تحليل سياسات-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
الملخص التنفيذي
شهدت الضفة الغربية مؤخرًا سلسلة قرارات إسرائيلية وصفت بالتاريخية، شملت إلغاء القانون الأردني الخاص بملكية الأراضي ونقل صلاحيات التسوية إلى وزارة القضاء الإسرائيلية، وتوسيع صلاحيات الجيش والإدارة المدنية في مناطق (A) و(B) .
تمثل هذه الإجراءات مرحلة متقدمة من الضم الزاحف، إذ تُحوّل السيطرة على الأراضي الفلسطينية من إدارة مؤقتة إلى سيادة فعلية مدعومة قانونيًا وإداريًا.
تؤدي هذه السياسات إلى مصادرة مئات آلاف الدونمات، خصوصًا في المناطق المصنفة (C) والأغوار، وتفكيك التجمعات الفلسطينية إلى كانتونات معزولة، ما يقوّض إمكان قيام دولة فلسطينية متصلة.
تشير القرارات والتصريحات الإسرائيلية إلى أن هذه الخطوات جزء من استراتيجية طويلة الأمد لإعادة هندسة الوضع الجغرافي والديمغرافي والقانوني للضفة الغربية.
وتفرض المرحلة على الفلسطينيين والأطراف الإقليمية والدولية إعادة تقييم أدوات المواجهة القانونية والسياسية، بما يشمل التوثيق القانوني، الصمود الميداني، والدبلوماسية المتخصصة، لمنع ترسيخ واقع ضم دائم.
مقدمــــة
شهدت الضفة الغربية خلال الأسابيع والأشهر الأخيرة سلسلة قرارات وإجراءات إسرائيلية غير مسبوقة، وُصفت داخل الأوساط الرسمية والإعلامية الإسرائيلية بأنها “تاريخية”، لما تحمله من دلالات تتجاوز مجرد إدارة الاحتلال، إلى إعادة هندسة الوضع القانوني والإداري للأراضي الفلسطينية، وتكمن خطورة هذه القرارات ليس فقط في إجراءاتها الشكلية، بل في كونها تعكس تحوّلًا في مقاربة الحكومة الإسرائيلية للضفة الغربية، عبر الانتقال التدريجي من منطق السيطرة العسكرية المؤقتة إلى منطق السيادة والضم الفعلي، مع خلق واقع قانوني ومؤسسي جديد يصعب تفكيكه مستقبلاً.
تستهدف هذه الورقة قراءة هذه الخطوات كحلقة متقدمة في مسار تراكمي، يسعى إلى فرض وقائع قانونية وجغرافية دائمة على الأرض، بما يؤدي إلى مصادرة مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، خصوصًا في المناطق المصنفة (C) وفي الأغوار، ويقوّض قدرة أي كيان فلسطيني على البقاء متصلاً وجغرافيًا وقابلًا للحياة.
وتنطلق الورقة من فرضية مفادها أن القرارات الأخيرة لا تمثل إجراءات إدارية عابرة أو مؤقتة، بل تشكل إطارًا مؤسسيًا وقانونيًا للضم الزاحف، يتم تنفيذه من خلال أدوات قانونية وتشريعية وإدارية وأمنية متداخلة، ما يخلق واقعًا تدريجيًا يكرّس الهيمنة الإسرائيلية ويحدّ من أي خيارات للتسوية السياسية المستقبلية.
أولًا: القرارات الإسرائيلية الأخيرة – مضمونها وسياقها
في الثامن من شباط/فبراير الجاري، صادق المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر (الكابينت) على حزمة قرارات تتعلق بالضفة الغربية، جرى توصيفها داخل الأوساط الرسمية والإعلامية والاستيطانية الإسرائيلية بأنها قرارات استراتيجية ذات طابع تاريخي، نظرًا لما تحمله من آثار بعيدة المدى على مستقبل الأرض، وملكية الأراضي، والبنية القانونية الناظمة للاحتلال.
وتندرج هذه القرارات ضمن مسار متدرّج يهدف إلى إعادة تشكيل الإطار القانوني والإداري للضفة الغربية، عبر الانتقال من إدارة عسكرية قائمة على أوامر الطوارئ إلى مقاربة أقرب إلى فرض السيادة الفعلية. ويبرز من بين هذه القرارات ثلاثة محاور مركزية:
أولًا، إلغاء العمل بالقانون الأردني الصادر عام 1953، والذي كان يحظر بيع الأراضي لليهود في الضفة الغربية، ويُعد هذا القرار تحولًا قانونيًا بالغ الخطورة، إذ يزيل أحد آخر الحواجز التشريعية التي كانت، ولو شكليًا، تعيق انتقال ملكية الأراضي الفلسطينية إلى المستوطنين بصورة مباشرة، ويفتح الباب أمام تسريع عمليات الشراء الفردي للأراضي، بما يتجاوز آليات المصادرة التقليدية التي اعتمدها الكيان الإسرائيلي سابقًا تحت مسميات “أراضي دولة” أو “أغراض عسكرية”.
ثانيًا، نقل المسؤولية الكاملة عن مواقع دينية واستيطانية حساسة من بينها الحرم الإبراهيمي في الخليل، ومستوطنة “تل الرميدة”، وموقع “قبة راحيل” في بيت لحم، إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية ولا يقتصر هذا القرار على كونه إجراءً إداريًا، بل يحمل أبعادًا سياسية وأمنية عميقة، إذ يعزز السيطرة الإسرائيلية المباشرة على مواقع ذات رمزية دينية ووطنية، ويُكرّس واقعًا قانونيًا جديدًا يسمح بتوسيع الوجود الاستيطاني وفرض ترتيبات أمنية دائمة في محيطها.
ثالثًا، توسيع صلاحيات الإدارة المدنية والجيش الإسرائيلي للعمل داخل المناطق المصنفة (A) و(B)، بذريعة التعامل مع مواقع أثرية أو مناطق تُعدّ مصادر “تلوث”، ويُشكّل هذا البند سابقة خطيرة، كونه يضرب جوهر التقسيمات التي قامت عليها اتفاقيات أوسلو، ويفتح المجال أمام تدخل إسرائيلي مباشر داخل مناطق كانت تُعدّ، نظريًا، خاضعة للسيطرة المدنية والأمنية الفلسطينية، ما يعني عمليًا توسيع رقعة السيطرة الإسرائيلية وتقليص المساحة المتاحة للإدارة الفلسطينية.
وقد وصفت وسائل إعلام إسرائيلية هذه القرارات بأنها تهدف إلى تعميق السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية وإزالة ما تبقى من قيود قانونية وإجرائية أمام المشروع الاستيطاني، في المقابل، عبّر قادة المجالس الاستيطانية عن قراءتهم لهذه الخطوات باعتبارها تحولًا نوعيًا ينهي مرحلة من القيود الشكلية التي حدّت، في السابق، من قدرة المستوطنين على شراء الأراضي بشكل مباشر أو فرض وقائع ميدانية دون غطاء قانوني واضح.
وتكشف التصريحات الصادرة عن رموز الحركة الاستيطانية أن هذه القرارات تُقرأ إسرائيليًا باعتبارها خطوة متقدمة على طريق ضم الضفة الغربية، وإن جرى تغليفها بخطاب إداري وقانوني لتجنّب الكلفة السياسية والدولية المترتبة على إعلان الضم الرسمي، إذ لم تُخفِ هذه الجهات رغبتها في الذهاب أبعد من ذلك، وصولًا إلى إنهاء ما تبقى من مرجعيات اتفاقيات أوسلو، وإعادة تعريف الضفة الغربية باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من “أرض إسرائيل” وفق الرؤية الأيديولوجية لليمين الحاكم.
ثانيًا: من القرار إلى التطبيق – بدء أخطر مراحل التنفيذ
لم يكد يمضي وقت يُذكر على إقرار حزمة القرارات المشار إليها، حتى شرعت الحكومة الإسرائيلية في ترجمتها عمليًا على الأرض، في مؤشر واضح على أن هذه الخطوات لم تكن ذات طابع نظري أو سياسي فحسب، بل صُممت منذ البداية بوصفها قرارات تنفيذية قابلة للتطبيق السريع. ففي الخامس عشر من شباط/فبراير الجاري، صادقت الحكومة الإسرائيلية على بدء إجراءات شاملة لتسجيل وتسوية الأراضي في الضفة الغربية، في خطوة تُعدّ الأوسع والأخطر من نوعها منذ احتلال عام 1967.
ووفقًا لما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية، ينص القرار على نقل صلاحيات تسوية وتسجيل الأراضي من الإدارة المدنية إلى وزارة القضاء الإسرائيلية، وهو تطور بالغ الدلالة من الناحية القانونية والسياسية، إذ يعكس هذا التحول توجّهًا واضحًا لإخضاع أراضي الضفة الغربية للمنظومة القانونية الإسرائيلية الداخلية، ونزع صفة “الإدارة العسكرية المؤقتة” عنها، بما يقرّبها فعليًا من وضع الأراضي الواقعة داخل الخط الأخضر.
ويستهدف القرار الأراضي المصنفة إسرائيليًا كـ”أراضي دولة” أو “أراضٍ مشاع”، وهي تصنيفات جرى استخدامها تاريخيًا كأدوات مركزية في مشروع الاستيطان، سواء عبر إعلان مساحات واسعة كأملاك حكومية، أو الطعن في الملكيات الخاصة الفلسطينية بحجة غياب التسجيل الرسمي، وتشير التقديرات المتداولة في الأوساط الإسرائيلية إلى أن الحديث يدور عن مئات آلاف الدونمات، تتركز غالبيتها في منطقة الأغوار الفلسطينية، بما تحمله هذه المنطقة من أهمية استراتيجية وجيوسياسية واقتصادية، سواء لجهة السيطرة على الحدود الشرقية، أو التحكم بالموارد الطبيعية والأراضي الزراعية الخصبة.
ولا يقتصر القرار على الإطار الإجرائي، بل يتضمن أيضًا تخصيص ميزانيات وبُنى قانونية وقضائية خاصة لتمكين وزارة القضاء من تنفيذ عمليات فرز الملكيات وتسويتها، بما يشمل إنشاء طواقم مهنية ومسارات قانونية مخصصة لهذه الغاية، ويتيح ذلك، في المحصلة النهائية، تسجيل الأراضي المستهدفة باسم دولة الاحتلال، ومن ثم توظيفها بصورة رسمية لأغراض عسكرية أو استيطانية، مع توفير غطاء قانوني داخلي يصعّب الطعن فيها لاحقًا.
وتكشف سرعة الانتقال من إقرار القرارات إلى بدء تنفيذها أن الحكومة الإسرائيلية تنظر إلى تسوية الأراضي بوصفها أداة مركزية لترسيخ الضم الفعلي، لا مجرد إجراء إداري، فالتسجيل الرسمي للأرض باسم الدولة يُعدّ، من منظور القانون الإسرائيلي، خطوة حاسمة في تثبيت الملكية والسيادة، ويُحوّل ما كان يُدار كأمر واقع مؤقت إلى واقع قانوني دائم، يصعب التراجع عنه في أي مسار تفاوضي مستقبلي.
ثالثًا: الأبعاد القانونية والسياسية للقرارات
تمثل الخطوات الإسرائيلية الأخيرة نقلة نوعية في البنية القانونية للاحتلال، إذ لم تعد تقتصر على إدارة الأرض عبر أوامر عسكرية مؤقتة، بل تتجه بوضوح نحو إعادة صياغة الإطار القانوني الناظم للضفة الغربية بما ينسجم مع منطق السيادة الدائمة، فمن الناحية القانونية، يشكّل إلغاء القانون الأردني المنظم لملكية الأراضي، إلى جانب نقل صلاحيات تسوية الأراضي إلى وزارة القضاء الإسرائيلية، تجاوزًا صريحًا لمبدأ راسخ في القانون الدولي الإنساني، يتمثل في عدم جواز نقل سيادة الدولة المحتلة إلى الأراضي الواقعة تحت الاحتلال.
ويؤكد هذا المبدأ، المنصوص عليه في اتفاقيات لاهاي وجنيف، أن سلطة الاحتلال لا تملك حق إدخال تغييرات دائمة على الوضع القانوني للأرض أو نظام الملكية فيها، ولا يجوز لها إخضاع الأراضي المحتلة لمنظومتها القانونية الداخلية، وعليه، فإن إخضاع عملية تسجيل وتسوية الأراضي لوزارة القضاء الإسرائيلية لا يُعدّ إجراءً إداريًا محايدًا، بل يمثل إعلانًا ضمنيًا عن تعامل الحكومة الإسرائيلية مع الضفة الغربية باعتبارها جزءًا من فضائها السيادي والقانوني، وليس إقليمًا محتلًا مؤقتًا.
أما على الصعيد السياسي، فإن هذه القرارات تُشكّل نسفًا عمليًا للأسس التي قامت عليها العملية السياسية منذ اتفاقيات أوسلو، والتي افترضت أن وضع الضفة الغربية مؤقت، وأن قضايا الأرض والسيادة والحدود تُحسم عبر مفاوضات الحل النهائي، إذ إن إعادة تعريف مساحات واسعة من الضفة الغربية كـ”أراضي دولة” إسرائيلية، وإخضاعها لإجراءات تسجيل رسمية باسم دولة الاحتلال، يعني حسم مستقبل هذه الأراضي من طرف واحد، خارج أي إطار تفاوضي، وتحويل فكرة التسوية السياسية إلى مسألة شبه نظرية فاقدة للأرض التي تقوم عليها.
وتكتسب هذه الخطوات دلالة إضافية من خلال الخطاب العلني الصادر عن وزراء الحكومة الإسرائيلية، ولا سيما وزيري الجيش والمالية ووزير القضاء، الذين قدّموا هذه القرارات بوصفها “ثورة فعلية” وعودة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة على الأرض، ويُظهر هذا الخطاب انتقالًا واضحًا من اللغة التقليدية التي كانت تحاول التمييز بين الاحتلال والضم، إلى خطاب صريح يُقارب الضفة الغربية باعتبارها “أرضًا إسرائيلية” يجب بسط السيطرة عليها قانونيًا وإداريًا.
وتعكس هذه التصريحات إدراكًا إسرائيليًا متقدمًا لطبيعة التحول الجاري، إذ لم يعد الضم يُقدَّم كمشروع سياسي مؤجل أو محل خلاف، بل كمسار عملي يجري تنفيذه تدريجيًا عبر أدوات قانونية ومؤسسية، بما يقلل من كلفته السياسية الخارجية، ويُراكم واقعًا قانونيًا يصعب التراجع عنه مستقبلاً، وبهذا المعنى، لا تمثل القرارات الأخيرة خرقًا عابرًا للقانون الدولي أو لاتفاقيات أوسلو، بل إعادة تعريف شاملة لطبيعة العلاقة بين الكيان الإسرائيلي والضفة الغربية، وانتقالًا فعليًا من منطق الاحتلال إلى منطق الضم المؤسسي.
رابعًا: التداعيات الجغرافية والديمغرافية والأمنية
تحمل القرارات الإسرائيلية الأخيرة آثارًا بعيدة المدى على البنية الجغرافية والديمغرافية للضفة الغربية، إذ تتجاوز كونها إجراءات قانونية أو إدارية لتُحدث تغييرات ميدانية عميقة تعيد رسم الخريطة السياسية والديمغرافية على الأرض، فمصادرة مئات آلاف الدونمات، ولا سيما في المناطق المصنفة (C)، تعني عمليًا تفكيك المجال الجغرافي الفلسطيني إلى وحدات معزولة، وتقطيع أوصال التجمعات السكانية الفلسطينية، بما يحولها إلى كانتونات منفصلة ومحاصرة، ويفرغ فكرة الدولة الفلسطينية ذات التواصل الجغرافي من مضمونها العملي.
وتكتسب هذه التداعيات خطورة مضاعفة في ضوء تركّز الجزء الأكبر من الأراضي المستهدفة في مناطق استراتيجية، وعلى رأسها الأغوار الفلسطينية، التي تشكل العمق الزراعي والحدودي للضفة الغربية، ففرض السيطرة الإسرائيلية على هذه المناطق لا يحرم الفلسطينيين من مواردهم الطبيعية وأراضيهم الزراعية فحسب، بل يُعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للضفة الغربية بما يرسّخ الهيمنة الإسرائيلية على الحدود والمعابر والمصادر الحيوية، ويجعل أي كيان فلسطيني مستقبلي محاصرًا ومفتقدًا لمقومات السيادة الفعلية.
وعلى الصعيد الديمغرافي، تُسهم هذه السياسات في تعميق الخلل السكاني عبر توسيع رقعة الاستيطان وتقليص المساحات المتاحة للنمو العمراني الفلسطيني، الأمر الذي يدفع باتجاه تكثيف السكان داخل مناطق محدودة، ويُفاقم الأزمات السكنية والخدماتية، ويُعزز أنماط التهجير الصامت، سواء عبر القيود الإدارية أو الضغوط الاقتصادية والمعيشية المتزايدة.
أما توسيع صلاحيات الجيش والإدارة المدنية للعمل داخل المناطق المصنفة (A) و(B)، فيُشكّل سابقة بالغة الخطورة، إذ يضرب عمليًا جوهر التقسيمات التي قامت عليها ترتيبات أوسلو، ففتح المجال أمام تدخل إسرائيلي مباشر بذريعة حماية المواقع الأثرية أو معالجة مصادر “التلوث” يمنح الاحتلال أدوات قانونية فضفاضة لتبرير عمليات الهدم والمصادرة والتجريف داخل مناطق كانت تُعدّ، نظريًا، خاضعة للسيطرة الفلسطينية، ما يؤدي إلى تصعيد الاحتكاك اليومي مع السكان وزيادة مستويات عدم الاستقرار.
أما من الزاوية الأمنية، فتوظّف الحكومة الإسرائيلية تسوية الأراضي وتوسيع الصلاحيات الإدارية كأدوات لتعزيز حرية عمل الجيش وانتشاره الميداني، ومنحه غطاءً قانونيًا أوسع للسيطرة والمناورة، تحت ذريعة حماية الأمن والمصالح القومية، ويكرّس هذا النهج منطق السيطرة الدائمة بدل الإدارة المؤقتة، ويحوّل الإجراءات الأمنية إلى جزء من بنية قانونية ثابتة، لا إلى استثناءات ظرفية مرتبطة بالوضع الميداني.
وفي المحصلة، لا يمكن فصل هذه التداعيات الجغرافية والديمغرافية والأمنية عن السياق العام للقرارات الأخيرة، إذ تشكّل جميعها حلقات متكاملة في مسار واحد يهدف إلى إعادة هندسة الضفة الغربية ميدانيًا، بما يخدم مشروع الضم الفعلي، ويقوّض بصورة منهجية الأسس التي يمكن أن تقوم عليها أي تسوية سياسية مستقبلية.
خامسًا: قراءة تحليلية – نحو ضم زاحف مؤسسي
تدلّ مجمل التطورات السابقة على أن الحكومة الإسرائيلية دخلت مرحلة جديدة ومتقدمة من مشروعها في الضفة الغربية، تقوم على ترسيخ الضم الفعلي عبر أدوات قانونية وإدارية ومؤسسية، بدل اللجوء إلى إعلان سياسي رسمي يحمل كلفة دولية مباشرة، ويكمن جوهر هذا التحول في إعادة تعريف ثلاث ركائز أساسية: طبيعة الأرض، والجهة المسؤولة عن إدارتها، والإطار القانوني الناظم للتصرف بها.
ففي حين كان الضم يُطرح في مراحل سابقة بوصفه خيارًا سياسيًا مؤجلًا أو محل خلاف داخلي وخارجي، بات اليوم يُنفّذ عمليًا من خلال تسويات الأراضي، ونقل الصلاحيات من الأطر العسكرية إلى الوزارات السيادية، وتوسيع الاختصاصات القانونية والإدارية داخل الضفة الغربية، ويؤدي هذا النهج إلى خلق واقع قانوني ومؤسسي جديد يجعل التراجع عنه في المستقبل أكثر تعقيدًا وكلفة، سواء على المستوى السياسي أو القانوني.
ويُظهر هذا المسار أن الحكومة الإسرائيلية لم تعد بحاجة إلى إعلان الضم بصيغته الكلاسيكية، إذ يجري تحقيق مضمونه تدريجيًا عبر خطوات تبدو في ظاهرها إجرائية وتقنية، لكنها في جوهرها تُراكم عناصر السيادة: تسجيل الأرض باسم الدولة، إخضاعها للقانون الداخلي، وتوسيع صلاحيات الأجهزة الرسمية للعمل فيها، وبهذا المعنى، يتحول الضم من قرار سياسي معلن إلى عملية مؤسسية ممتدة تُنفّذ بهدوء، وتُنتج واقعًا يصعب الطعن فيه أو تفكيكه لاحقًا.
وفي هذا السياق، تشكّل القرارات الأخيرة تتويجًا لمسار طويل من السياسات الاستيطانية التي اعتمدت على فرض الوقائع الميدانية، لكنها في الوقت ذاته تمثل قفزة نوعية من حيث العمق والوضوح، إذ تنتقل من إدارة الاحتلال إلى إعادة هندسة العلاقة القانونية مع الأرض والسكان، ولا تقتصر خطورة هذا التحول على نتائجه المباشرة، بل تكمن أيضًا في كونه يُعيد تعريف الصراع على الضفة الغربية من نزاع سياسي قابل للتفاوض، إلى واقع قانوني وإداري تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى تثبيته بوصفه أمرًا منتهيًا.
خاتمة واستشراف
تؤكد القرارات الإسرائيلية الأخيرة أن الضفة الغربية تدخل مرحلة جديدة وحاسمة، تتسم بتكريس الضم الفعلي على الأرض، وإن جرى ذلك دون إعلان سياسي رسمي، إذ إن تسجيل الأراضي باسم دولة الاحتلال، ونقل صلاحياتها إلى مؤسسات سيادية إسرائيلية، وإلغاء المرجعيات القانونية السابقة، يشكّل نسفًا عمليًا لأي أفق لتسوية سياسية تستند إلى مبدأ حل الدولتين، ويحوّل هذا الخيار إلى إطار نظري منفصل عن الواقع الميداني المتشكّل.
وفي ظل غياب ردود دولية فاعلة تتجاوز بيانات القلق والإدانة، واستمرار الانقسام الفلسطيني وتآكل القدرة على بلورة استراتيجية وطنية جامعة، تبدو هذه السياسات مرشحة للتوسع والتعمق، لا سيما في ظل حكومة إسرائيلية تُظهر انسجامًا غير مسبوق بين مستواها السياسي والأيديولوجي والمؤسسي في الدفع باتجاه الضم، ويعزز هذا الواقع من قدرة الحكومة الإسرائيلية على فرض وقائع قانونية وميدانية جديدة دون تحمّل كلفة سياسية توازي حجم التحول الجاري.
وتفرض هذه المرحلة على الفاعلين الفلسطينيين، ومعهم الأطراف الإقليمية والدولية المعنية، إعادة تقييم شاملة لأدوات المواجهة السياسية والقانونية، والانتقال من الاكتفاء بالتوصيف والتحذير إلى العمل المنهجي الهادف إلى تفكيك البنية القانونية للضم، وتفعيل المسارات الدولية والقضائية، وتعزيز الحضور الفلسطيني في ساحات الاشتباك القانوني والدبلوماسي.
إن خطورة ما يجري لا تكمن فقط في حجم الأراضي المصادرة أو المستهدفة، بل في البنية القانونية والمؤسسية الجديدة التي تُرسى اليوم بهدوء، والتي قد تجعل من السيطرة الإسرائيلية واقعًا دائمًا يصعب تفكيكه في المستقبل القريب، ومن هنا، فإن التعامل مع هذه القرارات بوصفها محطة عابرة أو تصعيدًا مؤقتًا ينطوي على مخاطر استراتيجية، فيما تتطلب المرحلة الراهنة قراءة عميقة ومسؤولة لمسار الضم الزاحف، واستجابة سياسية وقانونية ترتقي إلى مستوى التحدي.
التوصيــــات
- توحيد الجهد القانوني الفلسطيني وإنشاء إطار وطني متخصص لمتابعة ملف الأراضي والتسوية والضم، يضم خبراء قانون دولي وأراضي، ويتولى توثيق الانتهاكات ورفعها بشكل منهجي إلى المحافل الدولية.
- تدويل ملف “تسوية الأراضي” بوصفه أداة ضم، عبر مذكرات قانونية موجهة للأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية، والدول المؤثرة.
- تعزيز الصمود الميداني المنظّم، من خلال تمكين المجالس المحلية، وتوفير دعم قانوني ومالي عاجل للأهالي، وربط الصمود بخطط واضحة لا بردود فعل موسمية.
- تفعيل الدبلوماسية السياسية المتخصصة، عبر تزويد البعثات الفلسطينية بمواد تحليلية وخرائط وبيانات دقيقة تشرح البنية القانونية الجديدة للضم الزاحف وخطورته الاستراتيجية.
- بناء سردية إعلامية موحدة ومستمرة تربط بين “تسوية الأراضي” ونهاية حل الدولتين، مع توحيد المصطلحات والرسائل، واستهداف الإعلام الدولي ومراكز التفكير، لا الاكتفاء بالإعلام المحلي.
- ربط المسار القانوني بالضغط السياسي، بما في ذلك إعادة طرح جدوى الالتزامات الفلسطينية القائمة في ظل نسف الحكومة الإسرائيلية للإطار القانوني والسياسي القائم.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-فبراير 2026



