تداعيات نقل صلاحيات إنفاذ القانون عن مستوطني الضفة الغربية إلى الشرطة الإسرائيلية: من الحماية العسكرية إلى الاندماج المدني في مسار الضم الزاحف

أ. إبراهيم الحواجري| دراسة تحليلية- خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
في 14 أغسطس 2026 أوعز وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس بإعداد خطة لنقل صلاحيات إنفاذ القانون المدني بحق مستوطني الضفة من الجيش إلى الشرطة التابعة لبن غفير.
 تخلص الورقة إلى أن القرار ليس اجتهاداً منفرداً بل حلقة رابعة في مسار بدأ بمذكرة سموتريتش-غالانت (فبراير 2023) وتعزز بأمر عسكري (مايو 2024).
 يأتي ذلك وسط تصاعد غير مسبوق لعنف المستوطنين (أكثر من 1,380 اعتداءً و107 تجمعات مهجَّرة منذ 2023)، ودعم ميزانياتي متصاعد لتوسيع الاستيطان تجاوز 1.075 مليار شيكل خلال 2026-20286.
وترى الورقة أن الأثر العملي هو ترسيخ نظامين قانونيين متوازيين يقترب من توصيف المادة 7(1)(ي)-7(2)(ح) من نظام روما الأساسي لجريمة الفصل العنصري، بما يتسق مع فتوى محكمة العدل الدولية (يوليو 2024).
وتقدّم الورقة توصيات فلسطينية وعربية ودولية لمواجهة المسار قبل أن يصعب تفكيكه.

مقدمة

لا يمثل توجيه وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس بإعداد خطة لنقل صلاحيات إنفاذ القانون المدني بحق المستوطنين من الجيش إلى الشرطة مجرد إعادة توزيع للاختصاصات البيروقراطية؛ فهو يندرج ضمن مسار تراكمي لإعادة هندسة منظومة السيطرة على الضفة الغربية، بدأ قبل القرار الحالي بسنوات، ويهدف إلى تحويل الإدارة المدنية للمستوطنات من صلاحية عسكرية مؤقتة إلى وظيفة حكومية مدنية دائمة.

تهدف هذه الورقة إلى تفكيك الأبعاد القانونية والسياسية والميدانية لهذا القرار، وربطه بالمسار المؤسسي الذي سبقه، واختبار فرضية مركزية: أن الهدف الفعلي من نقل الصلاحيات ليس تعزيز إنفاذ القانون بحق المستوطنين، بل بناء منظومة رسمية أكثر تكاملاً لحماية الوجود الاستيطاني وإدماجه في مؤسسات “دولة الاحتلال”.

 تعتمد الورقة على مصادر إخبارية إسرائيلية وفلسطينية ودولية موثقة بتواريخها، وعلى تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) ومنظمات حقوقية دولية، إضافة إلى النصوص القانونية ذات الصلة.

أولاً: السياق التاريخي والمؤسسي

منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، اعتمد الاحتلال نظاماً مزدوجاً: سلطة عليا للقائد العسكري بوصفه صاحب السيادة المؤقت وفق القانون الدولي الإنساني، وذراعاً مدنية هي (الإدارة المدنية) التي أُنشئت عام 1981 لإدارة الشؤون اليومية للفلسطينيين والمستوطنين، مع بقاء المرجعية القانونية النهائية للقائد العسكري.

بدأ هذا التوازن بالانهيار عملياً في فبراير/شباط 2023، حين وقّع وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، بصفته وزيراً ثانياً في وزارة الجيش، مذكرة تفاهم مع وزير الجيش آنذاك يوآف غالانت، أُنشئت بموجبها (إدارة الاستيطان) كجهاز مدني منفصل داخل الوزارة، ونُقلت إليه صلاحيات واسعة تتعلق بالأراضي والتخطيط والبناء والمعاملات في (أراضي الدولة)، فيما احتفظ الجيش بصلاحية هدم البؤر العشوائية غير المرخصة فقط.

 وفي مايو/أيار 2024 صدر أمر عسكري عزّز هذا التحول ونقل مزيداً من صلاحيات الإدارة العسكرية إلى الجهاز المدني الجديد الخاضع مباشرة لسموتريتش، وقد وصفت مصادر متابعة هذه الخطوة بأنها (انقلاب إداري) أنهى المسار العسكري التقليدي للتصديق على الاستيطان، وحوّل الأوامر العسكرية من تدابير مؤقتة إلى قرارات إدارية ثابتة لفرض سيادة مدنية إسرائيلية على المنطقة المصنفة (ج)، التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية.

ثانياً: تفاصيل القرار ومساره الزمني

اندلعت الأزمة المباشرة التي سبقت القرار في بلدة قصرة جنوب نابلس، حين أقام مستوطنون منشآت مؤقتة قرب منازل فلسطينية وأغلقوا طرق الوصول إليها، ما أدى، بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، إلى بقاء ثلاث عائلات محاصرة منذ 11 أغسطس دون إمكانية إيصال الغذاء والمياه وحليب الأطفال والأدوية لأربعة أيام متتالية.

 ورغم وصول قوات الجيش الإسرائيلي إلى الموقع، لم يُخلِ المستوطنين، ما دفع السفير الأميركي لدى الكيان الإسرائيلي مايك هاكابي إلى المطالبة بإخراجهم من منزل يملكه فلسطيني يحمل الجنسية الأميركية، ووصفهم بـ(الإرهابيين الإسرائيليين)؛ وقد أُجبرت نحو 20 عائلة فلسطينية على مغادرة منازلها خلال الأزمة.

في أعقاب هذه الواقعة، عقد كاتس، الخميس 13 أغسطس/آب 2026، اجتماعاً أمنياً مع رئيس أركان الجيش إيال زامير ورئيسي شعبتي العمليات والاستخبارات وقادة آخرين، وأصدر مكتبه في اليوم التالي بياناً بتوجيه الجيش لإعداد خطة لنقل (جميع صلاحيات إنفاذ القانون) في القضايا المدنية المتعلقة بالمستوطنات والمستوطنين إلى الشرطة.

 واعتبر كاتس، بحسب ما نقلته صحيفة معاريف الإسرائيلية، أن (كامل مسؤولية إدارة شؤون المستوطنات والمستوطنين والقضايا المدنية وإنفاذها ستُنقل إلى الشرطة الإسرائيلية).

 وبرر القرار بأن الجيش (ليس مسؤولاً عن قضايا المستوطنين) في ظل ما وصفه بـ(الزيادة المباركة) في أعدادهم عقب شرعنة أكثر من 104 مستوطنات ومزارع استيطانية جديدة، وأن مهمة الجيش تنحصر في (محاربة الإرهاب الفلسطيني) وحماية الحدود والمستوطنات، (وليس مطاردة الشبيبة على التلال).

 وبحسب التغطيات الإسرائيلية، من المقرر استكمال الخطة خلال أسبوعين من تاريخ التوجيه.

وينبغي التمييز بين مستويين: القرار السياسي بإعداد الخطة، وهو صادر بالفعل؛ والتنفيذ القانوني والإداري الكامل، الذي لم تصدر بشأنه بعد الأوامر العسكرية والتشريعات التنفيذية النهائية حتى تاريخ إعداد هذه الورقة.

 غير أن هذا لا يقلل من دلالة القرار السياسي بوصفه إعلاناً عن اتجاه حاسم، لا سيما في ضوء المسار المؤسسي الذي سبقه.

ثالثاً: لماذا الآن؟ القراءة بالأرقام

لا يمكن فصل القرار عن التصعيد غير المسبوق في عنف المستوطنين خلال عام 2026. فبحسب تقرير أوتشا الصادر في 31 يوليو/تموز 2026، سُجل أكثر من 1,380 اعتداءً مرتبطاً بالمستوطنين منذ بداية العام، طال أكثر من 250 تجمعاً فلسطينياً.

 وأفاد تقرير لاحق نقلته صحيفة القدس العربي عن أوتشا في 14 أغسطس بأن العدد ارتفع إلى نحو 1,430 اعتداءً طالت 260 تجمعاً، ووصفت الأمم المتحدة المستوى بأنه (غير مسبوق)، وبحسب هيومن رايتس ووتش، التي استندت إلى بيانات أوتشا في تقريرها الصادر في 20 أغسطس 2026، هُجّر 107 تجمعات فلسطينية بشكل كلي أو جزئي منذ يناير 2023، واستشهد ما لا يقل عن 15 فلسطينياً بينهم طفلان على يد مستوطنين حتى 24 يوليو 2026.

وتخلص هيومن رايتس ووتش إلى أن (المستوطنين يطلقون النار على الفلسطينيين ويعتدون عليهم ويطردونهم من أراضيهم، بينما توفر الدولة السلاح والغطاء القانوني والميزانية) لتنفيذ ذلك.

 وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً: هل الهدف من نقل الصلاحيات كبح هذا العنف، أم بناء غطاء مؤسسي أكثر انتظاماً له؟

التفسير الأخف حظاً وأقل اتساقاً مع سلوك الوزير هو أن القرار إجراء إداري محض يهدف إلى تخفيف العبء عن جيش منهك بجبهات متعددة، ونقل مهام الشرطة المدنية الروتينية إلى جهة أكثر تخصصاً بها، وهذا التفسير لا يمكن استبعاده كلياً؛ فقد أشارت تقارير إلى خلافات داخلية بين مكتب كاتس وقيادة المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي حول آلية الانتقال وتوقيته، بما يوحي بوجود تحفظات مؤسسية ومهنية داخل الجيش نفسه لا تنسجم بالضرورة مع قراءة (المخطط الموحّد).

 غير أن هذا التفسير يصطدم بثلاثة معطيات:

 أولاً، ربط كاتس نفسه القرار صراحة بـ(الزيادة المباركة) في أعداد المستوطنين لا بضبط سلوكهم؛ ثانياً، توقيت القرار عقب واقعة قصرة مباشرة، حيث وُجّه انتقاد علني للجيش بسبب تقاعسه عن حماية الفلسطينيين لا المستوطنين؛ ثالثاً، اتساقه مع مسار تراكمي من ثلاث مراحل سابقة تتجه جميعها نحو تمكين مدني للمستوطنين لا تقييدهم.

 وعليه، ورغم وجاهة وجود احتكاك بيروقراطي جزئي، فإن قراءة الورقة لا تزال ترجّح تحليلياً أن الوظيفة الفعلية للقرار هي مأسسة الحماية لا كبح الانتهاكات، مع الإقرار بأن هذا الترجيح تحليلي قابل للمراجعة في ضوء التنفيذ الفعلي.

رابعاً: المسار التراكمي لنقل الصلاحيات

يمكن قراءة قرار كاتس بوصفه الحلقة الرابعة في مسار من أربع مراحل متداخلة:

المرحلة الأولى (1967 وما بعدها): السيطرة العسكرية الكاملة على الأرض عبر الإدارة العسكرية والإدارة المدنية التابعة لها.

المرحلة الثانية (فبراير 2023): مذكرة تفاهم سموتريتش-غالانت، ونقل صلاحيات التخطيط والأراضي والبناء إلى (إدارة الاستيطان) المدنية الجديدة داخل وزارة الجيش.

المرحلة الثالثة (مايو 2024): أمر عسكري يعزز صلاحيات هذه الإدارة المدنية ويوسع نطاق سيطرتها على حساب الإدارة العسكرية التقليدية.

المرحلة الرابعة (أغسطس 2026): نقل صلاحيات إنفاذ القانون الجنائي والمدني بحق المستوطنين أنفسهم من الجيش إلى الشرطة، بما يكمل الدائرة بجعل المستوطن خاضعاً بالكامل لمنظومة الدولة المدنية لا لأوامر عسكرية.

الفارق الجوهري بين المرحلتين الثانية والثالثة من جهة، والمرحلة الرابعة من جهة أخرى، هو أن الأُوليين تناولتا إدارة الأرض والبناء، بينما تتناول الأخيرة إنفاذ القانون على الأشخاص أنفسهم، أي نقل المستوطن من صفة (مدني تحت احتلال عسكري) إلى صفة (مواطن يخضع لشرطة دولته)، وهو تحول نوعي في طبيعة العلاقة القانونية بين المستوطن والدولة.

خامساً: الأبعاد القانونية والسياسية لـ(الضم الصامت)

أ. تفكيك الصفة المؤقتة للاحتلال: يقوم الاحتلال، من الناحية القانونية، على افتراض المؤقتية بحسب اتفاقية لاهاي واتفاقية جنيف الرابعة، وتطبيق القانون المدني عبر جهاز شرطوي بدلاً من الأوامر العسكرية يُفرغ هذا الافتراض من مضمونه العملي، ويعامل المستوطنات كامتداد إداري لدولة الاحتلال ذاتها، بصرف النظر عن وضعها القانوني غير الشرعي دولياً.

ب. تحدٍ صريح للشرعية الدولية: يصطدم القرار بقرار مجلس الأمن رقم 2334 لعام 2016، الذي أكد أن الاستيطان الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ 1967، بما فيها القدس الشرقية، لا يمثل أساساً قانونياً ويشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، كما يصطدم بفتوى محكمة العدل الدولية الصادرة في 19 يوليو 2024، التي قضت بأن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وألزمت الكيان الإسرائيلي بوقف كل نشاط استيطاني جديد وإجلاء المستوطنين فوراً.

ج. تقويض ولاية السلطة الفلسطينية وتفكيك الجغرافيا: بتحويل المستوطنات إلى وحدات إدارية مترابطة تحت سلطة مدنية موحدة، يتعمق تقطيع أوصال الضفة إلى معازل فلسطينية محاصرة بمستوطنات ذات حكم ذاتي فعلي، بما يقوّض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، وقد وصف ناشطون فلسطينيون الخطوة صراحة بأنها (ضم فعلي) للضفة وإسقاط للإطار العسكري الذي يحكمها.

سادساً: التداعيات الميدانية والأمنية

تخضع الشرطة الإسرائيلية لوزارة الأمن القومي التي يتولاها إيتمار بن غفير، وتحذر مصادر فلسطينية وحقوقية من أن نقل صلاحيات إنفاذ القانون إلى هذا الجهاز، بدل تعزيز المساءلة، قد يمنح جماعات (تدفيع الثمن) و(فتية التلال) غطاءً مؤسسياً أوسع، خصوصاً أن مصدراً فلسطينياً حذر تحديداً من أن الخطوة (قد تؤدي إلى إضعاف الاستجابة الميدانية للاعتداءات) في حال انسحبت وحدات الجيش من مهام التدخل الأول قبل أن تتوفر بدائل شرطية فعالة، وهو ما قد يمنح المستوطنين وقتاً إضافياً لتثبيت البؤر الاستيطانية على الأرض.

 من جهة أخرى، توثّق هيومن رايتس ووتش أن العنف الاستيطاني يحظى أصلاً بدعم مالي ولوجستي وقانوني من مؤسسات الدولة، بصرف النظر عن الجهة المشرفة عليه رسمياً.

الأثر المباشر المتوقع على الأرض هو تعميق البيئة القسرية الطاردة التي تدفع الفلسطينيين، وبخاصة التجمعات البدوية والرعوية في المنطقة (ج)، إلى مغادرة أراضيهم، وهو ما توثقه بيانات النزوح المرتبط بعنف المستوطنين والتي تجاوزت 5,900 نازح منذ 2023 بحسب أوتشا.

سابعاً: الإطار القانوني الدولي: الفصل العنصري بوصفه توصيفاً لا استعارة

تعرّف المادة 7(1)(ي) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (جريمة الفصل العنصري) بوصفها جريمة ضد الإنسانية، وتوضح المادة 7(2)(ح) أنها تشمل أفعالاً لا إنسانية (ترتكب في سياق نظام مؤسسي من القمع والهيمنة تمارسه جماعة عرقية على جماعة أو جماعات عرقية أخرى بنية الإبقاء على ذلك النظام).

وقد خلصت فتوى محكمة العدل الدولية في 19 يوليو 2024 صراحة إلى أن تشريعات “إسرائيل” وتدابيرها تنتهك الحظر الدولي للفصل العنصري والتمييز العنصري.

في ضوء هذا الإطار، فإن ترسيخ نظامين قانونيين منفصلين على الرقعة الجغرافية ذاتها -مستوطن يخضع للقانون المدني ومحاكم مدنية توفر ضمانات دفاع كاملة تحت مظلة شرطته، وفلسطيني يخضع لأحكام عسكرية عرفية ومحاكم عسكرية تفتقر للمعايير ذاتها- يقترب من العناصر القانونية التي حددها نظام روما الأساسي لجريمة الفصل العنصري: نظام مؤسسي، وهيمنة جماعة على أخرى، ونية الإبقاء عليه.

 وهذا لا يعني تلقائياً وجود إدانة قضائية بهذا الوصف، إذ يتطلب ذلك تحقيقاً وملاحقة فعليين أمام المحكمة الجنائية الدولية، لكنه يوفر الأساس القانوني الذي يمكن البناء عليه في أي مسار تقاضٍ مستقبلي.

ثامناً: الأبعاد الديموغرافية والاقتصادية

برر كاتس القرار جزئياً بـ(الزيادة المباركة) في أعداد المستوطنين عقب قرارات شرعنة أكثر من 104 مستوطنات ومزارع استيطانية جديدة، ولا ينفصل هذا التوجه عن مسار تمويلي متصاعد بالتوازي:

 ففي مايو 2026 صادقت حكومة الاحتلال على ميزانية قدرها 1.075 مليار شيكل (نحو 270-337 مليون دولار) للفترة 2026-2028 لشق طرق تربط المستوطنات الجديدة وتعزل التجمعات الفلسطينية، فيما خصصت ميزانية 2026 مبلغ 847 مليون شيكل كالتزام متعدد السنوات لوزارة شؤون الاستيطان وحدها، في وقت خفّضت فيه الحكومة ميزانيات وزارات أخرى لتغطية نفقات الحرب.

 هذا التزامن بين نقل صلاحيات الحماية المدنية للمستوطنين وضخ موازنات استثنائية لبنيتهم التحتية يعزز قراءة الورقة بأن القرار جزء من حزمة مؤسسية متكاملة لا إجراء منعزل.

 ودمج اقتصاد هذه المستوطنات وإدارتها المدنية بالكامل في مؤسسات الكيان يفتح الباب أمام:

  • تسهيل ترخيص البؤر الاستيطانية القائمة بالأمر الواقع وتحويلها إلى مستوطنات معترف بها رسمياً.
  • توفير غطاء شرطي-مدني لعمليات الاستيلاء على أراضي الرعي والزراعة الفلسطينية في المنطقة (ج)، التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية.
  • تعميق السيطرة على الموارد الحيوية، وبخاصة المياه والمحميات الطبيعية، وحرمان التجمعات الفلسطينية المجاورة منها.

تاسعاً: السيناريوهات المستقبلية

استناداً إلى المسار المؤسسي الموصوف أعلاه، وإلى معايير ثلاثة هي: درجة التماسك بين مؤسسات الاحتلال (الجيش والشرطة والحكومة)، وحجم الضغط الدولي الفعلي لا التصريحي، ومدى استعداد الحكومة لتحمل كلفة سياسية مقابل تسريع الضم، يمكن استشراف أربعة سيناريوهات:

التنفيذ الكامل خلال الجدول الزمني المعلن (أسبوعان): احتمال متوسط إلى مرتفع في ضوء الاستكمال الميداني السريع للمرحلتين السابقتين (2023 و2024) دون عوائق تُذكر.

التنفيذ التدريجي مع إبقاء دور أمني للجيش: هو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القصير، نظراً لتحذيرات ميدانية فلسطينية من فراغ أمني مؤقت أثناء الانتقال؛ وهو أيضاً الأخطر على المدى المتوسط لأنه يكرّس الاندماج المدني دون إعلان ضم رسمي يستدعي رد فعل دولي حاداً.

التجميد أو الإبطاء: وارد في حال نشوء خلافات مؤسسية بين قيادة الجيش والمستوى السياسي، أو ضغط أميركي مباشر شبيه بما مارسه السفير الأميركي في واقعة قصرة، لكنه على الأرجح لن يُغيّر الاتجاه العام.

التوسع نحو ضم قانوني صريح: احتمال منخفض نسبياً في المدى القصير نظراً للكلفة الدبلوماسية المرتفعة، لكنه يبقى الأفق الذي يسعى إليه تيار سموتريتش-بن غفير صراحة.

الخلاصة

نقل صلاحيات إنفاذ القانون المدني بحق المستوطنين من الجيش إلى الشرطة ليس حدثاً معزولاً، بل استكمال منطقي لمسار بدأ فعلياً في فبراير 2023 وتعزز في مايو 2024، ويهدف إلى تحرير الوجود الاستيطاني تدريجياً من القيد الشكلي للاحتلال العسكري المؤقت.

 وحتى تاريخ إعداد هذه الورقة، لا تزال الخطة في طور الإعداد لا التنفيذ الكامل، لكن مجرد صدور التوجيه السياسي، مقروءاً في سياق مذكرة سموتريتش-غالانت والأمر العسكري اللاحق لها، يشكل مؤشراً موثقاً على اتجاه راسخ لا خطوة عابرة.

الواقع المفروض ميدانياً، مهما طال أمده، لا ينشئ حقاً قانونياً في السيادة، فقرار مجلس الأمن 2334 لا يزال نافذاً، وفتوى محكمة العدل الدولية لعام 2024 أكدت عدم شرعية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض المحتلة.

 وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إدانة القرار سياسياً فحسب، بل في تحويل كل خطوة إدارية جديدة إلى ملف قانوني وسياسي واقتصادي قابل للمساءلة.

تقدير المركز

يرى المركز أن نقل صلاحيات إنفاذ القانون المدني عن المستوطنين من الجيش إلى الشرطة الإسرائيلية يمثل مؤشراً موثقاً على انتقال المشروع الاستيطاني من مرحلة الحماية العسكرية إلى مرحلة الاندماج المؤسسي والمدني، بوصفه استكمالاً لمسار بدأ في فبراير 2023 لا اجتهاداً سياسياً منفرداً لوزير الحرب الحالي.

 ويؤكد المركز أن مواجهة هذا المسار تستلزم الانتقال من الإدانة السياسية إلى بناء ملفات قانونية ودبلوماسية واقتصادية محددة زمنياً، تربط كل مرحلة من مراحل الاندماج المدني للاستيطان بمسؤولية قانونية قابلة للمساءلة أمام الهيئات الدولية.

التوصيات

أولاً: على الصعيد الوطني الفلسطيني والميداني

  1. تفعيل لجان الحراسة الشعبية الليلية والنهارية في القرى المحاذية للمستوطنات، مع إعطاء أولوية للتجمعات التي حذرت التقارير من تعرضها لفراغ أمني مؤقت أثناء انتقال الصلاحيات.
  2. دعم صمود المزارعين والتجمعات البدوية في المنطقة (ج) زراعياً واقتصادياً، بوصفها الفئة الأكثر عرضة للتهجير بحسب بيانات أوتشا.

ثانياً: على الصعيد العربي والإسلامي

3. تحرك دبلوماسي عاجل عبر جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي لربط استمرار العلاقات مع حكومة الاحتلال بوقف مسار الاندماج المدني للاستيطان.

4. تمويل صناديق طوارئ لدعم بقاء السكان الفلسطينيين في مناطق الاستهداف المباشر بالقرب من المستوطنات.

ثالثاً: على الصعيد الدولي والحقوقي

5. تقديم ملف قانوني عاجل إلى المحكمة الجنائية الدولية يوثق القرار في سياقه التراكمي منذ 2023، استناداً إلى عناصر جريمة الفصل العنصري في المادة 7(1)(ي) و7(2)(ح) من نظام روما الأساسي.

6. حث الدول والمؤسسات الدولية على فرض عقوبات فردية ومؤسسية على المسؤولين عن تسييس الجهاز الشرطي، وربط ذلك بآليات متابعة تنفيذ فتوى محكمة العدل الدولية لعام 2024.

© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أغسطس 2026 — جميع الحقوق محفوظة

شارك:

المزيد من المقالات

تفكيك شبكات عملاء الاحتلال في قطاع غزة: من العميل الفرد إلى الشبكات المسلحة، في ضوء التجربة التاريخية والمقارنة (2023–2026)

ورقة تحليلية تكشف تحوّل شبكات التعاون مع الاحتلال في غزة من العميل الفرد إلى المليشيا المسلحة، وتقارنها بتجربة جيش لبنان الجنوبي، مع قراءة قانونية لحدود الملاحقة والعقاب.