منطق الإحلال المتجدد: التهجير كبنية مستمرة في المشروع الاستيطاني الصهيوني، من الترانسفير التأسيسي إلى خطط ما بعد وقف إطلاق النار في غزة

قراءة تحليلية بنيوية في استمرارية «منطق الإحلال» من التأسيس الصهيوني الأول إلى خطتَي كاتس وبن غفير (أيلول 2026)، وحدوده الإقليمية والدولية

سياسات تحليلية|خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
تختبر هذه الورقة فرضية أن خطط التهجير الإسرائيلية الراهنة في غزة (خطة بن غفير «فك الارتباط 710»، ومقترح كاتس بشأن جزيرة اصطناعية وممرات هجرة) ليست ظاهرة انتخابية عابرة، بل تجلٍّ محدَّث لـ«منطق إحلال» بنيوي موثّق في الفكر والممارسة الصهيونيين منذ التأسيس، وفق إطار تحليلي مستمَد من دراسات الاستعمار الاستيطاني.
توثّق الورقة، استناداً إلى أبحاث مرجعية عن «الترانسفير» في الفكر الصهيوني، استمرارية هذا المنطق من التخطيط التأسيسي قبل 1948 إلى الخطاب الرسمي الإسرائيلي الراهن، دون الجزم بوجود «مؤامرة موحدة» بقدر ما هو استمرار بنيوي لحل واحد يُعاد إنتاجه كلما واجه المشروع الصهيوني «مشكلته الديموغرافية».
كحالة تطبيقية راهنة، تحلل الورقة خطتَي كاتس وبن غفير المعلنتين في أيلول/سبتمبر 2026 -بالتزامن مع الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر- ضمن سياق ما بعد وقف إطلاق النار الذي يشرف عليه «مجلس السلام»، وتقابلها بالرفض العربي-الإسلامي الجماعي (بيان ثماني دول) والنفي الأمريكي الرسمي.
تخلص الورقة إلى أن الكوابح الآنية (غياب دول استقبال، نفي أمريكي، إجماع عربي-إسلامي) حقيقية لكنها إجرائية لا بنيوية، بينما يظل المنطق الإحلالي نفسه قائماً كخطر متجدد بصرف النظر عن نتيجة أي دورة انتخابية بعينها، وتقدّم توصيات موزعة على مستويات المواجهة الفلسطينية والعربية والدولية.

مقدمة

بعد نحو أحد عشر شهراً من وقف إطلاق النار في غزة الذي أُبرم بوساطة أمريكية ودخل حيّز التنفيذ في تشرين الأول/أكتوبر 2025، وفي ظل خارطة طريق يشرف عليها «مجلس السلام» الذي أنشأته إدارة الرئيس دونالد ترامب، عاد الخطاب الإسرائيلي حول تهجير سكان غزة إلى الواجهة بصورة أكثر تفصيلاً وتنظيماً مما كان عليه خلال سنوات الحرب نفسها.

لم يعد هذا الخطاب مقتصراً على تصريحات متفرقة، بل تحوّل إلى مقترحات تنفيذية محددة الأرقام والجداول الزمنية: خطة بن غفير «فك الارتباط 710» التي تستهدف إخراج نحو 250 ألف فلسطيني في العام الأول، وصولاً إلى 1.86 مليون خلال سبع سنوات، عبر وزارة حكومية مقترحة للهجرة؛ ومقترحات كاتس المتكررة منذ 2024 بشأن جزيرة اصطناعية وموانئ وممرات بحرية وجوية للمغادرة.

وتكمن أهمية إعادة النظر في هذا الملف الآن -بعد نحو عام من وقف إطلاق النار- في أن الخطاب يطرح نفسه هذه المرة داخل بيئة مؤسسية مختلفة جذرياً عن بيئة الحرب المفتوحة: هناك اتفاق دولي قائم (وإن كان متعثراً)، وهيئة دولية تشرف على إعادة الإعمار، وانتخابات إسرائيلية مقررة خلال أسابيع، وموقف أمريكي رسمي نافٍ للتهجير القسري.

 هذا التعقيد المؤسسي يفرض تحليلاً أدق من إطار «حرب إبادة مستمرة» الذي ساد الأدبيات السابقة على هذا الملف.

المحور الأول: التأصيل التاريخي لمفهوم «الترانسفير» في الفكر الصهيوني

1. الترانسفير كخيار تأسيسي موثّق لا هامشي

يقدّم كتاب الباحث الفلسطيني نور مصالحة المرجعي «طرد الفلسطينيين: مفهوم الترانسفير في الفكر والتخطيط الصهيونيين، 1882-1948» (مؤسسة الدراسات الفلسطينية) أشمل معالجة وثائقية لهذا الملف، إذ يثبت استناداً إلى الأرشيف الصهيوني نفسه أن فكرة ترحيل السكان الفلسطينيين إلى بلدان عربية مجاورة لم تكن طرحاً هامشياً لدى تيار متطرف بعينه، بل تبنّتها -بدرجات متفاوتة من العلنية- شخصيات تأسيسية عبر التيار الصهيوني بأكمله تقريباً، من التيار العمالي إلى التيار التصحيحي.

2. شواهد موثقة من الأرشيف الصهيوني

يوثّق مصالحة أن الكاتب والمنظّر الصهيوني إسرائيل زانغويل كان من أوائل من روّجوا لفكرة ترحيل السكان العرب في العقد الأول من القرن العشرين، وأن الزعيم التصحيحي زئيف جابوتنسكي طالب عام 1912 بأن تكون فلسطين «يهودية بالكامل»، بينما تبنّى رئيس المنظمة الصهيونية العالمية حاييم وايزمان مقولة «الأرض الخالية» في تبريره للمشروع أمام الجانب البريطاني.

 أما ديفيد بن غوريون، بحسب وثائق تلك الحقبة، فقد رأى أن ظروف الحرب أكثر ملاءمة لتحقيق «الترانسفير» من ظروف السلم، وردّ على منتقديه من اليمين الذين كانوا يجاهرون علناً بخطط الترحيل بأن الفارق بينه وبينهم هو فارق أسلوب لا جوهر: هم «يثرثرون»، وهو «يفعل».

3. من فكرة متسترة إلى سياسة معلنة: قراءة بنيوية للتحول الراهن

في ضوء الإطار النظري أعلاه، فإن ما يميّز المرحلة الراهنة ليس ظهور فكرة التهجير من عدم، بل انتقالها من صيغة «براغماتية متسترة» -كما وصفها بن غوريون وتيار الصهيونية العمالية- إلى صيغة «معلنة ومؤسسية» تحمل اسماً رمزياً («فك الارتباط 710») ووزارة مقترحة وميزانية وجدولاً زمنياً بالأرقام.

 هذا لا يعني انقطاعاً عن الجذر التاريخي بل تكثيفاً جديداً لمنطق واحد في سياق مختلف: حيث كانت الحرب والانتداب يوفران الفرصة التاريخية للتيار الأول، توفر الحرب الأخيرة على غزة والفراغ المؤسسي في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار الفرصة المكافئة للتيار الحالي.

4. الدافع الديموغرافي كخيط ناظم عبر الحقب

يبرر بن غفير خطته الراهنة بوصفها «الحل الحقيقي والوحيد» لمواجهة ما يسميه استمرار الخطر الأمني من غزة، بينما يربطها كاتس بانعدام وجود «حل حقيقي لغزة في النهاية من دون هذه الهجرة» على حد تعبيره.

هذا التطابق في الخلاصة النهائية (ضرورة إخراج أكبر عدد ممكن من السكان) هو استمرار مباشر للدافع الديموغرافي الذي وثّقه مصالحة في التخطيط التأسيسي، لا ظاهرة مستحدثة، وإن اختلفت الأداة المقترحة بين الوزيرين كما يوضح المحور الثالث.

المحور الثاني: البيئة الداخلية الإسرائيلية – التوقيت الانتخابي

1. توقيت الإعلان والانتخابات المقررة

أعلن بن غفير عن خطته يوم الخميس 3 أيلول/سبتمبر 2026، أي قبل نحو سبعة أسابيع من موعد الانتخابات الإسرائيلية المقرر في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026، وبالتزامن مع استعداد حزبه «القوة اليهودية» لخوض الحملة الانتخابية. هذا التزامن الزمني الدقيق يدعم قراءة الخطة كأداة مزايدة انتخابية موجهة لقاعدة اليمين المتطرف، إلى جانب كونها موقفاً سياسياً جوهرياً بالنسبة له.

2. المزايدة داخل المعسكر اليميني

تكشف تصريحات كاتس عن سباق مزايدة موازٍ: فبحسب ما نقلته مواقع إسرائيلية، جاء تصريح كاتس عقب تعبير رئيس حزب «عوتسما يسرائيل» عوفر فينتر عن دعمه لفكرة «الهجرة»، ليضيف كاتس أن «مديرية الهجرة جاهزة لتنفيذ ذلك عبر البحر والجو وبأي طريقة»، فيما جاءت خطة بن غفير التفصيلية في اليوم التالي مباشرة.

هذا التسلسل الزمني المتقارب (يوم بعد آخر) هو مؤشر أقوى على ديناميكية المزايدة الانتخابية من أي استنتاج عام حول الأيديولوجيا.

3. تناقض داخل الائتلاف الحاكم نفسه

من اللافت أن كاتس نفسه أقرّ -بحسب ما نقلته وكالة الأناضول عبر موقع عربي21- بأن ضغوطاً مارستها دول عربية على الرئيس الأمريكي ترامب، مصحوبة بعروض استثمارية قُدّمت له، قد أدّت إلى تجميد مخطط تهجير الفلسطينيين من غزة، في نفس الوقت الذي كان بن غفير يطرح فيه خطته التفصيلية.

هذا التناقض بين تصريح كاتس عن «التجميد» وخطة بن غفير المعلنة يعكس عدم وجود موقف حكومي إسرائيلي موحد بقدر ما يعكس مزايدات فردية داخل الائتلاف نفسه، وهو ما يستدعي الحذر من افتراض وجود «قرار حكومي واحد» بهذا الشأن.

المحور الثالث: خطتا كاتس وبن غفير – قراءة موثقة ومقارنة

1. مقترح كاتس: الجزيرة الاصطناعية والممرات البحرية

يعود مقترح كاتس بإنشاء جزيرة اصطناعية قبالة سواحل غزة إلى نحو عشر سنوات قبل الحرب الحالية، وأعاد طرحه في اجتماعات مع نظرائه الأوروبيين بعد اندلاع الحرب في 2023-2024.

تتضمن الصيغة الأصلية للمشروع ميناءً وأبراجاً سكنية ومطاراً مدنياً يرتبط بالقطاع عبر جسر بطول نحو خمسة كيلومترات، وقد نفت وزارة الخارجية الإسرائيلية رسمياً في كانون الثاني/يناير 2024 أن يكون هذا المقترح مرتبطاً بتهجير السكان، مؤكدة أنه يقتصر على «بناء ميناء لغزة على جزيرة اصطناعية».

غير أن تصريحات كاتس اللاحقة في أيلول/سبتمبر 2026 -بأن «مديرية الهجرة جاهزة لتنفيذ ذلك عبر البحر والجو وبأي طريقة»- تُصعّب فصل المشروع عن سياق التهجير كما ظل يُعرض رسمياً في البداية.

2. خطة بن غفير: «فك الارتباط 710»

تقوم خطة بن غفير على إنشاء وزارة حكومية مخصصة للهجرة يتولى حزبه رئاستها، مع تخصيص صلاحيات وميزانيات لها، وجدول زمني محدد لإخراج السكان: نحو 250 ألف فلسطيني في السنة الأولى، و1.11 مليون خلال ثلاث سنوات، وصولاً إلى 1.86 مليون خلال سبع سنوات، من إجمالي عدد سكان يتجاوز 2.2 مليون نسمة بحسب التقديرات المتداولة.

 وتشمل الخطة بحسب ما نقلته صحيفة يديعوت أحرونوت توفير دولة استقبال لكل فرد أو عائلة، ووضعاً قانونياً ووثائق وتأشيرات وتمويلاً للسفر والسكن الأولي، وتدريباً مهنياً ودعماً مالياً لمدة تصل إلى 24 شهراً، إضافة إلى حملة إعلانية مخطط لها داخل الكيان الإسرائيلي وفي عدد من الدول الأفريقية.

3. الفارق الجوهري بين المقترحين والعائق المشترك

يكمن الفارق الرئيسي بين المقترحين في الأداة لا في الهدف: يطرح كاتس حلاً بنيوياً-جغرافياً (جزيرة وموانئ) يُبقي على غموض متعمد حول طوعية المغادرة، بينما يطرح بن غفير حلاً إدارياً-مالياً (وزارة وحوافز) يصرّح علناً بالغاية الديموغرافية النهائية.

 غير أن كلا المقترحين يصطدمان بالعائق التنفيذي ذاته الذي أقرّ به مسؤول إسرائيلي رفيع لم تسمّه صحيفة يديعوت أحرونوت: «تنفيذ مثل هذه الخطة يحتاج إلى أشخاص يرغبون في المغادرة ودولة مستعدة لاستقبالهم» – وهو شرط لم تُبدِ أي دولة حتى تاريخ إعداد هذه الورقة استعدادها لتلبيته.

المحور الرابع: البيئة الميدانية بعد وقف إطلاق النار وإطار «مجلس السلام»

1. خارطة طريق متعثرة لا حرب مفتوحة

يختلف السياق الميداني الحالي عن سياق 2023-2024 اختلافاً جوهرياً يقتضي تعديل أطروحة «الحرب المستمرة كأداة تفريغ سكاني مباشرة»: فبحسب تقرير لمجموعة الأزمات الدولية صدر في آب/أغسطس 2026، مرّ اتفاق وقف إطلاق النار بعشرة أشهر دون أن يفي بمعظم وعوده، ما يترك نحو 2.1 مليون فلسطيني في غزة بين حالة حرمان دائم واحتمال الانزلاق مجدداً إلى الحرب، لا في حالة قصف وتدمير متواصلين كما كان الحال إبان الحرب.

2. مجلس السلام: وسيط أم أداة لفرض الرؤية الإسرائيلية؟

يشير تقدير موقف نُشر في أيار/مايو 2026 إلى أن «مجلس السلام» ربط إعادة الإعمار وإدخال المساعدات بمسألة نزع سلاح المقاومة الفلسطينية، في خارطة طريق قدّمها إلى حركة حماس دون أي إشارة إلى الدولة الفلسطينية أو إنهاء الاحتلال؛ كما تجنّب تقرير رفعه المجلس إلى مجلس الأمن تحميل الحكومة الإسرائيلية مسؤولية الخروقات، رغم تنصّل الأخيرة من التزامات جوهرية مثل الانسحاب إلى ما وراء «الخط الأصفر» وتنظيم إدخال المساعدات الإنسانية.

 وقد واجه رئيس المجلس، الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف، اتهامات بالانحياز للرؤية الإسرائيلية.

وفي آب/أغسطس 2026، غيّر المجلس شروط انسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة عقب لقاء مع نتنياهو، رابطاً إياه بنزع سلاح حماس، في وقت اعتبر فيه نتنياهو أن فتح الباب أمام «هجرة» الفلسطينيين لا يشكل جريمة حرب – وهو تصريح يضع خطاب رئيس الحكومة نفسه في مكان متقاطع مع مقترحَي كاتس وبن غفير، لا معارضاً لهما بالضرورة.

3. الوضع الإنساني كأرضية موضوعية للضغط نحو المغادرة

بحسب تصنيفات الأمن الغذائي (IPC) وبرنامج الأغذية العالمي كما وردت في تقرير يورونيوز (أيار/مايو 2026)، كان نحو 1.6 مليون شخص في غزة -أي ما يعادل 77% من السكان- يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد.

 هذا الواقع الإنساني الموثق رسمياً هو الأرضية الموضوعية التي تستند إليها مقترحات «التسهيل والإقناع» بالمغادرة، بصرف النظر عن مدى صراحة الخطاب السياسي المصاحب لها.

المحور الخامس: الكوابح الإقليمية والدولية

1. البيان العربي-الإسلامي الجماعي (6 أيلول/سبتمبر 2026)

أدان وزراء خارجية مصر وقطر والأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا والسعودية، في بيان مشترك صدر يوم الأحد 6 أيلول/سبتمبر 2026، «بأشد العبارات» تصريحات بن غفير وكاتس بشأن التهجير، معتبرين أن ما طُرح من خطط وآليات لإخراج الفلسطينيين قسراً من أرضهم يمثل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، ودعوا مجلس الأمن الدولي إلى التصدي بحزم لأي محاولات لفرض واقع ديموغرافي أو جغرافي جديد في الأرض الفلسطينية المحتلة.

يلاحظ في هذا البيان اتساع قاعدة الرفض لتشمل دولاً من خارج الطوق الجغرافي المباشر لغزة (إندونيسيا وباكستان وتركيا والسعودية)، وهو ما يعكس تصاعد الملف من قضية أمن قومي مصري-أردني بحت إلى قضية إجماع عربي-إسلامي واسع، بخلاف ما افترضته قراءات سابقة اقتصرت على مصر والأردن حصراً.

2. الموقف المصري والأردني: استمرارية الخط الأحمر

يبقى الموقفان المصري والأردني الأكثر مباشرة من الناحية الجغرافية والأمنية، بحكم أن أي تهجير فعلي سيمر عبر سيناء أو الأردن.

وقد جاء البيان الثماني الأخير استمراراً لموقف تاريخي ثابت لدى القاهرة وعمّان يعتبر أي محاولة تهجير تهديداً مباشراً للأمن القومي ومساساً باتفاقيتَي السلام القائمتين، وإن كانت هذه الورقة تفتقر -كما أُشير في قسم المنهجية- إلى وثائق رسمية إضافية غير البيان المشترك المذكور تفصّل الإجراءات الميدانية المصرية أو الأردنية المحدّثة على الحدود.

3. القيود القانونية الدولية

يصف البيان الثماني صراحة خطط التهجير بأنها انتهاك للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وهو ما يمنح الملف غطاءً دبلوماسياً لمتابعته أمام الهيئات القضائية الدولية (محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية)، دون أن تعني الإدانة اللفظية بحد ذاتها صدور قرار قضائي جديد بهذا الخصوص حتى تاريخ إعداد هذه الورقة.

المحور السادس: الموقف الأمريكي – نفي رسمي في مواجهة تصريحات كاتس

1. نفي السفير هاكابي

نفى السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي بشكل قاطع، خلال زيارته لبلدة ترمسعيا الفلسطينية بالضفة الغربية في 5-6 أيلول/سبتمبر 2026، وجود أي خطة لإجبار الفلسطينيين على مغادرة غزة، قائلاً: «لا أحد يقترح التهجير القسري. الإسرائيليون لا يقترحون ذلك، والأمريكيون بالتأكيد لا يقترحونه»، مضيفاً أن هناك فقط «انفتاحاً في التفكير» يتيح لمن يرغب في المغادرة طوعاً أن يفعل ذلك.

2. ازدواجية أم موقفان متعايشان؟

يجدر التمييز هنا بين نمطين مختلفين قد تختلط الحدود بينهما: الازدواجية بمعنى تناقض بين قول وفعل من جهة واحدة، والتعايش بين مواقف رسمية متعددة داخل الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية من جهة أخرى.

المعطيات المتاحة تدعم الاحتمال الثاني بصورة أوضح:

 تصريح هاكابي نفي واضح وموثق، في حين أن تصريح كاتس بأن الخطط «جاهزة بانتظار» تحديد أمريكي لوجهة الترحيل يعكس تمنّياً إسرائيلياً بضوء أخضر أمريكي لم يصدر بعد، لا سياسة أمريكية معلنة بالفعل.

 القول بوجود «ازدواجية أمريكية بنيوية» يتجاوز -في الوضع الراهن- ما توثقه المصادر المتاحة، وإن ظل مشروعاً كفرضية تحليلية تستحق المتابعة في ضوء استمرار الدعم العسكري والمالي الأمريكي للكيان الإسرائيلي بصرف النظر عن هذا الملف تحديداً.

3. توتر أمريكي-إسرائيلي إضافي حول إدارة غزة

تفيد تقارير إعلامية بوجود «خلافات حادة بين واشنطن وتل أبيب حول إدارة غزة»، فضلاً عن مقاطعة إسرائيلية لبعض فعاليات «مجلس السلام»، وهو ما يضيف طبقة تعقيد أخرى: فواشنطن ليست طرفاً واحد الموقف حتى تجاه حلفائها الإسرائيليين في ملف إدارة القطاع، وهذا التوتر البيروقراطي قد يُضعف افتراض وجود «تنسيق أمريكي-إسرائيلي ضمني» لتسهيل التهجير بقدر ما يعكس تعدد مراكز القرار وتضارب الأولويات.

قراءة موازنة: حدود الأطروحة وحجج مضادة

من الأمانة المنهجية عرض الحجج التي تُضعف من احتمالية تحوّل هذه المقترحات إلى سياسة منفَّذة فعلياً في الأمد المنظور، إلى جانب حجج الترجيح المضادة:

  • النفي الأمريكي الرسمي المباشر على لسان السفير هاكابي يمثل عائقاً سياسياً حقيقياً أمام أي محاولة إسرائيلية للمضي في الخطة دون غطاء أمريكي، نظراً لاعتماد الحكومة الأسرائيلية الحاسم على واشنطن في الملفين العسكري والدبلوماسي.
  •  غياب أي دولة استقبال معلنة حتى الآن – وهو ما أقرّ به مسؤول إسرائيلي رفيع نفسه – يجعل الخطة، من الناحية العملية، أقرب إلى إعلان نوايا سياسي موجّه للناخب منها إلى برنامج تنفيذي جاهز.
  •  الرفض العربي-الإسلامي الجماعي الموسّع (ثماني دول بدل اثنتين) يرفع الكلفة الدبلوماسية لأي خطوة تنفيذية أحادية، ويقلّص هامش المناورة الإسرائيلي مقارنة بمراحل سابقة من الحرب.
  • وجود إطار دولي قائم (مجلس السلام وخارطة الطريق) – رغم تعثره – يعني أن أي خطوة تهجير أحادية ستمثل خرقاً صريحاً لاتفاق دولي موقّع، بخلاف الفترة التي سبقت وقف إطلاق النار حين لم يكن هناك التزام دولي مكتوب يمكن خرقه بهذه الصراحة.

في المقابل، ترجّح عوامل أخرى استمرار الخطر وتجدده: تكرار طرح الفكرة من وزيرين مختلفين في توقيتين متقاربين يشير إلى أنها تجاوزت حدود التصريح العابر لتصبح موقفاً حزبياً وائتلافياً متجذراً؛ وتحذير مجموعة الأزمات الدولية من أن تعثر خارطة الطريق قد «يهدد بإغراق 2.1 مليون فلسطيني في حالة دائمة من الحرمان أو رميهم من جديد في أتون الحرب»، وهو سيناريو يوفر بيئة ضاغطة موضوعية تخدم أي خطة هجرة «طوعية» لاحقة دون الحاجة إلى قرار حكومي رسمي صريح بالتهجير القسري.

السيناريوهات المستقبلية

السيناريو الأول – تصعيد خطابي بلا تنفيذ: تبقى الخطتان أداتين انتخابيتين تتلاشى حدّتهما بعد 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026، في غياب دولة استقبال وفي ظل استمرار النفي الأمريكي الرسمي.

 السيناريو الثاني – تسريع «طوعي» عبر الضغط الإنساني: يستمر تعثر إعادة الإعمار وانعدام الأمن الغذائي الموثق (77% من السكان) في خلق بيئة دافعة لهجرة فردية متزايدة دون إعلان رسمي عن سياسة تهجير، بما يخدم أهداف الخطتين دون كلفتهما السياسية والقانونية.

السيناريو الثالث – تجدد الأزمة بعد الانتخابات: في حال فوز ائتلاف يميني متشدد أو حاجة نتنياهو لأصوات بن غفير وسموتريتش لتشكيل حكومة، تُطرح الخطة مجدداً بصيغة تنفيذية أكثر إلحاحاً، مستفيدة من أي ضوء أخضر أمريكي محتمل بعد الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية.

الخلاصة

تخلص هذه الورقة إلى أن خطتَي كاتس وبن غفير المعلنتين في أيلول/سبتمبر 2026 ليستا واقعة معزولة يفسّرها التقويم الانتخابي وحده، بل تجلٍّ راهن لمنطق إحلال موثّق تاريخياً منذ التخطيط الصهيوني التأسيسي، بحسب الإطار النظري وشواهد نور مصالحة الأرشيفية التي عرضها المحور الأول.

 هذا لا يعني أن كل تفصيل في الخطاب الراهن محكوم مسبقاً؛ فالاستحقاق الانتخابي الوشيك (27 تشرين الأول/أكتوبر)، وتعثر خارطة طريق ما بعد وقف إطلاق النار، وغياب موقف حكومي إسرائيلي موحّد، عوامل ظرفية حقيقية شكّلت توقيت الطرح الحالي وصيغته تحديداً.

في المقابل، يواجه هذا المنطق البنيوي كوابح فعلية وموثقة على المستوى الإجرائي: نفياً أمريكياً رسمياً مباشراً، وإجماعاً عربياً-إسلامياً موسّعاً غير مسبوق في نطاقه الجغرافي، وغياب أي دولة استقبال حتى الآن.

غير أن التمييز بين «البنية» و«الحدث» يقتضي أن تُقرأ هذه الكوابح كعوائق إجرائية آنية لا كضمانة بنيوية دائمة: فطالما ظل «منطق الإحلال» حاضراً كخيار أيديولوجي متاح داخل المشهد السياسي الإسرائيلي، فإن زوال عائق إجرائي واحد (كتغيّر الموقف الأمريكي، أو تشكّل ائتلاف حكومي مختلف بعد الانتخابات) كافٍ لإعادة إنتاج التهديد في صيغة جديدة.

هذا هو الأساس الذي ينبغي أن تُبنى عليه أي استجابة فلسطينية وعربية ودولية: مواجهة البنية لا الحدث وحده.

التوصيات

على المستوى الفلسطيني

  1.  توثيق كل تصريح رسمي إسرائيلي بشأن التهجير (تاريخه، مصدره، ونصه الحرفي) في سجل مركزي قابل للاستخدام أمام الهيئات الدولية، تفادياً للاعتماد على تقارير إعلامية متفرقة.
  2. الضغط لإدراج بند صريح في أي مراجعة قادمة لخارطة طريق «مجلس السلام» يحظر صراحة أي شكل من أشكال تحفيز المغادرة الجماعية أو ربط المساعدات الإنسانية بها.

على المستوى العربي والإسلامي

3. تحويل البيان الثماني المشترك من إدانة لفظية إلى آلية متابعة دورية (اجتماع وزاري كل شهرين على الأقل) لرصد أي تطور تنفيذي في الخطتين.

4. ربط أي دعم مالي عربي لإعادة إعمار غزة عبر «مجلس السلام» بضمانات مكتوبة تستبعد صراحة أي مكوّن يسهّل الهجرة الجماعية أو غير الطوعية فعلياً.

على المستوى الدولي والقانوني

5. مطالبة الدول الثماني الموقعة على بيان 6 أيلول/سبتمبر 2026 بمتابعة الملف رسمياً أمام مجلس الأمن، بدل الاكتفاء بالبيان السياسي.

 6. توثيق التناقض بين تصريحات كاتس (استمرار الخطة) وتصريحات هاكابي (نفيها) كملف قائم بذاته يمكن استخدامه لمطالبة واشنطن بموقف تنفيذي أكثر وضوحاً تجاه أي خرق إسرائيلي محتمل.

© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية سبتمبر  2026 — جميع الحقوق محفوظة

شارك:

المزيد من المقالات