المركز الفلسطيني للدراسات السياسية يناقش الانتقال إلى المرحلة الثانية في غزة بين الرؤى الدولية والخيارات الفلسطينية

نظم المركز الفلسطيني للدراسات السياسية ندوة إلكترونية بعنوان “الانتقال إلى المرحلة الثانية في غزة: بين الرؤى الدولية والخيارات الفلسطينية”، بمشاركة نخبة من الباحثين والمحللين السياسيين، وبحضور عدد من الأكاديميين والمهتمين بالشأن الفلسطيني.

وأدار الندوة الصحفي أيمن دلول، فيما اعتذر النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي الفلسطيني الأستاذ حسن خريشة عن المشاركة لأسباب قاهرة.

وسعت الندوة إلى قراءة التحولات المرتبطة بالمرحلة الثانية في قطاع غزة، واستشراف السيناريوهات المحتملة لمستقبل القطاع في ضوء الترتيبات الدولية والإقليمية المطروحة، إضافة إلى بحث متطلبات الإدارة الداخلية والتعافي الوطني وآليات الحفاظ على وحدة النظام السياسي الفلسطيني.

وتناولت الندوة محورين رئيسيين؛ الأول بعنوان “السيناريوهات الدولية والإقليمية المقترحة لليوم التالي” وقدمه الكاتب والمحلل السياسي ومدير مركز مسارات لأبحاث السياسيات الأستاذ هاني المصري، فيما جاء المحور الثاني بعنوان “الإدارة الداخلية والتعافي وقطع الطريق على الفصل” وقدمه الكاتب والمحلل السياسي الدكتور مأمون أبو عامر.

وفي مداخلته، تناول المصري طبيعة التحديات التي تواجه الانتقال إلى المرحلة الثانية، مشيراً إلى أن البيئة السياسية الإسرائيلية، خاصة في ظل الاستعدادات للانتخابات المقبلة، تلقي بظلالها على فرص تنفيذ أي اتفاقات أو تفاهمات تتعلق بقطاع غزة، وأوضح أن الحكومة الإسرائيلية تحاول الموازنة بين الضغوط الدولية ومتطلبات المشهد السياسي الداخلي، الأمر الذي يجعل مستقبل المرحلة الثانية رهناً بجملة من العوامل السياسية والميدانية المتشابكة.

واستعرض المصري عدداً من السيناريوهات المحتملة للمرحلة المقبلة، من بينها استمرار المماطلة في تنفيذ الالتزامات المعلنة، أو المضي التدريجي في تطبيق التفاهمات تحت ضغط دولي، أو العودة إلى التصعيد في حال تعثرت المسارات السياسية، كما شدد على أن نجاح أي ترتيبات مستقبلية يتطلب توافقاً وطنياً فلسطينياً يحول دون فرض حلول أو صيغ تتجاوز الإرادة الفلسطينية أو تمس الحقوق الوطنية. وتأتي هذه النقاشات في ظل الجدل المتواصل بشأن ترتيبات الحكم والإدارة والانتقال إلى مرحلة التعافي وإعادة الإعمار في قطاع غزة.

من جانبه، ركز الدكتور مأمون أبو عامر على التحديات الداخلية التي تواجه القطاع خلال المرحلة المقبلة، مؤكداً أن تحقيق الاستقرار يتطلب رؤية فلسطينية واضحة تستند إلى ترتيب الأولويات الوطنية والإنسانية، ومعالجة التداعيات الاجتماعية والاقتصادية التي خلفتها الحرب.

وأوضح أبو عامر أن نجاح أي إدارة انتقالية أو ترتيبات مستقبلية يتوقف على قدرتها على الاستجابة للاحتياجات الملحة للمواطنين، وفي مقدمتها الإغاثة والإيواء والخدمات الأساسية، بالتوازي مع إطلاق مسار وطني يعزز الشراكة السياسية ويمنع تكريس الانقسام، كما دعا إلى معالجة مظاهر الاستقطاب المجتمعي وتعزيز ثقافة الوفاق الوطني باعتبارها ركائز أساسية لإنجاح جهود التعافي وإعادة البناء.

وشهدت الندوة نقاشاً واسعاً بين المشاركين حول مستقبل قطاع غزة، والفرص والتحديات المرتبطة بالمرحلة الثانية، إضافة إلى متطلبات إعادة الإعمار، ومستقبل الإدارة المدنية، والعلاقة بين الترتيبات المقترحة ومجمل القضية الفلسطينية.

وفي مداخلة له خلال النقاش، أشار الكاتب والمحلل السياسي هاني أبو عكر إلى أن التحدي الأساسي لا يكمن في الإعلان عن الخطط أو اللجان المقترحة، وإنما في قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع، خاصة في الملفات المرتبطة بالإعمار والخدمات والموظفين والتعليم والصحة والإغاثة، وأكد أهمية الانتقال من مرحلة الطروحات النظرية إلى إجراءات عملية تستجيب للاحتياجات المتزايدة لسكان القطاع.

وفي ختام الندوة، أكد مدير المركز الفلسطيني للدراسات السياسية رامي خريس أن المرحلة الراهنة تمثل محطة مفصلية في تاريخ القضية الفلسطينية، وأن النقاش لم يعد يقتصر على وقف الحرب أو إدارة تداعياتها الإنسانية، بل أصبح يتعلق بشكل المرحلة المقبلة ومن يمتلك القدرة على التأثير في رسم ملامحها وتحديد أولوياتها.

وأشار خريس إلى أن المداخلات والنقاشات أكدت أن تعدد الرؤى الدولية والإقليمية لا يلغي حقيقة أساسية مفادها أن نجاح أي ترتيبات مستقبلية سيبقى مرهوناً بمدى انسجامها مع الحقوق الوطنية الفلسطينية وقدرتها على تعزيز وحدة النظام السياسي الفلسطيني بدلاً من تكريس الانقسام أو إنتاج صيغ جديدة للفصل بين غزة وبقية مكونات القضية الفلسطينية.

وأضاف أن المسؤولية الفلسطينية لا تقل أهمية عن التحديات الخارجية، إذ تتطلب المرحلة المقبلة مبادرات ورؤى وطنية واضحة وقابلة للتنفيذ تستجيب للاحتياجات الإنسانية الهائلة في قطاع غزة، وتؤسس في الوقت ذاته لمعالجة سياسية تحافظ على وحدة الأرض والشعب والقضية.

وأكد أن مستقبل غزة لا ينبغي أن يُختزل في ترتيبات إدارية أو أمنية أو إنسانية، بل يجب النظر إليه باعتباره جزءاً من مستقبل القضية الفلسطينية بأكملها، مشدداً على أن أي مقاربة تتجاوز هذا البعد ستظل عاجزة عن تحقيق الاستقرار أو صناعة السلام.

واختتم خريس بالتأكيد على أن المركز الفلسطيني للدراسات السياسية سيواصل متابعة التحولات المرتبطة بالمرحلة المقبلة في قطاع غزة وتحليلها، وفتح المجال أمام الحوار الوطني المسؤول حول الخيارات الفلسطينية الممكنة، إيماناً بأن المعرفة والحوار الواعي يمثلان أحد أهم أدوات مواجهة التحديات التي تفرضها هذه المرحلة الدقيقة.

شارك:

المزيد من المقالات

مليار دولار للتعافي المبكر: قراءة نقدية في مبادرة “فريق غزة” الأوروبية وحدود استقلاليتها عن المسار الأمريكي

تحليل نقدي لمبادرة “فريق غزة” الأوروبية (883.6 مليون يورو) لتعافي غزة المبكر، يفحص حدود استقلاليتها عن المسار الأمريكي-الإسرائيلي استنادا إلى وقائع اجتماع بروكسل وبيانات تقييم الأضرار الدولي.