الهيكلة القسرية لسوق العمل الإسرائيلي عقب 7 أكتوبر: الانفكاك عن العمالة الفلسطينية ومأزق الإحلال الأجنبي

سياسات تحليلية اقتصادية – أ. خالد أبو عامر| خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
أعادت حرب تشرين الأول/أكتوبر 2023 تشكيل سوق العمل الإسرائيلي عبر انفكاك قسري عن العمالة الفلسطينية، تراجعت معه من نحو 178 ألف عامل إلى ما بين 20 و53 ألفا بحسب المصدر والتاريخ (2025-2026)، مقابل توسع مؤسسي غير مسبوق في استيراد العمالة الأجنبية بلغت سقوفه نحو 336 ألف عامل.
 هذا التحول ليس حدثا استثنائيا معزولا، بل يشكل المرحلة الثالثة الأشد قسوة من مسار متكرر لإعادة هيكلة التبعية الاقتصادية الفلسطينية بالكيان الإسرائيلي، وفق ما توثقه أدبيات الاقتصاد السياسي الفلسطيني منذ 1967.
 ورغم اتساعه العددي، يقر تقرير مراقب الدولة الإسرائيلي (نيسان 2026) باستمرار عجز يقارب 37 ألف عامل في قطاع البناء وحده حتى منتصف 2025.
في المقابل، خسر اقتصاد الضفة الغربية نحو 306 آلاف وظيفة، وارتفعت البطالة من 12.9% إلى ذروة 32% ثم استقرت عند نحو 27-30%، وارتفع معدل الفقر في الضفة من 12% إلى 28% بحسب البنك الدولي، بخسارة شهرية مباشرة في الأجور تقارب 1.35 مليار شيكل.
تخلص الورقة إلى أن الانفكاك نجح كقرار أمني-سياسي، لكنه أخفق حتى الآن في توليد بديل يضاهي كفاءة العمالة الفلسطينية اللوجستية، وهو ما يجعله عبئا مزدوج الاتجاه على الاقتصادين معا.

مقدمة

شكلت حرب تشرين الأول/أكتوبر 2023 نقطة تحول في سوق العمل الإسرائيلي والاقتصاد الفلسطيني على حد سواء.

فبعد عقود من اعتماد الاقتصاد الإسرائيلي على العمالة الفلسطينية كمحرك رئيسي لقطاعات حيوية (الإنشاءات والزراعة والصناعة)، بادرت دولة الاحتلال إلى تنفيذ سياسة انفكاك هيكلي عبر استبدال الفلسطينيين بعمالة أجنبية وافدة، اعتمادا على توسيع الاستقدام من دول آسيوية وأوروبية شرقية عبر اتفاقيات ثنائية وشراكات مع شركات توظيف خاصة.

هذا التحول لم يكن ابتكارا طارئا بالكامل: فمنذ منتصف التسعينيات، وتحديدا عقب اتفاق أوسلو وموجة العمليات التفجيرية في تلك الفترة، طرحت دوائر تخطيط إسرائيلية فكرة “الحد من الاعتماد” على العمالة الفلسطينية لأسباب أمنية، وتُظهر البيانات التاريخية لهذه العمالة (الجدول 1 أدناه) أن هذا الاعتماد كان يتقلص ويتمدد دوريا مع كل موجة تصعيد أمني، كما حدث خلال الانتفاضة الثانية (2000-2005) حين تراجع العدد من نحو 100 ألف إلى 71 ألف عامل.

 بهذا المعنى، فإن ما حدث بعد 7 أكتوبر لم يخترع سياسة الانفكاك، بل استثمر لحظة الحرب لتنفيذها بسرعة وحسم غير مسبوقين مقارنة بالتراجعات الجزئية والمؤقتة التي شهدتها العقود السابقة.

تتناول هذه الورقة الموضوع من زاوية تختلف عمّا تناولته دراسات سابقة تطرقت لنفس الحدث بمعطيات مشابهة (وأبرزها ورقة مركز مدار الإسرائيلي الصادرة مطلع 2026)، وذلك عبر إدماج التحول الحالي ضمن إطار تاريخي-نظري أشمل يفسر “لماذا” اختير هذا المسار لا “ماذا” حدث فقط، إضافة إلى استثمار تقارير رقابية ومؤسسية إسرائيلية داخلية (مراقب الدولة، Kav LaOved، الهستدروت) لبناء حجة نقدية تستند إلى مصادر الطرف الإسرائيلي ذاته لا إلى الرواية الفلسطينية وحدها.

منهجية الورقة ومصادر البيانات

تعتمد الورقة على مصادر ثلاثة متقاطعة، مع الإشارة إلى تبايناتها المنهجية كلما وردت: (1) مسوح القوى العاملة الفصلية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (تستند إلى مسح أسر ميداني، وتشمل العمل بتصريح وبدونه)، (2) بيانات سلطة السكان والهجرة الإسرائيلية (PIBA) والتقارير الصحفية الاقتصادية الإسرائيلية (غلوبس، كالكاليست) التي تعكس السجلات الإدارية للتصاريح، و(3) تقارير مؤسسية رقابية (مراقب الدولة الإسرائيلي، بنك إسرائيل، البنك الدولي) ومنظمات حقوقية (Kav LaOved).

 حيثما تعارضت الأرقام بين هذه المصادر، تُعرض الورقة النطاق الكامل مع تأريخ كل رقم ومصدره، بدل انتقاء رقم واحد يوهم بدقة غير متوفرة فعليا.

أولا: صورة الوضع الراهن

1. الصدمة الأولى وحجم الانفكاك

عشية الحرب (الربع الثالث 2023)، بلغ عدد العاملين الفلسطينيين داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 والمستوطنات نحو 178 ألف عامل بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (153 ألفا داخل الخط الأخضر و25 ألفا في المستوطنات)؛ وتشير تقديرات أخرى (مركز مدار، صحف إسرائيلية) إلى نطاق أوسع يتراوح بين 150 و190 ألف عامل بحسب ما إذا احتُسب العمل غير المصرح به.

من هؤلاء، كان نحو 125,500 عاملا يحملون حصصا/تصاريح رسمية (113,500 من الضفة الغربية زائد 12,000 من غزة)، إضافة إلى 40-50 ألف عامل إضافي بلا تصاريح رسمية.

مع اندلاع الحرب، ألغت السلطات الاسرائيلية غالبية هذه التصاريح بذريعة أمنية، وانهار العدد الفعلي للعاملين إلى ما بين 17 و25 ألف عامل بحلول الربع الرابع من 2023 بحسب مصادر مختلفة — أي هبوط فاق 85% خلال ثلاثة أشهر، وهو معدل انكماش يفوق بكثير ما شهدته الانتفاضة الثانية على مدى خمس سنوات كاملة.

2. مسار الانتعاش الجزئي (2024-2026)

شهدت الأعوام اللاحقة انتعاشا تدريجيا وبطيئا، لكن الأرقام تختلف بشكل لافت بحسب المصدر والتوقيت، وهو تباين يستحق التوقف عنده بذاته:

بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني: ارتفع العدد إلى نحو 51 ألف عامل في الربع الرابع من 2025، ثم إلى نحو 53 ألف عامل في الربع الثاني من 2026 (7.2% من إجمالي عمالة الضفة)، منهم 14 ألفا فقط بتصريح رسمي مقابل 127 ألفا عشية الحرب.

بحسب مصادر صحفية إسرائيلية (غلوبس، آب 2026): لا يتجاوز العدد العامل “داخل الخط الأخضر” فعليا 20 ألف عامل، مع تشغيل موازٍ لنحو 18-27 ألف عامل يوميا في المستوطنات (من أصل سقف 35,684).

هذا التباين لا يعكس بالضرورة خطأ في أحد المصدرين، بل اختلافا في التعريف: الرقم الفلسطيني يشمل العمل داخل المستوطنات والعمل غير المصرح به معا، بينما يقتصر الرقم الإسرائيلي غالبا على “الداخل” بتصريح رسمي ضمن “المنشآت الحيوية”.

 هذا التفاوت المنهجي نفسه مؤشر إضافي على حجم الفوضى الإدارية التي أحدثها القرار.

جدول (1): التطور التاريخي للعمالة الفلسطينية داخل الخط الأخضر (1970-2023)

السنةالعدد (آلاف)
197021
197566
198075
198589
1990108
199565
2000100
200571
201094
2015107
2020124
2023 (الربع 3، عشية الحرب)178 (منها 125.5 بتصريح/حصة رسمية)

المصدر: وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، مركز مدار.

جدول (2): المسار الفصلي بعد 7 أكتوبر (عمال داخل الخط الأخضر والمستوطنات)

الفترةالعدد (آلاف)ملاحظة
الربع 3/2023 (عشية الحرب)178خط الأساس
الربع 4/2023 (الصدمة)17-25تباين بين المصادر
الربع 4/202551بيانات الإحصاء الفلسطيني
الربع 2/202653 (منها 14 بتصريح رسمي)7.2% من عمالة الضفة
آب 2026~20 (تقدير إسرائيلي)يستثني جزءا من عمال المستوطنات

المصادر: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني؛ صحيفة غلوبس، 23 آب 2026؛ صحيفة القدس، 15 آب 2026.

جدول (3): توزيع تصاريح العمالة الفلسطينية الرسمية حسب القطاع (عشية الحرب)

القطاععدد التصاريح (آلاف)النسبة من تصاريح الضفة
البناء8070.5%
الزراعة19.116.8%
الصناعة والخدمات1210.6%
الفنادق2.32.0%
المجموع (الضفة الغربية)113.499.9%

ملاحظة منهجية: يُضاف إلى هذا العدد 12 ألف تصريح لعمال من قطاع غزة موزعين على القطاعات أعلاه، ليصبح الإجمالي العام 125.5 ألف تصريح.

في المقابل، تجاوز عدد العمال الأجانب (القانونيين وغير الشرعيين) في الكيان الإسرائيلي حاليا سقفا حكوميا يبلغ نحو 336 ألف عامل (3.3% من السكان)، بحسب قرار حكومي صدر في 15 أيار/مايو 2024 تحت عنوان “تحسين وتفعيل الرقابة والإنفاذ على تشغيل العمال الأجانب”. غير أن العدد الفعلي المتحقق يتفاوت بحسب التاريخ والمصدر: بلغ 227,044 عاملا نهاية 2025 بحسب سلطة السكان والهجرة، بينما قدّرته Kav LaOved بنحو 270 ألفا في أيار 2026، وأشارت غلوبس في آب 2026 إلى اقترابه من السقف الكامل (330 ألفا).

جدول (4): تقديرات توزيع العمالة الأجنبية في الكيان الإسرائيلي حسب دولة المنشأ (آب 2026)

الدولةالعدد التقديري (آلاف)النسبة
تايلند87.426.5%
الهند71.621.7%
الصين38.911.8%
سريلانكا36.911.2%
الفلبين31.39.5%
أوزبكستان29.38.9%
مولدوفا14.54.4%
نيبال5.61.7%
دول أخرى14.14.3%
الإجمالي330100%

المصدر: صحيفة غلوبس الاقتصادية، 23 آب 2026. الأرقام تقديرية وتقارب السقف الحكومي المقرر (335,900).

ثانيا: الإطار النظري والتاريخي — هذه المرحلة الثالثة من إعادة هيكلة التبعية

لتفسير هذا التحول تفسيرا يتجاوز الوصف، تستند هذه الورقة إلى إطار تحليلي موثق في أدبيات الاقتصاد السياسي الفلسطيني، أبرزها دراسة الباحثة ليلى فرسخ المرجعية “العمالة الفلسطينية في إسرائيل ومشروع الدولة الفلسطينية 1967-2007” (مؤسسة الدراسات الفلسطينية ومواطن).

 تُظهر فرسخ أن التبعية الاقتصادية الفلسطينية لـ”إسرائيل” مرّت بمرحلتين متمايزتين: الأولى (1967 حتى أوسلو) كانت تبعية قائمة على تشغيل مباشر لليد العاملة الفلسطينية داخل الاقتصاد الإسرائيلي؛ أما الثانية (بعد أوسلو 1993) فحلّت محلها تبعية قائمة على الإغلاقات والتحكم بالتجارة، مع اعتماد متزايد على المساعدات الخارجية للإبقاء على الاقتصاد الفلسطيني قائما بعد تقليص فرص العمل المباشر.

انطلاقا من هذا الإطار، تطرح هذه الورقة أن اللحظة الراهنة (بعد 7 أكتوبر 2023) تشكل مرحلة ثالثة أشد قسوة من سابقتيها: فهي لا تكتفي بتقييد حركة العمالة كما في مرحلة الإغلاقات، بل تقترب من قطع كامل ونهائي لصمام الأمان الوظيفي الذي ظل قائما جزئيا حتى في أحلك فترات الإغلاق السابقة (بما فيها الانتفاضة الثانية، التي شهدت تراجعا بنسبة 29% فقط في العمالة مقابل ما يتراوح بين 70% و89% اليوم).

كما تكشف مصادر فلسطينية رسمية أن العلاقة تحكمها ازدواجية معيارية: يعامل الكيان الإسرائيلي الأراضي الفلسطينية كجزء من سوقه المحلي حين يخدم ذلك احتياجاته، بينما يعامله كمصدر عمالة أجنبية بلا مسؤولية حين يتعلق الأمر بالاحتياجات الفلسطينية.

تختلف مساهمة هذه الورقة عن تحليلات سابقة تناولت البيانات نفسها (كورقة مركز مدار) في نقطتين: أولا، توظيفها لإطار “المراحل الثلاث” لتفسير سبب اختيار هذا التوقيت وهذا الحسم تحديدا، لا مجرد رصد أرقامه؛ وثانيا، تمييزها المنهجي بين معيار “الكفاءة الاقتصادية” الذي تُقاس به السياسة عادة (وتفشل بموجبه) ومعيار “القطيعة البنيوية” الذي قد يكون الهدف الفعلي غير المعلن (وتنجح بموجبه جزئيا) — وهو تمييز نتناوله بالتفصيل في القسم السادس.

ثالثا: الآثار الاقتصادية والاجتماعية

1. النزيف المالي المباشر

قدّر مسؤولون في اتحاد نقابات عمال فلسطين (آب 2026) حجم الأجور المفقودة شهريا بنحو 1.35 مليار شيكل (نحو 375 مليون دولار)، وهو رقم يتقاطع مع تقدير آخر يحسب الخسارة السنوية المباشرة في الأجور وحدها بما بين 7 و10 مليارات شيكل، استنادا إلى متوسط أجر يومي بلغ نحو 300 شيكل عشية الحرب.

 أدى توقف هذه التدفقات إلى جفاف حاد في السيولة النقدية بالأسواق المحلية، وشلل تتابعي في الحركة التجارية وشبكات التجزئة.

2. الانكماش الوظيفي وارتفاع البطالة

فقد اقتصاد الضفة الغربية نحو 306 آلاف وظيفة منذ 7 أكتوبر 2023، ما رفع معدل البطالة من 12.9% (الربع الثالث 2023) إلى ذروة 32% في الربع الرابع من العام نفسه.

ومنذ ذلك الحين، استقر المعدل عند مستوى مرتفع بنيويا: 28.6% (الربع الثاني 2025)، 27.5% (الربع الرابع 2025)، ثم 29.5% (الربع الأول 2026) — أي أن الأزمة لم تعد “صدمة عابرة” بل واقعا هيكليا جديدا لسوق العمل.

3. اتساع رقعة الفقر

بحسب تقرير للبنك الدولي (أيار 2025)، ارتفع معدل الفقر في الضفة الغربية تحديدا من 12% إلى 28%.

هذا الرقم يخص الضفة الغربية وحدها، ويختلف عن التقديرات الأممية الأعلى (58-74%) التي تشمل مجمل الأراضي الفلسطينية بما فيها الانهيار الكارثي في قطاع غزة، ولا تعكس بمفردها واقع الضفة.

4. تعميق أزمة السلطة المالية

انعكس شلل الحركة الاقتصادية على تحصيلات ضريبة القيمة المضافة وإيرادات المقاصة، في وقت بلغ فيه الدين العام للسلطة نحو 4.8 مليار دولار بنهاية 2025 (منها 3.3 مليار اقتراض من القطاع المصرفي المحلي)، وسط اقتطاعات إسرائيلية شهرية من أموال المقاصة تجاوزت في المتوسط 460 مليون شيكل خلال النصف الأول من 2025 مقارنة بنحو 200 مليون شيكل قبل الحرب.

5. احتجاز الحقوق والمدخرات العمالية

يؤكد عبد الهادي أبو طه، عضو الأمانة العامة للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، أن السلطات الإسرائيلية تحتجز مليارات الشواكل من مستحقات العمال الفلسطينيين (خصومات تأمين ومكافآت تقاعدية) منذ عقود، في نظام تمييزي يمنح عمال الداخل هذه المستحقات كراتب تقاعدي بينما تُحتجز عن عمال الضفة وغزة.

يبقى هذا التقدير نوعيا لا كميا لغياب رقم رسمي معلن ودقيق، وهو ما يستوجب متابعة قانونية مستقلة.

6. اختلال كلفة البديل الأجنبي على المشغّل الإسرائيلي

مقارنة بالعامل الفلسطيني “المياوم”، رفعت العمالة الأجنبية الكلفة الإجمالية للتشغيل بفعل رسوم السماسرة والالتزامات التعاقدية الصارمة.

ويؤكد تقرير مراقب الدولة الإسرائيلي (15 نيسان 2026) أن سوق العمل فقد بشكل مباشر نحو 110 آلاف عامل غير إسرائيلي (91% منهم فلسطينيون)، وأن قطاع البناء وحده ظل يعاني حتى حزيران 2025 من عجز يقدَّر بنحو 37 ألف عامل رغم تسريع إجراءات الاستقدام.

رابعا: آلية واستراتيجية استقدام العمالة الأجنبية

تتوزع إدارة ملف العمالة الأجنبية بين وزارات العمل والمالية والاقتصاد والخارجية وسلطة السكان والهجرة، دون مركز تخطيط موحد — وهو ما وثّقه نائب مدير الشؤون الاقتصادية في اتحاد “الهستدروت”، الذي وصف غياب سياسة متماسكة واستسلام الجهات الحكومية لضغط جماعات المصالح القطاعية (مثالا: حصول سلطة الآثار الإسرائيلية على حصة 500 عامل أجنبي “لأنها احتجت بصوت عال بما يكفي”، بحسب رئيس منظمة Kav LaOved).

يحدد الإطار القانوني سقفا زمنيا للعقد يبلغ 63 شهرا (خمس سنوات وثلاثة أشهر) كحد عام لبقاء العامل الأجنبي غير المتخصص في الكيان الإسرائيلي، وهو ما يمنح الدولة سيطرة إدارية وأمنية كاملة على تدفق العمالة لكنه يخلق اعتمادا بيروقراطيا يحد من مرونة الاستجابة السريعة.

 ويعتمد توزيع الحصص على مسارين: الأول للمشغّلين الجدد عبر طلبات تنافسية عامة، والثاني للمشغّلين القائمين عبر تدقيق مباشر دون طلبات جديدة.

وقد اعتمد القرار الحكومي المؤسس لهذه السياسة (15 أيار 2024) سقفا يعادل 3.3% من سكان الكيان الإسرائيلي (نحو 336 ألف عامل بحلول 2026) — إلا أن البيانات التي استند إليها كانت تعكس واقع نهاية 2023 في ذروة الحرب، ولم يُحدَّث التقدير لاحقا، وهو ما انتقده تقرير Kav LaOved”” صراحة باعتباره قرارا اتُّخذ دون فحص منهجي لتبعاته على المدى الطويل.

خامسا: ميزة العامل الفلسطيني وأزمة البديل الأجنبي

1. المرونة اللوجستية

العامل الفلسطيني “المياوم” لا يتطلب استثمارا حكوميا في البنية السكنية أو الاجتماعية.

في المقابل، يشكل العامل الأجنبي عبئا مقيما طويل الأمد، في وقت يعاني فيه الكيان الإسرائيلي أصلا من أزمة سكن خانقة — لدرجة أن الكنيست ناقش (حتى نيسان 2026 دون تقدم حقيقي) مقترحات لبناء “مجمعات سكنية عملاقة” مخصصة للعمال الأجانب، وسط تحذيرات من أن أي تشريع في هذا الملف لن يدخل حيز التنفيذ قبل ثلاث أو أربع سنوات على الأقل.

2. واقع الاستغلال الميداني

توثق منظمة Kav LaOved أنماطا متكررة من انتهاكات حقوق العمال الأجانب: تأخر أو حجب الأجور، احتفاظ بعض أصحاب العمل بجوازات السفر وتقييد حرية الحركة، ونوم بعض العمال في مواقع بناء غير مكتملة — ووصف المدير التنفيذي للمنظمة هذه الأوضاع بأنها أقرب إلى “العبودية الحديثة”.

كما يدفع بعض العمال ما يعادل راتب عام كامل لشركات التوظيف الوسيطة مقابل تنظيم تأشيراتهم. هذا النموذج يتناقض جوهريا مع مرونة العامل الفلسطيني الذي كان يعمل ويعود يوميا إلى منزله دون أي عبء إسكاني على الدولة المُستقدِمة.

سادسا: حدود الاستراتيجية الإسرائيلية — قراءتان متنافستان

القراءة الأولى (معيار الكفاءة الاقتصادية): بهذا المعيار، فشلت السياسة جزئيا: عجز موثق بنحو 37 ألف عامل في البناء حتى منتصف 2025، وانتقادات صريحة من الهستدروت وKav LaOved لغياب تخطيط متماسك.

القراءة الثانية (معيار القطيعة البنيوية): إن كان الهدف الفعلي هو إنهاء أي اعتماد وظيفي فلسطيني على الاقتصاد الإسرائيلي بغض النظر عن الكلفة المباشرة، فإن السياسة تكون قد حققت غرضها الحقيقي بدرجة عالية، حتى وإن بدت “فاشلة” اقتصاديا.

الأرجح أن الواقع مزيج من القراءتين: قرار أمني-سياسي أولي تحوّل تدريجيا، بفعل مقاومة بيروقراطية ومصالح قطاعية متضاربة، إلى مسار “اقتصاد استقدام” ذاتي الدفع يصعب التراجع عنه حتى لو ثبتت كلفته.

سابعا: سيناريوهات محتملة (2026-2027)

استمرار التوسع في الإحلال الأجنبي مع تفاقم أزمة الإسكان: الأرجح على المدى القريب، بالنظر إلى تعثر تشريع الإسكان الجماعي للعمال الأجانب.

إعادة فتح جزئية ومشروطة للتصاريح الفلسطينية: مؤشر أولي عبر إعلانات عن دفعات إضافية من التصاريح (16 ألف تصريح جديد “لتعزيز اقتصاد السلطة الفلسطينية”).

تجمّد الوضع الراهن كواقع دائم: استمرار الفجوة دون حسم، مع تطبيع “الخسارة الجزئية” في الإنتاجية الإسرائيلية كأمر واقع يُدار لا يُحل.

هذه السيناريوهات تُبقي ملف العمالة مؤشرا حساسا يستحق رصدا فصليا متجددا لا تحليلا لمرة واحدة.

النتــائـــج

  • انفكاك قسري متفاوت التوثيق: تراجع بمعدل يتراوح بين 70% و89% بحسب المصدر، يفوق بكثير ما شهدته أزمات سابقة كالانتفاضة الثانية.
  • إخفاق موثّق رسميا في تعويض الفجوة: عجز يقارب 37 ألف عامل في البناء وحده حتى منتصف 2025، رغم توسع الاستقدام إلى قرب سقف 336 ألف عامل أجنبي.
  • عبء بيروقراطي وسكني موثق من داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها: انتقادات من الهستدروت وKav LaOved، وتحذيرات من أزمة إسكان مقبلة لأكثر من 200 ألف عامل إضافي.
  • صدمة بنيوية للاقتصاد الفلسطيني: خسارة 306 آلاف وظيفة، بطالة هيكلية 27-30%، فقر ارتفع من 12% إلى 28%، وخسارة شهرية في الأجور تقارب 1.35 مليار شيكل.
  • انتهاكات موثقة بحق العمالة البديلة: أوضاع وصفتها منظمات حقوقية إسرائيلية بأنها أقرب إلى “العبودية الحديثة”.
  • مرحلة ثالثة من مسار تاريخي متكرر: الانفكاك الحالي هو الأشد حسما ضمن نمط متكرر لإعادة هيكلة التبعية الاقتصادية الفلسطينية منذ 1967.

التـــوصيـــات

  1. توثيق الفجوة الإحصائية بدقة عبر متابعة فصلية للفارق بين بيانات الإحصاء الفلسطيني وسلطة السكان والهجرة الإسرائيلية.
  2. المطالبة باسترداد الحقوق المالية المحتجزة عبر منظمة العمل الدولية والاتحادات العمالية الدولية.
  3. توظيف تقارير الرقابة الإسرائيلية ذاتها (مراقب الدولة، Kav LaOved، الهستدروت) في الحملة الدولية.
  4. دعم مستهدف لقطاعي البناء والزراعة محليا لامتصاص جزء من العمالة المتوقفة.
  5. إنشاء صندوق انتقال وظيفي سريع بالشراكة مع نقابات العمال المحلية.
  6. مطالبة الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بإصدار مؤشر فقر فصلي منفصل ومحدَّث للضفة الغربية بمعزل عن غزة.

© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية سبتمبر  2026 — جميع الحقوق محفوظة

شارك:

المزيد من المقالات

منطق الإحلال المتجدد: التهجير كبنية مستمرة في المشروع الاستيطاني الصهيوني، من الترانسفير التأسيسي إلى خطط ما بعد وقف إطلاق النار في غزة

ورقة تحليلية توثّق امتداد خطط تهجير غزة الراهنة (فك الارتباط 710، الجزيرة الاصطناعية) إلى منطق إحلال استيطاني تأسيسي، وتحلل حدوده الأمريكية والعربية والدولية بعد وقف إطلاق النار.