من التشريع إلى السيطرة الفعلية: إخلاء الأونروا من كفر عقب وتفكيك وجودها المؤسسي في القدس

قراءة قانونية وسياسية في تحوّل السياسة الإسرائيلية من الحصار التشريعي إلى الاستيلاء الميداني على منشآت الأمم المتحدة

دراسة تحليلية-أ.ابراهيم الحواجري | خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
في 25 أغسطس/آب 2026، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي مركز قلنديا للتدريب المهني التابع للأونروا في كفر عقب شمال القدس المحتلة، واحتجزت العاملين فيه، ورفعت العلم الإسرائيلي فوق مدخله، بأمر مباشر من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
تُبيّن هذه الورقة أن هذا الحدث ليس واقعة إدارية منعزلة، بل الحلقة الأحدث في مسار متدرج بدأ بتشريعي الكنيست في أكتوبر 2024، مروراً بإغلاق مدارس القدس الشرقية وقطع الخدمات الأساسية عن منشآت الوكالة، ووصولاً إلى هدم مقرها الرئيسي في الشيخ جراح في يناير 2026 .
وتخلص الورقة، استناداً إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 22 أكتوبر 2025 إلى أن “إسرائيل” تنتهج سياسة يمكن وصفها بـ«الإقصاء دون إلغاء»: تفكيك الشروط المادية والخدمية لعمل الأونروا في القدس، دون المساس رسمياً بتفويضها الأممي، بما يجعل استمرار وجودها في المدينة المحتلة رهيناً بمدى قدرة المجتمع الدولي على فرض احترام الحصانات الأممية على الأرض، لا في أروقة القانون وحدها.

مقدمة

شكّل اقتحام قوات الاحتلال لمركز قلنديا للتدريب المهني في كفر عقب صباح الثلاثاء 25 أغسطس/آب 2026 تطوراً نوعياً في مسار استهداف الأونروا؛ إذ شارك في العملية عناصر من الشرطة والجيش وبلدية الاحتلال، بمشاركة مباشرة لوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، واحتُجز نحو أربعين موظفاً وحاضراً في الموقع وأُخضعوا لاستجواب ميداني قبل إخراجهم بالقوة.

 وبحسب بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، فإن الإخلاء تم «وفق توجيهاتي والقانون الذي أقررناه»، فيما أعلن بن غفير عبر منصاته أن «الأونروا في أيدينا» ورفع صورة للعلم الإسرائيلي فوق مدخل المركز.

يطرح هذا الحدث سؤالاً بحثياً مركزياً: هل يمثل إخلاء كفر عقب واقعة إدارية منفصلة ينتهي أثرها بانتهاء العملية، أم أنه حلقة في سياسة حكومية ممنهجة تسعى إلى إقصاء الأونروا من القدس عبر تفكيك وجودها المادي والخدمي بدل انتظار إلغاء تفويضها الأممي رسمياً؟.

 تجيب هذه الورقة على هذا السؤال بالخيار الثاني، وتستند في ذلك إلى تتبع دقيق لمسار الإجراءات منذ أكتوبر 2024 حتى واقعة أغسطس 2026، وإلى الإطار القانوني الذي أرسته اتفاقية امتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها لعام 1946، والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 22 أكتوبر 2025.

ملاحظة منهجية

تعتمد هذه الورقة بشكل رئيسي على مصادر إعلامية دولية وفلسطينية موثوقة (منها فرانس24 والجزيرة وتايمز أوف إسرائيل ووفا) وعلى بيانات رسمية صادرة عن الأمم المتحدة والأونروا ومحكمة العدل الدولية، دون الاستناد إلى شهادات ميدانية مباشرة من العاملين في مركز قلنديا أو وثائق داخلية غير منشورة لم تُتح للورقة.

أولاً: ماذا جرى في كفر عقب في 25 أغسطس 2026؟

جاءت عملية الإخلاء بعد أشهر من التحذيرات؛ ففي 30 يونيو 2026 كانت قوات الاحتلال قد دخلت المركز لتفقده وتصويره وأبلغت العاملين فيه بضرورة إغلاقه تمهيداً لمشروع بلدي بديل.

وأفادت الجزيرة، نقلاً عن محافظة القدس، بإصابة خمسة فلسطينيين بنيران الاحتلال قرب موقع المركز أثناء عملية الاقتحام في أغسطس، في مؤشر على أن التصعيد لم يعد يقتصر على البعد الإداري بل امتد إلى مواجهات ميدانية مباشرة.

من جهتها، وصفت المفوضية العامة للأونروا الاقتحام بأنه دخول قسري لمنشأة أممية دون تنسيق، فيما عبّر الناطق باسم الأمين العام للأمم المتحدة عن «قلق بالغ» من الإجراء، مؤكداً أن المركز «من مباني الأمم المتحدة» المشمولة بالحصانة، وفي 28 أغسطس 2026، أصدرت اثنتا عشرة دولة عضواً في اللجنة الاستشارية للأونروا (منها ثماني دول أوروبية) بياناً مشتركاً وصفت فيه دخول إسرائيل إلى المنشأة والاستيلاء عليها بأنه «غير قانوني»، وطالبت بالامتثال الفوري لالتزامات الأمم المتحدة.

في المقابل، ربطت وزارة الخارجية الإسرائيلية العملية بمشروع بديل، معلنة أن بلدية الاحتلال شرعت في «أعمال تجديد» لإقامة مجمع تعليمي ومجتمعي جديد في كفر عقب لصالح «آلاف من سكان الحي العرب»، بتمويل تفوق قيمته 40 مليون شيكل للمرحلة الأولى.

 كما أثارت الخارجية الإسرائيلية نزاعاً حول ملكية الأرض، إذ اعتبرت أنها تعود إلى الوكالة اليهودية منذ عام 1937، في مقابل رواية الأونروا التي تؤكد أن الحكومة الأردنية سلّمتها الأرض عام 1952 لإقامة مركز التدريب.

هذا التباين في روايتي الملكية يجعل النزاع على كفر عقب، شأنه شأن نزاع الشيخ جراح، قضية حقوقية وقانونية ممتدة لا تُحسم بمجرد فرض واقع ميداني.

ولافتٌ أن العملية لم تكن موضع إجماع كامل داخل الحكومة الإسرائيلية نفسها؛ إذ أشارت تقارير عبرية إلى أن نتنياهو، بالتشاور مع وزيري الجيش والخارجية، كان قد طلب من بن غفير تأجيل التوقيت تحسباً لردود فعل دولية حادة، قبل أن يمضي الأخير في العملية ويوثقها إعلامياً بمبادرة منه.

 هذا التفصيل يفيد بأن القرار الاستراتيجي بإخلاء المنشأة كان محسوماً داخل الائتلاف الحاكم، لكن توقيته وواجهته السياسية كانا محل تنافس بين تيارات الحكومة، وهو ما يستحق تمييزه عند قراءة «الغطاء السياسي» للعملية.

ثانياً: من التشريع إلى السيطرة على الأرض — الخط الزمني الموثّق

يوضح الجدول التالي المسار المتدرج للسياسة الإسرائيلية تجاه الأونروا في القدس، من التأسيس التشريعي حتى واقعة كفر عقب:

التاريخالحدثالدلالة
28/10/2024إقرار الكنيست قانونين بأغلبية 92-10 و87-9 يحظران نشاط الأونروا داخل الكيان ويمنعان أي تواصل رسمي معهاالأساس التشريعي للإقصاء
30/1/2025دخول القانونين حيز التنفيذ؛ بدء إجراءات إغلاق مقر الأونروا في معلوت دافنا تمهيداً لمصادرتهإضعاف الإدارة المركزية للوكالة
18/2/2025اقتحام مركز قلنديا وأمر بإخلائه؛ تأثر 350 متدرباً و30 موظفاً واستخدام الغاز المسيل للدموعأول استهداف ميداني مباشر لمنشأة تعليمية
مايو 2025إغلاق قسري لست مدارس تابعة للأونروا في القدس الشرقية، بينها مدارس مخيم شعفاط، تأثر بها نحو 800 طفلتوسيع الإغلاقات إلى القطاع التعليمي
ديسمبر 2025إقرار تعديل تشريعي يُلزم بقطع الكهرباء والمياه والاتصالات والخدمات المصرفية عن منشآت الأونرواتحويل الحصار من إداري إلى خدمي وتشغيلي
22/10/2025محكمة العدل الدولية تصدر رأياً استشارياً يؤكد التزام الحكومة الإسرائيلية باحترام حصانات الأمم المتحدة وعدم عرقلة عمل الأونرواسند قانوني دولي مضاد للتشريع الإسرائيلي
14/1/2026اقتحام عيادة صحية تابعة للأونروا في القدس الشرقية وإغلاقهاامتداد الاستهداف إلى القطاع الصحي
20/1/2026اقتحام مقر الشيخ جراح وهدم مبانٍ ومكاتب متنقلة داخله ورفع العلم الإسرائيلي مكان علم الأمم المتحدةأول هدم فعلي لمقر أممي رئيسي في القدس
30/6/2026دخول قوات الاحتلال مجدداً إلى مركز قلنديا، وتصويره، وإبلاغ العاملين بضرورة إغلاقهالإعلان عن نية استبدال المنشأة
25/8/2026اقتحام مركز قلنديا وإخلاؤه فعلياً، واحتجاز نحو 40 موظفاً، ورفع العلم الإسرائيلي فوقه، بأمر مباشر من نتنياهوالانتقال الكامل من التهديد إلى السيطرة الفعلية

ثالثاً: الإطار القانوني — حصانة المقار ونزاع الملكية

١. حصانة المقار الأممية

تقوم حماية منشآت الأمم المتحدة، بما فيها منشآت الأونروا، على اتفاقية امتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها لعام 1946، التي تنص على حرمة مقار الأمم المتحدة وحصانتها من التفتيش أو المصادرة أو أي شكل من أشكال التدخل، وبناءً على طلب الجمعية العامة في قرارها 79/232 الصادر في 19 ديسمبر 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية في 22 أكتوبر 2025 رأياً استشارياً بشأن التزامات الكيان الإسرائيلي حيال وجود الأمم المتحدة ونشاطها في الأرض الفلسطينية المحتلة، وخلصت المحكمة إلى أن الكيان الإسرائيلي، بصفته السلطة القائمة بالاحتلال، ملزم برفع القيود عن عمل الأونروا وتيسير أنشطتها الإغاثية، وأنه غير مخوّل بأن يقرر منفرداً وجود كيانات الأمم المتحدة أو نطاق عملها .

غير أن هذا الرأي لم يحظَ بإجماع كامل داخل هيئة المحكمة نفسها؛ إذ سجّلت القاضية جوليا سيبوتيندي رأياً مخالفاً اعتبرت فيه أن الرأي الاستشاري تجاوز اتفاق كوماي-ميشيلمور لعام 1967 الذي يُجيز لـ”إسرائيل” تعليق التعاون مع الأونروا لدواعٍ أمنية، وأن مبدأ «الضرورة الوظيفية» يقيّد حصانة الأمم المتحدة بما يتفق مع أغراضها.

 هذا الخلاف القانوني، وإن لم يغيّر من ثقل الرأي الاستشاري كأداة سياسية وقانونية، يوضح أن المعركة حول حصانة الأونروا لم تُحسم نهائياً على المستوى القانوني الدولي، وأن الحكومة الإسرائيلية تملك حجة قانونية مضادة تستند إليها في تبرير إجراءاتها.

٢. نزاع الملكية العقارية

تتكرر في كل من كفر عقب والشيخ جراح المعضلة القانونية ذاتها: من يملك الأرض التي تقوم عليها منشآت الأونروا؟ ففي كفر عقب، تؤكد الأونروا أن الحكومة الأردنية سلّمتها الأرض عام 1952 لإقامة مركز التدريب، أي قبل الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية عام 1967، بينما تدّعي الخارجية الإسرائيلية أن الأرض تعود إلى الوكالة اليهودية منذ 1937 .

 وبالمثل، أكد المفوض العام للأونروا أن أرض مجمع الشيخ جراح مستأجرة من الحكومة الأردنية منذ 1952 ولم تُنقل قط إلى الحكومة الإسرائيلية .

 وبما أن الكيان الإسرائيلي لا يُعترف دولياً بسيادته على القدس الشرقية المحتلة منذ 1967، فإن حسم أي من الروايتين قانونياً يقع خارج صلاحية الإدارة المحلية الإسرائيلية أصلاً، وهو ما يجعل الاستيلاء الإداري على الأرض إجراءً أحادياً يفتقر إلى مرجعية قانونية دولية معترف بها، بصرف النظر عن رواية الملكية التي يعتمدها كل طرف.

رابعاً: لماذا كفر عقب، ولماذا الآن؟

يحمل استهداف كفر عقب أبعاداً تتجاوز مسألة منشأة واحدة:

 البعد السيادي: الاستيلاء على منشأة أممية وإخضاعها لسلطة بلدية الاحتلال رسالة سياسية بفرض تعريف إسرائيلي أحادي للسيادة على القدس ومحيطها.

 البعد المؤسسي: تقليص وجود مؤسسة دولية تمثل التزاماً أممياً مستمراً تجاه اللاجئين الفلسطينيين، وتذكيراً بقرار الجمعية العامة 194.

 البعد الخدمي: استبدال مرجعية الخدمة لا مجرد مزوّدها؛ فمشروع بلدية الاحتلال البديل في كفر عقب لا يطرح فقط جهة تعليمية جديدة، بل يفصل الخدمة عن صفة اللجوء الفلسطيني ومرجعيتها الأممية، وهو ما يميّز استبدال الخدمة عن مجرد تطويرها.

وتؤكد مقارنة كفر عقب بسابقة الشيخ جراح (يناير 2026) أن النمط يتكرر بخطوات متطابقة: تحذيرات مسبقة، فاقتحام بمشاركة بن غفير، فرفع العلم الإسرائيلي، فإعلان مشروع بديل خاضع للبلدية ؛ وهو ما يرجّح أن كفر عقب ليس استثناءً بل تطبيقاً ثانياً لنموذج تشغيلي واحد صار سياسة قابلة للتكرار في منشآت أخرى.

خامساً: تحليل الاستراتيجية — الإقصاء دون إلغاء

١. الإقصاء دون إلغاء

أقوى تفسير لتسلسل الأحداث هو أن الإقصاء يجري دون إعلان رسمي بإلغاء تفويض الأونروا.

 فبدلاً من ذلك، تُنتزع شروط عملها خطوة بخطوة: منع التواصل الرسمي، فإضعاف الإدارة، فإغلاق المدارس، فقطع الخدمات الأساسية، فهدم المقر الرئيسي، فإخلاء آخر منشأة عاملة.

 بهذه الطريقة يبقى التفويض الأممي قائماً من الناحية القانونية الشكلية، بينما تتقلص أدوات تنفيذه على الأرض حتى تصبح شبه معدومة.

٢. من الخدمات إلى العقار

يمثل الانتقال من تقييد النشاط إلى الاستيلاء على الأرض والمبنى نقطة تحول جوهرية، لأنه يخلق واقعاً مادياً يصعب عكسه؛ فقطع خدمة أو إغلاق إداري يمكن التراجع عنهما بقرار سياسي، أما هدم مبنى (كما حدث في الشيخ جراح) أو تسليم أرض لمشروع بلدي بديل بتمويل يفوق 40 مليون شيكل (كما في كفر عقب) فيستلزم مساراً قانونياً وسياسياً طويلاً لإعادة الوضع إلى ما كان عليه، وهو ما يمنح الاحتلال ميزة زمنية إضافية حتى في حال صدور مواقف دولية مناهضة.

٣. تجانس القرار الاستراتيجي وتنافس واجهته السياسية

تكشف تفاصيل الخلاف بين نتنياهو وبن غفير حول توقيت عملية كفر عقب أن القرار الاستراتيجي بإخلاء المنشأة كان موضع توافق داخل الائتلاف الحاكم، لكن توقيت تنفيذه وتوظيفه إعلامياً كانا محل تنافس بين تيارات الحكومة، سعى كل منها إلى تظهير نفسه بوصفه القوة الدافعة لإقصاء الأونروا.

هذه الملاحظة تُنبّه إلى أن قراءة «الغطاء السياسي الموحد» للسياسة الإسرائيلية تجاه الأونروا ينبغي أن تُميّز بين ثبات الهدف الاستراتيجي (إنهاء الوجود المؤسسي للوكالة في القدس) وتقلّب حسابات التوقيت والمكاسب السياسية الداخلية، دون أن يُضعف ذلك التمييز من خطورة النتيجة النهائية على الأرض.

سادساً: الآثار والتداعيات

المجالالأثر المباشرالأثر الأبعد مدى
تعليميتوقف تدريب نحو 340 متدرباً سنوياً كانوا مسجلين قبيل بدء العام الدراسي في 1 سبتمبرتراجع فرص التأهيل المهني للشباب اللاجئ في شمال الضفة
خدمي وتشغيليفقدان آخر منشأة فاعلة للأونروا في محيط القدس الشمالي بعد إغلاق المدارس والعيادات سابقاًتقلص شبكة الأونروا التشغيلية في القدس إلى الحد الأدنى
قانونيدخول منشأة أممية دون تنسيق يعيد فتح ملف حرمة المقار والحصانات أمام الجمعية العامةسابقة قد تُستخدم لتبرير إجراءات مماثلة ضد منظمات دولية أخرى
اجتماعينقل الخدمات إلى مواقع أبعد يرفع كلفة الوصول على الطلاب وأسرهمزيادة اعتماد اللاجئين على بدائل خاضعة لإدارة الاحتلال
سياسيكل منشأة تُفقد تجعل تنفيذ تفويض الجمعية العامة أصعب ميدانياًتراجع الحضور الأممي كشاهد على وضعية القدس الشرقية كأرض محتلة
ميداني وأمنيإصابة خمسة فلسطينيين بالرصاص خلال عملية الإخلاءمؤشر على تصاعد احتمالات المواجهة في عمليات إخلاء مقبلة

سابعاً: دروس من سوابق مقارنة

١. انتهاكات حصانة منشآت الأونروا في غزة (2009-2016): مسار متآكل للمساءلة

ليست هذه المرة الأولى التي تُنتهك فيها حصانة منشآت الأونروا من جانب الحكومة الإسرائيلية؛ ففي حرب غزة 2008-2009 شكّل الأمين العام بان كي مون مجلس تحقيق فحص تسع وقائع، منها قصف مدرسة الفاخورة/جباليا في 6 يناير 2009 (أكثر من 30 شهيداً) ومدرسة بيت لاهيا في 17 يناير 2009، وخلص إلى أن الجيش الإسرائيلي «انتهك حرمة الأمم المتحدة بشكل متكرر».

 وفي يناير 2010، دفعت الحكومة الإسرائيلية 10.5 مليون دولار تعويضاً عن أضرار لحقت بسبعة مبانٍ أممية، في ما اعتُبر حينها سابقة نادرة لمساءلة مالية معترف بها من الطرفين.

غير أن أثر هذه السابقة تآكل مع الوقت: ففي قصف مدرسة تابعة للأونروا في رفح عام 2014 (15 شهيداً رغم إخطار الجيش الإسرائيلي 33 مرة بأن المدرسة تؤوي نازحين)، خلص مجلس تحقيق أممي إلى أن القذيفة استهدفت أفراداً قرب المدرسة، لكن الجيش الإسرائيلي أغلق تحقيقه الجنائي الخاص دون مساءلة، واكتفت الأونروا بالإعراب عن «قلق بالغ» دون أن يعقب ذلك أي تعويض أو محاسبة.

هذا التراجع من تعويض مالي معترف به (2010) إلى تحقيق مغلق دون أثر (2016) إلى استيلاء إداري مباشر على المنشآت دون حتى فتح تحقيق حتى الآن (كفر عقب 2026) يرسم مساراً تنازلياً في فعالية آليات المساءلة القائمة، لا مساراً تصاعدياً؛ وهو ما يرجّح أن آليات التوثيق والتعويض وحدها، دون أدوات إنفاذ سياسية أو مؤسسية إضافية، لم تعد كافية لردع تكرار النمط.

٢. سابقة جنوب أفريقيا 1974: تعليق المشاركة كأداة ضغط سياسية

في 30 سبتمبر 1974، رفضت الجمعية العامة اعتماد وثائق تفويض وفد جنوب أفريقيا بسبب سياسة الفصل العنصري، ثم قرّر رئيس الجمعية العامة في 12 نوفمبر 1974 أن هذا الرفض يعني تعليق مشاركة جنوب أفريقيا في أعمال الجمعية (تصويت 91 مقابل 22)، بحيث مُنع وفدها من الجلوس أو الكلام أو التصويت، دون أن يمسّ ذلك عضويتها الرسمية في الأمم المتحدة .

 أما مشروع قرار بطرد جنوب أفريقيا كلياً من المنظمة بموجب المادة 6 من الميثاق، فقد اصطدم بحق النقض الذي استخدمته الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا في مجلس الأمن في 30 أكتوبر 1974.

تكمن أهمية هذه السابقة في أنها تُظهر أن الجمعية العامة تملك أداة إجرائية (تعليق المشاركة عبر رفض وثائق التفويض) لا تستلزم موافقة مجلس الأمن، خلافاً للطرد الكامل الذي يستلزم توصية من مجلس الأمن ويظل عرضة لحق النقض؛ وهو ما استشهد به بعض القانونيين كنموذج محتمل الانطباق على الكيان الإسرائيلي.

 لكن حدود هذه السابقة واضحة أيضاً: فالتعليق كان رمزياً وإجرائياً في جوهره، ولم يغيّر السياسة الجنوب أفريقية تجاه الفصل العنصري بحد ذاته، والذي استمر أكثر من عقدين إضافيين حتى مطلع التسعينيات، بينما ظل مسار الطرد الكامل، وهو الأكثر أثراً، محجوباً بحق النقض تماماً كما هو الحال المتوقع مع أي محاولة مماثلة تجاه الكيان اليوم.

تُظهر هاتان السابقتان معاً أن الأدوات الأممية المتاحة قوية على المستويين الرمزي والقانوني، وقادرة أحياناً على انتزاع اعتراف ومحاسبة مالية جزئية، لكنها تاريخياً لم تفلح في وقف سياسة استهداف مادي متكرر لمنشآت أممية بعينها على المدى الطويل، بل شهدت تراجعاً في فعاليتها. وهذا يرفع من ترجيح سيناريو «استمرار الضغط التدريجي» أو حتى «التصعيد العقاري الإضافي» الواردين في الجدول التالي، ما لم تُستحدث آلية إنفاذ أكثر مباشرة من التوثيق والتعويض وحدهما.

ثامناً: السيناريوهات المحتملة

السيناريوالملامحالاحتمالالمؤشر الحاكم
استمرار الضغط التدريجيإغلاقات وقيود إضافية دون إعلان إلغاء شامل للتفويضمرتفعغياب رد فعل دولي رادع يتجاوز البيانات الاستنكارية، أسوة بما جرى بعد 2014
تصعيد عقاري إضافياستملاك أو تحويل منشآت أخرى للأونروا في القدس والضفة على نمط كفر عقب والشيخ جراحمرتفع جداًتكرار النموذج التشغيلي نفسه (تحذير فاقتحام فمشروع بديل)
احتواء دولي جزئيضغط دبلوماسي وقانوني يوقف إجراءات محددة دون عكس ما تم تنفيذهمتوسطتجاوب الدول المانحة الاثنتي عشرة مع دعوتها بخطوات ملموسة تتجاوز البيان
استمرارية تشغيلية بديلةنقل مؤقت لبعض الخدمات مع بقاء التفويض الأممي شكلياً قائماًمتوسطقدرة الأونروا على تأمين مواقع بديلة داخل الضفة الغربية

الخلاصة والاستنتاجات

جواباً على السؤال البحثي المطروح في المقدمة، تخلص الورقة إلى أن إخلاء كفر عقب ليس واقعة إدارية منفصلة، بل حلقة في سياسة ممنهجة تحمل السمات التالية:

أولاً: المسار من التشريع (أكتوبر 2024) إلى السيطرة الفعلية (أغسطس 2026) يشكل تصعيداً خطياً متصلاً لا يحتمل تفسيره كحوادث متفرقة.

ثانياً: القرار الاستراتيجي محسوم داخل الحكومة الإسرائيلية، وإن اختلفت حسابات توقيته بين مكوناتها، وهو ما يعزز لا يُضعف احتمال تكراره.

ثالثاً: الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية يوفر سنداً قانونياً دولياً واضحاً، لكن أثره العملي يبقى مرهوناً بآليات إنفاذ سياسية غائبة حتى الآن، كما تؤكده تجربة مجالس التحقيق الأممية السابقة في غزة.

رابعاً: الخطر الأكبر لا يكمن في إغلاق خدمة بعينها، بل في استبدال المرجعية المؤسسية الأممية للخدمة بمرجعية بلدية خاضعة للاحتلال، وهو ما يمس صفة اللجوء الفلسطيني ذاتها لا الخدمة وحدها.

خامساً: تكرار النموذج نفسه في الشيخ جراح فكفر عقب يرجّح تحوّله إلى سياسة معيارية قابلة للتطبيق على منشآت أممية أخرى في القدس والضفة الغربية، وهو ما تؤكده أيضاً السوابق التاريخية لتراجع فعالية آليات المساءلة القائمة مع تكرار الانتهاك.

على أية حال لا ينبغي النظر إلى إخلاء مركز قلنديا في كفر عقب باعتباره حدثاً محلياً معزولاً، بل باعتباره تجسيداً ميدانياً لمسار بدأ بالتشريع في الكنيست وانتهى، حتى الآن، بالسيطرة المادية على آخر منشأة فاعلة للأونروا في محيط القدس الشمالي، وبقدر ما توفر محكمة العدل الدولية سنداً قانونياً واضحاً لصالح استمرار الوكالة، فإن فجوة الإنفاذ بين الالتزام القانوني والممارسة الميدانية هي ما يحدد المسار الفعلي لمستقبل الأونروا في القدس.

 ويبقى السؤال الأهم مفتوحاً: هل ستتحول واقعة كفر عقب، على غرار الشيخ جراح قبلها، إلى سابقة تُبنى عليها موجة جديدة من الاستيلاء على منشآت أممية أخرى، أم أن تضافر المواقف الدولية الأخيرة يمثل بداية كبح فعلي لهذا المسار؟

التوصيات

على المستوى الفلسطيني

  1. توثيق واقعة كفر عقب بالتزامن مع سابقة الشيخ جراح ضمن ملف قانوني موحد يُقدَّم إلى الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية كدليل على نمط متكرر لا حوادث منفصلة.
  2. تشكيل فريق متابعة فلسطيني متخصص يرصد أي إشارات على استهداف منشآت أونروا أخرى في القدس والضفة الغربية، استناداً إلى مؤشرات التحذير المبكر التي سبقت كلاً من الشيخ جراح وكفر عقب (تفقد ميداني فإخطار فاقتحام).

على المستوى الأممي

  •  مطالبة الأمانة العامة بإحالة واقعة كفر عقب، إلى جانب سابقة الشيخ جراح، إلى الجمعية العامة ضمن تقرير متابعة رسمي لتنفيذ الرأي الاستشاري الصادر في 22 أكتوبر 2025.
  •  تشكيل مجلس تحقيق أممي في واقعة كفر عقب على غرار مجلس تحقيق 2009، مع الإصرار هذه المرة على نشر تقريره كاملاً لا ملخصاً فقط، تفادياً لتكرار ما جرى في تحقيقي 2009 و2014 من إغلاق دون أثر عملي يتجاوز التوثيق.
  •  الدفع نحو آلية عملية لإنفاذ حصانة المقار الأممية تتجاوز البيانات الاستنكارية إلى خطوات ملموسة تتعلق بالتمثيل الدبلوماسي أو الوضع العضوي، مستفيدة من السابقة الإجرائية لتعليق مشاركة جنوب أفريقيا في أعمال الجمعية العامة عام 1974 دون الحاجة إلى موافقة مجلس الأمن، مع الأخذ بعين الاعتبار أن تلك السابقة بقيت رمزية ولم تُغيّر السياسة المستهدفة بحد ذاتها.

على المستوى الدولي

  •  بناء على البيان المشترك للدول الاثنتي عشرة الأعضاء في اللجنة الاستشارية للأونروا، ترجمة الإدانة السياسية إلى خطوات ملموسة: تعليق أي تعاون بلدي أو تجاري مع مشاريع تُقام على أراضٍ منتزعة من الأونروا، وضمان استمرار التمويل الدولي للوكالة دون ربطه بمسار التفاوض السياسي.

على المستوى الإعلامي والبحثي

  •  إعداد ملف مقارن موثق يجمع نماذج الاستيلاء المتكررة (الشيخ جراح، كفر عقب) لإبراز أنها تطبيق لسياسة موحدة قابلة للتكرار، مع تحديث الملف عند وقوع أي حادثة مماثلة.
  • متابعة مآل مشروع بلدية الاحتلال البديل في كفر عقب (المرحلة الأولى بتمويل 40 مليون شيكل) بوصفه مؤشراً عملياً على مدى رسوخ الاستيلاء وصعوبة عكسه لاحقاً.

© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية سبتمبر  2026 — جميع الحقوق محفوظة

شارك:

المزيد من المقالات