تقدير موقف-خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية
| الملخص التنفيذي شكّلت أحداث بلدة تل جنوب غرب نابلس في 24 تموز/يوليو 2026 – التي ارتقى فيها أربعة شهداء فلسطينيين من عائلة واحدة ومستوطن وضابط إسرائيليان – محطة كاشفة لا لحادثة عابرة، بل لاختلال بنيوي في ثلاثة موازين مترابطة: ميزان الردع الفلسطيني – الاستيطاني، وميزان تبعية الجيش لأجندة الاستيطان، وميزان العلاقة بين الحكومة اليمينية والمؤسسة الأمنية. تُظهر الورقة أن الحادثة ليست استثناءً بل تتويج لنمط مسجّل في أكثر من 1330 اعتداء استيطاني موثّق أممياً منذ مطلع 2026، وأن التحقيق العسكري الإسرائيلي – رغم اعترافه بالفشل التكتيكي – أعاد إنتاج الرواية ذاتها التي تُحمّل الفلسطينيين المسؤولية عن الدفاع عن أنفسهم. تخلص الورقة إلى أن استمرار السياسة الحالية دون أفق سياسي يرجّح مساراً من التصعيد المتدحرج أكثر من مساره نحو انتفاضة شعبية جامعة أو احتواء فعلي. |
مقدمة
في صبيحة يوم الجمعة 24 تموز/يوليو 2026، تحوّلت جولة استفزازية لعشرات المستوطنين على أطراف بلدة تل، جنوب غرب مدينة نابلس، إلى مواجهة دامية انتهت باستشهاد أربعة فلسطينيين من عائلة رمضان، وإصابة أربعة آخرين بجراح – ثلاثة منهم بجروح خطيرة – مقابل مقتل مستوطن وضابط في جيش الاحتلال وإصابة عدد من المستوطنين وحراس الأمن، بعد أن تمكّن أحد الشبان من انتزاع سلاح أحد حراس مستوطنة “حفات جلعاد” القريبة واستخدامه.
لا تكتفي هذه الورقة برصد وقائع الحادثة، بل تنطلق من فرضية مركزية مفادها أن عملية تل ليست حدثاً استثنائياً بقدر ما هي عرَض لاختلال متراكم في ثلاثة موازين مترابطة تحكم المشهد الأمني في الضفة الغربية: أولاً، ميزان الردع بين المستوطنين المسلحين والمجتمعات الفلسطينية المحلية؛ ثانياً، ميزان الوظيفة الفعلية للجيش الإسرائيلي بين حماية السكان الفلسطينيين المدنيين (كطرف محتل يتحمل مسؤولية قانونية) وبين توفير الغطاء لمشروع التوسع الاستيطاني؛ وثالثاً، ميزان العلاقة بين القرار السياسي لحكومة يمينية متطرفة والقيادة العسكرية الميدانية.
تسعى الورقة إلى اختبار هذه الفرضية عبر تفكيك حيثيات الحادثة، ومقارنتها بالسياق الإحصائي الأوسع لعنف المستوطنين خلال 2026، وتحليل ردود الفعل الإسرائيلية والفلسطينية استناداً إلى تصريحات موثّقة، قبل الخلوص إلى تقدير للمسارات المحتملة وتوصيات عملية.
أولاً: حيثيات العملية والسياق الميداني
بحسب الرواية الفلسطينية الموثقة من عدة مصادر ميدانية وإعلامية، بدأت الأحداث في تمام الساعة الثامنة والعشرين صباحاً حين خرجت مجموعة من المستوطنين المسلحين، بمواكبة قوات جيش الاحتلال، في مسار استفزازي ينطلق من محيط مستوطنة “حفات جلعاد” مروراً بمنطقتي عراق بورين وبورين وصولاً إلى محيط بلدة تل، وهو مسار ينظَّم بشكل متكرر تحت حماية الجيش، وحين حاول المستوطنون الاعتداء على منازل السكان، خرج شبان البلدة للدفاع عن ممتلكاتهم، فاندلع عراك بالأيدي تطوّر خلال دقائق إلى إطلاق نار بعد أن تمكّن أحد الشبان من الاستيلاء على سلاح أحد حراس أمن المستوطنة القريبة.
أسفرت المواجهة عن استشهاد أربعة فلسطينيين من عائلة واحدة (رمضان) وإصابة أربعة آخرين، مقابل مقتل مستوطن وضابط إسرائيلي برتبة رائد وإصابة ثلاثة آخرين من المستوطنين وحراس الأمن.
وقد جاء التصعيد في سياق توتر متراكم سبقه بأيام حريق كبير في محيط بؤرة “حفات جلعاد” أدى إلى إخلائها جزئياً، وروّجت له أوساط استيطانية على أنه “إشعال فلسطيني متعمّد” قبل أن تشير تحقيقات لاحقة إلى أن سببه على الأرجح كان عرضياً.
عقب الحادثة مباشرة، شنّت قوات الاحتلال حملة اعتقالات واسعة في بلدة تل وما جاورها طالت ما لا يقل عن 80 فلسطينياً ، واقتحمت مستشفى نابلس التخصصي واعتقلت مصابين من بينهم شقيقان أحدهما جريح ، فيما تواصلت اعتداءات المستوطنين في القرى المجاورة (صرة، عوريف) خلال الأيام التالية – وهو ما يُظهر أن “الحادثة” لم تكن معزولة زمنياً أو جغرافياً، بل جزءاً من موجة متصلة.
ثانياً: السياق الإحصائي – عملية تل كحلقة في نمط ممتد
توفر البيانات الرسمية والحقوقية الصادرة خلال 2026 إطاراً كمياً يسمح بقراءة عملية تل خارج سياقها الموضعي الضيق، فبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، وثّقت المنظمة أكثر من 1330 اعتداءً استيطانياً في الضفة الغربية منذ مطلع 2026 وحده، وترتفع هذه الحصيلة بشكل حاد في الإحصاءات الفلسطينية المتخصصة؛ إذ أفادت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بتنفيذ أكثر من 11 ألف اعتداء خلال النصف الأول من العام، بينما رصد مركز المعلومات الفلسطيني “مُعطى” وحده أكثر من 6800 انتهاك خلال شهر يونيو/حزيران 2026 فقط – أي بمعدل يقارب 225 انتهاكاً يومياً.
على صعيد الضحايا والتهجير، تشير معطيات نُشرت في أيار/مايو 2026 إلى سقوط 64 شهيداً فلسطينياً جراء اعتداءات المستوطنين، قضى 36 منهم برصاص المستوطنين مباشرة و17 برصاص الجنود المرافقين لهم، إلى جانب تهجير نحو 6 آلاف فلسطيني وتفكيك أو إخلاء 45 تجمعاً سكانياً بالكامل، تصدّرت فيهما محافظتا رام الله ونابلس، وبعد أسبوع واحد فقط من مجزرة تل، أظهرت بيانات “مُعطى” ارتفاع حصيلة القتلى بفعل اعتداءات المستوطنين إلى 25 شهيداً منذ مطلع العام، إلى جانب 179 عملية هدم وتدمير للممتلكات و264 حادثة حرق و195 دونماً من الأراضي الزراعية المجرَّفة و142 عائلة مهجَّرة قسراً .
هذه الأرقام تسمح بترجيح استنتاج تحليلي واضح: عملية تل لم تنشأ في فراغ، بل جاءت في ذروة موجة عنف استيطاني مسجَّلة رقمياً ومتصاعدة الوتيرة، بما يرجّح أن الحادثة كانت محصّلة متوقعة لتراكم كمّي وليست انحرافاً استثنائياً عن مسار هادئ.
ثالثاً: التحقيق العسكري الإسرائيلي – إقرار بالفشل التكتيكي دون مساءلة السياسة
نشر جيش الاحتلال في الخامس من آب/أغسطس نتائج تحقيقه في الحادثة، وقُدِّمت لرئيس الأركان إيال زامير عبر قائدَي المنطقة الوسطى “آفي بلوت” وفرقة الضفة الغربية “كوبي هيلر”، وأقرّ التحقيق بأن جولة المستوطنين نُظِّمت دون تنسيق مسبق مع الجيش ودون مصادقة على مسارها الذي تضمّن التوغل في مناطق مصنفة (أ) بحسب اتفاقيات أوسلو، وأن الجيش فشل في متابعة خط سير المستوطنين ثم في السيطرة على الحدث لمدة استغرقت نحو دقيقتين – وهي مدة اعتُبرت طويلة نسبياً بالنظر إلى الحضور الكثيف للجنود والمستوطنين المسلحين في الموقع.
وفي ختام إطلاعه على التقرير، لخّص زامير الموقف الرسمي الإسرائيلي بلهجة حازمة، قائلاً:
“نتحدث عن عملية إرهابية فقدنا فيها اثنين من خيرة مقاتلينا، لن نسمح باستباحة دماء مواطنينا وجنودنا”.
غير أن الدلالة الأهم لهذا التحقيق لا تكمن في تفاصيله التكتيكية، بل فيما لم يُسائله: فالتحقيق يعالج “فشل السيطرة” و”غياب التنسيق” كخلل إجرائي عارض، لا كنتيجة منطقية لسياسة قائمة تسمح أصلاً بتسليح المستوطنين وتنظيم “جولات” داخل مناطق فلسطينية مصنّفة (أ) تحت غطاء عسكري.
بعبارة أخرى، التحقيق يُسائل التنفيذ لا يُسائل الأصل: وهو ما يفسر استمرار وقوع حوادث مشابهة عبر المسار ذاته بعد أسبوع واحد فقط من الحادثة، حين أطلق أحد المستوطنين النار في الهواء خلال مسيرة استيطانية جديدة مرّت بالمسار نفسه دون أي تغيير في قواعد الاشتباك أو في السماح بهذه الجولات أصلاً.
رابعاً: المشهد السياسي الإسرائيلي – انقسام حول الشكل لا حول الجوهر
أحدثت العملية صدمة واسعة في صفوف اليمين الإسرائيلي والمستوطنين تحديداً، وتحوّلت إلى مادة خلافية استُثمرت سياسياً من قبل المعارضة، فقد حمّل مرشحا حزب “الديمقراطيين” المعارض مسؤولية التصعيد للمستوطنين وللحكومة، كلٌّ بلهجته الخاصة:
يائير بينك حصر المسؤولية في المستوطنين الذين خرجوا في جولة غير مرخّصة، قائلاً: “لقد قتل إسرائيليان في المكان الخطأ… لقد قتل الإسرائيليون في معركة بين متطرفين نجحوا بإشعال المنطقة”.
أما نمرود شيفر، من الحزب نفسه، فذهب أبعد من ذلك بربط الحادثة مباشرة بسياسة الحكومة تجاه الضم والاستيطان، محذّراً: “تهاون الأجهزة الأمنية في مواجهة الإرهاب اليهودي وسياسة الضم تؤدي إلى فقدان حياة جنودنا… على الجيش وقف هذا الجنون ومنع التصعيد وسياسة الشيك المفتوح للضم”.
وذهب زعيم الحزب يائير غولان إلى تحميل الحكومة برمّتها المسؤولية، رابطاً الحادثة بإخفاقات ما بعد السابع من أكتوبر، وقائلاً في وصفه لسياسة نتنياهو وكاتس تجاه الضفة إنهما حوّلاها إلى “برميل المتفجرات الأكبر الذي يهدد أمن دولة إسرائيل”.
في المقابل، بدت ردود الفعل الرسمية شبه موحّدة في اتجاه معاكس تماماً: تعهّد نتنياهو بالعمل “بكل قوة ضد منفذي الهجوم ومن يقف وراءهم”، بينما سارع كل من بن غفير وسموتريتش إلى التلويح بالتوسع الاستيطاني رداً على الحادثة – وهو ما تُرجم فعلياً بعد أيام قليلة بإقرار لجنة المالية في الكنيست تمويلاً ضخماً لتوسيع الاستيطان وإعلان سموتريتش بناء مئات الوحدات في مستوطنة “عيلي” وتوسيعها إلى ثلاثة أضعاف حجمها.
اللافت أن الانقسام الإسرائيلي، رغم حدّته الخطابية، ظل محصوراً في مساءلة “كيفية” إدارة الحدث لا في مساءلة “وجود” الاستيطان المسلَّح والجولات الاستفزازية كسياسة أصلاً؛ فحتى بينك – وهو الأكثر انتقاداً – وزّع المسؤولية بالتساوي بين “متطرفين من الجانبين” بدل مساءلة بنية الاحتلال ذاتها، بينما لم يطالب أي طرف سياسي، بما فيه المعارضة، بوقف تسليح المستوطنين أو حلّ الجولات المنظَّمة داخل مناطق (أ).
خامساً: الموقف الفلسطيني – إدانة رسمية ومؤشرات على تحوّل شعبي
على الصعيد الرسمي، أصدرت الرئاسة الفلسطينية بياناً إدانة شديد اللهجة وصفت فيه ما جرى بأنه استمرار لسياسة ممنهجة، وحمّلت حكومة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن التصعيد باعتباره نتاج تنسيق فعلي بين الجيش ومجموعات المستوطنين لا تجاوزاً فردياً معزولاً، كما أدانت وزارة الخارجية الفلسطينية الحادثة ووصفتها بأنها تجسيد لاستمرار سياسات التهجير القسري، فيما وجّه الرئيس رسائل إلى عدد من قادة الدول والمنظمات الدولية طالباً تدخلاً عاجلاً لوقف ما وصفه بإرهاب المستوطنين المدعوم رسمياً.
أما على المستوى الميداني والشعبي، فقد لاحظت تغطيات صحفية فلسطينية تحولاً لافتاً في طبيعة رد الفعل الأهلي: فبدل الانتظار السلبي لاعتداءات المستوطنين كما جرت العادة في محطات سابقة، بادر شبان بلدة تل إلى المواجهة المباشرة وصولاً إلى انتزاع السلاح واستخدامه، في ما وصفته الصحافية الميدانية معدّة أحد التحليلات بأنه لحظة “انكسار حاجز الخوف”، إذ بات الدفاع عن النفس يُعامَل عملياً وكأنه جريمة لا حق، وقد رافق ذلك حملة اعتقالات إسرائيلية واسعة (نحو 80 معتقلاً) واقتحام لمستشفى نابلس التخصصي، في مسعى واضح لاحتواء تكرار النموذج قبل أن يتحول إلى سابقة يُحتذى بها في تجمعات أخرى.
هذا التباين بين الخطاب الرسمي الفلسطيني (إدانة سياسية وتحرك دبلوماسي) والفعل الميداني (مواجهة مسلحة عفوية غير منظمة) يكشف فجوة قائمة بين المستويين: فبينما تراهن القيادة السياسية على المسار الدبلوماسي والتدويل، تتشكل في الميدان ديناميكية مختلفة تتجاوز أدوات السلطة الفلسطينية وقدرتها على الضبط أو التوجيه، وهو ما يحمل دلالات مباشرة على أي تقدير لمسارات التصعيد المقبلة.
سادساً: التحليل – تفكيك مفهوم “اختلال الموازين الأمنية”
1. ميزان الردع الفلسطيني – الاستيطاني
طوال العقدين الماضيين، استند الردع الاستيطاني إلى افتراض تفوق عددي وتسليحي كاسح مدعوم بغطاء عسكري رسمي، بما يجعل أي مواجهة مباشرة كلفتها على الفلسطينيين أعلى بكثير من كلفتها على المستوطنين.
عملية تل – وما رافقها من نجاح لحظي في انتزاع السلاح وإيقاع خسائر بشرية في صفوف المستوطنين والجيش – مثّلت اختراقاً رمزياً لهذا الافتراض، وإن كان اختراقاً عرضياً وغير منظّم لا نتاج قرار استراتيجي مسبق، غير أن الدلالة الأهم ليست في نتيجة المواجهة بحد ذاتها، بل في التحول المرصود على مستوى الاستعداد الشعبي للمخاطرة بالمواجهة المباشرة، وهو ما يفسر التعبئة العسكرية الإسرائيلية الاستثنائية اللاحقة كمحاولة لاستعادة الردع المهتز أكثر منها استجابة أمنية روتينية.
2. ميزان وظيفة الجيش: الحماية القانونية مقابل الغطاء السياسي
يُظهر التحقيق العسكري الإسرائيلي ذاته، رغم طابعه الدفاعي، تناقضاً: فالجيش يفشل في “متابعة” مسار مستوطنين غير منسَّق ويفشل في “السيطرة” على تصعيد استمر لدقائق رغم الحشد الكثيف، بينما ينجح في تنظيم حملة اعتقالات واسعة واقتحام مستشفى خلال ساعات من الحادثة ذاتها.
هذا التفاوت بين بطء الاستجابة حين يكون المستوطنون طرفاً معتدياً وسرعتها حين يكون الفلسطينيون طرفاً مستهدَفاً بالملاحقة يوفر مؤشراً كمّياً – لا انطباعياً فقط – على أن الوظيفة الفعلية لقوات الاحتلال في الضفة تنحاز بنيوياً نحو حماية المشروع الاستيطاني، بما يتجاوز التزاماتها كسلطة احتلال بحماية السكان المدنيين الخاضعين لها بموجب القانون الدولي الإنساني.
3. ميزان العلاقة بين القرار السياسي والقيادة الميدانية
الفجوة بين خطاب رئيس الأركان زامير – الذي وصف الحادثة بـ”العملية الإرهابية” وتعهّد بعدم “استباحة الدماء” – وبين تصريحات وزيري المالية والأمن القومي بالتوسع الاستيطاني كرد فعل مباشر على الحادثة، تكشف اختلالاً ثالثاً: تراجع قدرة المؤسسة العسكرية على فرض حسابات أمنية مستقلة عن الأجندة السياسية لحكومة يمينية متطرفة تنظر إلى الاستيطان بوصفه هدفاً استراتيجياً لا يقبل المساءلة الأمنية. النتيجة العملية لهذا الاختلال أن كل حادثة أمنية – بدل أن تفضي إلى مراجعة السياسة التي أنتجتها – تُستثمر سياسياً لتبرير المزيد من التوسع الاستيطاني، بما يُبقي دائرة العنف مغلقة على نفسها ومتصاعدة.
سابعاً: قراءة نقدية في أطروحة “الانتفاضة الثالثة”
أشار تقرير بحثي صادر عن “مركز القدس للشؤون الأمنية والخارجية” (JCFA)، أعدّه خبير الشؤون الفلسطينية يوني بن مناحيم، إلى أن الخطر الأقرب لا يكمن في اندلاع انتفاضة شعبية شاملة على غرار عام 2000، بل في تراكم أحداث أمنية موضعية يمكن أن تدفع الأوضاع نحو نقطة اللا-عودة.
وخلص الباحث في تقديره إلى أن الرأي الدارج في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية هو أن الضفة “ليست على أعتاب انتفاضة شعبية ثالثة”، لكن الواقع الأمني “بات على شفا الانفجار”، وأن أي أزمة إضافية حول المسجد الأقصى قد تأخذ الأمور “منحى خطيراً يشبه الانتفاضات السابقة”.
هذا التقدير يستحق مساءلة نقدية بدل تبنّيه كما ورد: فمن جهة، يتقاطع مع معطيات هذه الورقة حول اتساع رقعة الحوادث الموضعية (تل، صرة، عوريف، بيرين خلال أسابيع قليلة فقط) وتزايد استعداد الشبان للمواجهة المباشرة دون تعليمات من فصيل أو قيادة مركزية؛ ومن جهة أخرى، يُغفل هذا التقدير – بحكم مصدره الإسرائيلي – عاملين فلسطينيين داخليين حاسمين: أولاً، أزمة الشرعية والفعالية التي تعانيها السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية في الضفة، والتي تجعل من غير المرجح أن تتمكن أي قيادة مركزية من توجيه هذا التصعيد أو ضبطه في حال اتساعه؛ وثانياً، أن غياب أفق سياسي كامل يجعل “سقف” التصعيد الموضعي أعلى بكثير مما كان عليه في سياقات سابقة كانت لا تزال تحتفظ ولو شكلياً بمسار تفاوضي.
بعبارة أخرى، الأرجح – بناءً على معطيات هذه الورقة – أن النمط الأقرب للتحقق ليس “انتفاضة” بالمعنى التنظيمي التاريخي، بل حالة من “التصعيد اللامركزي المتراكم”: سلسلة حوادث موضعية متكررة تتغذى كل واحدة منها على سابقتها عبر آليات رمزية (تحوّل منفذي العمليات إلى أيقونات شعبية) وآليات مادية (تصاعد الاعتقالات وعنف المستوطنين كرد فعل)، دون أن تتوفر بالضرورة قيادة مركزية قادرة على حسم اتجاهها أو إيقافها.
ثامناً: تقدير المسارات المحتملة
استناداً إلى المعطيات السابقة، يمكن رصد ثلاثة مسارات محتملة لتطور المشهد الأمني في الضفة الغربية خلال الأشهر المقبلة:
المسار الأول – التصعيد اللامركزي المتراكم (الأكثر ترجيحاً): استمرار وتيرة الحوادث الموضعية المتفرقة على النحو الحالي، مع تزايد تدريجي في استعداد الشبان للمواجهة المباشرة، دون أن يتبلور ذلك في حراك منظَّم موحَّد، وسط استمرار السياسة الاستيطانية والأمنية الإسرائيلية الحالية دون تغيير جوهري.
المسار الثاني – تصعيد شامل يقترب من نموذج انتفاضي: يتحقق في حال تزامن عدة عوامل دفعة واحدة – أزمة حادة حول المسجد الأقصى، تراكم إضافي لعمليات مماثلة لعملية تل، وتراجع أكبر في قدرة السلطة الفلسطينية على الضبط الأمني – وهو مسار ممكن لكنه أقل ترجيحاً في المدى القصير في غياب هذا التزامن.
المسار الثالث – الاحتواء الجزئي المؤقت: عبر تكثيف الاعتقالات والإجراءات العسكرية (كما حدث فوراً بعد عملية تل)، وهو مسار قد يخفض وتيرة الحوادث الظاهرة مؤقتاً دون معالجة أسبابها البنيوية، بما يجعله تأجيلاً للانفجار لا حلاً له.
الخلاصة المركزية لهذه الورقة أن عملية تل لم تكن حادثة معزولة، بل مؤشراً كاشفاً على اختلال متعدد الطبقات في الموازين الأمنية بالضفة الغربية – يتجاوز مسألة الأداء العملياتي للجيش إلى بنية العلاقة بين الاستيطان والقرار السياسي والوظيفة الأمنية ذاتها.
وما دامت السياسة التي تنتج هذا الاختلال مستمرة دون مراجعة، فإن الأرجح هو تكرار نماذج مشابهة لعملية تل بمعدل متصاعد، لا كأحداث استثنائية بل كقاعدة متجذرة في المشهد.
تاسعاً: التوصيات
- توثيق قانوني منهجي: بناء ملف إثبات مستمر (لا حادثة بحادثة) لتواطؤ الجيش الإسرائيلي مع اعتداءات المستوطنين، تمهيداً لاستخدامه في المسارات الدولية القائمة أمام محكمة الجنايات الدولية ومجلس حقوق الإنسان.
- تفعيل آلية حماية شعبية منظَّمة: دعم تشكيل لجان حماية أهلية منسَّقة في التجمعات الأكثر عرضة لاعتداءات المستوطنين، بما يقلّل من عشوائية المواجهات الفردية ومخاطرها على السكان.
- سد فجوة الخطاب-الفعل: تطوير قناة تواصل رسمية فلسطينية أكثر مباشرة مع المجتمعات المحلية المتضررة، لتقليص الفجوة المرصودة بين الإدانة الرسمية والاستجابة الميدانية العفوية.
- حملة تدويل مركّزة على البيانات: توظيف الأرقام الموثقة (1330 اعتداء، 25-64 شهيداً، 45 تجمعاً مفكَّكاً) في حملة إعلامية ودبلوماسية موجّهة للجهات التي بدأت باتخاذ خطوات عقابية ضد شبكات تمويل عنف المستوطنين، لتوسيع دائرة هذه الخطوات.
- رصد مسارات الاستيطان المتكررة: متابعة ميدانية دقيقة للمسارات الاستيطانية المنظَّمة (كمسار حفات جلعاد-بورين-تل) بوصفها مؤشراً استباقياً قابلاً للرصد قبل وقوع حوادث مشابهة، لا بعدها.
© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أغسطس 2026 — جميع الحقوق محفوظة



