دراسة تحليلية | خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية
| الملخص التنفيذي تحوّلت العلاقة مع اعتداءات الاحتلال والمستوطنين في الضفة الغربية من منطق «المنع» إلى منطق «إدارة الحدث»، فيما يستفيد المشروع الاستيطاني من كلفة شبه صفرية. وحالياً أكثر من 60% من مساحة الضفة (مناطق ج) تخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة، و93.6% من ملفات التحقيق في عنف المستوطنين منذ 2005 أُغلقت دون لائحة اتهام (يش دين). سيطر الاستيطان الرعوي وحده على نحو 1.07 مليون دونم (18% من الضفة) بحلول 2026، أُضيف 300 ألف دونم منها خلال 2025 وحدها. الردع غير العسكري هو مجموعة أدوات ميدانية وقانونية واقتصادية ودبلوماسية تُحمّل ثلاثية الفاعل الاستيطاني (المستوطن، الجيش، الدولة) كلفة مباشرة لكل اعتداء. الأدوات القائمة (عقوبات فردية، مذكرات ICC، رأي محكمة العدل الدولية) بقيت رمزية لغياب آلية إلزام وربطها باستمرار العلاقات الرسمية مع الاحتلال. ويتطلب تفعيل الردع إرادة وطنية موحّدة، ونظام إنذار مبكر ميداني، وصندوق صمود مموَّل دولياً يتجاوز عجز الموازنة الفلسطينية الراهن. |
مقدمة
فجر 22 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أكمل سكان قرية ذنابة الرعوية جنوب الخليل تهجيرهم الكامل عن قريتهم بعد أسابيع من الترهيب الليلي المتكرر من مستوطني بؤرة مجاورة — كسر نوافذ، وإطلاق نار، وقطع مياه — دون أن تتدخل الشرطة رغم البلاغات المتكررة، وبقيت القرية خالية تسعة أشهر، إلى أن أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية في تموز/يوليو 2024 قراراً يسمح للأهالي بالعودة، إثر ضغط قانوني وإعلامي دولي مركّز على حالتهم تحديداً.
هذه الواقعة الفردية ، هي جوهر ما تناقشه هذه الورقة: الفارق بين قرية تُترك لمصيرها فتُهجَّر، وقرية يتحول تهجيرها إلى كلفة سياسية وقانونية على من نفّذه فتُستعاد.
وذنابة ليست استثناءً معزولاً في حجم الظاهرة؛ فقد وثّقت أوتشا 1,860 واقعة عنف استيطاني أدت إلى تهجير ما يزيد على 300 أسرة (1,762 فرداً، بينهم 856 طفلاً) بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وكانون الأول/ديسمبر 2024 وحدها — وهو أسوأ عام في سجل أوتشا للعنف الاستيطاني منذ عشرين عاماً.
لكنها من الحالات النادرة التي انعكس فيها الاتجاه، وهو ما يفتح السؤال المركزي لهذه الورقة: ما الذي يحوّل حالة إلى استثناء؟.
تتحدد أزمة الردع الفلسطيني في الضفة الغربية في تحوّل العلاقة مع اعتداءات الاحتلال والمستوطنين إلى نموذج «إدارة الحدث» بدلاً من «منعه».
يستفيد المشروع الاستيطاني من كلفة شبيهة بالصفر نتيجة الحماية الأمنية والتغطية السياسية والقضائية، في مقابل امتصاص المجتمع الفلسطيني للضربات واكتفائه ببيانات الإدانة ومحاولات الترميم الفردية بعد وقوع الضرر.
تعتمد هذه الورقة في تشخيصها على بيانات مؤسسات حقوقية إسرائيلية وفلسطينية ودولية (أوتشا، بتسيلم، يش دين، بيس ناو وكيريم نافوت، محكمة العدل الدولية، الجنايات الدولية) لبناء تصوّر عملي لما يمكن تسميته «الردع غير العسكري» (Non-Military Deterrence Capability): مجموعة إجراءات تراكمية ميدانية وقانونية واقتصادية وإعلامية تُجرّد الاستيطان من بيئته المنخفضة التكلفة، وتُحمّل المعتدي ومؤسساته الداعمة كلفة مباشرة تمسّ مصالحه السياسية والمالية.
من المهم التمييز منهجياً بين «الردع» بمعناه الكلاسيكي في أدبيات الاستراتيجيا (القدرة على منع فعل الخصم عبر التهديد بكلفة تفوق مكاسبه، وهو ما يفترض عادة توازناً في أدوات الإكراه) وبين ما تطرحه هذه الورقة: وهو أقرب إلى استراتيجية «رفع الكلفة» (Cost Imposition) لفاعل غير متكافئ في موازين القوة العسكرية، لكنه يملك أدوات تراكمية في مجالات القانون والاقتصاد والدبلوماسية والصمود الميداني.
هذا التمييز ضروري لأن نجاح الاستراتيجية المقترحة لا يُقاس بمنع الاعتداء الفردي، بل بارتفاع كلفته التراكمية على من يأمر به ويموّله ويحميه.
المحور الأول: مفهوم الردع غير العسكري وحدوده البنيوية
أولاً: التعريف الإجرائي
الردع غير العسكري، كما تستخدمه هذه الورقة، هو: مجموعة الإجراءات الميدانية والقانونية والاقتصادية والإعلامية التراكمية التي تُحمّل الاستيطان وعنف الاحتلال تبعات مباشرة تمسّ مصالح المعتدي السياسية والمالية والشخصية، دون الاعتماد على أدوات المواجهة العسكرية التقليدية.
ويقوم هذا المفهوم على ركيزتين: نقل الفعل الفلسطيني من «الاستجابة بعد وقوع الضرر» إلى «رفع الكلفة المتوقعة قبل وقوعه»، وتفكيك الفاعل الاستيطاني إلى مكوناته (المستوطن، الجيش، الدولة) بدل التعامل معه ككتلة واحدة.
ثانياً: لماذا انهار الردع الفلسطيني القائم
لم ينهر الردع الفلسطيني نتيجة عامل واحد، بل هو محصلة تآكل مركّب في أربعة مستويات:
1. الانقسام المؤسسي وغياب استراتيجية موحدة
غياب رؤية وطنية جامعة للردع أدى إلى تشتت الجهد بين السلطة والفصائل والمبادرات الأهلية، بينما ظلت لجان الحراسة والمقاومة الشعبية مبادرات موسمية دون مظلة إسناد مالي ولوجستي وقانوني منتظمة.
2. التكبيل الهيكلي لاتفاقيتَي أوسلو وباريس
أخرج التقسيم الإداري والأمني للضفة الغربية إلى مناطق (أ، ب، ج) ما يزيد على 60% من مساحتها— وهي الساحة الأساسية للتمدد الاستيطاني وعنف المستوطنين — من نطاق قدرة الأجهزة الأمنية الفلسطينية على التدخل أو إنفاذ القانون.
وبالتوازي، تُبقي قيود بروتوكول باريس الاقتصادي (1994) السوق الفلسطيني معتمداً بالكامل على الاقتصاد الإسرائيلي، بما يُضعف أدوات الضغط الاقتصادي المحلي.
3. الحصانة القضائية الفعلية للمستوطنين
أظهرت بيانات منظمة «يش دين» الإسرائيلية الحقوقية أن 93.6% من ملفات التحقيق في اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين بالضفة الغربية، من أصل نحو 1,701 ملفاً رُصدت منذ عام 2005 وحتى نهاية 2025، أُغلقت دون توجيه لائحة اتهام، وأن 3% فقط من مجمل الملفات انتهت بإدانة كاملة أو جزئية؛ وهو ما يجعل احتمال إفلات مرتكب اعتداء واحد من العقاب أعلى من 30 ضعفاً لاحتمال إدانته.
هذا النمط سابق للحكومة الحالية ومستمر منذ عقدين، وهو ما يرجّح كونه سياسة بنيوية لا إخفاقاً عرضياً.
4. بطء أدوات العدالة الدولية وازدواجية المعايير
رغم صدور رأي استشاري تاريخي عن محكمة العدل الدولية في تموز/يوليو 2024 يقضي بعدم شرعية الاستمرار في الاحتلال، ومطالبة الحكومة الإسرائيلية بوقف كل نشاط استيطاني جديد وإخلاء المستوطنين وتقديم تعويضات، إلا أن الرأي بقي بلا آلية إلزام مباشرة، فيما استمرت اتفاقيات الشراكة الاقتصادية والعسكرية بين الكيان الإسرائيلي والقوى الكبرى دون ربطها بوقف الانتهاكات الميدانية.
المحور الثاني: تحولات العنف الاستيطاني وأهدافه
تحوّل عنف المستوطنين خلال السنوات الأخيرة من «اعتداءات هامشية» تخوضها مجموعات متطرفة إلى أداة سياساتية ممأسسة تُنفَّذ بتنسيق ضمني أو صريح مع أجهزة دولة الاحتلال، وتخدم هدفاً استراتيجياً محدداً: حسم الصراع الديمغرافي والجغرافي ميدانياً قبل أي تسوية سياسية.
الاستيطان الرعوي: الأداة الأسرع والأقل كلفة للسيطرة على الأرض
يمثّل «الاستيطان الرعوي» التحول الأخطر في تكتيك السيطرة على الأرض: إذ يتيح لعدد محدود من المستوطنين (أحياناً أقل من عشرة أفراد لكل بؤرة) فرض سيطرة فعلية على مساحات شاسعة عبر حرمان الرعاة والمزارعين الفلسطينيين من الوصول إليها، دون الحاجة إلى أوامر عسكرية رسمية أو بنية تحتية مكلفة.
وبحسب تقرير مشترك لمنظمتي «بيس ناو» و«كيريم نافوت» الإسرائيليتين، ارتفع عدد هذه البؤر الرعوية من صفر عام 2021 إلى 133 بؤرة بحلول 2025 ، وباتت تسيطر فعلياً على أكثر من 1.07 مليون دونم — أي نحو 18% من إجمالي مساحة الضفة الغربية — أُضيف منها نحو 300 ألف دونم خلال عام 2025 وحده.
وحدها بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وكانون الأول/ديسمبر 2024، أُنشئت 49 بؤرة رعوية جديدة، أي ما يقارب نصف إجمالي البؤر القائمة، بحسب تحليل صور الأقمار الاصطناعية الذي أجرته شبكة CNN بالتعاون مع الجهتين نفسيهما.
وقد وصف زئيف هيفر، الأمين العام لحركة «أمانا» الاستيطانية، هذا التكتيك بأنه حقق خلال سنوات قليلة ضعف ما استغرقته المستوطنات التقليدية خمسة عقود لتحقيقه من سيطرة على الأرض.
التهجير القسري الصامت
وثّقت أوتشا نزوح 1,757 فلسطينياً من منازلهم في الضفة الغربية بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وتشرين الثاني/نوفمبر 2024 وحدها، جزء منهم بفعل هدم قوات الاحتلال وجزء آخر تحت ضغط العنف الاستيطاني المباشر، فيما تشير تقارير حقوقية إلى تهجير نحو 25 تجمعاً بدوياً في شرق الضفة منذ 2023 تحت وطأة حملات الاستيطان الرعوي.
وسُجّل خلال الحرب على غزة (منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023) مقتل ما يزيد على 969 فلسطينياً وإصابة أكثر من 7,000 آخرين في هجمات الجيش والمستوطنين بالضفة الغربية.
هذا النمط من العنف لا يخدم فقط التمدد الجغرافي؛ بل يضرب مباشرة الاقتصاد الموازي القائم على الزراعة وتربية المواشي، وهو مصدر الدخل الأساسي لآلاف الأسر في مناطق التماس، عبر إتلاف المحاصيل وسرقة المواشي والمعدات وتعطيل الآبار — بما يمنع أي نمو اقتصادي مستقل خارج مناطق التبعية.
المحور الثالث: من هو الفاعل الذي يجب ردعه؟
لإعادة بناء معادلة الردع بفعالية، يجب تفكيك الثنائية التضليلية التي تصوّر «المستوطنين» كعناصر خارجة عن القانون و«الجيش» كجهة محايدة لحفظ النظام، ويعمل هذا الثلاثي — المستوطنون، الجيش، المؤسسة الحاكمة — كأجزاء متكاملة ضمن عقد استيطاني مؤسسي يوزّع الأدوار لتحقيق هدف واحد: السيطرة على الأرض بأقل كلفة سياسية.
| الفاعل | الدور الميداني | الوظيفة الاستراتيجية | الثغرة الردعية القابلة للاستهداف |
| ميليشيات المستوطنين | تنفيذ العنف المباشر: حرق، ترهيب، إقامة بؤر عشوائية | امتصاص المسؤولية السياسية عن الدولة عبر ادعاء «الفردية» | عقوبات مالية فردية، تجميد أصول، سحب جنسيات مزدوجة، توثيق يحرمهم عنصر المفاجأة |
| جيش الاحتلال والأجهزة الأمنية | تأمين الهجمات، إغلاق المناطق «عسكرياً»، غطاء استخباري | تحويل العنف الاستيطاني إلى قوة تنفيذية محمية رسمياً | توثيق تواطؤ الجنود، ملاحقة قادة عسكريين بمبدأ «المسؤولية القيادية» |
| الدولة والمؤسسات الحاكمة | شرعنة البؤر، بنية تحتية، تمويل عبر وزارات ومؤسسات استيطانية | تحويل نتائج الاعتداءات الميدانية إلى واقع قانوني دائم | عقوبات مؤسسية، ملاحقة صناديق التمويل الدولية، كلفة العزلة الدبلوماسية |
غير أن الأدوات الموجّهة لكل مستوى ظلت حتى الآن جزئية ورمزية القوة، وفرضت الولايات المتحدة (بموجب الأمر التنفيذي 14115 الصادر في شباط/فبراير 2024) عقوبات على ثمانية أفراد وأربعة كيانات فقط، قبل أن يُلغي الرئيس ترامب هذا الأمر بالكامل في كانون الثاني/يناير 2025 ؛ بينما وسّع الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة قوائم عقوباتهما تدريجياً — لتشمل بحلول أيار/مايو 2026 شخصيات وكيانات بارزة كحركة «ناحلاه» ومديرتها دانييلا فايس، وجمعية «أمانا» الاستيطانية، ومنظمة «ريغافيم» — دون أن تمتد هذه العقوبات إلى الوزارات الرسمية الإسرائيلية الداعمة للاستيطان (وزارة الاستيطان، وزارة الأمن القومي) التي تبقى خارج أي إطار عقابي دولي.
المحور الرابع: عجز الحماية الرسمية وقوة الصمود الشعبي
أبعاد أزمة القدرة لدى السلطة الفلسطينية
يشكّل عجز السلطة الفلسطينية عن الحماية الميدانية والمواجهة القانونية أحد أعمق أبعاد أزمة الردع، ولا يعود هذا العجز إلى غياب الإرادة وحده، بل إلى قيود بنيوية موثقة يجب الإقرار بها قبل اقتراح أي حل:
- الشلل الجغرافي: تقيّد اتفاقيات أوسلو انتشار الأجهزة الأمنية الفلسطينية في مناطق (ج) — أي أكثر من 60% من مساحة الضفة والساحة الأساسية للاعتداءات اليومي
- أزمة مالية خانقة تسبق أي نقاش حول إعادة توزيع الموازنات: تحتجز السلطات الاسرائيلية عائدات المقاصة منذ أيار/مايو 2025 دون انقطاع؛ وبحسب وزير المالية الفلسطيني، بلغت الأموال المجمَّدة نحو 4.4 مليار دولار حتى مطلع 2026، أي ما يقارب 70% من إجمالي عائدات السلطة، وهو ما يجعل شعار «إعادة توزيع الموازنات نحو مناطق ج» غير قابل للتنفيذ دون تمويل خارجي موازٍ يعالج هذا العجز، لا بديلاً عنه.
- ضعف تفعيل الملفات الدولية رغم انضمام فلسطين لمحكمة الجنايات الدولية منذ 2015، بفعل حسابات سياسية مرتبطة بمخاوف من إجراءات عقابية أمريكية مضادة (كالتلويح بقوانين تستهدف موظفي المحكمة والدول المتعاونة معها)، لا بفعل «تردد» مجرد كما يوصف عادة.
الصمود كأداة ردع فعلية لا شعار
في المقابل، يظل البقاء البشري والاقتصادي على الأرض العامل الوحيد القادر على إبطال جدوى الاستيطان الرعوي فوراً وبلا انتظار لأي تدخل خارجي.
فكل عائلة تصمد في مسافر يطا أو الأغوار أو قرى جنوب الخليل تفرض على الاحتلال كلفة سياسية وإعلامية متصاعدة لإخلائها.
ويقوم هذا الصمود على أربعة مسارات متكاملة:
الصمود الديمغرافي والعمراني: التثبيت السكاني والبناء المضاد (آبار، أشجار مثمرة، منشآت زراعية خفيفة) في الأراضي المهدَّدة.
الصمود الاقتصادي المؤسسي: الانتقال من التعويض الفردي المتأخر إلى شبكة تعويض فوري (خلال 24–48 ساعة) وتعاونيات تسويق مباشرة تحفظ دخل الأسر المهدَّدة.
الصمود الميداني المنظَّم: لجان حراسة وإنذار مبكر، وتكتيك «الحضور الوقائي» في مواسم الحصاد وأوقات الخطر.
الصمود الحقوقي التوثيقي: تحويل كل واقعة تهجير إلى ملف رأي عام وقضية قانونية موثقة بالصوت والصورة.
المحور الخامس: أدوات الردع — الاقتصادي، القانوني، والدبلوماسي
الردع الاقتصادي: بين التبعية والانفكاك التدريجي
يستخدم الاحتلال الاقتصاد أداة عقاب جماعي عبر اقتطاع عائدات المقاصة وسحب تصاريح العمل ومصادرة الأراضي الزراعية.
المسار الواقعي للردع الاقتصادي الفلسطيني ليس «المقاطعة الشاملة» غير الممكنة في ظل التبعية المطلقة المفروضة ببروتوكول باريس، بل مساران متوازيان: تحويل مقاطعة منتجات المستوطنات من ممارسة شعبية متقطعة إلى سياسة رسمية بآلية رقابة وتتبع؛ وبناء شبكات تكافل زراعي محلي ممولة جزئياً من مانحين دوليين (لا من موازنة السلطة المُحاصَرة) لتعويض المزارعين المتضررين.
مرجع مقارن مفيد هنا هو حملة مقاطعة جنوب أفريقيا في عهد الفصل العنصري (1960–1994): لم تكن العقوبات الحكومية وحدها من فرض الكلفة، بل حملة سحب استثمارات لامركزية قادها ناشطون ومساهمون وجامعات ومدن، أجبرت بحلول أواخر الثمانينيات معظم الشركات الكبرى على الانسحاب من السوق تحت ضغط المخاطر السمعية والمالية.
لكن يبقى أن الفارق البنيوي عن الحالة الفلسطينية جوهري ولا يجوز تجاهله: جنوب أفريقيا كانت اقتصاداً مندمجاً بالسوق العالمية يملك شركاء تجاريين متعددين يمكن الضغط عليهم، بينما يعمل الاقتصاد الفلسطيني ضمن تبعية شبه كاملة لسوق واحد (الاحتلال نفسه) بموجب بروتوكول باريس — وهو ما يحد من فعالية أي مقاطعة أحادية الاتجاه ويجعل العبء الأكبر واقعاً على حملات التضامن الدولية القادرة على استهداف شركاء الاستيطان خارج فلسطين، لا على المستهلك الفلسطيني وحده.
الردع القانوني: من النص إلى الملاحقة
أصدرت محكمة الجنايات الدولية في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 مذكرتَي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير جيشه الأسبق بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وأفادت تقارير في أيار/مايو 2026 بأن المحكمة قد تدرس توسيع لائحة المطلوبين لتشمل مسؤولين إضافيين مرتبطين بملفَي غزة والعنف الاستيطاني، وإن نفت المحكمة رسمياً صدور أي مذكرات جديدة حتى تلك اللحظة.
هذه الخطوة، رغم أهميتها الرمزية، تصطدم بعقبة تنفيذية جوهرية: افتقار المحكمة لقوة شرطية خاصة بها، واعتمادها الكامل على تعاون الدول الأعضاء في التوقيف — وهو ما يجعل الأثر الردعي الفعلي مرهوناً بحملة دبلوماسية فلسطينية مستمرة لحشد هذا التعاون، لا بصدور المذكرة وحدها.
أما مبدأ «الولاية القضائية العالمية»، فيبقى الأداة الأكثر واقعية على المدى القريب: ملاحقة المستوطنين ومسؤولي الاحتلال حاملي جنسيات مزدوجة أمام محاكم وطنية في دول تتيح قوانينها ذلك، بالتوازي مع ملفات التوثيق الميداني التي توفرها لجان الحماية الشعبية.
الردع الدبلوماسي: من الإدانة إلى العقوبات المؤسسية
أثبتت العقود الماضية أن الإجماع القانوني الدولي على عدم شرعية الاستيطان — من قرار مجلس الأمن 2334 (2016) إلى رأي محكمة العدل الدولية الاستشاري في تموز/يوليو 2024 الذي طالب “إسرائيل” بإنهاء وجودها غير القانوني «في أسرع وقت ممكن» ووقف كل بناء استيطاني جديد وتقديم تعويضات — لم يُترجَم إلى أدوات ردع ملموسة، فحتى العقوبات الأوروبية والبريطانية، رغم توسعها التدريجي منذ شباط/فبراير 2024 لتطال عشرات الأفراد والكيانات، ظلت مقتصرة على أفراد وجمعيات هامشية نسبياً، فيما استمرت اتفاقيات الشراكة الاقتصادية والتكنولوجية بين الكيان الإسرائيلي والاتحاد الأوروبي دون ربطها بوقف الانتهاكات — وهو ما يبقي الكلفة السياسية للتوسع الاستيطاني على العلاقات الدولية شبه صفرية.
الأداة الأكثر واقعية لفلسطين هنا ليست انتظار عقوبات تفرضها دول أخرى، بل حملة دبلوماسية مستمرة ومُمنهجة تربط كل تطور في العلاقات الثنائية (الشراكات التجارية، صفقات السلاح، برامج التعاون الأمني) بمدى التزام الطرف الآخر بتفعيل ما تعهد به فعلاً — رأي محكمة العدل الدولية، وقرار 2334 — بدل الاكتفاء بمطالبته بمواقف جديدة.
المحور السادس: نظام الإنذار المبكر وخريطة تنفيذ الاستراتيجية
نظام الإنذار المبكر والحماية المجتمعية (EWCPS)
يمثّل هذا النظام الجسر العملي الذي يربط المفهوم النظري للردع بالتطبيق الميداني المباشر، عبر سلب المستوطنين أهم سلاح ميداني يملكونه: عنصر المفاجأة.
يقوم على أربعة مكونات:
بنية تقنية: تطبيق إنذار هاتفي بتحديد الموقع الجغرافي، وشبكة كاميرات مراقبة تعمل بالطاقة الشمسية على مداخل القرى المتاخمة للبؤر الاستيطانية.
لجان حراسة مجتمعية مؤسسية: فرق تطوعية مدرَّبة بنوبات منتظمة، مزوَّدة بوسائل اتصال ومعدات إطفاء أولية وإسعافات أساسية.
شبكة إسناد بين القرى المتجاورة تُفعَّل تلقائياً عند صدور إنذار عالي الخطورة.
توثيق رقمي فوري يُخزَّن على خوادم سحابية آمنة ويُبث مباشرة لمؤسسات حقوقية ودبلوماسية لمنع مصادرته أو التشكيك فيه.
يُقاس نجاح هذا النظام عبر ثلاثة مؤشرات قابلة للقياس: زمن الاستجابة من الإنذار إلى وصول الإسناد (الهدف: أقل من 10 دقائق)، ونسبة تغطية القرى المهدَّدة بشبكات إنذار فعلية، ومعدل إفشال الهجمات أو الحد من أضرارها قبل بلوغ المعتدين هدفهم.
الخلاصة والتوصيات
لا يزال الردع الفلسطيني ممكناً من حيث المبدأ، لكنه غائب بفعل غياب التنسيق الوطني والتمويل المستدام، لا بفعل استحالة موضوعية.
وخلاصة الأمر أن نجاح الاستراتيجية لا يُقاس بغياب رد الفعل الإسرائيلي أو الدولي — فهو مضمون الحدوث بدرجة أو أخرى — بل بكون كلفة الاستمرار في الوضع الراهن على الاحتلال أعلى من كلفة رد الفعل على الجانب الفلسطيني.
وهذا يتطلب تدرجاً متعمداً في التنفيذ يبدأ بالأدوات الأقل (الإنذار، التوثيق) قبل الانتقال إلى الأكثر مواجهة (الملاحقة القضائية، الشرطية الدبلوماسية).
التوصيات
ويتطلب نقل الاستيطان من «مشروع عالي الربحية خالي الكلفة» إلى «مشروع يستنزف الاحتلال سياسياً وقانونياً ومالياً»:
- عاجلاً: توحيد الإشراف على لجان الحراسة الشعبية تحت مظلة وطنية واحدة، وإطلاق نظام الإنذار المبكر في القرى الأكثر عرضة، بتمويل دولي مباشر لا يمر عبر الموازنة العامة المحاصَرة.
- متوسط المدى: تأسيس صندوق تعويض فوري للمزارعين والرعاة المتضررين بشراكة مانحين، وتفعيل فريق قانوني متخصص لملفات الولاية القضائية العالمية استناداً إلى التوثيق الميداني.
- بعيد المدى: حملة دبلوماسية دائمة تربط استمرار الشراكات الدولية مع الكيان الإسرائيلي بتنفيذها الفعلي لرأي محكمة العدل الدولية وقرار مجلس الأمن 2334، بدل الاكتفاء بمطالبتها بمواقف جديدة.
- بنيوياً: الإقرار العلني بأن أي استراتيجية ردع تصطدم بعجز مالي موثَّق يفوق 4 مليارات دولار من عائدات محتجزة، وأن نجاحها مرهون بتمويل موازٍ لا بإعادة توزيع موازنة غير موجودة أصلاً.
© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية سبتمبر 2026 — جميع الحقوق محفوظة



