من إدانة الاستيطان إلى فرض الكُلفة: هل بدأ الكيان الإسرائيلي يدفع ثمن مشروع الضم؟

تقدير موقف- أ. إبراهيم الحواجري| خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
أعلنت في 8-9 سبتمبر 2026 اثنتا عشرة دولة غربية (كندا وإحدى عشرة دولة أوروبية) نيّتها تقييد التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية، في أوسع تحرك جماعي من نوعه، ردًا على طرح الحكومة الإسرائيلية مناقصات لنحو 1200 وحدة استيطانية في منطقة E1 وتصاعد عنف المستوطنين.
جاء الرد الإسرائيلي فوريًا وحادًا: إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، وطرد ممثلين بريطانيين من مركز تنسيق المساعدات في كريات جات، ووقف تدريب قوات أمن السلطة الفلسطينية، ومنع 12 برلمانيًا وناشطًا بريطانيًا من دخول الكيان الإسرائيلي.
غير أن الحجم الفعلي للتجارة المستهدفة – يُقدَّر بنحو 250 مليون يورو سنويًا – لا يتجاوز نسبة هامشية (أقل من 1%) من إجمالي التبادل التجاري الإسرائيلي الأوروبي البالغ نحو 43.3 مليار يورو، ما يجعل الأثر الاقتصادي المباشر رمزيًا في المدى القريب أكثر منه فعليًا.
تخلص الورقة إلى أن الكيان الإسرائيلي بدأ بالفعل يتحمل كلفة سياسية ودبلوماسية غير مسبوقة، لكن الكلفة الاقتصادية الحقيقية ما تزال هامشية، وأن مسار التصعيد رهين بثلاثة متغيرات: مدى نجاح الدول الأوروبية في تجاوز الانقسام الداخلي (خصوصًا حول تعليق اتفاقية الشراكة مع الكيان)، وموقف واشنطن الذي لا يزال بين الصمت والرفض الضمني، ومصير مشروع E1 نفسه.

المقدمة

يُعد الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية إحدى الأدوات الرئيسية لفرض وقائع جديدة على الأرض وعرقلة قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة.

 وعلى مدى عقود، اقتصرت غالبية المواقف الدولية على الإدانة والمطالبة بوقف الاستيطان دون فرض كلفة عملية قادرة على ردعه.

غير أن إعلان اثنتي عشرة دولة غربية في 8-9 سبتمبر 2026 عزمها تقييد تجارة السلع مع المستوطنات، إلى جانب تصاعد عنف المستوطنين وطرح مناقصات استيطانية جديدة في منطقة E1، يطرحان تحولًا يستحق الفحص الدقيق: هل يمثل هذا فعلًا انتقالًا نوعيًا من الإدانة إلى فرض الكلفة، أم أنه تصعيد رمزي في حدوده الفعلية؟

تسعى هذه الورقة إلى تحليل مدى جدية هذا التحول الغربي، وحجم تأثيره الفعلي – اقتصاديًا وسياسيًا وقانونيًا – على مشروعي الاستيطان والضم، وأسباب حدة الرد الإسرائيلي، والعوامل التي لا تزال تحد من اتساع العقوبات، والسيناريوهات المحتملة لمسار التصعيد بين الكيان الإسرائيلي وحلفائه الغربيين.

أولًا: خلفية تاريخية – من الإدانة إلى العقوبة

تطور الموقف الغربي تجاه الاستيطان عبر ثلاثة مستويات متداخلة زمنيًا لا مستويات متعاقبة بشكل صارم، إذ ظل المستوى الأول قائمًا حتى مع بروز المستويين اللاحقين:

المستوى الأول: الإدانة السياسية المحضة

امتد لعقود، واقتصر على بيانات الاستنكار والتعبير عن القلق في المحافل الدولية دون أي تبعات عملية على العلاقات الثنائية مع الكيان الإسرائيلي.

المستوى الثاني: التمييز القانوني ووسم المنتجات

بدأ تدريجيًا في العقد الماضي، وتُرجم في التمييز بين أراضي 1948 والأراضي المحتلة عام 1967، وقرارات الاتحاد الأوروبي لوسم منتجات المستوطنات لإعلام المستهلك بمصدرها، واستثنائها من التفضيلات الجمركية ومن برامج التمويل الأوروبية.

المستوى الثالث: العقوبات المباشرة وتقييد التجارة

بدأ هذا المستوى فعليًا في فبراير 2024 حين وقّع الرئيس الأمريكي جو بايدن أمرًا تنفيذيًا (14115) يفرض عقوبات مالية على مستوطنين متطرفين، شملت على مدى عام واحدًا وثلاثين فردًا وكيانًا.

غير أن هذا المسار الأمريكي انقطع بسرعة: في أول يوم من ولايته الثانية (20 يناير 2025)، ألغى الرئيس دونالد ترامب هذا الأمر التنفيذي بالكامل، وأفرجت وزارة الخزانة الأمريكية عن كل الأصول المجمّدة، في خطوة رحّب بها اليمين الإسرائيلي واعتبرتها حكومة نتنياهو تصحيحًا لتدخل أمريكي غير مبرر.

في المقابل، واصل الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وكندا مسارهما الخاص بمعزل عن واشنطن: فرضت هذه الدول عقوبات على مستوطنين وكيانات متورطة في العنف، ثم توسع الاتحاد الأوروبي – بعد سقوط الفيتو الهنغاري إثر خسارة فيكتور أوربان الانتخابات في إبريل 2026 وتولي بيتر ماجار الحكم – إلى إقرار أول حزمة عقوبات أوروبية موحدة على مستوطنين في 11 مايو 2026، استهدفت ثلاثة أفراد وأربعة كيانات استيطانية.

وقد شكّل إعلان 8-9 سبتمبر 2026 قفزة نوعية داخل هذا المستوى الثالث: من عقوبات فردية على أشخاص وكيانات، إلى قيود تجارية جماعية تستهدف منظومة الاستيطان الاقتصادية ذاتها.

ثانيًا: ماذا حدث في 8-9 سبتمبر 2026؟

أعلنت اثنتا عشرة دولة – كندا، والدنمارك، وفنلندا، وفرنسا، وأيسلندا، وأيرلندا، والنرويج، وبولندا، والبرتغال، وإسبانيا، والسويد، والمملكة المتحدة – في بيان مشترك صادر عن وزراء خارجيتها، عزمها إدخال قيود وطنية على تجارة السلع مع المستوطنات، أو دعم قيود أوروبية شاملة على هذه التجارة.

وربط البيان هذه الخطوة مباشرة بقرار الحكومة الإسرائيلية نشر مناقصات لبناء نحو 1200 وحدة استيطانية جديدة في منطقة E1 شرقي القدس، مع الإشارة إلى أن توسع الاستيطان وتصاعد عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين باتا يهددان “إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة”.

وذهبت بريطانيا إلى أبعد من البيان المشترك: أعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند أمام مجلس العموم حظرًا فوريًا لاستيراد كل السلع القادمة من المستوطنات، وحظرًا على الإعلان الترويجي لها، واصفًا ما يجري في أجزاء من الضفة الغربية بأنه “تطهير عرقي يرتكبه إرهابيو المستوطنين”، ومتهمًا الحكومة الإسرائيلية بـ”غض الطرف” عنه.

يلاحظ أن البيان المشترك، رغم حدة لهجته، تضمن أيضًا اعترافًا بـ”الهواجس الأمنية الإسرائيلية” وإدانة لعملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023 – وهو ما يعكس محاولة الدول الموقّعة تأطير خطوتها كدفاع عن حل الدولتين لا كموقف مناهض للكيان الإسرائيلي ذاته.

ثالثًا: خارطة الإجراءات الغربية

التاريخالحدثالدلالة
فبراير 2024الرئيس الأمريكي بايدن يوقّع أمرًا تنفيذيًا بفرض عقوبات على مستوطنين متطرفين (31 فردًا وكيانًا خلال عام)كسر أمريكي مؤقت لتابو معاقبة إسرائيليين، سرعان ما انعكس
يناير 2025الرئيس ترامب يلغي الأمر التنفيذي فور توليه المنصب، ويُفرج عن الأصول المجمّدةانسحاب أمريكي كامل من مسار العقوبات على المستوطنين
مايو 2026الاتحاد الأوروبي يقرّ أول حزمة عقوبات موحدة على 3 مستوطنين و4 كيانات، بعد سقوط الفيتو الهنغاريكسر الجمود الأوروبي الداخلي في ملف عقوبات الأفراد فقط
8-9 سبتمبر 202612 دولة (كندا و11 أوروبية) تعلن تقييد التجارة مع المستوطنات؛ بريطانيا تفرض حظر استيراد فوريًاالانتقال من عقوبات الأفراد إلى استهداف منظومة الاستيطان الاقتصادية
8 سبتمبر 2026 (الرد الإسرائيلي)إغلاق القنصلية البريطانية بالقدس، طرد ممثلين من مركز كريات جات، وقف تدريب أمن السلطة، حظر دخول 12 بريطانيًاتصعيد دبلوماسي غير مسبوق مع حليف أوروبي رئيسي

رابعًا: لماذا أصبح مشروع E1 نقطة التحول؟

يُعد مشروع E1 الاستيطاني، الذي يهدف إلى ربط مستوطنة “معاليه أدوميم” بالقدس، أحد أكثر المشاريع الاستيطانية حساسية جغرافيًا وسياسيًا، للأسباب التالية:

الفصل الجغرافي: تنفيذ المشروع يقسم الضفة الغربية إلى شطرين شمالي وجنوبي، ويعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، بما يجعل التواصل الجغرافي لدولة فلسطينية شبه مستحيل.

تجاوز خط أحمر غربي قديم: اعتبرت واشنطن وعواصم أوروبية عديدة، منذ سنوات، مشروع E1 خطًا أحمر؛ والإعلان عن مناقصات بناء فعلية لنحو 1200 وحدة فيه هو ما شكّل الحافز المباشر لبيان الدول الاثنتي عشرة، وليس تراكمًا عامًا لعنف المستوطنين وحده.

بعبارة أخرى: العلاقة السببية هنا محددة – المناقصات الفعلية في E1 هي الشرارة، وتصاعد عنف المستوطنين هو السياق الداعم، لا العكس.

خامسًا: عقوبات المستوطنين مقابل عقوبات الاستيطان

من الضروري التمييز بين نوعين مختلفين جوهريًا من العقوبات الغربية:

عقوبات المستوطنين (طابع جنائي – أمني)

تستهدف أفرادًا أو كيانات بعينها (مثل عصابات “تدفيع الثمن”) بسبب تورطها في عنف مباشر، عبر تجميد الحسابات ومنع تأشيرات السفر.

 هذا هو المسار الذي بدأته إدارة بايدن ثم ألغته إدارة ترامب، وهو أيضًا مسار العقوبات الأوروبية الصادرة في مايو 2026.

عقوبات الاستيطان (طابع سياسي – اقتصادي)

تستهدف “المنظومة” بأكملها – الشركات والمصانع والمنتجات الزراعية والصناعية العاملة في المستوطنات – وهي الأخطر بالنسبة للكيان الاسرائيلي لأنها تسعى إلى تجفيف مصادر التمويل ونزع الغطاء الاقتصادي عن مشروع الضم.

هذا هو النوع الذي دشّنه إعلان 8-9 سبتمبر 2026، ويمثل انتقالًا من معاقبة سلوك فردي إلى معاقبة سياسة دولة.

سادسًا: هل بدأ الكيان الإسرائيلي فعلًا يدفع ثمن مشروع الضم؟

الإجابة الدقيقة: بدأت كلفة سياسية ودبلوماسية ملموسة، بينما لا تزال الكلفة الاقتصادية المباشرة هامشية، والأدلة على ذلك:

1. الكلفة الاقتصادية: حجم محدود لكنه ذو دلالة

يقدَّر إجمالي التبادل التجاري بين الاتحاد الأوروبي والكيان الإسرائيلي بنحو 43.3 مليار يورو عام 2025 (نحو 50 مليار دولار)، منها 28 مليار يورو صادرات أوروبية إلى الكيان الإسرائيلي و15.3 مليار يورو واردات أوروبية منها، في حين تُقدَّر صادرات المستوطنات وحدها بما لا يتجاوز 250 مليون يورو سنويًا وفق تقديرات منظمات حقوقية أوروبية – أي أقل من 1% من إجمالي التبادل.

كما أن التبادل التجاري بين بريطانيا والكيان الإسرائيلي بلغ 3.73 مليار دولار عام 2025، بينما رصد تحقيق صحفي وجود 17 شركة مرتبطة بالمستوطنات غير الشرعية تحتفظ بعقود مع القطاع العام البريطاني تفوق قيمتها 2.1 مليار جنيه إسترليني.

هذا يعني أن الحظر التجاري الحالي، وإن كان محدود الأثر المباشر على الاقتصاد الكلي الإسرائيلي، يخلق سابقة قانونية وسياسية قابلة للتوسع مستقبلًا نحو قطاعات أكبر كالعقود العامة والاستثمار.

2. الكلفة الدبلوماسية: تصعيد غير مسبوق مع حليف أوروبي رئيسي

إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية – المسؤولة عن إدارة علاقات لندن بالسلطة الفلسطينية – ووقف برنامج تدريب قوات أمن السلطة، وحظر دخول اثني عشر برلمانيًا وناشطًا بريطانيًا، تمثل جميعها مستوى من القطيعة لم تشهده العلاقات الإسرائيلية البريطانية منذ عقود.

3. الكلفة على القطاع الخاص والاستثمار

تحذير الحكومات الأوروبية للشركات من التعامل مع كيانات استيطانية يرفع المخاطر القانونية والسمعية على أي طرف تجاري يواصل الاستثمار في المستوطنات، وهو أثر تراكمي أبطأ من العقوبات المباشرة لكنه أكثر ديمومة.

4. الكلفة السياسية والقانونية

يتحول ملف الاستيطان تدريجيًا من قضية سياسية بحتة إلى قضية قانونية-اقتصادية تمس علاقات الكيان الإسرائيلي ببنيته التجارية مع أقرب حلفائه، بالتوازي مع تصلب الأساس القانوني الدولي المُستخدم لتبرير هذه الإجراءات (انظر القسم التاسع).

سابعًا: لماذا كان الرد الإسرائيلي بهذه الحدة؟

نسّق وزير الخارجية الإسرائيلي غدعون ساعر ردّه مع رئيس الوزراء نتنياهو مباشرة، واصفًا الخطوة البريطانية بأنها “تدخل سافر” في الشؤون الإسرائيلية، وربطها بالانتخابات الإسرائيلية المقررة أواخر أكتوبر 202612.

وشملت أبرز الإجراءات الإسرائيلية المضادة لبريطانيا:

  • إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، المسؤولة عن ملف العلاقات مع السلطة الفلسطينية.
  • طرد الممثلين البريطانيين من مركز التنسيق المدني-العسكري في كريات جات، المرتبط بالمساعدات الموجهة لغزة.
  • وقف برنامج التدريب البريطاني لقوات أمن السلطة الفلسطينية في رام الله.
  • منع 12 شخصية بريطانية (11 نائبًا برلمانيًا ومحاميًا واحدًا) من دخول الكيان، بينهم جيرمي كوربن وزارا سلطانة وديان أبوت.

تفسير هذه الحدة لا يقتصر على الحسابات الانتخابية الداخلية؛ فهو يعكس أيضًا إدراك المؤسسة الإسرائيلية أن الخطوة البريطانية – بصفتها الدولة الأكثر تنسيقًا مع الاتحاد الأوروبي بعد بريكست – قد تشكل نموذجًا يُحتذى لدول أخرى، ما يفسر استهداف بريطانيا تحديدًا بردٍّ أشد من الرد على بقية الدول الموقّعة على البيان.

ثامنًا: لماذا تبقى العقوبات محدودة الأثر حتى الآن؟

رغم أهمية هذه التطورات، لا تزال العقوبات دون المستوى الذي يهدد استقرار الاقتصاد الإسرائيلي الكلي، لأسباب عدة:

غياب إجماع أوروبي شامل

صحيح أن سقوط الفيتو الهنغاري في مايو 2026 سمح بإقرار أول حزمة عقوبات أوروبية موحدة على مستوطنين أفراد، إلا أن المقترح الأكثر جذرية – تعليق اتفاقية الشراكة الأوروبية-الإسرائيلية بأكملها، الذي تدفع نحوه إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا – لا يزال يصطدم بمعارضة ألمانيا وإيطاليا والتشيك، إذ يتطلب توافقًا أوسع من عقوبات الأفراد.

وبعبارة أخرى: الفيتو الهنغاري كان يعرقل عقوبات الأفراد فقط، وقد سقط؛ أما تعليق الاتفاقية التجارية الشاملة – وهو الإجراء الأكثر إيلامًا للكيان الإسرائيلي – فيواجه معارضة من دول أكبر ثقلًا داخل الاتحاد، وهذا هو الجدار الحقيقي المتبقي أمام تصعيد العقوبات.

أسواق بديلة واحتفاظ الكيان الإسرائيلي بعلاقات تجارية متنوعة

يحتفظ الكيان الإسرائيلي بعلاقات تجارية متنامية مع أسواق آسيوية وأفريقية، ما يخفف – ولو جزئيًا – من الأثر الكلي لأي تقييد تجاري أوروبي محدود النطاق.

موقف أمريكي غير حاسم

كما سيتضح في القسم التالي، لم تنضم الإدارة الأمريكية إلى حظر التجارة، ما يبقي للكيان الإسرائيلي مظلة سياسية-اقتصادية تحول دون تحوّل الضغط الغربي إلى حصار شامل ومنسق.

تاسعًا: موقف الولايات المتحدة – العامل الحاسم غير المحسوم

يمر الموقف الأمريكي بمفارقة لافتة تستحق تفكيكًا أدق مما اعتادت عليه القراءات السريعة:

فمن جهة، كانت إدارة ترامب هي التي ألغت في يناير 2025 عقوبات المستوطنين التي فرضتها إدارة بايدن، في خطوة اعتُبرت انتصارًا لـ”لوبي المستوطنات” داخل الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة، ومن جهة أخرى، ورغم أن رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام أطلع الرئيس ترامب على تفاصيل حزمة العقوبات قبل الإعلان عنها، لم تُصدر الإدارة الأمريكية ولا وزير خارجيتها ماركو روبيو أي إدانة للدول الاثنتي عشرة – وهو ما وصفته شبكة CNN بأنه “تطور لافت” من إدارة تصف نفسها بأنها الأكثر دعمًا للكيان الإسرائيلي في التاريخ.

وينقل مسؤولون أمريكيون وأوروبيون أن هذا الصمت قد يعكس امتعاضًا متزايدًا داخل البيت الأبيض من سياسة حكومة نتنياهو الاستيطانية، خصوصًا أن مشروع E1 لم يحظَ يومًا بدعم أمريكي من الحزبين.

هذه القراءة الأدق تُبقي على الاستنتاج الجوهري: أن الولايات المتحدة لا تزال العامل الحاسم في تحديد سقف أي تصعيد مقبل، لكنها تضيف له تفصيلًا مهمًا: الصمت الأمريكي الحالي ليس تأييدًا ولا معارضة، بل تردد قد ينكسر في أي اتجاه، ويستحق متابعة دقيقة أكثر من افتراض ثبات “المظلة الأمريكية” في شكلها التقليدي.

عاشرًا: التداعيات

على القضية الفلسطينية

1.  كسر قاعدة الإفلات من العقاب: الأهمية الفلسطينية للعقوبات لا تكمن في قيمتها المالية بل في الرسالة السياسية – أن الاستيطان لم يعد بلا كلفة دولية.

2.  إعادة الاعتبار للقانون الدولي: ربط بيان الدول الاثنتي عشرة إجراءاتها مباشرة بعدم شرعية الاستيطان، بما يتسق مع فتوى محكمة العدل الدولية الصادرة في 19 يوليو 2024، والتي قضت بأن الوجود الإسرائيلي المستمر في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وألزمت جميع الدول بعدم “تقديم العون أو المساعدة” في الإبقاء على هذا الوضع، وبعدم الاعتراف به.

3.  دعم فكرة الدولة الفلسطينية: ربط الدول المشاركة إجراءاتها بحماية حل الدولتين يجعل مستقبل الاستيطان مرتبطًا مباشرة بمستقبل مشروع الدولة الفلسطينية في الخطاب الغربي الرسمي.

على السلطة الفلسطينية

قرار الحكومة الإسرائيلية وقف برنامج تدريب أمن السلطة لا يمثل مجرد رد فعل على بريطانيا، بل يحمل رسالة للدول التي تتعامل مع مؤسسات السلطة الفلسطينية.

 وتبرز هنا مفارقة: الدول الغربية تعلن حرصها على حل الدولتين، بينما تسعى الحكومة الإسرائيلية في الوقت نفسه إلى تقليص مساحة عمل السلطة على الأرض – ما يجعل استمرار العقوبات الغربية مرتبطًا مستقبلًا بمصير السلطة نفسها لا بالمستوطنات فقط.

على مشروع الضم

4. ارتفاع كلفة أي خطوة إضافية نحو الضم، إذ باتت مرتبطة باحتمال إجراءات دولية جديدة.

5. زيادة المخاطر القانونية والسمعية على الشركات الأوروبية العاملة في مشاريع البنية التحتية والبناء داخل المستوطنات.

6. تصاعد عزلة التيار الاستيطاني، الذي انتقل من مواجهة معارضة فلسطينية إلى مواجهة عقوبات غربية مباشرة.

7. تحوّل E1 إلى اختبار دولي حقيقي: تنفيذ المشروع رغم العقوبات المعلنة سيكشف مدى استعداد الغرب لتحويل التحذير إلى عقوبة فعلية موسّعة.

8. تسييس متزايد للعلاقات الأوروبية-الإسرائيلية، بحيث يصبح ملف الاستيطان جزءًا لا يتجزأ من أي حوار مستقبلي بينهما.

حادي عشر: السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: التصعيد المتبادل (احتمال متوسط إلى مرتفع في الأفق القريب)

تمضي الحكومة الإسرائيلية في تنفيذ مناقصات E1 الفعلية، فتردّ العواصم الغربية بتوسيع العقوبات لتشمل بنوكًا وشركات كبرى.

المؤشر الحاسم لتفعيل هذا المسار: بدء أعمال بناء فعلية (لا مناقصات فقط) في E1 خلال الأشهر المقبلة، أو نجاح إسبانيا وأيرلندا في كسر معارضة ألمانيا لتعليق اتفاقية الشراكة.

السيناريو الثاني: الاحتواء وتجميد الأزمة (احتمال قائم بالتوازي مع الأول)

تتراجع الحكومة الإسرائيلية تكتيكيًا عن الشروع الفعلي في E1 دون التخلي عنه رسميًا، مقابل تجميد أوروبي للخطوات العقابية والعودة إلى الدبلوماسية الهادئة، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع نتائج الانتخابات الإسرائيلية المقررة أواخر أكتوبر 2026.

السيناريو الثالث: تأثير الدومينو والقطيعة (احتمال أدنى في المدى المنظور، مرهون بموقف واشنطن)

تتسع رقعة الدول المقاطعة لتشمل دولًا من خارج القارة الأوروبية، وربما انضمام أمريكي جزئي، ما قد يقود إلى قطيعة دبلوماسية أوسع.

 مؤشره الحاسم: أي تحول ملموس في الموقف الأمريكي من الصمت الحالي إلى انضمام فعلي – ولو جزئي – لتقييد التجارة.

التقدير النهائي للمركز

تُظهر ديناميكيات 2026 أن سياسة الإفلات من العقاب التي تمتع بها الكيان الإسرائيلي لعقود بدأت تتآكل، لكن بوتيرة أبطأ وأكثر تحفظًا مما توحي به حدة الخطاب الدبلوماسي والإعلامي المرافق للحدث.

فالانتقال من عقوبات الأفراد إلى تقييد التجارة الجماعي يمثل تحولًا نوعيًا في الأداة المستخدمة، بصرف النظر عن محدودية حجمها الحالي (أقل من 1% من التبادل التجاري الأوروبي-الإسرائيلي).

يرى المركز أن دولة الاحتلال بدأت تدفع ثمنًا سياسيًا ودبلوماسيًا ملموسًا، بينما لا يزال الثمن الاقتصادي دون المستوى الذي يهدد المشروع الاستيطاني ذاته.

وسيبقى مسار الأشهر المقبلة – تحديدًا مصير مناقصات E1 الفعلية، ونتيجة الجدل الأوروبي الداخلي حول تعليق اتفاقية الشراكة، ومآل الصمت الأمريكي الحالي – هو الاختبار الحقيقي لما إذا كان الغرب قد انتقل فعليًا من “إدانة الاستيطان” إلى “فرض كلفة” عليه بما يكفي لتغيير حساباته.

التوصيات

  1. توظيف هذا التحول دبلوماسيًا عبر الدفع نحو قرار أممي يستند صراحة إلى فتوى محكمة العدل الدولية الصادرة في يوليو 2024، ويُلزم الدول الأعضاء بترجمة التزامها القانوني بـ”عدم تقديم العون أو المساعدة” إلى تدابير تجارية ملموسة، بدلًا من تركه التزامًا معنويًا.
  2. البناء على بيان الدول الاثنتي عشرة كوثيقة مرجعية للضغط على دول أوروبية أخرى لم توقّع بعد (بلجيكا، هولندا، لوكسمبورغ من بين المرشحين المحتملين نظرًا لمواقفها السابقة) للانضمام إليه.
  3. تزويد صناع القرار الغربيين ببيانات موثقة ومحدّثة دوريًا حول حجم التجارة الفعلي مع المستوطنات وأسماء الشركات المتورطة، على غرار قوائم مركز “من يربح” (WhoProfits) ومنظمة CIDSE، لسد الفجوة المعلوماتية التي تحول دون توسيع نطاق العقوبات من الأفراد إلى الشركات.
  4. توثيق العلاقة المباشرة بين كل توسع استيطاني جديد وخرق فتوى محكمة العدل الدولية، لتوفير أساس قانوني جاهز لأي دولة تدرس اتخاذ إجراءات جديدة.
  5. المبادرة إلى رفع دعاوى أمام محاكم أوروبية وطنية ضد الشركات متعددة الجنسيات النشطة في المستوطنات، استنادًا إلى فتوى محكمة العدل الدولية وإلى الأساس القانوني الذي استندت إليه الدول الاثنتا عشرة في بيانها.
  6. رصد أي محاولة إسرائيلية للالتفاف على قيود التصدير عبر إعادة تصنيف منشأ المنتجات أو تصديرها عبر أطراف ثالثة، ورفع هذا الرصد فورًا إلى الجهات الجمركية الأوروبية والبريطانية المعنية.
  7. استثمار القطيعة الإسرائيلية الحالية مع لندن، سياسيًا لا خطابيًا فقط، عبر الدفع نحو خطوة بريطانية أو كندية ملموسة إضافية – كالاعتراف الرسمي بالدولة الفلسطينية إن لم يكن قد تم بعد، أو تثبيت التزام زمني بمراجعة العقود العامة المرتبطة بشركات مستوطنات.
  8. متابعة مسار الانتخابات الإسرائيلية المقررة أواخر أكتوبر 2026 عن كثب، بوصفها متغيرًا مباشرًا في تحديد ما إذا كانت الحكومة القادمة ستمضي في مناقصات E1 الفعلية أم تجمّدها تكتيكيًا.

© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية سبتمبر  2026 — جميع الحقوق محفوظة

شارك:

المزيد من المقالات

منطق الإحلال المتجدد: التهجير كبنية مستمرة في المشروع الاستيطاني الصهيوني، من الترانسفير التأسيسي إلى خطط ما بعد وقف إطلاق النار في غزة

ورقة تحليلية توثّق امتداد خطط تهجير غزة الراهنة (فك الارتباط 710، الجزيرة الاصطناعية) إلى منطق إحلال استيطاني تأسيسي، وتحلل حدوده الأمريكية والعربية والدولية بعد وقف إطلاق النار.