المركز الفلسطيني للدراسات السياسية يناقش السيناريوهات المحتملة للانتخابات الإسرائيلية وانعكاساتها على مستقبل قطاع غزة
ناقش المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، خلال ندوة إلكترونية بعنوان «الانتخابات الإسرائيلية ومستقبل قطاع غزة»، التحولات المتسارعة في الخريطة السياسية والحزبية الإسرائيلية، والسيناريوهات المحتملة لنتائج الانتخابات المقبلة، وانعكاساتها السياسية والأمنية والإنسانية على قطاع غزة، إلى جانب الخيارات الفلسطينية في مواجهة المرحلة القادمة.
وشارك في الندوة كل من الكاتب والمحلل السياسي في الشأن الإسرائيلي علاء الريماوي، والصحفي والباحث في الشأن الإسرائيلي عادل ياسين، ومدير المؤسسة الفلسطينية للإعلام «فيميد» إبراهيم المدهون، فيما أدار اللقاء الصحفي أيمن دلول، واختتمه مدير المركز الفلسطيني للدراسات السياسية رامي خريس بمداخلة تناولت أبرز الخلاصات والدروس التي يمكن البناء عليها فلسطينياً.
خريطة سياسية إسرائيلية شديدة السيولة
وفي مداخلته حول الخريطة الانتخابية الإسرائيلية وتوازنات القوى والتحالفات، أشار علاء الريماوي إلى أن المشهد السياسي الإسرائيلي يشهد منافسة حادة داخل معسكر اليمين، بالتوازي مع محاولات لإعادة هندسة الخريطة الحزبية وإعادة توزيع القوى.
وأوضح أن التصنيف التقليدي لليمين واليسار والوسط في “إسرائيل” لا يعكس بالضرورة حقيقة المواقف تجاه القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن العديد من القوى التي تُصنَّف في خانة الوسط تقترب في القضايا الأمنية والاستراتيجية من مواقف اليمين، وإن اختلفت معه في أسلوب إدارة الصراع والأدوات المستخدمة.
ولفت الريماوي إلى أن أحد أبرز سمات المرحلة الراهنة يتمثل في هشاشة عدد من الأحزاب والتحالفات، مقابل امتلاك اليمين، ولا سيما التيارات الدينية والقومية والاستيطانية، قواعد انتخابية أكثر استقراراً.
كما توقف عند أهمية الصوت العربي في الانتخابات، معتبراً أن قدرة الأحزاب العربية على توحيد صفوفها ورفع نسبة المشاركة يمكن أن تمنحها وزناً سياسياً كبيراً، وربما تجعلها طرفاً مؤثراً في تحديد شكل الائتلاف الحكومي المقبل.
وأشار إلى أن تشتت الأحزاب العربية يمثل تحدياً أساسياً أمام قدرتها على استثمار هذا الوزن، في ظل الخلافات حول شكل التحالفات والقيادة وترتيب القوائم، مؤكداً أن وحدة الصوت العربي يمكن أن تتحول إلى عامل حاسم في ظل تقارب موازين القوى بين المعسكرات الإسرائيلية.
كما تناول الريماوي تأثير الحرب وما جرى منذ السابع من أكتوبر على صورة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية وعلى مكانة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، مشيراً إلى أن الإخفاق الأمني أصبح جزءاً أساسياً من السجال الانتخابي، في ظل تبادل الاتهامات بين المستوى السياسي والمؤسسة الأمنية والعسكرية بشأن المسؤولية عن الإخفاقات التي سبقت الحرب.
نتنياهو أمام معركة بقاء سياسي
من جانبه، قدم عادل ياسين قراءة لمسار الحلبة السياسية الإسرائيلية، مشيراً إلى أن حالة الاستقطاب والانقسام الحزبي لا تنعكس على النظام السياسي فقط، وإنما تمتد آثارها إلى المجالات الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية.
واستعرض ياسين التحولات التاريخية في بنية النظام الحزبي الإسرائيلي، موضحاً أن الأحزاب الكبرى التي كانت قادرة في السابق على تشكيل الحكومات بصورة منفردة أو شبه منفردة أصبحت أكثر اعتماداً على الائتلافات والتحالفات، في ظل تراجع قوة الأحزاب التقليدية وظهور أحزاب جديدة ذات طابع أكثر مؤقتية.
وتوقف عند التحولات التي طرأت على حزب الليكود، معتبراً أن هيمنة نتنياهو الطويلة على الحزب ساهمت في إضعاف المنافسين داخله وإعادة تشكيله باتجاه أكثر يمينية، لكنه رأى في الوقت ذاته أن الحرب وما رافقها من إخفاقات أمنية وسياسية أضعفت صورة نتنياهو والليكود لدى قطاعات من الناخبين الإسرائيليين.
وأشار إلى أن نتائج استطلاعات الرأي المتراكمة تعكس صعوبة في حسم المعركة الانتخابية لصالح معسكر واحد، وأن تراجع بعض الأحزاب وظهور أخرى يجعل عملية تشكيل الحكومة المقبلة شديدة التعقيد.
وبحسب ياسين، فإن السيناريوهات لا تقتصر على عودة نتنياهو إلى الحكم، أو انتقال السلطة إلى معسكر منافس، وإنما تشمل أيضاً احتمال استمرار حالة الانسداد السياسي وإجراء جولة انتخابية جديدة إذا فشلت القوى المختلفة في تشكيل ائتلاف قادر على الحكم.
وحذر من أن استمرار حالة الاستقطاب الداخلي والتوتر السياسي والاجتماعي قد يفتح المجال أمام اضطرابات داخلية، في وقت تحتاج فيه المؤسسة العسكرية والسياسية إلى قدر من الاستقرار لاتخاذ قرارات تتعلق بالحرب والميزانية والأمن.
غزة في قلب الحسابات الإسرائيلية
أما إبراهيم المدهون، فتناول الانتخابات من زاوية انعكاساتها على قطاع غزة والخيارات الفلسطينية والإقليمية والدولية، مؤكداً أن أهمية هذه الانتخابات تتجاوز كونها استحقاقاً داخلياً إسرائيلياً، نظراً إلى توقيتها في ظل الحرب والتداعيات التي تركتها على القطاع والمنطقة.
وطرح المدهون مجموعة من السيناريوهات، في مقدمتها احتمال استمرار اليمين واليمين المتطرف في الحكم، وهو ما قد يعني، وفق تقديره، استمرار الضغوط العسكرية والسياسية على غزة، وتصعيد السياسات المتعلقة بالضفة الغربية والقدس، وزيادة الضغوط على السلطة الفلسطينية، إلى جانب استمرار محاولات إعادة تشكيل الواقع السياسي والأمني في القطاع.
وفي المقابل، رأى أن استمرار أو صعود القوى التي توصف بالوسط لا يعني بالضرورة تحولاً جوهرياً في الرؤية الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، مشيراً إلى أن الفوارق بين هذه القوى واليمين قد تتعلق بدرجة كبيرة بأسلوب إدارة الصراع وأدواته، وليس بجوهر الموقف من القضية الفلسطينية.
كما طرح احتمال استمرار حالة الجمود السياسي داخل “إسرائيل”، بما يؤدي إلى إضعاف قدرة النظام السياسي على اتخاذ قرارات حاسمة، معتبراً أن هذا السيناريو، رغم مخاطره على الفلسطينيين، قد يخلق أيضاً مساحات يمكن استثمارها سياسياً إذا امتلك الجانب الفلسطيني استراتيجية واضحة.
وتناول المدهون كذلك السيناريوهات المتعلقة بقطاع غزة، محذراً من استخدام الاحتياجات الإنسانية وإعادة الإعمار كأدوات سياسية لإعادة تشكيل القطاع أو فرض ترتيبات داخلية هشة، ومشدداً في الوقت ذاته على ضرورة تحويل أي مساحات إنسانية أو سياسية متاحة إلى أدوات لتعزيز صمود الفلسطينيين.
الإقليم والمجتمع الدولي… متغيرات موازية
وفي قراءته للمشهد الإقليمي والدولي، أشار المدهون إلى أهمية التحولات في المنطقة، وما يمكن أن تفرضه من معادلات جديدة على “إسرائيل” والفلسطينيين، إلى جانب استمرار المواقف العربية الرافضة لمشاريع التهجير.
كما أشار إلى اتساع مظاهر الانتقاد الدولي لـ”إسرائيل”، مع استمرار الدعم الأميركي لها، معتبراً أن التحدي الفلسطيني يتمثل في تحويل حالة الانتقاد والعزلة السياسية المتنامية إلى مسار سياسي وقانوني أكثر استدامة.
وأكد أن الفلسطينيين بحاجة إلى إعادة بناء أدواتهم السياسية والدبلوماسية، وتفعيل مؤسسات منظمة التحرير، وتوسيع المشاركة الفلسطينية في النظام السياسي، وتعزيز الحضور في الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، إلى جانب تطوير العلاقات مع القوى الدولية والإقليمية المختلفة.
وشدد على أهمية ما وصفه بـ«الدبلوماسية النضالية» التي تجمع بين العمل السياسي والدبلوماسي والقانوني والشعبي، بما يسمح باستثمار التحولات الدولية وتعزيز الرواية والحقوق الفلسطينية.
خريس: لا ينبغي أن يكون الفلسطينيون أسرى للانتخابات الإسرائيلية
وفي ختام الندوة، أكد مدير المركز الفلسطيني للدراسات السياسية رامي خريس أن الانتخابات الإسرائيلية ليست مجرد استحقاق داخلي يمكن للفلسطينيين مراقبته من الخارج، وإنما محطة سياسية سيكون لها تأثير مباشر على مستقبل قطاع غزة وطبيعة الصراع وشكل العلاقة بين الكيان الإسرائيلي والفلسطينيين خلال المرحلة المقبلة.
وشدد خريس، في الوقت ذاته، على ضرورة عدم الوقوع في خطأ انتظار الانتخابات باعتبارها نقطة التحول الوحيدة أو الحاسمة، موضحاً أن السنوات الماضية أظهرت وجود قدر من التوافق داخل الكيان، رغم الخلافات الحادة بين الأحزاب والتيارات، على التعامل مع القضية الفلسطينية من منظور أمني، وعلى إبقاء غزة ضمن دائرة السيطرة والضغط وإعادة تشكيل الواقع السياسي والأمني فيها.
وقال إن السؤال الفلسطيني لا ينبغي أن يقتصر على «من سيفوز في الانتخابات الإسرائيلية؟»، وإنما يجب أن يمتد إلى سؤال أكثر أهمية: «ماذا سيفعل الفائز تجاه غزة؟ وماذا نريد نحن، كفلسطينيين، أن نفعل بصرف النظر عمن سيفوز؟»
وأكد خريس أن «لا ينبغي للفلسطينيين أن يكونوا أسرى للانتخابات الإسرائيلية»، داعياً إلى قراءة دقيقة للخريطة السياسية الإسرائيلية واتجاهاتها، بالتوازي مع بناء رؤية فلسطينية مستقلة لا تتغير بتغير نتائج استطلاعات الرأي أو صعود حزب وتراجع آخر.
وأشار إلى أن غزة أصبحت بصورة غير مسبوقة جزءاً من الحسابات السياسية والانتخابية داخل الساحة الإسرائيلية، محذراً من أن تتحول قضايا الحرب والأمن والتهجير وإدارة القطاع وإعادة الإعمار إلى أدوات للمنافسة بين الأحزاب الإسرائيلية.
كما حذر من افتراض أن تغيير الحكومة الإسرائيلية يعني بالضرورة تغيير السياسة، موضحاً أن «اللغة قد تتغير، والأولويات قد تتغير، والأدوات قد تتغير»، لكن ذلك لا يعني تلقائياً حدوث تحول جوهري في الرؤية الإسرائيلية تجاه غزة والقضية الفلسطينية.
من رد الفعل إلى الاستعداد للسيناريوهات
وأكد مدير المركز أن الرهان الفلسطيني ينبغي ألا يكون على شخصية أو حزب إسرائيلي بعينه، وإنما على القدرة الفلسطينية على بناء موقف سياسي واضح وقابل للدفاع عنه إقليمياً ودولياً.
وحدد ثلاثة أسئلة رئيسية أمام المرحلة المقبلة: ماذا لو استمر الكيان الإسرائيلي في التعامل مع غزة باعتبارها ملفاً أمنياً وعسكرياً؟ وماذا لو جاءت الانتخابات بحكومة مستعدة لترتيبات جديدة، ولكن ضمن شروط إسرائيلية تتعلق بالأمن والسيطرة وإدارة القطاع؟ وماذا لو ترافقت الانتخابات مع تحولات إقليمية ودولية أوسع تجعل غزة جزءاً من ترتيبات سياسية تتجاوز حدود القطاع؟
وشدد خريس على أن هذه السيناريوهات جميعها تتطلب استعداداً فلسطينياً مسبقاً، قائلاً إن مسؤولية مراكز الدراسات والباحثين والإعلاميين لا تقتصر على تفسير ما يجري داخل الساحة السياسية الإسرائيلية، وإنما تشمل مساعدة صانع القرار والرأي العام الفلسطيني على فهم السيناريوهات والاستعداد لها.
وفي هذا السياق، أوضح أن المركز الفلسطيني للدراسات السياسية يسعى إلى توفير مساحة لإنتاج المعرفة والتحليل الفلسطيني، وربط التطورات السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية، وطرح الأسئلة من موقع فلسطيني لا يكتفي بمراقبة ما يجري في الجانب الآخر.
وخلص خريس إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من سياسة «رد الفعل» إلى سياسة «الاستعداد للسيناريوهات»، مؤكداً أن مستقبل غزة لا ينبغي أن يكون مجرد نتيجة لانتخابات تجري في الكيان الإسرائيلي، أو ملفاً تفاوضياً تتحدد ملامحه وفق موازين القوى الخارجية، بل جزءاً من رؤية فلسطينية واضحة تستند إلى حقوق الشعب الفلسطيني ومصالحه الوطنية والإنسانية.
واختتم المركز الندوة بالتأكيد على مواصلة تنظيم الحوارات السياسية وإنتاج الدراسات والقراءات المتخصصة التي تواكب التحولات المحيطة بالقضية الفلسطينية، بهدف ليس فقط تفسير الواقع، وإنما الإسهام في التفكير بالبدائل والخيارات الممكنة أمام الفلسطينيين في المرحلة المقبلة.



