أ. إبراهيم الحواجري
خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية- سياسات تحليليلة
| الملخص التنفيذي منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، تحوّلت التحويلات الطبية من إجراء تكميلي إلى شرط للبقاء على قيد الحياة، في ظل عدم عمل أي مستشفى في القطاع بكامل طاقته حتى مطلع عام 2026. ورغم إجلاء 11,124 مريضاً حتى آذار/مارس 2026، لا يزال أكثر من 18,500 مريض، بينهم نحو 3,800 طفل، بانتظار إجلاء طبي عاجل ، بمعدل لا يتجاوز عُشر ما كانت عليه وتيرة الإحالات قبل الحرب. تُظهر الورقة أن هذه الفجوة ليست نتاج عجز لوجستي عابر، بل نمط متكرر من الإغلاق والفتح المشروط لمعبر رفح، وثّقته هيئات حقوقية إسرائيلية بوصفه “عنفاً بيروقراطياً”، أدى إلى وفاة ما لا يقل عن 1,268 مريضاً أثناء الانتظار حتى شباط/فبراير 2026. تخلص الورقة إلى أن ضمان استمرارية العلاج يتطلب تحييد الملف الطبي عن أي مساومة سياسية أو أمنية، وتقدم توصيات عملية موجهة لكل من سلطة الاحتلال، والمجتمع الدولي، والمؤسسات الفلسطينية. |
مقدمة
لم تعد أزمة التحويلات الطبية لمرضى قطاع غزة مسألة إدارية متعلقة بتنظيم العلاج خارج القطاع، بل غدت أحد أوضح المؤشرات على الانهيار شبه الكامل لمنظومة صحية كانت تخدم أكثر من مليوني إنسان.
فمع تدمير أو تعطّل غالبية المرافق الصحية، وتوقف تخصصات كاملة كعلاج الأورام وجراحة القلب والأعصاب، أصبح العلاج خارج غزة بالنسبة لآلاف المرضى الفارق الوحيد بين الحياة والموت.
تسعى هذه الورقة إلى معالجة إشكالية مركزية: لماذا تظل الفجوة بين حجم الحاجة الطبية وحجم ما يُنجَز من إجلاء فعلي بهذا الاتساع رغم مرور أكثر من عامين ونصف على اندلاع الحرب؟ وتحاول الإجابة عبر ثلاثة مسارات متكاملة: تأصيل الالتزام القانوني الدولي بالعلاج والإجلاء، وتتبع المسار الزمني لانهيار المنظومة الصحية وتقطّع معبر رفح بوصفه المتغير الحاسم في وتيرة الإجلاء، ثم فحص آليات العرقلة نفسها – بما فيها المبررات الرسمية المعلنة لها – قبل الانتقال إلى توصيات عملية مصنّفة بحسب الجهة المخاطَبة.
منهجية الورقة وحدودها
تعتمد الورقة على تقارير دورية صادرة عن منظمة الصحة العالمية ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) ووزارة الصحة الفلسطينية، إضافة إلى تقارير مؤسسات حقوقية ميدانية ومصادر صحفية متخصصة، مع الإشارة الصريحة إلى تاريخ كل رقم نظراً لتغيّر المعطيات بوتيرة أسبوعية أحياناً.
ومن حدود الورقة أن بعض الأرقام – خصوصاً وفيات الانتظار – تصدر عن وزارة الصحة في غزة وتصفها منظمة الصحة العالمية نفسها بأنها على الأرجح أقل من الواقع الفعلي، كما أن تقارير الإجلاء الأسبوعية لا تُغطي دائماً بنفس درجة التفصيل جميع المعابر المستخدمة.
أولاً: الإطار القانوني للحق في العلاج والتحويلات الطبية
١. الحق في الصحة والحياة في القانون الدولي
يرتبط الحق في الصحة ارتباطاً مباشراً بالحق في الحياة والكرامة الإنسانية بوصفهما من الحقوق الأساسية غير القابلة للانتقاص، وتنص المادة (25) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) على حق كل إنسان في مستوى معيشي يكفل له الصحة والرعاية الطبية، فيما تُلزم المادة (12) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الدول باتخاذ التدابير اللازمة لعلاج الأمراض دون تمييز.
كما تكفل المادة (24) من اتفاقية حقوق الطفل حق الأطفال في أعلى مستوى صحي ممكن، وهو ما يكتسب أهمية خاصة إذ يشكّل الأطفال نسبة كبيرة من قوائم انتظار الإجلاء الطبي من غزة.
٢. التزامات سلطة الاحتلال بموجب اتفاقيات جنيف
تفرض اتفاقية جنيف الرابعة (1949) على القوة القائمة بالاحتلال مسؤولية مباشرة عن حماية السكان المدنيين وضمان حصولهم على الرعاية الصحية: فالمادة (16) تحمي المرضى والجرحى، والمادة (18) تحمي المستشفيات المدنية من الاستهداف، والمادتان (55) و(56) تُلزمان قوة الاحتلال بتوفير الأدوية وضمان استمرار عمل المؤسسات الصحية.
ويؤكد البروتوكول الإضافي الأول (1977) ضرورة تسهيل عمليات الإجلاء الطبي وعدم عرقلة مرور المرضى وسيارات الإسعاف.
وعليه، فإن تعطيل خروج المرضى أو منع إدخال المعدات الطبية لا يندرج ضمن هامش تقدير أمني مشروع، بل يشكل – متى تكرر بلا مبرر أمني آني ومحدد – مخالفة جسيمة لأحكام القانون الدولي الإنساني.
٣. التحويلات الطبية: التزام قانوني لا منحة إنسانية
الفارق بين توصيف التحويلات الطبية كـ”مساعدة إنسانية” وتوصيفها كـ”التزام قانوني” ليس شكلياً: فالمساعدة الإنسانية يمكن تعليقها أو تقنينها بحجج أمنية أو لوجستية دون مساءلة مباشرة، أما الالتزام القانوني فيستوجب توفير مبرر محدد وقابل للتدقيق عن كل حالة تأخير أو رفض.
وفي حالة غزة، فإن التدمير الواسع للمستشفيات وخروج نصفها عن الخدمة حوّل العلاج خارج القطاع من خيار تكميلي إلى ضرورة حتمية لإنقاذ الحياة، وهو ما يرقى بأي تعطيل غير مبرر له إلى انتهاك للحق في الحياة ذاته لا لإجراء إداري فحسب.
٤. مسؤولية المجتمع الدولي ودور منظمة الصحة العالمية
لا تقتصر المسؤولية على سلطة الاحتلال، بل تمتد إلى المجتمع الدولي بموجب ميثاق الأمم المتحدة، من خلال الضغط لفتح ممرات إنسانية دائمة ودعم عمليات الإجلاء وتمويل المستشفيات المستقبلة، وقد تولت منظمة الصحة العالمية، بحكم تفويضها، تنسيق عمليات الإجلاء الطبي مع وزارة الصحة الفلسطينية والدول المستقبلة، ونقل المرضى من نقاط تجمّع داخل غزة إلى معبر رفح حيث تتسلمهم السلطة الفلسطينية بالتنسيق مع بعثة الاتحاد الأوروبي لمساعدة الحدود للتحقق من الهوية قبل العبور إلى الجانب المصري، غير أن المنظمة نفسها تصف دورها بأنه داعم ومحدود بالتنسيق اللوجستي لا قراراً بفتح المعبر أو إغلاقه، وهو قرار يبقى بيد سلطة الاحتلال بشكل حصري.
ثانياً: من الإحالة الروتينية إلى ضرورة البقاء – المسار الزمني (2023-2026)
١. ما قبل الحرب: نظام قائم رغم قيوده
قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023، كانت وزارة الصحة الفلسطينية تحيل نحو 2,000 مريض شهرياً – أي ما بين 50 و100 مريض يومياً – إلى مستشفيات القدس الشرقية والضفة الغربية ومصر والأردن، بعد تقييم طبي متخصص يثبت عدم توفر الخدمة داخل غزة، وحتى في تلك الفترة، وصفت جهات حقوقية إسرائيلية إجراءات التصاريح بأنها عنف بيروقراطي: تأخير الموافقات، وتعقيد المعاملات، وارتفاع تكاليف النقل، وهو ما كان يؤدي أحياناً إلى تدهور حالة المريض قبل وصوله للمستشفى المحوَّل إليه.
كان النظام الصحي في غزة، رغم هذه الثغرات، لا يزال قادراً على تغطية الجزء الأكبر من الاحتياجات الأساسية، ما جعل التحويلات مكمِّلة لا بديلة.
٢. بعد 7 أكتوبر: من التكميل إلى الضرورة القصوى
أدى الاستهداف المباشر للمستشفيات ونقص الوقود والكوادر إلى انهيار القدرة الاستيعابية للنظام الصحي بشكل غير مسبوق، ووفق تقرير علمي محكّم نُشر عام 2026، لم يُسمح إلا لـ7,841 مريضاً بالإجلاء بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 و29 أيلول/سبتمبر 2025، منهم نحو 5,000 مريض (63.8%) قبل سيطرة الجيش الإسرائيلي على معبر رفح في 7 أيار/مايو 2024، مقابل 1,702 مريضاً فقط (21.7%) بعد ذلك التاريخ.
وأكد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية في 3 كانون الثاني/يناير 2026 أن 5,383 مريضاً فقط أُجلوا بدعم مباشر من المنظمة منذ بداية الحرب، منهم 436 فقط بعد إغلاق معبر رفح ، محذراً من أن الوتيرة الحالية تعني أن إجلاء جميع الحالات الحرجة المتبقية قد يستغرق ما بين خمس وعشر سنوات.
٣. معبر رفح: بوابة حياة متقطعة
يكشف تتبّع حالة معبر رفح – المسار شبه الوحيد للإجلاء نحو مصر – نمطاً متكرراً من الإغلاق والفتح المشروط لا يمكن تفسيره بعامل أمني واحد ثابت:
- أيار/مايو 2024: سيطرة الجيش الإسرائيلي على المعبر وإغلاقه، ما أوقف غالبية الإحالات لعشرة أشهر تقريباً .
- تشرين الأول/أكتوبر 2025: نص اتفاق وقف إطلاق النار على إعادة فتح المعبر ضمن المرحلة الأولى، لكن السلطات الإسرائيلية أبقته مغلقاً حتى إشعار آخر رغم الاتفاق.
- كانون الثاني/يناير 2026: فُتح المعبر باتجاه واحد فقط (خروج المرضى دون عودتهم)، فرفضت مصر ذلك باعتباره مخالفاً لبنود الاتفاق التي تشترط الاتجاهين.
- شباط/فبراير 2026: أُعيد فتح المعبر جزئياً بعد تسلّم آخر رفات لأسرى إسرائيليين في 26 كانون الثاني/يناير، لكن بسقف يومي لا يتجاوز 150 خارجاً و50 عائداً، رغم وجود 20,000 حالة تحتاج إجلاءً بينها 4,000 طفل – أي ما يعادل أكثر من عام كامل لإجلاء القائمة الحالية فقط بهذه الوتيرة .
- 28 شباط/فبراير 2026: تعليق جديد لعمليات الإجلاء؛ يليه تعليق آخر بين 23 و25 آذار/مارس بسبب ظروف غير آمنة .
- 6 نيسان/أبريل 2026: استشهاد متعاقد مع منظمة الصحة العالمية في عملية قصف إسرائيلي داخل غزة، فأعلنت المنظمة تعليق تنسيقها لعمليات الإجلاء الطبي مؤقتاً .
- حزيران 2026: أفاد مسؤول في وزارة الصحة بغزة بأنه منذ إعادة فتح معبر رفح جزئياً في 1 شباط/فبراير، لم يُسمح لسوى 7.1% فقط من إجمالي المرضى المنتظرين بالمغادرة، إذ غادر عبر رفح 1,242 مريضاً وعبر معبر كرم أبو سالم 241 مريضاً فقط، فيما ارتفع عدد من توفوا أثناء الانتظار إلى 1,628 مريضاً بحسب المصدر ذاته.
يوضح هذا المسار أن وتيرة الإجلاء لم تتحدد يوماً بحجم الحاجة الطبية أو بالقدرة اللوجستية لمنظمة الصحة العالمية، بل ارتبطت في كل محطة بمتغيرات سياسية وأمنية خارج الملف الصحي بالكامل: مفاوضات الأسرى، “حوادث أمنية” منفردة، وتفسيرات متضاربة لبنود اتفاق وقف إطلاق النار.
ثالثاً: المؤشرات والأرقام – قراءة موحدة ومسندة بالتاريخ
تتفاوت الأرقام المتداولة حول أعداد المرضى المُجلَين وحجم قوائم الانتظار بحسب تاريخ الإصدار والجهة المصدرة، وهو تفاوت طبيعي في أزمة متحركة لا تناقض في المصادر، ويوحّد الجدول التالي أبرز هذه المؤشرات مع تثبيت تاريخ كل رقم:
تطور مؤشرات الإجلاء الطبي من قطاع غزة (تشرين الأول 2023 – تموز 2026)
| التاريخ | المؤشر | القيمة |
| 1 شباط 2025 | المستشفيات العاملة جزئياً من أصل 36 | 18 (50%) |
| 29 أيلول 2025 | إجمالي من أُجلي منذ بداية الحرب | 7,841 مريضاً |
| 31 تشرين الأول 2025 | إجمالي من أُجلي منذ بداية الحرب | 7,987 مريضاً |
| 19 تشرين الثاني 2025 | مستشفيات استعادت وظائفها جزئياً بعد وقف إطلاق النار | 4 من 36 |
| 3 كانون الثاني 2026 | مرضى بانتظار الإجلاء العاجل | أكثر من 12,000 |
| 6 كانون الثاني 2026 | مرضى حرجون بانتظار الإجلاء، بينهم الأطفال | 18,500 (4,000 طفل) |
| 5 شباط 2026 | مستشفيات عاملة جزئياً (لا يوجد مستشفى بكامل طاقته) | 18 من 36 |
| 19 آذار 2026 | إجمالي من أُجلي / المتبقون بانتظار الإجلاء | 11,124 / 18,500 (3,800 طفل) |
| 22 أيار 2026 | مستشفيات عاملة جزئياً ومراكز الرعاية الأولية | نصف المستشفيات تقريباً / 58% |
المصدر: منظمة الصحة العالمية (تقارير Sitrep 54، 66، 67a)، مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، مجلة جمعية الصحة العامة المصرية (2026)، Vatican News 12346810131415.
تكشف القراءة الزمنية للجدول حقيقتين لا تظهران في أي رقم منفرد: الأولى أن حجم قائمة الانتظار (نحو 18,500 مريض) ظل شبه ثابت بين كانون الثاني 2026 وآذار 2026 رغم استمرار عمليات الإجلاء، وهو ما يعني أن وتيرة الإحالة إلى الخارج لا تكاد تواكب معدل تفاقم الحالات الجديدة داخل غزة نفسها.
والثانية أن التحسن الطفيف في وظائف المستشفيات بعد وقف إطلاق النار في تشرين الأول 2025 (استعادة 4 مستشفيات فقط وظيفتها الجزئية) لم يقترب من سد الفجوة، إذ ظل نصف المستشفيات فقط عاملاً جزئياً حتى أيار 2026 دون أن يعمل أي منها بكامل طاقته منذ بداية الحرب.
رابعاً: انهيار البنية الصحية الداخلية وأثره على الطلب على التحويلات
سجّلت منظمة الصحة العالمية أكثر من 930 اعتداءً على مرافق صحية منذ تشرين الأول 2023، طالت 36 مستشفى بدرجات متفاوتة، إلى جانب 22 اعتداءً إضافياً على مستشفيات ومراكز صحية منذ مطلع عام 2026 وحده 810، وبحسب تقييم صادر عن المنظمة في نيسان/أبريل 2026، بلغت الأضرار المباشرة للقطاع الصحي 1.4 مليار دولار أمريكي، طالت أكثر من 1,800 منشأة صحية بين مستشفيات كبرى وعيادات ومختبرات ومستودعات أدوية، فيما قدّرت المنظمة كلفة إعادة تأهيل المنظومة الصحية بأكملها بنحو 10 مليارات دولار على مدى خمس سنوات.
أما على مستوى التشغيل اليومي، فقد ظلت جميع المستشفيات العاملة معتمدة بالكامل على مولدات احتياطية مع تأخر متكرر في دخول قطع الغيار وأنظمة الطاقة غير المنقطعة، ما يؤثر مباشرة على وحدات العناية المركزة وغسيل الكلى وغرف العمليات والمختبرات.
وحتى حزيران 2026، لم يكن يعمل سوى 260 من أصل 619 نقطة خدمة صحية في القطاع (42%)، تسعون بالمئة منها بشكل جزئي فقط، ويعكس هذا التراجع أثره مباشرة على حجم الطلب على التحويلات الخارجية: فكل تخصص يتعطل داخلياً – العلاج الإشعاعي، جراحة القلب المفتوح، زراعة الأعضاء – يتحول تلقائياً إلى بند إضافي في قائمة الإجلاء المتضخمة أصلاً.
مؤشرات إضافية عن حجم العبء الصحي (كما وردت حتى مطلع 2026)
| المؤشر | القيمة | التاريخ |
| إجمالي الشهداء / الجرحى منذ بداية الحرب | 71,795 شهيداً/نحو 171,551 جريحاً | حتى 31 كانون الثاني 2026 |
| الإصابات ذات الأثر الدائم من إجمالي الجرحى | نحو 25%، بينها أكثر من 5,000 حالة بتر | كانون الثاني 2026 |
| الأشخاص المصابون بأمراض مزمنة قبل التصعيد الأخير | نحو 350,000، بينهم 52,000 مصاب بالسكري | كانون الثاني 2024 |
| الموازنة اللازمة للاستجابة الصحية لعام 2026 | 333.21 مليون دولار أمريكي | مطلع 2026 |
المصدر: منظمة الصحة العالمية، تقرير الحالة الصحية الإقليمي وتقرير Sitrep 67a 68.
خامساً: آليات العرقلة – قراءة نقدية للمبررات الرسمية
١. المبرر الأمني المُعلن
تسوّغ الجهات الإسرائيلية المعنية، وفي مقدمتها هيئة تنسيق أعمال الحكومة في الأراضي (كوجات)، القيود المفروضة على حركة المرضى بأنها تخضع لفحوصات أمنية روتينية تستهدف منع استغلال ممرات المرضى لأغراض أخرى.
وهذا يبدو مبرر له سند قانوني من حيث المبدأ: للدول حق مشروع في التحقق الأمني عند نقاط العبور حتى في سياقات إنسانية.
٢. لماذا لا يصمد هذا المبرر أمام الوقائع المسجَّلة
غير أن فحص السجل الزمني للمعبر (القسم الثاني أعلاه) يُظهر أن الإغلاقات لم ترتبط بحوادث أمنية محددة وموثقة في كل مرة، بل تكرر تعليق الإجلاء لأسابيع كاملة عقب مفاوضات سياسية غير متصلة بالملف الصحي (استعادة رفات أسرى، خلافات حول اتجاهية العبور)، أو استمر التعليق حتى إشعار آخر دون جدول زمني محدد لإعادة التقييم الأمني، وهو ما يخالف مبدأ التناسب الذي يفترضه أي إجراء أمني مشروع بموجب القانون الدولي الإنساني، كما أن تحديد سقف يومي صارم (150 خارجاً فقط رغم وجود 20,000 حالة منتظرة) لا يمكن تفسيره أمنياً بحتاً، بل يعكس – بحسب توصيف مؤسسات حقوقية متخصصة – نمطاً إدارياً متكرراً من العنف البيروقراطي يسبق الحرب نفسها ولا يقتصر عليها.
٣. غياب آلية تظلّم شفافة
من أبرز الثغرات أن المرضى ومرافقيهم لا يملكون في الغالب معرفة أسباب رفض تصاريحهم أو تأخيرها بشكل قابل للطعن، ما يجعل من الصعب التمييز عملياً بين حالة رُفضت لسبب أمني فردي محدد وحالة تأخرت ضمن نمط عام من التضييق، وقد وثّقت مؤسسات بحثية حالات فردية دالة على هذه الفجوة، من بينها حالة طفل وافق مستشفى في تل أبيب على علاجه، لكن محكمة إسرائيلية رفضت التماس دخوله إلى “الداخل” في مطلع شباط 2026 استناداً إلى الحظر العام المفروض على دخول جميع الفلسطينيين من غزة منذ 7 تشرين الأول 2023، لا إلى أي مبرر أمني خاص بحالته.
خلاصة هذا القسم أن الإشكالية القانونية ليست في وجود تدقيق أمني بحد ذاته، بل في غياب معايير واضحة وقابلة للمساءلة تربط بين الإجراء الأمني وحجم القيد المفروض، وفي تحوّل الاستثناء الأمني إلى قاعدة تحكم وتيرة الإجلاء بأكملها.
سادساً: الوجه الإنساني للأزمة – وفيات الانتظار وحالات موثقة
تحوّل التأخير من رقم إحصائي إلى معطى قابل للقياس بعدد الوفيات: فقد أعلن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية في كانون الأول/ديسمبر 2025، نقلاً عن بيانات وزارة الصحة في غزة، أن 1,092 مريضاً توفوا وهم بانتظار الإجلاء الطبي بين تموز/يوليو 2024 و28 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، مع تحذيره من أن الرقم الفعلي على الأرجح أعلى من ذلك، وبحلول 2 شباط/فبراير 2026 – أي بعد نحو شهرين فقط – أعلنت وزارة الصحة أن العدد ارتفع إلى 1,268 مريضاً متوفى أثناء الانتظار، أي بمعدل يقارب مريضاً واحداً كل يوم خلال تلك الفترة القصيرة.
توثق التقارير الصحفية الميدانية حالات فردية تجسّد ما تعنيه هذه الأرقام على مستوى الأفراد، ففي حزيران/يونيو 2026، فقدت الفتاة رفا القدرة (15 عاماً) من خان يونس بصرها بعد أن تعذّر علاج حالتها داخل غزة وتأخر تصريح إجلائها حتى فات الأوان، رغم أن حالتها كانت قابلة للعلاج لو أُجليت في وقتها.
وفي شباط/فبراير 2026، توفي الطفل نضال أبو ربيعة بعد انتظار دام 14 شهراً للحصول على إذن الإجلاء، رغم حصوله على الموافقة الطبية اللازمة مسبقاً، وبحسب وزارة الصحة في غزة، يتوفى ما بين ستة وعشرة مرضى يومياً وهم بانتظار السفر للعلاج، وقد توفي نحو 1,200 مريض منذ سيطرة الاحتلال على معبر رفح في أيار/مايو 2024 وحده .
تُبرز هذه الحالات، إلى جانب الأرقام الإجمالية، أن الفجوة بين وجود جهة طبية مستعدة للعلاج والقدرة الفعلية على الوصول إليها هي جوهر الأزمة القانونية والإنسانية موضوع هذه الورقة.
سابعاً: توزيع المسؤولية الدولية – قراءة تفصيلية بحسب الجهة
١. سلطة الاحتلال
بصفتها القوة القائمة بالاحتلال بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، تتحمل السلطات الإسرائيلية المسؤولية الأولى عن ضمان تدفق منتظم وقابل للتنبؤ للإجلاء الطبي، وهي مسؤولية لا تسقط بتوفير فتحات جزئية متقطعة للمعبر، فالسجل الموثق (القسم الثاني) يُظهر تحكماً حصرياً وشبه كامل بقرار الفتح والإغلاق، مقروناً بغياب آلية تظلّم شفافة للمرضى الأفراد.
٢. مصر بوصفها دولة العبور والاستقبال الرئيسية
استقبلت مصر أكثر من نصف مجموع المرضى المُجلَين من غزة (51% بحسب بيانات حتى أيلول 2025) 2، وأدت دوراً محورياً في التنسيق اللوجستي عبر معبر رفح، غير أن اعتماد الإجلاء بأكمله على معبر واحد يجعل القدرة الاستيعابية المصرية – رغم سخائها النسبي – عرضة لأي إغلاق مفاجئ للمعبر من الجانب الإسرائيلي، وهو ما يفرض على المجتمع الدولي دعم مسارات إجلاء بديلة لتقليل هذا الاعتماد الأحادي.
٣. منظمة الصحة العالمية
أدت المنظمة دوراً تنسيقياً ولوجستياً أساسياً، من تنظيم قوائم الأولوية الطبية إلى إدارة قوافل النقل داخل غزة، لكن نفوذها يبقى محدوداً بحكم طبيعة تفويضها الداعم لا القراري: فهي لا تملك سلطة فتح المعبر، ولا سلطة إلزام أي دولة باستقبال أعداد أكبر من المرضى، كما أظهرت واقعة تعليق الإجلاء عقب مقتل أحد المتعاقدين معها في نيسان 2026 هشاشة العملية أمنياً، إذ يكفي حادث أمني واحد غير مرتبط مباشرة بالمرضى لإيقاف العملية بأكملها لأسابيع.
٤. المجتمع الدولي والدول المستقبلة
استقبلت دول عربية (مصر، الأردن، الإمارات، قطر) وأخرى إقليمية ودولية (تركيا ودول أوروبية عبر برامج إنسانية محدودة) أعداداً من المرضى، إلا أن هذه الاستجابة ظلت متفرقة وغير منضبطة بآلية موحدة تحدد الحصص والأولويات بشكل استباقي، بل بقيت في الغالب استجابة لحالات فردية أو دفعات متقطعة.
وتتحمل الدول المانحة كذلك مسؤولية سد فجوة التمويل البالغة أكثر من 333 مليون دولار المطلوبة لعام 2026 وحده لدعم الاستجابة الصحية.
ثامناً: تقييم الاستجابة الدولية واستشراف المستقبل
مثّلت أزمة التحويلات الطبية اختباراً حقيقياً لقدرة المجتمع الدولي على ترجمة التزاماته القانونية إلى نتائج ملموسة على الأرض، ورغم الجهود التنسيقية لمنظمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للصليب الأحمر والدول المستقبلة، ظل حجم الاستجابة أقل بكثير من حجم الحاجة الفعلية طوال الفترة موضوع الدراسة، إذ لم تتجاوز وتيرة الإجلاء بعد وقف إطلاق النار في تشرين الأول 2025 بضع عشرات من المرضى أسبوعياً في أفضل الأحوال، مقابل قائمة انتظار تفوق 18 ألف حالة.
وتؤكد وقائع عام 2026 – من تعليق الإجلاء أربع مرات على الأقل خلال ستة أشهر فقط (شباط وآذار ونيسان)، إلى الخلاف حول اتجاهية فتح المعبر – أن غياب آلية دولية دائمة ومستقلة عن التقلبات الأمنية والسياسية اليومية هو العائق البنيوي الأساسي، لا نقص الإرادة الإنسانية للجهات المنفذة على الأرض.
وفي غياب هذه الآلية، يبقى الملف الصحي رهينة لكل تطور سياسي أو أمني آخر غير متصل به، وهو ما يهدد بتحويل الحق في العلاج من حق مكفول قانوناً إلى امتياز مشروط بالظروف.
الخلاصة والاستنتاجات
تُظهر هذه الورقة أن أزمة التحويلات الطبية لمرضى قطاع غزة تجاوزت كونها إجراءً إدارياً في النظام الصحي الفلسطيني، لتصبح مساحة اختبار مباشرة لمدى التزام الأطراف المعنية – سلطة الاحتلال في المقام الأول، والمجتمع الدولي في المقام الثاني – بأحكام القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان.
وقد وثّقت الورقة، عبر تتبع زمني دقيق لحالة معبر رفح ومؤشرات الإجلاء بين كانون الثاني 2026 وتموز 2026، أن الفجوة بين الحاجة الطبية والقدرة الفعلية على الإجلاء ليست نتاج عجز لوجستي عابر، بل نمط متكرر من العرقلة يفتقر في حالات موثقة عديدة إلى مبرر أمني متناسب وشفاف.
إن معالجة هذه الأزمة تتطلب تجاوز منطق الاستجابة الطارئة المتقطعة نحو رؤية شاملة تجمع بين إصلاح داخلي لقطاع الصحة في غزة، وإطار دولي ثابت يُحيّد الملف الطبي عن أي مساومة سياسية أو أمنية، فحماية الحق في الحياة والحق في الصحة لكل مريض بانتظار دوره لا تحتمل مزيداً من التأجيل، إذ إن كل يوم تأخير إضافي يُقاس – كما بيّنت أرقام هذه الورقة – بأرواح فعلية لا بأرقام مجردة.
الاستنتاجات
- لم تعد التحويلات الطبية آلية إدارية لنقل المرضى، بل ركيزة أساسية لحماية الحق في الحياة في ظل عدم عمل أي مستشفى في غزة بكامل طاقته حتى منتصف 2026.
- الفجوة بين الاحتياج (نحو 18,500 مريض) والقدرة الفعلية على الإجلاء لم تتقلص بشكل جوهري رغم مرور أكثر من عامين ونصف ورغم وقف إطلاق النار.
- وتيرة إغلاق معبر رفح وفتحه لا ترتبط بمعايير أمنية ثابتة وشفافة، بل بمتغيرات سياسية منفصلة عن الملف الصحي، وهو ما يفرغ المبرر الأمني المُعلن من مضمونه في عدد من الحالات الموثقة.
- عدد الوفيات أثناء الانتظار (1,268 حتى شباط 2026 بحسب وزارة الصحة) مؤشر كمي مباشر على كلفة كل يوم تأخير إضافي.
- تعدد الجهات المسؤولة (الاحتلال، مصر، منظمة الصحة العالمية، الدول المستقبلة) دون آلية موحدة للمساءلة يُضعف القدرة على تتبع المسؤولية عند كل حالة تأخير أو رفض.
التوصيات
١. توصيات مناط تنفيذها بسلطة الاحتلال (بصفتها القوة القائمة بالاحتلال)
- ضمان فتح دائم لمعبر رفح للإجلاء الطبي في الاتجاهين، مع سقف يومي متناسب مع حجم قائمة الانتظار الفعلية لا مع اعتبارات تفاوضية أخرى.
- إتاحة آلية تظلّم شفافة لكل حالة رفض أو تأخير تصريح، مع تحديد المدة الزمنية القصوى للرد على الطلبات.
- إعادة فتح مسار الإحالة إلى مستشفيات القدس الشرقية والضفة الغربية، وهو المسار الذي كان يستوعب الجزء الأكبر من الإحالات قبل الحرب.
٢. توصيات موجهة إلى منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة
- العمل على تحويل التنسيق اللوجستي الحالي إلى آلية دولية مستقلة ومستقرة لا تتوقف تلقائياً بحوادث “أمنية” منفردة، مع بروتوكول واضح لاستئناف العمل خلال ساعات لا أسابيع.
- نشر تقرير دوري موحد الشكل يجمع أعداد المُجلَين والمتوفين أثناء الانتظار وحالة المعابر في وثيقة واحدة، لتقليل التضارب الظاهري بين المصادر.
- توسيع مسارات الإجلاء البديلة (عبر الأردن ) لتقليل الاعتماد الحصري على معبر رفح.
٣. توصيات موجهة إلى المجتمع الدولي والدول المستقبلة
- اعتماد نظام حصص سنوي معلن لكل دولة مستقبلة بحسب طاقتها الاستيعابية، بدل الاستجابة العشوائية لحالات متفرقة.
- سد فجوة التمويل البالغة أكثر من 333 مليون دولار للاستجابة الصحية لعام 2026، مع إعطاء أولوية تمويلية لإعادة تشغيل الأقسام التخصصية داخل غزة لتقليل الحاجة إلى الإجلاء أصلاً.
- تعزيز التوثيق المستقل لحالات الرفض والتأخير من قبل آليات حقوقية دولية، بما يدعم مسارات المساءلة القانونية المستقبلية.
٤. توصيات موجهة إلى المؤسسات الفلسطينية
- إنشاء قاعدة بيانات موحدة ومحدّثة لجميع المرضى المدرجين على قوائم الإجلاء، تُظهر تاريخ التسجيل وحالة الطلب، بما يتيح رصد أثر كل إغلاق للمعبر بدقة.
- تعزيز الدعم النفسي والاجتماعي للمرضى ومرافقيهم خلال فترات الانتظار الطويلة، وتوثيق أثر التأخير على الحالة الصحية لكل مريض كأداة إثبات قانوني.
- تمكين فرق متابعة متخصصة للتنسيق المباشر مع منظمة الصحة العالمية والدول المستقبلة، لتقليص الحلقات الوسيطة في معالجة كل ملف.
© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أغسطس 2026 — جميع الحقوق محفوظة



