من الإنقاذ إلى التوظيف السياسي: قراءة تحليلية لمسارات الإغاثة وآليات الاستجابة في غزة

دراسة تحليلية – أ.خالد أبو عامر | خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
تتبع هذه الورقة تحوّل ملف المساعدات في قطاع غزة من أداة إنقاذ إنساني إلى أداة هندسة سياسية وأمنية، عبر ثلاث مراحل زمنية ممتدة من تشرين الأول/أكتوبر 2023 حتى آب/أغسطس 2026، استنادا إلى بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا).
وتُظهر الورقة انقلابا هيكليا حوّل غزة من اقتصاد تجاري (97% من الواردات قبل الحرب) إلى اقتصاد إغاثي معتمِد كليا (78% فأكثر)، وتربط هذا التحول بتغييب وكالة الأونروا، وشلل مؤسسات الرقابة الاجتماعية والشرطية، واستمرار تقييد أصناف المواد النافذة عبر آلية “الاستخدام المزدوج” الإسرائيلية.
 وتخلص الورقة إلى أن تثبيت المساعدات عند حدود “حد الكفاف” (15% إلى 20% من الاحتياج الفعلي) عبر ظروف ميدانية متغيرة جذريا يرجّح وجود سقف سياسي مقصود يتجاوز التبرير الأمني المعلن، وتقدّم مجموعة توصيات عملية موجهة لجهات محددة لإعادة بناء منظومة إغاثة عادلة وشفافة تُعيد للسكان استقلاليتهم الاقتصادية.

مقدمة

تعصف بقطاع غزة أزمة إغاثية ومعيشية مستحكمة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، حوّلت ملف المساعدات الإنسانية من أداة إنقاذ وحماية إلى ساحة للاختلال الهيكلي والهندسة السياسية والأمنية.

ولم يقتصر أثر هذا التحول على تقليص الواردات الحيوية إلى حدودها الدنيا، بل امتد ليفكك المنظومة المؤسسية المرجعية، ويشل أجهزة الرقابة والتنمية الاجتماعية، ويُغرق القطاع في حالة من الارتهان المعيشي وتآكل السلم الأهلي.

وترصد الورقة كذلك الهدر المالي الناجم عن نمطية “السلة الغذائية الأحادية”، وتوظيف الاحتلال للإغاثة كأداة للتقطير السلعي والتقسيم الجغرافي.

أولا: التحولات الزمنية لطبيعة المساعدات وانفصامها عن الاحتياج الميداني

يرصد هذا المحور التطور المتدرج للأزمة الإغاثية، وطبيعة عمل الأجهزة والمؤسسات الإغاثية عبر ثلاث مراحل مفصلية:

1. مرحلة الشلل والصدمة الأولى (بدايات العدوان)

تعرّض قطاع غزة خلال الأيام الأولى للحرب لصدمة إنسانية وإغاثية حادة، عقب قرار وزير الجيش الإسرائيلي آنذاك يوآف غالانت بقطع كافة خطوط الإمداد الحيوية من غذاء ومياه وكهرباء، وإغلاق المعابر والبحر بشكل تام.

 وتمتد هذه المرحلة بين 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 و19 كانون الثاني/يناير 2025 (تاريخ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ)، أي 450 يوما، واتسمت هذه المرحلة بمنطق “البقاء على قيد الحياة”، إذ كان أي طرد غذائي مقبولا لدى النازحين بصرف النظر عن قيمته أو مكوناته.

جدول (1): حركة المعابر وحجم التدفق الإغاثي — المرحلة الأولى (450 يوما)

المعبرأيام العملعدد الشاحناتالنسبة
كرم أبو سالم34927,56255.4%
رفح17911,08022.3%
زيكيم1375,79511.6%
إيرز482,3504.7%
كيسوفيم6720.1%
نتساريم852,3124.6%
الميناء العائم126031.2%
الإجمالي49,774100%

المصدر: مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)

يمثّل معبر كرم أبو سالم الشريان الرئيسي لدخول البضائع والمساعدات، إذ استحوذ وحده على أكثر من 55% من إجمالي الشاحنات.

في المقابل شكّل معبر رفح نافذة محدودة أُغلقت نهائيا مع اجتياح الاحتلال لمدينة رفح وتطويقها في 7 أيار/مايو 2024، ولم يُفتح إلا بشكل محدود جدا مع بداية عام 2026.

جدول (2): هيكلية الموردين وتوزيع الشاحنات — المرحلة الأولى

الجهة الموردةعدد الشاحناتالنسبة
القطاع الإنساني38,82378%
القطاع التجاري10,95022%
الإجمالي49,774100%

من إجمالي شحنات القطاع الإنساني تحديدا (لا من إجمالي الشحنات الكلي)، أدارت وكالة الأونروا وحدها نحو 74% من الشحنات النافذة خلال هذه المرحلة، مقابل 26% لبرنامج الأغذية العالمي والشركاء الآخرين مجتمعين.

توزيع طبيعة المواد

  • طغى الطابع الغذائي على الشاحنات بواقع 38,423 شاحنة (77% من الإجمالي)، مقابل 8,143 شاحنة للمواد غير الغذائية.
  • الانقلاب الهيكلي في التوريد: شكّلت المساعدات الإنسانية 78% من الإمدادات خلال هذه المرحلة مقابل 22% للقطاع التجاري، وهو تحول جذري مقارنة ببيئة ما قبل الحرب التي كانت فيها الإمدادات التجارية تشكل 97% مقابل 3% فقط للمساعدات.

مؤشرات الكفاية مقارنة بمعدلات ما قبل الحرب

المعدل اليومي الحالي: يتوزع إجمالي 49,774 شاحنة على 450 يوما تقويميا، بمتوسط 110–115 شاحنة يوميا.

معدل ما قبل الحرب: كان القطاع يستقبل ما متوسطه 600 شاحنة يوميا لتلبية احتياجاته الطبيعية.

فجوة العجز الميداني: لا تتجاوز الواردات الحالية 20% من الاحتياجات الأساسية المعتادة، وهي نسبة حرجة في ظل ظروف الحرب التي ضاعفت الاعتماد الشعبي الكامل على الإغاثة الخارجية.

2. مرحلة الحصار والمجاعة وهندسة الفوضى

تُعد هذه المرحلة الانعطافة الأشد خطورة في الملف الإغاثي، إذ شهدت استهدافا ممنهجا لنقاط توزيع المساعدات، وتغطية غير مباشرة لشبكات السرقة، ما حوّل المساعدات إلى ما وصفته تقارير ميدانية بـ”مصايد للموت”.

 امتدت هذه الفترة من 19 كانون الثاني/يناير 2025 حتى 9 تشرين الأول/أكتوبر 2025 (264 يوما)، وسُمح خلالها بدخول الشاحنات في 138 يوما فقط، دخل عبرها 9,029 شاحنة.

وبحساب المعدل على إجمالي الأيام التقويمية (264 يوما) يبلغ المعدل اليومي نحو 34 شاحنة، بينما يرتفع إلى 65 شاحنة عند احتسابه على أيام التشغيل الفعلي وحدها (138 يوما).

والفارق بين الرقمين هو في ذاته مؤشر تحليلي مهم: فهو يعكس أن التعطيل المتكرر لأيام العمل ذاتها — لا فقط سقف الكمية اليومية عند فتح المعابر — كان أداة ضغط إضافية خلال هذه المرحلة.

وتزامن هذا التدهور مع استئناف العمليات العسكرية الواسعة في 18 آذار/مارس 2025 (عمليتا “عربات جدعون 1″ و”عربات جدعون 2”)، والاجتياح الثاني لخان يونس، وإعادة تقسيم القطاع إلى خمسة محاور ضمن ما عُرف بخطة “الأصابع الخمسة”.

 ورافق ذلك إعلان آلية التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) رسميا وقوع مجاعة في قطاع غزة بتاريخ 22 آب/أغسطس 20254، وانهيار شبه كامل لمنظومة التوزيع، بما تسبب في سقوط ضحايا جراء سياسة التجويع والفوضى المصنّعة.

جدول (3): معدل الوزن اليومي التقريبي للشحنات الداخلة — المرحلة الثانية

الفترةمعدل الوزن اليومي التقريبي (طن)
مايو–يونيو 2025500–1,500
يوليو 2025≈200
أغسطس 2025≈2,300
سبتمبر–أكتوبر 2025800–1,200

بلغ إجمالي الوزن التراكمي لهذه المرحلة نحو 102 ألف طن5, موزّعة على 9,029 شاحنة دخلت خلال 138 يوم تشغيل فعلي.

جدول (4): توزيع الحمولات بحسب المنافذ المعتمدة — المرحلة الثانية

المعبرالوزن (طن)النسبة
كرم أبو سالم75,00073.4%
زيكيم25,00024.5%
كيسوفيم2,0002.1%
الإجمالي102,000100%

استمر معبر كرم أبو سالم كشريان أساسي بنسبة 73.4%، بينما مثّل معبر زيكيم منفذا حيويا اضطراريا لإيصال الإمدادات لمحافظتي غزة والشمال بواقع ربع الكميات المفرَّغة.

جدول (5): نوعية المواد الداخلة ضمن بند المساعدات — المرحلة الثانية

نوعية الموادالنسبة
المواد الغذائية92%
المكملات الغذائية3%
المياه والصرف الصحي والنظافة1.5%
الصحة والمستلزمات الطبية1.2%
الوقود1%
مستلزمات المأوى والإيواء0.8%
العمليات اللوجستية والاتصالات0.4%
أخرى0.1%

يوضح هذا التوزيع تركّز أكثر من 95% من الشحنات الإغاثية في قطاعي الغذاء والتغذية فقط، مقابل تهميش شبه تام للقطاع الطبي والمأوى والصرف الصحي، ما أدى إلى انكشاف صحي وإيوائي حاد لدى العائلات والنازحين.

جدول (6): توزيع الشاحنات والمنصات حسب المنظمات الدولية — المرحلة الثانية

المنظمةعدد الشاحناتعدد المنصات
برنامج الأغذية العالمي6,00080,000
المطبخ العالمي المركزي1,50019,000
اليونيسف1,00014,000
بقية المنظمات5297,406
الإجمالي9,029120,406

سيطرت ثلاث منظمات دولية فقط على إدارة نحو 94% من إجمالي حركة الشحن الإغاثي، واستحوذ برنامج الأغذية العالمي منفردا على ثلثي النشاط الميداني خلال هذه المرحلة.

3. مرحلة الاستقرار التجاري والجمود الإغاثي

تمثّل هذه المرحلة الفترة الراهنة الممتدة من إعلان وقف إطلاق النار في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2025 حتى 20 آب/أغسطس 2026 (315 يوما).

واتسمت باستقرار نسبي في الحركة التجارية وانخفاض ملحوظ في الأسعار مقارنة بمراحل الذروة، في مقابل استمرار “جمود إغاثي” وتقييد نمط المساعدات، إذ تراوح متوسط التدفق اليومي بين 90 و100 شاحنة يوميا فقط — أي ما يعادل 15% إلى 17% فقط من معدل ما قبل الحرب (600 شاحنة يوميا).

جدول (7): توزيع الإمدادات والمنصات بحسب المنظمات الدولية — المرحلة الثالثة

المنظمةعدد الشاحناتعدد المنصاتالنسبة
برنامج الأغذية العالمي14,585204,00050.3%
اليونيسف3,81653,50013.2%
المطبخ العالمي المركزي3,62250,70712.5%
بقية المنظمات6,96997,50024%
الإجمالي28,992405,888100%

تمركز عمليات التوريد: واصل برنامج الأغذية العالمي هيمنته التشغيلية بالاستحواذ المنفرد على نصف حجم الشحنات النافذة (50.3%).

تقارب الأداء الإغاثي: تساوت تقريبا حصص اليونيسف والمطبخ العالمي المركزي بنسبة إجمالية بلغت نحو 25.7% (حوالي 13% لكل منهما).

مؤشر الفجوة اليومية: يُظهر معدل الدخول اليومي (90–100 شاحنة) حالة تثبيت قصري للحد الأدنى من الإغاثة، ما يبقي المساعدات في إطار “دعم البقاء” دون تقدم نحو تعافٍ معيشي حقيقي.

ثانيا: قراءة تحليلية في التحولات الهيكلية لملف المساعدات

1. الانقلاب الهيكلي في نمط الاقتصاد المعيشي

حدث تحول جذري في نمط الإمدادات؛ فبعد أن كان القطاع التجاري يُشكل 97% من الواردات قبل الحرب مقابل 3% فقط للمساعدات، انقلبت المعادلة لتُشكل المساعدات أكثر من 78% من التدفقات، وكرّس هذا التحول حالة من الارتهان المعيشي الكامل للسكان، وحوّل المجتمع من مجتمع منتج ومستهلك عبر آليات السوق إلى مجتمع معتمد كليا على السلة الإغاثية، بما سلب الفرد استقلاليته الاقتصادية.

2. تثبيت “حد الكفاف” كأداة تحكم

بالنظر إلى المعدلات اليومية عبر المراحل الثلاث (65–115 شاحنة يوميا مقارنة بـ600 شاحنة يوميا قبل الحرب)، فإن ثبات هذا المعدل عند حدود 15% إلى 20% فقط من الاحتياج الأصلي — حتى في مرحلة الاستقرار التجاري الأخيرة التي لا تشهد عمليات عسكرية نشطة — يشير إلى هندسة مقصودة تُبقي غزة عند حدود “البقاء على قيد الحياة” دون بلوغ مرحلة التعافي المعيشي، بما يجعل المساعدات أداة مستمرة للضغط والتفاوض لا استجابة إنسانية محضة.

3. هيمنة الفاعلين الكبار وتراجع الأونروا

يظهر تمركز واضح للعمل الإغاثي في يد ثلاثة فاعلين دوليين (برنامج الأغذية العالمي، اليونيسف، والمطبخ العالمي المركزي)، إذ استحوذ برنامج الأغذية العالمي وحده على ما بين 50% و66% من إجمالي الشاحنات عبر مختلف المراحل.

 هذا التمركز يزاحم دور المنظمات الأهلية والمحلية، ويترافق مع تراجع تدريجي لحصة الأونروا التي تراجع دورها الخدمي والسياساتي، بما يخلق هشاشة في العدالة التوزيعية واحتكارا لقرارات التوزيع لدى أطراف لا تملك بالضرورة المعرفة الميدانية الدقيقة بكل حي ومخيم.

4. انحياز السلة الإغاثية: التركيز الغذائي على حساب الرعاية والمأوى

خصصت الآليات الإغاثية أكثر من 92% إلى 95% من شحناتها للقطاع الغذائي، مقابل نسب متدنية جدا لقطاعات الصحة (1.2%) والمياه والصرف الصحي (1.5%) والإيواء (0.8%).

يكشف هذا الاختلال عن التعامل مع الأزمة بوصفها “أزمة جوع” فقط، مع تهميش أسباب الوفاة غير المباشرة الناجمة عن تداعي المنظومة الصحية وانتشار الأوبئة وانعدام المأوى الملائم.

5. هندسة الجغرافيا وتفكيك المركزية التوزيعية

انتقل الاعتماد من معبرين رئيسيين (كرم أبو سالم ورفح) في المرحلة الأولى، إلى تعطيل معبر رفح نهائيا، ثم الاعتماد على منافذ ومحاور فصل داخلية (زيكيم شمالا، وكيسوفيم ونتساريم في وسط القطاع). تحوّل التحكم بالمعابر بذلك من مجرد إجراءات دخول وخروج إلى هندسة جغرافية وأمنية تُقطّع أوصال القطاع وتُخضع التدفقات الإغاثية لتقسيم محاور السيطرة المعروفة إعلاميا بـ”محاور الأصابع الخمسة”، بما سمح بتحويل نقاط التوزيع ذاتها إلى أداة للضغط الميداني.

6. الرواية الرسمية الإسرائيلية وحدودها التفسيرية

تبرر السلطات الإسرائيلية القيود المفروضة على المعابر وقوائم “الاستخدام المزدوج” باعتبارات أمنية تتعلق بمنع وصول مواد قد تُستخدم عسكريا، وتفيد جهات رسمية بأن كل صنف غير مدرج على قوائم الحظر مسموح بإدخاله من حيث المبدأ.

 غير أن منظمة چيشا الإسرائيلية الحقوقية المتخصصة في رصد سياسات حرية الحركة وثّقت أن قائمة “الاستخدام المزدوج” نفسها تضم أكثر من 8,500 تصنيف فضفاض (مثل “معدات اتصالات” أو “مواد كيميائية”)، وأن اشتراط موافقة أمنية فردية على كل شحنة — بصرف النظر عن إدراجها على القائمة أصلا — ينتج عمليا حالة من “الغموض البنيوي” تجعل التخطيط الاقتصادي والإغاثي شبه مستحيل.

 وبناء عليه، فإن التبرير الأمني الرسمي، وإن كان له سند قانوني ظاهري، لا يفسّر وحده اتساع الفجوة بين الحاجة الفعلية (600 شاحنة يوميا) والمعدل المتحقق (65–115 شاحنة يوميا) عبر مراحل متباينة الظروف الأمنية، بما فيها فترات الهدنة النسبي.

ثالثا: التغييب الممنهج لـ”الأونروا” وتداعيات الهندسة البديلة للاستجابة

1. تصفية الأونروا وإحلال الفاعلين الجدد

تُظهر تتبعات المسار الإغاثي عبر مراحل الحرب أن استهداف وتهميش وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) شكّل التحول الهيكلي الأشد تأثيرا في كفاءة وعدالة عمليات التوزيع.

ففي المرحلة الأولى، استند العمل الإغاثي بشكل شبه كامل إلى بنية الوكالة، التي أدارت لوحدها 74% من إجمالي النشاط الإغاثي النافذ ضمن القطاع الإنساني.

ورغم الحصار العسكري، حافظت هذه المرحلة على حد مقبول من العدالة التوزيعية، بفضل امتلاك الأونروا أرشيفا وقواعد بيانات محوسبة ومحدثة تراكمت عبر سبعة عقود، تغطي احتياجات أكثر من 80% من سكان القطاع، إلى جانب انتشارها اللوجستي الميداني الواسع.

ومع الشروع في سياسات التضييق والتصفية ضد الوكالة وتعطيل مرافقها، اتجه الملف الإغاثي نحو “هندسة بديلة” تمثلت في الاعتماد المباشر على منظمات دولية وأهلية حديثة العهد بالعمل الميداني في غزة (مثل برنامج الأغذية العالمي والمطبخ العالمي المركزي والمبادرات الإقليمية)، عانت من فجوات لوجستية حادة وغياب بنية تخزينية والافتقار لقواعد بيانات ميدانية دقيقة؛ ما دفعها للاعتماد على كشوفات عشوائية ومندوبين غير مؤهلين.

وقد اقترن تغييب الأونروا بالاستهداف المباشر للكوادر الحكومية ووزارة التنمية الاجتماعية والأجهزة الشرطية، ما ألغى أي سلطة إشرافية رادعة، وخلق فراغا مؤسسيا حادا جرّد عملية الإغاثة من آليات المساءلة والحماية، وأتاح المجال لبروز شبكات الابتزاز وسوء التوزيع الممنهج.

2. تداعيات الفراغ الهيكلي وتغييب المرجعية

فقدان المرجعية التاريخية: أدّى تقليص دور الوكالة إلى تجريد القطاع من أدق قاعدة بيانات اجتماعية توثيقية، واحتكار القرار الإغاثي لدى جهات تعتمد آليات تقديرية.

الفجوة اللوجستية لدى الفاعلين الجدد: أظهرت المرحلة الاستبدالية عدم جاهزية المنظمات الدولية والأهلية لإدارة الأزمات الكبرى دون الاستناد إلى بنية الوكالة التحتية.

انهيار الرقابة والمساءلة: أنتج تدمير أجهزة الرقابة والتنمية الاجتماعية غيابا كاملا لشبكات الأمان وشكاوى المواطنين، ما حوّل المساعدات من أداة حماية إلى مساحة للفوضى وسوء التوزيع.

رابعا: صعود الفاعلين الجدد والاختلالات الهيكلية لآليات الاستجابة الميدانية

مع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 19 كانون الثاني/يناير 2025 وحتى 2 آذار/مارس 2025 (45 يوما)، كانت هذه الفترة كافية لتصدُّر المنظمات الدولية الحديثة (كبرنامج الأغذية العالمي والشركاء الدوليين والإقليميين) الملف الإغاثي كبديل عن الأونروا.

 غير أن هذه المنظمات اعتمدت على آليات تسجيل هشة تمثلت في الروابط الإلكترونية وكشوفات “مندوبي المخيمات”، ما أنتج فجوات حادة في العدالة والشفافية بسبب غياب قواعد بيانات محدثة، وفقدان السكان لوثائقهم الثبوتية، واستحالة مطابقة البيانات ميدانيا في ظل تغييب السجلات الحكومية الرسمية.

وقد أدى ثبات النمط الغذائي التكراري واستيراد أصناف لا تلبي الاحتياج الفعلي إلى وصول السوق لحالة تشبع من الطرود الإغاثية وشيوع بيعها بأسعار زهيدة.

إذ تُباع سلة برنامج الأغذية العالمي (تضم طحينا ومعلبات متنوعة) بنحو 70 شيكلا (نحو 23 دولارا) في السوق المحلي، بينما تُقدَّر قيمتها التوريدية الحقيقية شاملة النقل والتخزين والتنسيق بنحو 2,100 شيكل (نحو 700 دولار)، وفق تصريح ميداني مباشر لناهض شحيبر، رئيس جمعية أصحاب النقل التجاري.

 وينبغي التعامل مع هذا الرقم كمثال توضيحي واحد يعكس اتجاها عاما موثقا في مصادر أخرى حول انخفاض القيمة السوقية للمساعدات العينية، لا كمعدل نظامي شامل لكل الطرود.

كما أدى الانفصام عن احتياج السوق إلى انخفاض أسعار كميات الفائض المبيعة إلى مستويات قياسية (يُباع طن العدس والأرز بنحو 110 شواكل)، في حين تصل أسعار المعلبات (كالحمص والفول) إلى نحو 100 شيكل لكل 500 علبة، وتنخفض القيمة أكثر في أصناف كالفاصولياء والبازيلاء ومعلبات اللحوم التي تصل أسعارها إلى 100 شيكل لكل 1,000 علبة.

مظاهر وانعكاسات الاختلال في منظومة التوزيع الحالية

الفجوة التقنية والأمنية في التسجيل الرقمي: تسبب الاعتماد المطلق على روابط التسجيل الإلكترونية في حرمان شرائح واسعة من المواطنين نتيجة انقطاع الاتصالات وتفاوت القدرة التقنية، إلى جانب مخاوف السكان المشروعة من تقديم بياناتهم عبر منصات مفتوحة خشية الاستهداف الأمني.

تغوّل سلطة “المندوب” وغياب معايير الشفافية: أدى اعتماد المنظمات الحديثة على مدراء المخيمات والمناديب في إعداد الكشوفات الميدانية إلى تفشي المحسوبية وشبكات النفوذ، وتكرار تسجيل أفراد الأسرة الواحدة في أكثر من كشف مقابل إقصاء أسر كاملة تفتقر إلى علاقة مباشرة بالمناديب.

الاستفادة المزدوجة ومفارقات الحرمان المطلق: غابت العدالة التوزيعية في ظل انعدام التنسيق بين الموردين، إذ سُجّل حصول بعض العائلات على عدة دورات إغاثية خلال الشهر الواحد، مقابل حرمان كلي لأسر أخرى لم تتلقّ أي مساعدات لأشهر متواصلة.

غياب المرجعية الرقابية والمساءلة الاجتماعية: أفضى الاستهداف المباشر للكوادر الحكومية إلى شلل كامل لأجهزة المراقبة الميدانية، ما ألغى أي مرجعية مستقلة تحمي المستهلك الإغاثي وتتلقى الشكاوى وتضمن محاسبة المقصّرين.

وعلى صعيد القيود السلعية، لا تستند سياسة “التقطير” الإسرائيلية إلى قائمة إيجابية ضيقة بعدد ثابت من الأصناف كما تشير بعض الروايات المتداولة، بل إلى آلية “الاستخدام المزدوج” ذات التصنيفات الفضفاضة التي تغطي عمليا آلاف الأصناف، إلى جانب اشتراط موافقة أمنية فردية على كل شحنة بصرف النظر عن إدراجها على القائمة.

 وهذا الغموض البنيوي هو ما يفسر استمرار حظر مواد خام ومعدات إنتاج وأدوات لوجستية أساسية، أكثر من كونه نتيجة قائمة حصرية محددة العدد؛ وأثره العملي هو شلل القطاعات الإنتاجية المحلية وإعدام فرص التعافي الاقتصادي الذاتي.

خامسا: الهندسة السياسية للأزمة وتوظيف الإغاثة كأداة ضغط

تشير قراءة تسلسل الأحداث الموثقة أعلاه إلى أن التحكم الإسرائيلي بملف المساعدات يتجاوز حاجز الإجراءات الأمنية المعلنة، ليشكل عمليا أداة سياسية وأمنية تسهم في إعادة تشكيل ملامح المجتمع الفلسطيني في غزة، عبر مسارات متقاطعة منها:

1. إدارة الفوضى وتآكل السلم الأهلي

يستفيد غياب التنسيق الهيكلي والعدالة التوزيعية، الناجم عن استهداف الطواقم الشرطية ولجان التأمين المحلية، في خلق حالة من الاحتقان الشعبي المستدام وتغذية الاقتتال الداخلي على الموارد الشحيحة، بما يسرّع تفكيك النسيج الاجتماعي بصرف النظر عن مدى تعمّد هذه النتيجة أو كونها أثرا تراكميا لسياسات أخرى.

2. سياسة “التقطير” والكيّ الاقتصادي

يمارس الاحتلال تحكما صارما عبر هندسة السلع النافذة، مع حظر شبه تام لأي مواد خام أو أدوات إنتاج أو معدات لوجستية، بما يضمن شلل القطاعات الإنتاجية المحلية ويحول دون أي فرصة للتعافي الاقتصادي الذاتي، ويكرّس صورة غزة كمجتمع مستهلك للمساعدات لا منتج.

3. تفكيك المرجعية وصناعة البدائل

يسهم تغييب الأونروا وشلل المؤسسات الحكومية في ضرب المركزية الإدارية والسياسية للمجتمع، ويرافقه صعود آليات توزيع عشوائية تعتمد على المناديب والمحسوبيات، وهو ما يفتح الباب أمام بروز كيانات نفوذ بديلة وهشة (عشائرية أو مسلحة) قد تسهّل التعامل مستقبلا مع محاور جغرافية مجزأة.

4. الهندسة الديموغرافية وجغرافيا التجويع

يُستخدم توزيع المنافذ المستحدثة (كزيكيم ونتساريم) في خدمة تقسيم القطاع إلى محاور سيطرة منفصلة، بحيث تعمل الإغاثة كأداة ضغط ناعم — إما لدفع السكان نحو مربعات جغرافية محددة، أو عبر تفاوت حاد في وصول المساعدات بين المناطق (كما تعرّضت له محافظة الشمال تحديدا خلال إعلان المجاعة) — بما يخدم أهدافا تتصل بالتهجير القسري والتفريغ الديموغرافي في تفسيرات عدد من المراقبين، وإن ظل هذا الربط تحليليا يستند إلى قرائن الأثر التراكمي أكثر من كونه إقرارا رسميا مباشرا بالنية.

النتائج

  • ثبات معدل الشاحنات عند 15–20% من الاحتياج الفعلي عبر ظروف ميدانية وسياسية متغيرة جذريا (حصار، قتال، هدنة) يُضعف تفسير القصور بالاعتبارات الأمنية وحدها، ويرجّح وجود سقف سياسي مقصود لإبقاء القطاع عند حدود البقاء.
  • الفجوة بين معدل التشغيل الفعلي (65 شاحنة/يوم) والمعدل التقويمي (34 شاحنة/يوم) في المرحلة الثانية تحديدا تُظهر أن تعطيل أيام العمل ذاتها — لا فقط سقف الكمية اليومية — كان أداة ضغط إضافية قائمة بذاتها.
  • غياب الأونروا لم يكن نقصا تشغيليا عابرا، بل أحدث فراغا في البنية المعرفية (قواعد البيانات التاريخية) لم تستطع المنظمات البديلة سدّه خلال أقل من عام، وهو ما يفسر جانبا كبيرا من الاختلال التوزيعي اللاحق (الاستفادة المزدوجة، الحرمان الكامل، تغوّل سلطة المندوب).
  • التركز الشديد للتوزيع في القطاع الغذائي (أكثر من 92%) لم ينتج فقط عن أولوية إنسانية طارئة في بداية الأزمة، بل تحوّل مع استمراره لأكثر من عامين إلى نمط بنيوي أدى إلى تشبع السوق وتبديد قيمة المساعدات ماليا، بما يستدعي إعادة توازن فورية لا تأجيلا إضافيا.
  • آلية “الاستخدام المزدوج”، وإن كانت تحمل غطاء قانونيا معلنا وتبريرا أمنيا ظاهريا، تنتج في التطبيق العملي أثرا يتجاوز حجب المواد الحساسة أمنيا إلى تعطيل أي مسار تعافٍ اقتصادي ذاتي، بصرف النظر عن النية المعلنة.

التوصيات

1. التحول نحو نظام القسائم الشرائية الرقمية: الاستعاضة التدريجية عن الطرود الغذائية العينية بمنح النازحين والأسر المتضررة أكوادا مالية أو قسائم شرائية رقمية، بما يحمي القيمة الحقيقية لتمويل الإغاثة، ويمنح الأسر حرية تشكيل سلتهم الاستهلاكية وفق أولوياتها، وينشّط الحركة التجارية المحلية ويقلل الهدر اللوجستي.

الجهة المخاطَبة: المنظمات الدولية والمانحون الرئيسيون (برنامج الأغذية العالمي، اليونيسف، المطبخ العالمي المركزي).

2. إعادة بناء المظلة الوطنية الموحدة لإدارة الاستجابة: تشكيل هيئة أو لجنة إشرافية وطنية موحدة تضم التمثيل الأهلي والحكومي والمنظمات الإغاثية، لضبط المرجعيات وإدارة سلسلة التوريد والتوزيع عبر مركزية تنفذ آليات محددة تمنع التشتت والازدواجية.

الجهة المخاطَبة: المؤسسات الفلسطينية الرسمية والأهلية، بالتنسيق مع منظومة الأمم المتحدة.

3. تحديث قاعدة البيانات الموحدة: الاعتماد الفوري على السجلات الموحدة والمحدثة للأونروا والمؤسسات الاجتماعية الرسمية بدلا من روابط التسجيل الفردية وكشوفات المناديب، واستحداث آلية رقابة ميدانية مستقلة تحمي المستهلك الإغاثي وتفعّل منصة لتلقي الشكاوى ومحاسبة التجاوزات.

الجهة المخاطَبة: الأونروا، وزارة التنمية الاجتماعية، والمنظمات الشريكة في التنفيذ.

4. إعادة تصحيح هيكلة المساعدات: إعادة توجيه شحنات الإغاثة نحو استجابة متوازنة شاملة، عبر رفع حصص القطاعات الطبية ومستلزمات المياه والصرف الصحي ومعدات الإيواء الطارئ لتصل إلى 30% على الأقل من إجمالي التدفق الإغاثي، تجاوزا لنمط “السلة الأحادية”.

الجهة المخاطَبة: منظمات الأمم المتحدة التنفيذية (اليونيسف، منظمة الصحة العالمية، الأونروا) والمانحون.

5. تبسيط آلية “الاستخدام المزدوج” وتحرير حركة المعابر: الضغط على المجتمع الدولي والوسطاء لفتح المعابر بشكل كامل ودائم، وتوسيع القائمة المسموح بها لتشمل المواد الخام ومستلزمات الإنتاج والمعدات اللوجستية، مع تقليص نطاق التصنيفات الفضفاضة في قائمة الاستخدام المزدوج وتسريع الموافقات الأمنية الفردية، دعما للحركة التجارية المحلية وتأهيل خطوط الإنتاج البسيطة.

الجهة المخاطَبة: المجتمع الدولي، الوسطاء الإقليميون.

6. تأمين آليات التوزيع وحماية السلم الأهلي: توفير حماية مجتمعية ودولية لطواقم التوزيع ولجان التأمين الميدانية، وتجريد العصابات وشبكات الابتزاز من أي غطاء، لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها بشكل آمن ومحفوظ الكرامة.

الجهة المخاطَبة: المؤسسات الأمنية المحلية، ومنظومة الحماية الأممية.

© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية سبتمبر  2026 — جميع الحقوق محفوظة

شارك:

المزيد من المقالات