحماس، وإن ظل نجاحه في اختراق الثقل الفصائلي التقليدي غير مضمون .

الانقسام السياسي والجغرافي وشرذمة المؤسسات: خلق الانقسام منذ 2007 سلطتين في غزة والضفة، بأجهزتهما الأمنية والمدنية المنفصلة، ما استنزف الطاقة السياسية والدبلوماسية الفلسطينية في صراع داخلي على حساب مواجهة الاحتلال والاستيطان، وأتاح لأطراف دولية والكيان الإسرائيلي تحديداً توظيف خطاب “غياب الشريك الفلسطيني الموحد”.

من الانكشاف المؤسسي إلى مسار إصلاحي متكامل الخطوات: كشفت الحرب الأخيرة هشاشة البنية المؤسسية القائمة، ودفعت قيادة السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى سلسلة خطوات متسارعة خلال 2025-2026 شكّلت معاً الطريق إلى الاستحقاق الانتخابي المقرر: تعيين حسين الشيخ نائباً لرئيس دولة فلسطين واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في أبريل 2025 ، وتشكيل لجنة لصياغة دستور مؤقت في أغسطس 2025 ، وإعلان دستوري لتنظيم الخلافة في أكتوبر 2025 ، وصولاً إلى مراسيم انتخابات المجلس الوطني والتشريعي والرئاسي خلال 2026.

 غير أن الخطوات المؤسسية الأولى صدرت بمراسيم أحادية دون توافق فصائلي معلن، وهو ما يفسر – كما يفصّل المحور الثالث – لماذا لم يترجم صدور مرسوم الانتخابات وحده إلى توافق تلقائي على إجرائها.

المحور الثاني: من جدل الأولوية إلى الجدول الزمني المعتمد

انقسم الفاعلون السياسيون والمحللون لسنوات حول ترتيب الاستحقاقات الديمقراطية بين ثلاثة مواقف: تقديم الرئاسية، تقديم التشريعية، أو إجراؤهما بالتزامن. هذا الجدل لم يُحسم بتوافق نظري، بل بسابقة عملية اختُبرت عام 2021 وتعثرت، ثم بمسار مراسيم فعلي خلال 2026 كرّس عملياً مساراً هجيناً يجمع بين تسلسل “التشريعية قبل الرئاسية” وتزامن جزئي مع انتخابات المجلس الوطني.

السابقة الفعلية: تجربة 2021

 دعا مرسوم رئاسي صدر في 15 يناير 2021 إلى إجراء الاستحقاقات على التوالي: تشريعية في 22 مايو، ثم رئاسية في 31 يوليو، ثم انتخابات المجلس الوطني في 31 أغسطس من العام نفسه.

 غير أن العملية توقفت عند مرحلتها الأولى: ففي 30 أبريل 2021، وبعد إغلاق باب الترشح، أصدر الرئيس عباس مرسوماً بتأجيل الانتخابات “إلى حين توفر شروط إجرائها في الأراضي الفلسطينية كافة، وفي مقدمتها القدس”، بعد أن رفضت سلطات الاحتلال السماح بإجرائها في القدس الشرقية وفق القانون .

 وقد تعرض القرار لانتقادات واسعة اعتبرته “انفراداً بالقرار”، خصوصاً أن بدائل عملية لتصويت المقدسيين طُرحت آنذاك ولم تُعتمد، ما غذى تفسيرات ربطت التأجيل بمخاوف داخل حركة فتح من نتائج القوائم المتنافسة أكثر من ارتباطه حصراً بعقبة القدس.

هذه السابقة تحوّل مخاوف “الحكم بالمرسوم” و”التأجيل إلى أجل غير مسمى” من سيناريو افتراضي إلى واقعة مسجلة تحدد اليوم معايير الحكم على مدى جدية الاستحقاق الجديد.

القيد الذي يفرضه الاحتلال:

 إلى جانب القدس التي أوقفت تجربة 2021 عند أول اختبار، يتحكم الاحتلال بعناصر تقنية أخرى حاسمة: حرية حركة المرشحين والناخبين والمراقبين بين محافظات الضفة والقدس وغزة، والوصول إلى سجل السكان الذي يستند إليه سجل الناخبين، وإمكانية السماح بالحملات الانتخابية أو تقييدها.

وقد أكد محللون ومسؤولون فلسطينيون، عند صدور مرسوم يوليو 2026، أن ضمانات إجراء الاقتراع في القدس الشرقية تحديداً “لا تزال معضلة في طريق إجراء الانتخابات التشريعية”، نظراً لعجز المجتمع الدولي عن الضغط على الحكومة الإسرائيلية بهذا الشأن .

من التنافس النظري إلى الجدول الزمني المعتمد فعلياً، وتحوّل السؤال النظري حول أولوية المسارات الثلاثة إلى قرار تنفيذي متسلسل خلال 2026:

 مرسوم 2 فبراير دعا لانتخابات المجلس الوطني في 1 نوفمبر 11؛ وفي 5 فبراير 2026 تسلّم الرئيس مسودة الدستور المؤقت مقروناً بإشارة إلى الانتخابات المحلية التي أُجريت في أبريل 2026 في الضفة الغربية ومدينة دير البلح بغزة باعتبارها “بروفة” عملية للاستحقاق التشريعي – وهي أول عملية اقتراع فلسطينية منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023 ؛ ثم صادق الرئيس في 4 يونيو 2026 على نظام انتخابي للمجلس الوطني بواقع 350 مقعداً (200 للأرض الفلسطينية و150 للشتات) ؛ وفي 14 يونيو 2026 صدر القانون المعدّل رقم (10) لسنة 2026 الذي رفع عدد مقاعد المجلس التشريعي وخفّض نسبة الحسم الانتخابي وفرض حصة نسائية دنيا، لكنه أثار رفض حركة حماس التي اعتبرته تكريساً لـ”نهج الاستفراد بالقرار” يخدم قيادة السلطة القائمة ؛ وأخيراً حدد مرسوم 9 يوليو 2026 موعدي التشريعية (28 نوفمبر) والرئاسية (الربع الأول من 2027) .

 وأكد المتحدث باسم لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية جاهزية اللجنة لإجراء الاقتراع في الضفة والقدس وغزة معاً حال صدور المرسوم المحدِّد للموعد، وهو ما تحقق بالفعل.

المحور الثالث: أربعة اختبارات لصمود الجدول الزمني

صدور المراسيم وجاهزية اللجنة الفنية شرطان ضروريان لكنهما غير كافيين لإنجاز الاستحقاق. تخضع تجربة 2026-2027 لأربعة اختبارات متزامنة، أثبتت سابقتا 2006 و2021 أن الإخفاق في أي منها كفيل بإجهاض العملية بأكملها أو بإعادة إنتاج الانقسام من داخلها.

الاختبار الأول: التوافق الفصائلي على قواعد اللعبة

 رفضت حركة حماس التعديلات القانونية التي مهّدت للاستحقاق التشريعي، واعتبرتها محاولة لتكريس الواقع السياسي القائم لصالح قيادة السلطة ، فيما يبقى غير واضح ما إذا كانت الحركة ستشارك في الانتخابات مباشرة تحت اسمها، أو عبر قوائم مستقلة أو متحالفة، أو ستُبقي قواعدها خارج صندوق الاقتراع كلياً .

 وهذا النمط ليس جديداً: ففي نوفمبر 2025 سبق أن اشترط قرار بقانون بشأن انتخابات الهيئات المحلية على المشاركين فيها الاعتراف ببرنامج منظمة التحرير وقرارات الشرعية الدولية، وهو ما قوبل برفض حقوقي واسع باعتباره تضييقاً لدائرة المشاركة حتى في استحقاق محلي محدود النطاق.

وبما أن حركة حماس فازت بأغلبية المجلس التشريعي في آخر انتخابات عام 2006، فإن أي استحقاق تشريعي جديد يُجرى دون توافق واضح على قواعد قبول نتائجه، وعلى موقع الحركة فيه، يعيد إنتاج المعضلة ذاتها التي أنتجت انقسام 2007: شرعية انتخابية جديدة تصطدم بشرعية تنفيذية وأمنية ودولية قائمة لا تعترف بنتائجها إن جاءت مخالفة لتوقعاتها.

الاختبار الثاني: تكرار سيناريو التأجيل بذريعة القدس

لم يُحسم حتى الآن ملف ضمانات التصويت في القدس الشرقية التي أسقطت تجربة 2021 بالكامل، ويحذر مسؤولون ومحللون من أن هذه “المعضلة” ما زالت قائمة دون حل معلن ، في ظل عجز موازٍ عن الضغط الدولي على الحكومة الإسرائيلية لإجراء الاقتراع فيها ، وما لم تُتفَق ترتيبات بديلة وتُعلَن قبل أسابيع كافية من موعد 28 نوفمبر، فإن السابقة نفسها التي أنهت تجربة 2021 قابلة للتكرار حرفياً، بصرف النظر عن جاهزية بقية أنحاء الوطن للاقتراع.

الاختبار الثالث: واقع غزة الميداني وازدواجية الإدارة

 يواجه إجراء الانتخابات في غزة عقبتين متداخلتين، الأولى ميدانية وإنسانية: حالة الدمار والنزوح المستمرة تثير تساؤلات جدية حول قدرة الناخبين على الوصول الفعلي لمراكز الاقتراع وحول نزاهة العملية وشموليتها، والثانية إدارية-سياسية: فمنذ تسليم حركة حماس إدارة القطاع للجنة الوطنية لإدارة غزة في يوليو 2026 ، باتت غزة تُدار بإشراف مجلس السلام الدولي بموجب القرار 2803، عبر لجنة وُصفت بأنها “تكنوقراطية غير سياسية”.

وينشأ هنا تعارض تحليلي لم تعالجه المراسيم الصادرة حتى الآن: كيف يمكن التوفيق بين الطابع اللاسياسي المفترض لإدارة اللجنة الوطنية وبين ما تستلزمه أي حملة انتخابية تشريعية من تنافس علني بين فصائل وقوائم سياسية داخل القطاع؟ غياب إجابة رسمية معلنة عن هذا السؤال يترك مساحة واسعة للتأويل أو للتأجيل الجزئي بذريعة الظروف الأمنية، على غرار ما جرى مع القدس عام 2021.

الاختبار الرابع: غياب آلية طوارئ معلنة سلفاً

 الدرس الأهم من تجربة 2021 ليس أن التأجيل وقع، بل أنه وقع بقرار أحادي ومفتوح المدة دون سقف زمني أو مسار بديل معلن مسبقاً.

حتى الآن، لا تتضمن مراسيم 2026 أي آلية طوارئ منشورة توضح ماذا يحدث إن تعذر التصويت في القدس أو في أجزاء من غزة عند الموعد المحدد: هل يُؤجَّل الاستحقاق بأكمله، أم يُجرى جزئياً مع تمثيل مؤجل للمناطق المتعذرة، أم تُفعَّل ترتيبات بديلة معدة سلفاً؟ غياب جواب معلن عن هذا السؤال يعني أن الجدول الزمني بأكمله يبقى رهينة قرار تنفيذي لاحق قابل للتكرار على نمط 2021 لا لضمانة مؤسسية مسبقة.

المحور الرابع: إصلاح منظمة التحرير — من الإصلاح بالمرسوم إلى الإصلاح التشاركي

لا تكفي انتخابات السلطة (الرئاسية والتشريعية) وحدها لحل عقدة الشرعية، لأنها تُجرى بحكم تعريفها القانوني داخل حدود 1967 فقط، بينما تبقى منظمة التحرير – نظرياً – هي الإطار الجامع الذي يفترض أن يمثل كل الشعب الفلسطيني أينما وجد، في الداخل والشتات معاً.

شهد عاما 2025-2026 خطوات قبل أنها إصلاحية فعلية لمنظمة التحرير: تعيين نائب لرئيس الدولة ورئيس للجنة التنفيذية للمرة الأولى في تاريخ المنظمة ، وتشكيل لجنة لصياغة دستور مؤقت ، وإعلان دستوري لتنظيم الخلافة .

 هذه خطوات جوهرية من حيث المضمون، لكنها تثير سؤالاً منهجياً حاسماً: هل يُبنى إصلاح المنظمة بالتوافق أم بالمرسوم؟

الاستجابة الفعلية عبر انتخابات المجلس الوطني 2026: خلافاً لما قد يوحي به الحديث عن غياب تمثيل الشتات كثغرة نظرية معلّقة بلا معالجة، أصدرت الرئاسة الفلسطينية في 2 فبراير 2026 مرسوماً بالدعوة لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في 1 نوفمبر 2026 ، ثم صادقت في 4 يونيو 2026 على نظام انتخابي جديد للمجلس يحدد عدد أعضائه بـ350 عضواً: 200 عضو لدائرة الأرض الفلسطينية المحتلة، و150 عضواً مخصصين حصراً لفلسطينيي الخارج والشتات، مع نص صريح يحظر الانتقاص من حصة الشتات هذه تحت أي ظرف .

 ويعتمد النظام مبدأ “الاقتراع حيث أمكن، والتوافق أو التعيين عبر الجمعيات حيث يتعذر إجراؤه” في مناطق الشتات – وهي بالضبط الصيغة الهجينة التي كانت تُطرح كتوصية لسد فجوة التمثيل.

كما نص مرسوم لاحق (9 يوليو 2026) على اعتبار أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين ممثلين تلقائيين للداخل ضمن المقاعد الـ200 المخصصة للأرض الفلسطينية .

حدود هذه الاستجابة: رغم أهمية هذه الخطوة شكلياً، فإنها تثير تساؤلات جدية حول مضمونها الفعلي. فآلية “التوافق والتعيين” في مناطق الشتات التي يتعذر فيها الاقتراع المباشر – وهو أمر متوقع في عدد من الدول المضيفة لاعتبارات سياسية وأمنية – تفتح الباب أمام أن يتحول تمثيل الشتات إلى واجهة عددية تعيد إنتاج منطق الحصص والتعيين الفصائلي ذاته الذي عابته هذه الورقة على مسار إصلاح المنظمة بالمرسوم، بدل أن يكون تمثيلاً مباشراً فعلياً.

كما أن المجلس التشريعي المنتخب – الذي بات يشكل نواة الـ200 مقعد الداخلية – يظل بحكم تعريفه القانوني مؤسسة سلطة تعمل ضمن الإطار الجغرافي الذي أرسته اتفاقية أوسلو، بينما يُفترض بالمجلس الوطني أن يمثل الشعب الفلسطيني كاملاً بما يتجاوز ذلك الإطار؛ وهو تمايز جوهري لا يُذلَّل بمجرد الدمج العددي بين المؤسستين.

حتى الآن، صدرت أبرز قرارات الإصلاح المؤسسي (تعيين نائب الرئيس، لجنة الدستور المؤقت) عبر القنوات الرئاسية دون مشاركة معلنة وموسعة من فصائل خارج حركة فتح، وهو نمط يذكّر بالإشكالية ذاتها التي رفضتها حركة حماس عند تعيين حكومة محمد مصطفى التكنوقراطية في مارس 2024 باعتبارها خطوة تفتقر إلى التوافق الوطني وتعمّق الانقسام ، وعند رفضها لاحقاً التعديلات القانونية الممهدة للانتخابات التشريعية .

 وبقدر ما تمثل انتخابات المجلس الوطني المقررة تطوراً نوعياً يستحق المتابعة الدقيقة، فإنها تبقى – إلى جانب بقية خطوات الإصلاح – عرضة للطعن في تمثيليتها ما لم تُستكمل بمسار تشاركي يشمل إشراك الفصائل غير الفتحاوية والمستقلين وشخصيات المجتمع المدني في صياغة الدستور المؤقت وفي الإشراف الفعلي على تطبيق آلية التوافق والتعيين في مناطق الشتات.

المحور الخامس: الإطار الدولي الأعمق — الشرعية الانتخابية في ظل الحوكمة الانتقالية لغزة

إلى جانب الاختبار التشغيلي الفوري الذي يفصّله المحور الثالث حول إمكانية إجراء الاقتراع داخل غزة عملياً، يطرح الإطار الدولي الذي أرساه القرار 2803 سؤال سيادة أعمق يتجاوز توقيت الاستحقاق إلى مصير نتائجه: من يملك القرار النهائي بشأن الاعتراف بالمؤسسات المنتخبة والتعامل معها؟

مجلس السلام (Board of Peace) واللجنة الوطنية لإدارة غزة: أنشأ القرار 2803 الصادر في 17 نوفمبر 2025 إدارة انتقالية دولية ذات شخصية قانونية (مجلس السلام)، بولاية ممتدة حتى نهاية 2027 وتقارير نصف سنوية لمجلس الأمن، إلى جانب قوة استقرار دولية مخولة بنزع سلاح الفصائل بالتنسيق مع لجنة تحقق دولية، ومنذ يوليو 2026 تتولى “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” الشؤون المدنية اليومية في القطاع بعد أن سلّمتها حركة حماس إدارته رسمياً.

شرط “برنامج الإصلاح” المفتوح وأثره على مصير النتائج: يربط القرار 2803 استعادة السلطة الفلسطينية سيطرتها الفعلية على غزة بإتمامها “برنامج إصلاح” يحظى برضا الأطراف الدولية، دون تحديد جدول زمني ملزم أو معايير قياس واضحة ومعلنة لهذا الرضا.

وهذا يعني أن نتائج انتخابات نوفمبر 2026 – حتى إن أُجريت بنجاح تقني – ستظل خاضعة لتقييم مجلس السلام بشأن مدى انسجامها مع “برنامج الإصلاح” المطلوب دولياً قبل أن تترجَم إلى استعادة فعلية للسيادة على القطاع، وهو قيد يضاف إلى القيد الاحتلالي المباشر الذي يناقشه المحور الثالث، ويجعل الشرعية الانتخابية شرطاً ضرورياً لكنه غير كافٍ لاستعادة السيادة الكاملة.

من الشرعنة الوظيفية الافتراضية إلى واقع فعلي: ربط تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية بمسار إصلاح مفتوح المعايير والتوقيت يجعل نتائج انتخابات 2026-2027 جزءاً من مسار أطول أمداً تتحكم في إيقاعه أطراف دولية بدرجة كبيرة، لا استحقاقاً مستقلاً تقرره الإرادة الوطنية الفلسطينية وحدها وتُترجَم نتائجه تلقائياً إلى سيادة كاملة.

الخلاصة

صدور مراسيم انتخابات المجلس الوطني والتشريعي والرئاسي خلال عام 2026 يشكل أهم استحقاق ديمقراطي فلسطيني منذ عقدين، لكنه ليس ضمانة تلقائية لتجديد الشرعية.

فقد أثبتت تجربة 2021 أن المسافة بين صدور المرسوم واكتمال الاستحقاق يمكن أن تُقطع بقرار أحادي واحد.

 وأربعة اختبارات متزامنة – التوافق الفصائلي، والقيد الاحتلالي في القدس، وواقع غزة الميداني والإداري تحت الإدارة الانتقالية الدولية، وغياب آلية طوارئ معلنة – ستحدد ما إذا كان جدول 2026-2027 سيكمل مساره أم يتعثر كسلفه.

 وحتى لو اجتاز الاستحقاق هذه الاختبارات تقنياً، فإن قرار 2803 يُبقي مصير ترجمة نتائجه إلى سيادة فعلية على غزة رهينة تقييم دولي مفتوح المعايير.

 لذلك، فإن أولوية المرحلة القادمة ليست الاحتفاء بصدور المراسيم، بل إغلاق الثغرات الأربع التي حددتها هذه الورقة قبل حلول موعد 28 نوفمبر، بما يضمن ألا يتكرر مصير 2021، ولا أن يتكرر – إن اكتمل الاستحقاق شكلياً دون توافق حقيقي – مصير 2006.

التوصيات

1. عقد لقاء عاجل بين الفصائل، وفي مقدمتها حركة حماس، لحسم الخلاف حول القانون المعدّل رقم (10) لسنة 2026 قبل موعد 28 نوفمبر، عبر توافق مكتوب يحدد قواعد قبول النتائج وموقع كل الأطراف من الترشح والمشاركة، بدل ترك اتهام “الاستفراد بالقرار” معلقاً حتى يوم الاقتراع.

2. الاتفاق العاجل وإعلان ترتيبات بديلة محددة وملزمة لتصويت المقدسيين قبل أسابيع كافية من موعد 28 نوفمبر 2026، لا في الأيام الأخيرة كما حدث عام 2021 حين حسم غياب هذه الترتيبات مصير الاستحقاق بأكمله.

3. إصدار توضيح رسمي عاجل بشأن آلية إجراء الاقتراع والحملات السياسية داخل قطاع غزة في ظل إشراف اللجنة الوطنية لإدارة غزة ومجلس السلام، يوازن بين الطابع التكنوقراطي غير السياسي المفترض لإدارة اللجنة وحق الفصائل والمرشحين في التنافس العلني.

4. وضع خطة طوارئ معلنة ومحددة سلفاً توضح مسار العمل إن تعذر التصويت في القدس أو أجزاء من غزة عند الموعد المحدد (تصويت جزئي مع تمثيل مؤجل، أو تأجيل محدود بسقف زمني معلن) بدل ترك الباب مفتوحاً أمام تأجيل أحادي غير محدد المدة على نمط 2021.

5. تحويل خطوات إصلاح منظمة التحرير من مسار بالمرسوم إلى مسار تشاركي، عبر إشراك فصائل خارج حركة فتح ومؤسسات مجتمع مدني في استكمال صياغة الدستور المؤقت.

6. متابعة التطبيق الفعلي لآلية تمثيل الشتات (150 مقعداً) التي أقرها نظام انتخابات المجلس الوطني لعام 2026، والدفع نحو اعتماد الاقتراع المباشر في أوسع نطاق ممكن من مناطق الشتات، بدل اللجوء المبكر أو الفضفاض إلى صيغة “التوافق والتعيين” التي قد تتحول إلى واجهة شكلية إن لم تخضع لرقابة مستقلة.

7. بلورة موقف فلسطيني موحد يطالب بتحديد معايير وجدول زمني واضحين وقابلين للقياس لـ”برنامج إصلاح السلطة” المشار إليه في القرار 2803، حتى لا تبقى نتائج انتخابات 2026-2027 رهينة تقييم مفتوح من مجلس السلام.

8. مأسسة قناة تواصل دائمة بين الفصائل الفلسطينية واللجنة الوطنية لإدارة غزة لضمان بقائها إطاراً تقنياً-خدماتياً مؤقتاً لا بديلاً سياسياً دائماً عن التمثيل الوطني المنتخب.

© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أغسطس 2026 — جميع الحقوق محفوظة

شارك:

المزيد من المقالات

عملية “تل”: اختلال الموازين الأمنية في الضفة الغربية: قراءة في حادثة ميدانية ودلالاتها على معادلة الردع بين الاحتلال والمستوطنين والفلسطينيين

تقدير موقف يحلل تداعيات عملية تل قرب نابلس على معادلة الردع بين الاحتلال والمستوطنين والفلسطينيين، مدعوماً ببيانات موثقة وتوصيات عملية.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية يناقش الانتقال إلى المرحلة الثانية في غزة بين الرؤى الدولية والخيارات الفلسطينية

سعت الندوة إلى قراءة التحولات المرتبطة بالمرحلة الثانية في قطاع غزة، واستشراف السيناريوهات المحتملة لمستقبل القطاع في ضوء الترتيبات الدولية والإقليمية المطروحة

مليار دولار للتعافي المبكر: قراءة نقدية في مبادرة “فريق غزة” الأوروبية وحدود استقلاليتها عن المسار الأمريكي

تحليل نقدي لمبادرة “فريق غزة” الأوروبية (883.6 مليون يورو) لتعافي غزة المبكر، يفحص حدود استقلاليتها عن المسار الأمريكي-الإسرائيلي استنادا إلى وقائع اجتماع بروكسل وبيانات تقييم الأضرار الدولي.