أ. خالد أبو عامر |دراسة اقتصادية- خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية
| ملخص تنفيذي تشهد السلطة الفلسطينية أخطر أزماتها المالية منذ تأسيسها عام 1994، إذ تحولت من عجز جارٍ إلى إفلاس هيكلي غير معلن، نتيجة سياسة إسرائيلية ممنهجة لقرصنة إيرادات المقاصة، ترافقت مع استنفاد كامل لسقف الاقتراض المحلي الآمن. تجاوزت الالتزامات المالية المباشرة وشبه المباشرة للسلطة 45 مليار شيكل (نحو 70–75% من الناتج المحلي الإجمالي) ، وهي نسبة تفوق كثيرا السقف الآمن الذي تحدده أطر استدامة الدين الدولية للاقتصادات الصغيرة (40–60%)، بينما تتجه قطاعات الصحة والتعليم والخدمات البلدية نحو الشلل الكامل. تحلل هذه الورقة آليات تحول أموال المقاصة من إيراد سيادي مكفول باتفاق دولي إلى أداة ضغط سياسي متصاعدة الحدة، وتُثبت كميا الرابط السببي بين موجات التجميد وتضخم الدين المحلي، دون إغفال حصة الإدارة المالية الفلسطينية الداخلية في تعميق الهشاشة. وتخلص إلى مجموعة توصيات تشغيلية للتعامل مع هذا التهديد الوجودي للكيانية المالية للسلطة الفلسطينية. |
مقدمة
حذّر رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى من أن استمرار الاحتلال في احتجاز أموال المقاصة يهدد قدرة الحكومة على الاستمرار في تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
وقد برزت مؤشرات حقيقية على انهيار وشيك في قطاع التعليم عقب تحذيرات “اتحاد المعلمين” من احتمال تأجيل العام الدراسي، تزامنا مع إضرابات شهدها القطاع الصحي، وتوقف عشرات المشاريع الخدمية في البلديات؛ وهو ما يعكس دخول السلطة الفلسطينية أزمتها المالية الأشد خطورة في تاريخها الممتد لأكثر من ثلاثة عقود.
لا تكتفي هذه الورقة بتوثيق مظاهر الأزمة، بل تسعى إلى الإجابة عن سؤالين مترابطين: كيف تحولت المقاصة من إيراد تعاقدي إلى سلاح سياسي؟ وإلى أي مدى يفسر هذا التحول وحده انفجار الدين العام الفلسطيني، مقابل عوامل داخلية في إدارة المالية العامة؟ وتنتهي الورقة إلى أن الجواب مركّب: الاحتلال هو المحرك الأول للأزمة عبر قرصنة الإيراد السيادي الرئيس، لكن نمط الاستجابة المالية الفلسطينية (التوسع في الاقتراض الاستهلاكي بدل التكيف الهيكلي المبكر) ضاعف من هشاشة النظام المالي أمام هذا الضغط، وهو ما تفصّله الورقة في قسمها الرابع.
أولا: إيرادات المقاصة
1. التعريف والأهمية
تُعرَّف إيرادات المقاصة بأنها الضرائب والرسوم الجمركية التي تجبيها السلطات الإسرائيلية نيابة عن السلطة الفلسطينية بموجب “بروتوكول باريس الاقتصادي” (1994)، وتتكون من:
- ضرائب غير مباشرة على المستوردات عبر “إسرائيل”: ضريبة القيمة المضافة وضريبة الشراء (خاصة على المحروقات والسجائر).
- ضرائب غير مباشرة على التجارة الخارجية: الجمارك وضريبة القيمة المضافة المحصّلة عبر المعابر الحدودية.
- ضرائب مباشرة: ضريبة الدخل المقتطعة من أجور العمال الفلسطينيين داخل أراضي 1948 والمستوطنات، تحصّل السلطات الإسرائيلية عمولة جباية نسبتها 3% من إجمالي المبلغ قبل تحويله.
تشكل المقاصة المصدر الرئيس للتدفقات النقدية للسلطة الفلسطينية (60–70% من إجمالي الإيرادات العامة)، بمتوسط شهري كان يقارب 220 مليون دولار قبل الحرب الحالية على غزة.
وبذلك فإن التحكم الإسرائيلي الأحادي بآلية تحويل هذه الأموال يمنح سلطات الاحتلال “فيتو” ماليا يمكّنها من خنق الاقتصاد الفلسطيني بقرار إداري منفرد، دون حاجة لإجراء عسكري أو دبلوماسي مباشر.
2. الاعتداءات الإسرائيلية على أموال المقاصة: قراءة في المحطات التاريخية (1996–2026)
| فترة التجميد | السياق السياسي / الأمني | المدة |
| أغسطس–سبتمبر 1997 | توتر أمني | شهر واحد |
| ديسمبر 2000–ديسمبر 2002 | اندلاع انتفاضة الأقصى | 24 شهرا |
| مارس 2006–ديسمبر 2007 | فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية | 18 شهرا |
| نوفمبر 2011 | مساعي السلطة لنيل صفة مراقب في الأمم المتحدة | شهر واحد |
| ديسمبر 2013 | نجاح مساعي السلطة في الحصول على صفة مراقب | شهر واحد |
| ديسمبر 2014–أبريل 2015 | مساعي السلطة للانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية | 5 أشهر |
| فبراير–ديسمبر 2019 | استمرار السلطة بدفع رواتب أسر الشهداء والجرحى والأسرى | 11 شهرا |
| مايو–نوفمبر 2020 | رفض القيادة الفلسطينية “صفقة القرن” | 6 أشهر |
| نوفمبر 2021–سبتمبر 2023 | رفض السلطة استلام الأموال بسبب تراكم الاقتطاعات | 22 شهرا |
| أكتوبر 2023 – (مستمر حتى أغسطس 2026) | اقتطاع حصة غزة والتصعيد العسكري في القطاع | 34 شهرا فأكثر |
المصدر: تجميع الباحث استنادا إلى بيانات وزارة المالية الفلسطينية، ومركزي الزيتونة ومدار للدراسات.
تكشف القراءة التحليلية لهذه المحطات أن “الكيان الإسرائيلي” لم يتعامل مع إيرادات المقاصة بوصفها حقا ماليا سياديا تكفله معاهدة اقتصادية موقعة (بروتوكول باريس)، بل حوّلتها تدريجيا إلى أداة ابتزاز سياسي ووسيلة ضغط هيكلية لإخضاع القرار الوطني الفلسطيني، ويمكن تصنيف دوافع الاستخدام السياسي للمقاصة عبر أربع موجات متعاقبة:
موجة الأمن الميداني (1997، 2000–2002): ردّ فعل تكتيكي على التصعيد الأمني.
• موجة التقاضي الدولي (2011، 2013–2015): عقاب على التحرك في المؤسسات الدولية (الأمم المتحدة، الجنايات الدولية).
• موجة الرفض السياسي (2020): معارضة “صفقة القرن” ومخططات ضم الضفة الغربية.
• موجة التفكيك البنيوي (2019، 2021–2026): استهداف دائم لمخصصات الأسرى والشهداء، وفصل تمويل قطاع غزة عن الضفة الغربية.
والفارق الجوهري بين الموجتين الأولى والثانية من جهة، والموجة الرابعة من جهة أخرى، هو الانتقال من “عقاب مؤقت قابل للعكس” إلى “اقتطاع بنيوي دائم مُقنَّن بتشريع”، وهو ما تفصّله الفقرة التالية.
3. تطور المقاصة تاريخيا (1996–2026)
| السنة | إيرادات المقاصة (مليون دولار) | % من الإيرادات المحلية | % من النفقات العامة |
| 1996 | 351 | 54% | 32% |
| 1997 | 475 | 59% | 42% |
| 1998 | 543 | 62% | 50% |
| 1999 | 579 | 61% | 49% |
| 2000 | 587 | 62% | 35% |
| 2001 | 0 | 0% | 0% |
| 2002 | 72 | 24% | 5.8% |
| 2003 | 472 | 61% | 28% |
| 2004 | 713 | 67% | 46% |
| 2005 | 894 | 65% | 39% |
| 2006 | 344 | 47% | 20% |
| 2007 | 1318 | 80% | 45% |
| 2008 | 1137 | 60% | 32% |
| 2009 | 1090 | 65% | 32% |
| 2010 | 1234 | 64% | 38% |
| 2011 | 1487 | 67% | 45% |
| 2012 | 1574 | 68% | 48% |
| 2013 | 1690 | 66% | 49% |
| 2014 | 2054 | 70% | 57% |
| 2015 | 2046 | 69% | 59% |
| 2016 | 2332 | 63% | 63% |
| 2017 | 2483 | 67% | 65% |
| 2018 | 2255 | 62% | 61% |
| 2019 | 2219 | 64% | 60% |
| 2020 | 1003 | 65% | 49% |
| 2021 | 1900 | 66% | 55% |
| 2022 | 2600 | 68% | 69% |
المصدر: أزمة إيرادات المقاصة للسلطة الفلسطينية في سياقها السياسي وتداعياتها الاقتصادية، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.
ملاحظة منهجية: يستثني هذا الجدول الفترة (2023–2026) عمدا لأن التدفق النقدي المنتظم للمقاصة توقف عمليا خلالها وتحوّل إلى رصيد متراكم من الأموال المحتجزة لا إلى تدفق سنوي قابل للمقارنة بالسلسلة الزمنية السابقة؛ تُعرض بيانات هذه الفترة تفصيليا في القسم (4) أدناه لتفادي الخلط بين متغيّرَي التدفق (Flow) والرصيد المتراكم (Stock).
تُظهر بيانات الجدول أعلاه أن إيرادات المقاصة مرّت بثلاثة تحولات رئيسية صاغت واقع الأزمة الراهنة:
النمو المتصاعد وتعميق التبعية: ارتفعت إيرادات المقاصة من 351 مليون دولار عام 1996 إلى ذروتها البالغة 2.6 مليار دولار عام 2022، أي بزيادة تجاوزت سبعة أضعاف خلال أقل من ثلاثة عقود، ويعكس هذا الارتفاع تعمّق الاعتماد الهيكلي للاقتصاد الفلسطيني على الأسواق والجمارك الإسرائيلية بموجب بروتوكول باريس، بحيث باتت نسبة المقاصة من النفقات العامة تقترب من الثلثين في السنوات الأخيرة قبل الحرب، ما جعل الخزينة العامة مكشوفة كليا أمام أي هزة سياسية مع تل أبيب.
هندسة الاقتصاد المالي للانقسام (2007): سجّل العام 2007 تحولا فارقا؛ إذ قفزت أموال المقاصة الموردة للسلطة بمليار دولار دفعة واحدة (من 344 مليون دولار عام 2006 إلى 1.3 مليار دولار عام 2007)، في إطار سعي الاحتلال لدعم السلطة في الضفة الغربية ماليا مقابل فرض حصار مشدد على قطاع غزة، بما كرّس الانفصال السياسي والجغرافي وحوّل أموال المقاصة إلى أداة للهندسة الجيوسياسية للانقسام الفلسطيني.
مرحلة التفكيك الخانق (2023–2026): الأخطر في تاريخ السلطة المالي؛ إذ انتقل الاحتلال من استخدام المقاصة “أداة ضغط مؤقتة” إلى “سلاح اقتطاع وتجميد دائم وممنهج”، عبر مصادرة حصة قطاع غزة كليا واقتطاع مخصصات الأسرى والشهداء، وهو ما تفصله الفقرة التالية.
4. أزمة المقاصة 2023–2026
منذ اندلاع الحرب على غزة عقب السابع من أكتوبر 2023، اتخذت حكومة الاحتلال قرارا باقتطاع ما يوازي حصة قطاع غزة من أموال المقاصة، وقد شهدت قيمة هذا الاقتطاع تدرجا موثقا عبر مراحل متعددة:
- في الربع الأخير من 2023، قُدّر الاقتطاع المرتبط بحصة غزة بنحو 956 مليون شيكل (295 مليون دولار) إجمالا لتلك الفترة.
- في يناير 2024 وافق “الكابينت” الإسرائيلي على تحويل المقاصة بعد اقتطاع حصة غزة، والمقدّرة حينها بنحو 73.3 مليون دولار شهريا (46 مليون دولار أجور موظفين، و27 مليون دولار تكلفة كهرباء).
- بحلول 2025 توسع الاقتطاع الشهري الإجمالي (حصة غزة + مخصصات الأسرى والشهداء + فواتير الكهرباء والمياه) ليصل إلى نحو 500–600 مليون شيكل شهريا وفق تقديرات وزارة المالية الفلسطينية، مقابل نحو 200 مليون شيكل شهريا قبل أكتوبر 2023 حسب بيانات البنك الدولي.
- ومنذ مايو 2025 عُلّق تحويل كامل أموال المقاصة عدة أشهر متتالية، في أشد حلقات الأزمة منذ تأسيس السلطة.
تنبيه إحصائي: التضارب بين المصادر الفلسطينية الرسمية (100–200 مليون شيكل) والتقديرات الصحفية (270–600 مليون شيكل) بشأن حجم الاقتطاع الشهري قبل قرار حجب حصة غزة يعكس غياب آلية تدقيق مستقلة وشفافة لبنود الخصم الإسرائيلية، وهو بحد ذاته أحد أعراض الأزمة لا مجرد خلل في التوثيق؛ استخدمت الورقة أعلى تقدير موثق لكل فترة مع الإشارة إلى مصدره تحديدا.
شكّل قرار السلطة الفلسطينية عدم استلام الأموال منقوصة الحصة الخاصة بغزة تصعيدا مضادا زاد من تعقيد الأزمة المتراكمة، إذ حرم الخزينة العامة من مواردها الأساسية بالكامل لفترات ممتدة، في مقابل موقف سياسي يرفض الإسرائيلي عبره تمرير أي جزء من التمويل يفيد إدارة قطاع غزة.
5. الاقتطاعات الإسرائيلية خارج إطار المقاصة المباشر
أ. خصومات الأسرى والشهداء والمحررين
| السنة | مخصصات الأسرى | مخصصات الشهداء | الإجمالي (مليون شيكل) |
| 2018 | 502 | 148 | 650 |
| 2019 | 460 | 148 | 608 |
| 2020 | 448 | 148 | 596 |
| 2021 | 461 | 148 | 609 |
| 2022 | 176 | 144 | 320 |
| 2023 | 480 | 150 | 630 |
| 2024 | 388 | 82 | 470 |
| 2025 | 387 | 81 | 468 |
المصدر: التشريعات الإسرائيلية والاقتطاعات من المقاصة خلال 2018–2025، مركز مدار للدراسات الإسرائيلية. (صُحح إجمالي 2022 ليطابق مجموع عمودَي الأسرى والشهداء بعد رصد تعارض في الرقم المنشور).
السياق التشريعي الأمريكي: أدى مقتل الجندي الأمريكي تايلور فورس عام 2016 على يد منفذ عملية طعن في تل أبيب، إلى إقرار الكونغرس “قانون تايلور فورس” (Taylor Force Act) في مارس 2018، والذي يشترط لاستئناف المساعدات الاقتصادية الأمريكية المباشرة للسلطة الفلسطينية إنهاءها دفع رواتب “للأسرى المدانين بالإرهاب” وعائلات “الشهداء”، وإلغاء التشريعات الناظمة لذلك، واستثنى القانون برامج المياه والتطعيم ومستشفيات القدس الشرقية من التعليق.
التشريع والآلية الإسرائيلية: شرّع الكنيست “قانون تجميد أموال السلطة” في تموز 2018 على المنوال ذاته، بحيث يُحسب مجمل مخصصات الأسرى والشهداء سنويا ليُقتطع 1/12 منها شهريا من أموال المقاصة تلقائيا قبل تحويلها، وأنشأت وزارة الدفاع الإسرائيلية “المكتب الوطني لمكافحة الإرهاب المالي” عام 2018 للإشراف على هذه العملية.
مناقشة الحجة الإسرائيلية-الأمريكية ونقاط ضعفها
الإنصاف المنهجي يقتضي عرض الحجة المقابلة قبل تفنيدها: تستند السلطات الإسرائيلية وواشنطن إلى مبرر أن مدفوعات السلطة لعائلات الأسرى والقتلى الفلسطينيين تشكل “حافزا” على العنف (“pay-for-slay”)، وأن وقفها شرط لاستئناف الدعم الأمريكي.
غير أن هذه الحجة تنطوي على ثلاث ثغرات جوهرية تُضعف مشروعيتها القانونية كأساس للاقتطاع من طرف واحد:
- الاقتطاع الإسرائيلي (خلافا للقانون الأمريكي الذي يعلّق مساعدات أمريكية مباشرة) يستقطع من أموال فلسطينية سيادية أصلا، وليس من مساعدات إسرائيلية أو أمريكية، وهو ما يخالف نص بروتوكول باريس الذي لا يمنح الجانب الإسرائيلي صلاحية الخصم الأحادي من عائدات ضريبية فلسطينية بحتة.
- القانون الإسرائيلي يُطبَّق بأثر شامل يطال مخصصات اجتماعية لعائلات (بينها قاصرون ونساء) دون تمييز قضائي فردي بين حالة وأخرى، بما يثير إشكالية العقاب الجماعي بدل الاستهداف الفردي.
- الحجة لا تفسر توسّع الاقتطاعات لتشمل بنودا لا علاقة لها بمخصصات الأسرى أصلا (حصة غزة، فواتير كهرباء ومياه غير مدققة)، ما يكشف أن الإطار القانوني (مكافحة تمويل الإرهاب) استُخدم كغطاء لتوسيع نطاق الاقتطاع إلى ملفات مالية أخرى لا تندرج تحت المبرر المعلن أصلا.
بعبارة أخرى: حتى لو سُلّم جدلا بوجاهة الاعتراض الإسرائيلي-الأمريكي على سياسة مخصصات الأسرى والشهداء كمسألة سياسية خلافية، فإن آلية “الخصم الأحادي دون تدقيق قضائي أو تحكيم ثنائي” تبقى مخالفة لبروتوكول باريس، وقد تجاوزت من حيث النطاق والحجم ما يبرره الاعتراض المعلن نفسه.
ب. احتجاز إيرادات ضريبة المغادرة عبر معبر الكرامة
تعود قصة احتجاز إيرادات ضريبة المغادرة عبر معبر الكرامة (اللنبي) إلى انتهاك صريح للالتزامات المالية الواردة في بروتوكول باريس الاقتصادي (1994)، الذي نصّ على أن يجبي الجانب الإسرائيلي رسوم المغادرة من المسافرين الفلسطينيين نيابة عن السلطة، على أن تُحوَّل قيمة محددة (26 دولارا، ما يعادل 152 شيكلا حينها) بالكامل للخزينة الفلسطينية، فيما يحتفظ الاحتلال بالزيادة لتغطية تشغيل المعبر.
- في العام 2008، رفعت سلطات الاحتلال الرسوم أحاديا لتصل إلى نحو 158–168 شيكلا للمسافر، دون أن تنعكس هذه الزيادة على الحصة المحولة للسلطة الفلسطينية.
- واصلت السلطات الإسرائيلية تحويل القيمة القديمة وتجميد فروقات الزيادة في حسابات خاصة؛ ما أدى على مدار أكثر من 15 عاما إلى تراكم مبالغ محتجزة تجاوزت 238 مليون دولار.
ج. رسوم الكهرباء والمياه وخدمة العلاج في الخارج
تمثل اقتطاعات رسوم الكهرباء والمياه إحدى أبرز أدوات “التصفية الإجبارية” التي تمارسها السلطات الإسرائيلية ضد المقاصة الفلسطينية تحت مسمى “الديون التجارية”، استنادا إلى تفاهمات باريس المالية التي تزوّد بموجبها شركتا “حشمالا” للكهرباء و”ميكوروت” للمياه الهيئات المحلية الفلسطينية بالخدمات بالجملة.
- عند تأخر البلديات عن السداد، تتجاوز السلطات الإسرائيلية المسار القضائي وتخصم وزارة ماليتها المستحقات مباشرة من المقاصة قبل تحويلها للخزينة، مع احتساب فوائد تأخير وغرامات غير معلنة، دون آلية تدقيق مستقلة يقبلها الجانب الفلسطيني.
- تقتطع السلطات الإسرائيلية شهريا ما بين 80 و120 مليون شيكل، بإجمالي سنوي (شاملا الخدمات الطبية) يتراوح بين 1.2 و1.5 مليار شيكل (330–400 مليون دولار).
- تستحوذ فواتير شركة الكهرباء الإسرائيلية على 65–70% من إجمالي هذه الخصومات، مقابل 30% لشركة المياه.
- تُقدَّر الخصومات التراكمية تحت هذا البند منذ تأسيس السلطة بنحو 12–15 مليار شيكل.
ثانيا: الدين العام الفلسطيني
1. المقدمة والمفاهيم
يُعرَّف الدَّين العام في القانون الفلسطيني رقم (24) لسنة 2005 بأنه الرصيد القائم للالتزامات المالية الحكومية غير المسدد والمترتب على الحكومة سداده، وينقسم إلى:
الدَّين الخارجي: الالتزامات المترتبة على الحكومة سداداً للأموال المقترضة من الدول والهيئات والمؤسسات الدولية بمقتضى القانون.
الدَّين المحلي: الالتزامات المترتبة على الحكومة سداداً للأموال المقترضة بموجب سندات حكومية أو من بنوك ومؤسسات مالية محلية أخرى.
2. تطور الدين العام الفلسطيني (1998–2026، مليون دولار)
| السنة | الدين المحلي | الدين الخارجي | الإجمالي |
| 1998 | 324 | 223 | 547 |
| 1999 | 355 | 293 | 648 |
| 2000 | 342 | 520 | 862 |
| 2001 | 312 | 559 | 871 |
| 2002 | 151 | 597 | 748 |
| 2003 | 238 | 611 | 849 |
| 2004 | 391 | 611 | 1002 |
| 2005 | 572 | 624 | 1196 |
| 2006 | 462 | 629 | 1091 |
| 2007 | 417 | 1034 | 1451 |
| 2008 | 523 | 1034 | 1557 |
| 2009 | 649 | 1087 | 1736 |
| 2010 | 840 | 1043 | 1883 |
| 2011 | 1099 | 1114 | 2213 |
| 2012 | 1385 | 1097 | 2482 |
| 2013 | 1268 | 1108 | 2376 |
| 2014 | 1221 | 1179 | 2400 |
| 2015 | 1431 | 1054 | 2485 |
| 2016 | 1385 | 1004 | 2389 |
| 2017 | 1316 | 908 | 2224 |
| 2018 | 1258 | 970 | 2228 |
| 2019 | 1536 | 1116 | 2652 |
| 2020 | 2115 | 1215 | 3330 |
| 2021 | 2476 | 1328 | 3804 |
| 2022 | 2342 | 1216 | 3558 |
| 2023 | 2520 | 1180 | 3700 |
| 2024 | 2850 | 1150 | 4000 |
| 2025 | 3100 | 1120 | 4220 |
| 2026 | 3350 | 1100 | 4450 |
المصدر: تطور الدَّين العام للسلطة الفلسطينية في سياقه السياسي والاقتصادي، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.
يتقاطع رقم الدين المحلي لعام 2025 (3.1 مليار دولار) مع تقرير البنك الدولي الذي رصد دينا محليا قدره 3.3 مليار دولار حتى نهاية ديسمبر 2025، ما يؤكد اتساق الاتجاه العام رغم الفوارق الطفيفة الناتجة عن اختلاف توقيت الرصد.
ملاحظات حول الجدول أعلاه:
انفجار الدين العام: قفز إجمالي الدين المباشر من 547 مليون دولار عام 1998 إلى ما يقارب 4.45 مليار دولار عام 2026، بزيادة تناهز 713% خلال أقل من ثلاثة عقود.
عام 2018 كمنعطف لهيمنة الدين المحلي: ظلت المديونية متوازنة نسبيا بين المصادر المحلية والخارجية حتى عام 2018، قبل أن تجبر أزمات المقاصة المتتالية الحكومة على التوسع المفرط في الاقتراض البنكي المحلي، الذي قفز من 1.26 مليار دولار (2018) إلى 3.35 مليار دولار (2026)، ليشكل نحو 75% من إجمالي الدين العام المباشر.
الدين الخارجي: شهد ثباتا نسبيا وتراجعا تدريجيا من ذروته في 2021، ليستقر عند نحو 1.1 مليار دولار في 2026، نتيجة تراجع القروض التنموية وتحفظ المانحين إزاء المخاطر السياسية المتصاعدة.
بأسعار الصرف الجارية (نحو 3.3 شيكل للدولار)، يعادل الدين العام المباشر البالغ 4.45 مليار دولار نحو 14.7 مليار شيكل — وهو الرقم الذي تُبنى عليه معادلة إجمالي المديونية في الفقرة التالية.
3. المتأخرات وديون الموظفين: الدَّين “الضمني”
لا تعكس أرقام الدين المباشر الصورة الكاملة للمديونية؛ فإذا أُضيف الدين غير المباشر والمتأخرات والالتزامات غير المصرفية (تجاه صندوق التقاعد، والموردين، ومتأخرات أجور الموظفين)، والتي تتجاوز مجتمعة 30 مليار شيكل (نحو 9 مليارات دولار بسعر صرف 3.3، وأكثر من 10 مليارات دولار بأسعار الصرف الحالية)، يصل إجمالي مديونية السلطة الفلسطينية إلى نحو 45 مليار شيكل (14.7 مليار شيكل دين مباشر + 30 مليار شيكل دين ضمني).
4. الأثر الاقتصادي لهذه الأرقام
إذا أُخذ الدين المباشر والدين الضمني معا (45 مليار شيكل)، فإنه يتجاوز 70–75% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة مرتفعة جدا، إذ تعطي أطر استدامة الدين التي يعتمدها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للاقتصادات الصغيرة والهشة (Debt Sustainability Framework) عادة سقفا آمنا للدين لا يتجاوز 40–60% من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب درجة هشاشة الاقتصاد المعني؛ والاقتصاد الفلسطيني، بوصفه اقتصادا غير سيادي محدود القاعدة الإنتاجية وواقعا تحت احتلال، يقع عند الطرف الأكثر تحفظا من هذا النطاق، ما يجعل تجاوزه سقف الـ70% مؤشر استدامة حرجا وليس مجرد ارتفاع إحصائي.
كما تُظهر هذه الأرقام أن حجم “الدين الضمني” (30 مليار شيكل) بات يتجاوز ضعف “الدين العام المباشر للبنوك” (14.7 مليار شيكل)، ما يعني أن السلطة أصبحت تموّل عجزها الجاري على حساب السوق المحلي والقطاع الخاص وهيئة التقاعد وموظفيها، بدل الاقتراض البنكي التقليدي الذي بلغ حدوده القصوى المقرّة من سلطة النقد الفلسطينية.
ثالثا: من قرصنة المقاصة إلى انفجار الدين — تتبع الآلية السببية
الأطروحة المركزية لهذه الورقة هي أن قرصنة المقاصة ليست عاملا مساعدا في أزمة الدين، بل محركها البنيوي الأول.
مقارنة السلسلتين الزمنيتين المعروضتين أعلاه تُظهر تطابقا زمنيا لافتا بين موجات تجميد المقاصة وقفزات الاقتراض المحلي:
- عقب موجة التجميد الممتدة (نوفمبر 2021–سبتمبر 2023، 22 شهرا)، قفز الدين المحلي من 1.26 مليار دولار (2018) إلى ما يتجاوز 2.5 مليار دولار مع مطلع 2023 — وهي الفترة نفسها التي شهدت أعمق أزمة رواتب في تاريخ السلطة (صرف نسبي دون 50%)، ما يوثّق أن الاقتراض حل محل الإيراد المفقود لا كخيار تنموي بل كإجراء طارئ لتفادي الانهيار الفوري للرواتب.
- مع دخول مرحلة “التفكيك الخانق” (أكتوبر 2023 فصاعدا)، حين توقف التدفق المنتظم للمقاصة كليا لفترات، تسارعت وتيرة نمو الدين المحلي من 2.52 مليار دولار (2023) إلى 3.35 مليار دولار (2026) خلال ثلاث سنوات فقط — أي بمعدل نمو سنوي يفوق أي مرحلة سابقة في تاريخ مديونية السلطة، بما يطابق زمنيا ذروة الاقتطاع الإسرائيلي.
آلية الانتقال من فقدان الإيراد إلى تراكم الدين تمر بثلاث حلقات متتابعة:
(1) اقتطاع/تجميد المقاصة يخفض الإيرادات الفعلية دون تخفيض مواز في الالتزامات التعاقدية (رواتب، تقاعد، خدمة الدين القائم)؛ (2) تلجأ الحكومة لسد الفجوة عبر السحب على المكشوف والتسهيلات المصرفية القصيرة الأجل بدل تعديل بنية الإنفاق فورا، لتجنب انهيار سياسي واجتماعي مباشر؛ (3) مع تكرار الصدمة (لا كحدث استثنائي بل كنمط دوري كما يوثق جدول المحطات التاريخية)، يتحول الاقتراض الطارئ إلى مكوّن هيكلي دائم في بنية التمويل العام، وهو بالضبط ما يفسر انتقال حصة الدين المحلي من التوازن النسبي مع الدين الخارجي (حتى 2018) إلى الهيمنة الكاملة (75% من الدين المباشر بحلول 2026).
بعبارة أخرى: المقاصة لم تكن سببا وحيدا لكل زيادة في الدين، لكنها كانت الصدمة المتكررة التي حوّلت الاقتراض من أداة استثنائية إلى آلية تمويل تشغيلي دائمة — وهذا بالتحديد ما يجعل “الابتزاز المالي” وصفا دقيقا لا مجازيا لسياسة المقاصة الإسرائيلية.
رابعا: حدود التفسير الخارجي — حصة الإدارة المالية الفلسطينية
الرصانة التحليلية تقتضي عدم اختزال الأزمة في عامل خارجي وحيد. تشير تقارير البنك الدولي المتكررة إلى أن إجمالي الإنفاق العام الفلسطيني، وفي مقدمته فاتورة الأجور (البند الأكبر في الموازنة)، يظل أعلى من متوسط مجموعات الدول المقارنة، ما يُصعّب على السلطة تخفيض إنفاقها الجاري بالسرعة الكافية لمواكبة الصدمات المتكررة في جانب الإيرادات، كما لم تُستكمل حتى الآن إصلاحات جوهرية في إدارة صندوق التقاعد وترشيد التوظيف العام كانت قد طُرحت في أكثر من خطة إصلاح مالي منذ 2013، ما أبقى الموازنة أكثر عرضة لصدمات المقاصة من لو كانت بنية الإنفاق أكثر مرونة.
هذا لا يُخفف من المسؤولية الأساسية لسياسة الاقتطاع الإسرائيلية بوصفها المحرك الأول والأخطر للأزمة كما وثّقت الورقة أعلاه، لكنه يُفسّر لماذا تحولت الصدمة الخارجية إلى أزمة بنيوية عميقة هذه المرة بدل أن تُمتص جزئيا كما حدث في بعض موجات التجميد الأقصر مدى في التسعينيات والألفينيات: غياب هامش مالي احتياطي (fiscal buffer)، واستمرار نمط تمويل العجز عبر الاقتراض القصير الأجل بدل إصلاح بنية الإنفاق، جعل النظام المالي الفلسطيني أكثر هشاشة أمام أي تكرار لسياسة الاحتلال. وهذا بدوره يمنح توصيات الإصلاح الداخلي (القسم السادس) وزنا لا يقل عن توصيات الضغط الخارجي.
خامسا: النتائج المترتبة على الأزمة
تشكل أزمة المقاصة المتواصلة منذ عام 2019 الشريان الرئيس للأزمة المالية غير المسبوقة التي تعصف بالسلطة الفلسطينية، والتي تحولت من عجز مالي مرحلي إلى شلل بنيوي شامل يمس كافة قطاعات الحياة اليومية والخدمات الأساسية في الضفة الغربية.
أ. رواتب الموظفين العموميين وتآكل القدرة الشرائية
حكومة رامي الحمد الله (2013–2019): بداية الأزمة عبر صرف 70% من الرواتب كإجراء للتعامل مع بداية الاقتطاعات وتراجع المنح الدولية.
حكومة محمد اشتية (2019–2023): تعمّق الأزمة بفعل الرفض السياسي لاستلام المقاصة منقوصة وجائحة كورونا؛ تذبذبت الرواتب بين 80% وأقل من 50% في عدة أشهر، مع تراكم متأخرات تجاوزت رواتب عدة أشهر كاملة.
حكومة محمد مصطفى (الحالية): تفاقم الأزمة إلى مستويات حرجة بعد مصادرة حصة غزة والأسرى بالكامل؛ استقر الصرف عند أدنى مستوياته (دون 50%) مع تعذر تحديد مواعيد منتظمة للصرف، ما أنهك كاهل أكثر من 145 ألف موظف عمومي وأدى إلى تهاوي القوة الشرائية في الأسواق.
ب. الوصول إلى الحد الأقصى من الاقتراض المباشر
وصلت السلطة الفلسطينية إلى الحد الأقصى لسقف الاقتراض المباشر والتسهيلات المصرفية المقرة من سلطة النقد (والتي تتجاوز 3.35 مليار دولار)، بما أدى إلى:
منافسة القطاع الخاص: أصبحت الحكومة تنافس الشركات والأفراد على السيولة المصرفية المتاحة، وتفضّل البنوك إقراض الحكومة على تمويل المشاريع الاستثمارية والشركات الصغيرة والمتوسطة.
اقتراض استهلاكي لا تنموي: التهديد الأكبر أن هذا الاقتراض المكثف لا يوجَّه لنفقات رأسمالية أو مشاريع تنموية مولّدة للدخل، بل يُستهلك بالكامل لتغطية جزء من فاتورة الرواتب والنفقات التشغيلية.
تجفيف سيولة القطاع الخاص: تسبب شح السيولة في رفع أسعار الفائدة محليا، وتقليص التمويل المتاح للشركات والمستثمرين، ما أدى إلى ركود تجاري وتأخر سداد الموردين وارتفاع معدلات الشيكات المرتجعة.
ج. شلل القطاعات الخدمية الحيوية
يواجه العام الدراسي الحالي خطر الإضراب والتأجيل من قبل “اتحاد المعلمين” احتجاجا على الصرف النصفي للرواتب وعدم تنفيذ الاتفاقيات المالية الموقعة، وهو ما يهدد بتعطيل العملية التعليمية وضياع فصول دراسية، نتيجة عجز المعلمين عن تحمل تكاليف التنقل والمعيشة اليومية.
تشهد المستشفيات الحكومية والمراكز الصحية نقصا حادا في الأدوية والمستهلكات الطبية نتيجة تراكم الديون لصالح شركات الأدوية والمستوردين (تتجاوز مئات ملايين الشواكل)، بينما تتراكم ديون التحويلات الطبية لصالح المستشفيات الخاصة والأهلية (خاصة مستشفيات القدس)، ما دفعها لتقليص استقبال المرضى وتوقف بعض الخدمات الطبية الطارئة.
على صعيد الطاقة والمياه، تتصاعد سياسة الخصم المباشر من المقاصة لصالح شركتي “حشمالا” و”ميكوروت” الإسرائيليتين (بين 80–120 مليون شيكل شهريا)، ومع تراكم العجز لدى البلديات الفلسطينية تقع انقطاعات متكررة ومبرمجة للكهرباء والمياه في مختلف محافظات الضفة، فيما تعاني هيئات توزيع الوقود من أزمات سيولة حادة تحول دون تسديد قيمة الشحنات الموردة، بما يربك تشغيل المولدات والمؤسسات الخدمية ووسائل النقل العامة.
الخلاصة
تُثبت هذه الورقة أن أزمة السلطة الفلسطينية المالية ليست عجزا دوريا عابرا، بل نتاج تفاعل بين محرك خارجي حاسم (تحويل المقاصة من إيراد سيادي إلى أداة ضغط سياسي متصاعدة الحدة والديمومة) وهامش مناورة داخلي محدود (بنية إنفاق جامدة وغياب احتياطي مالي كافٍ).
التطابق الزمني الموثق بين موجات تجميد المقاصة وقفزات الاقتراض المحلي يرقى إلى مستوى العلاقة السببية لا مجرد التزامن، وهو ما يحوّل “قرصنة المقاصة” من وصف سياسي إلى تشخيص اقتصادي دقيق لآلية تقويض الكيانية المالية للسلطة الفلسطينية.
وبينما يبقى إنهاء هذه السياسة الإسرائيلية الاقتطاعية الشرط الأول لأي تعافٍ، فإن تجاهل الإصلاح الداخلي في إدارة الإنفاق والدين سيُبقي السلطة عرضة لتكرار الأزمة مع أي صدمة مقبلة، مهما كانت نتيجة الضغط الدولي الراهن.
التوصيات
1. الضغط الدولي والإفراج عن الأموال المحتجزة
تكثيف التحرك الدبلوماسي مع الدول الضامنة لبروتوكول باريس (النرويج بصفتها رئيسة لجنة الاتصال المخصصة AHLC، إضافة إلى الولايات المتحدة وفرنسا والاتحاد الأوروبي) للإفراج الفوري عن أموال المقاصة المحتجزة.
ولتفادي تكرار فشل عقود من النداءات المماثلة، ينبغي أن يقترن هذا الضغط بمطلب محدد وقابل للقياس: إنشاء آلية تحكيم ثلاثية (فلسطينية-إسرائيلية-دولية، بإشراف AHLC أو البنك الدولي) للفصل في الاقتطاعات المتنازع عليها، بدل الاكتفاء بمطالبات عامة بـ”وقف الاحتجاز” لم تثبت فاعليتها تاريخيا.
2. تفعيل شبكة الأمان المالية العربية والإقليمية
التحرك لتفعيل شبكة الأمان العربية المُقرة سابقا بقيمة 100 مليون دولار شهريا، مع ربط الصرف بجدول زمني وآلية رقابة شفافة تحول دون تحوّلها إلى مصدر تمويل عجز جديد دون إصلاح موازٍ لبنية الإنفاق.
3. إعادة هيكلة الموازنة وترشيد الإنفاق الجاري
البدء الفوري بمراجعة مستقلة لفاتورة الأجور وصندوق التقاعد (تنفيذا لتوصيات سبق طرحها منذ 2013 ولم تُستكمل)، مع إعطاء الأولوية القصوى لشبكات الحماية الاجتماعية والقطاعات الخدمية المباشرة (الصحة والتعليم) عند أي تخفيض، بحيث لا يتحمل المواطن وحده كلفة ضبط الإنفاق.
4. حماية سقف الاقتراض المحلي والقطاع الخاص
التوقف عن التوسع في الاقتراض الاستهلاكي من البنوك المحلية لتفادي مزيد من تجفيف السيولة، وإعادة توجيه أي تسهيلات بنكية متاحة نحو مشاريع تنموية واستثمارية تُولّد تدفقات مالية بدل تمويل النفقات التشغيلية الجارية فقط.
5. إنشاء صندوق لجدولة وإدارة المتأخرات
إصدار سندات أو أدوات مالية حكومية لجدولة ديون القطاع الخاص والموردين ومتأخرات الموظفين وفق جدول زمني شفاف وقابل للتدقيق العام، بما يُعيد الثقة للسوق المحلي ويحدّ من تفاقم “الدين الضمني”.
6. مراجعة وتدقيق الفواتير الإسرائيلية
تفعيل أطر التدقيق القانوني والمالي الدولي (عبر خبراء مستقلين يعينهم البنك الدولي أو AHLC) لمراجعة الاقتطاعات الأحادية (الكهرباء، المياه، عمولة الجباية)، والضغط للوصول إلى تسوية تدقيق تاريخية شاملة تعيد تقييم الأموال المحتجزة منذ التسعينيات لا الأعوام الأخيرة فقط.
© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أغسطس 2026 — جميع الحقوق محفوظة



