أ. خالد أبو عامر
خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية-(دراسة تحليلية-سياسية-اقتصادية)
| الملخص التنفيذي أطلق الاتحاد الأوروبي في 13 تموز/يوليو 2026 “مبادرة فريق غزة” بتمويل قدره 883.6 مليون يورو (نحو مليار دولار)، بمشاركة 13 دولة واليابان إلى جانب المفوضية الأوروبية وبنك الاستثمار الأوروبي، في أكبر تحرك أوروبي منظم لمرحلة التعافي المبكر منذ وقف إطلاق النار. ترتكز المبادرة على تقييم الأضرار والاحتياجات المشترك بين الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والبنك الدولي، الذي قدّر كلفة الإعمار الكلية بـ71.4 مليار دولار، غير أن فحص وقائع الإعلان في سياقه الكامل — حضور مستشار البيت الأبيض جاريد كوشنر هاتفيا، واشتراط المفوضة الأوروبية دوبرافكا شويسا نزع سلاح حماس، وبدء التنفيذ بمشروعين محدودين بالتنسيق مع الكيان الإسرائيلي — يكشف أن المبادرة أقرب إلى “تنسيق مشروط” مع المسار الأمريكي-الإسرائيلي منها إلى مسار أوروبي مستقل بالكامل . ومقارنة بصندوق “مجلس السلام” الأمريكي الذي ظل شبه فارغ رغم تعهدات بـ17 مليار دولار ، تبرز سرعة الأوروبيين في الصرف الفعلي كميزة نسبية حقيقية، رغم محدودية المبلغ قياساً بالاحتياج العاجل. تخلص الورقة إلى أن مستقبل الملف رهين بقدرة الأطراف الفلسطينية والعربية على تحويل هذا الغطاء المالي إلى رافعة سياسية، لا الاكتفاء بإدارته كمشروع خدمي. |
مقدمة
أعلنت المفوضية الأوروبية في 13 تموز/يوليو 2026 عن إطلاق “مبادرة فريق غزة” (Team Gaza Initiative)، بمساهمات مالية بقيمة 883.6 مليون يورو (نحو مليار دولار)، لدعم جهود التعافي المبكر في قطاع غزة، ويشكل هذا التعهد الأكبر من نوعه الذي يُعلن عنه الاتحاد الأوروبي منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في تشرين الأول/أكتوبر 2025، بعد نحو عامين من حرب مدمرة.
لا تكمن أهمية هذا الإعلان في رقمه المالي بقدر ما تكمن في محاولة تأطيره ضمن مقاربة أوروبية جديدة لمرحلة ما بعد الحرب.
تتناول هذه الورقة خلفية الإعلان ومضمونه، ثم تفحص مدى دقة الادعاء بوجود “تحول فلسفي” أوروبي مستقل، بالاستناد إلى الأساس الفني المشترك للخطة، والمسار الموازي لحوكمة غزة في قبرص والقاهرة، قبل أن تختبر -في ضوء وقائع اجتماع بروكسل والمواقف الفلسطينية المتباينة منه- مدى استقلالية هذا المسار عن الرؤية الأمريكية-الإسرائيلية، وتخلص إلى توصيات موجهة.
تنويه منهجي: تعتمد الورقة على مصادر رسمية (بيانات المفوضية الأوروبية والأمم المتحدة) ووكالات أنباء دولية موثوقة بالدرجة الأولى في توصيف حزمة التمويل وأرقامها.
أولا: خلفية الإعلان ومضمونه
شهدت بروكسل بين 12-13 تموز/يوليو 2026 الاجتماع الثاني لمجموعة مانحي فلسطين (Palestine Donor Group – PDG)، بمشاركة نحو 65 دولة ومنظمة دولية، ترأسته رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والمفوضة الأوروبية لشؤون المتوسط دوبرافكا شويسا، وشارك فيه رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى ووزير المالية والتخطيط اسطيفان سلامة، إلى جانب الممثل السامي لمجلس السلام نيكولاي ميلادينوف، ورئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة علي شعث الذي عرض خطة اللجنة للتعافي .
وأسفر الاجتماع عن إطلاق “مبادرة فريق غزة” بتمويل أولي قدره 883.6 مليون يورو. ومن الدقة بمكان التمييز بين عدد “الشركاء” وعدد “الدول”: تضم المبادرة 15 شريكا هم 13 دولة (إسبانيا، الدنمارك، بريطانيا، ألمانيا، النرويج، فنلندا، إيطاليا، هولندا، فرنسا، اليابان، سويسرا، السويد، بلجيكا) إلى جانب المفوضية الأوروبية وبنك الاستثمار الأوروبي، مع دعم مالي مؤكد من البنك الدولي، وإعلان أستراليا وكندا نيتهما الانضمام لاحقا، وتستهدف الحزمة خمسة قطاعات حيوية: شبكات المياه والصرف الصحي، الطاقة، إزالة الأنقاض والنفايات الصلبة، القطاع الصحي، والزراعة والأمن الغذائي .
وإلى جانب هذا التمويل، أعلن المانحون في بروكسل عن جمع 41.7 مليون يورو لآلية أوروبية خاصة لدعم موازنة السلطة الفلسطينية المهددة بالإفلاس جراء حجز الحكومة الإسرائيلية عائداتها الضريبية، إضافة إلى تعهد سابق للمفوضية بقيمة 310 ملايين يورو عبر برنامج “بيغاس” (PEGASE) لعامي 2026 و2027. ويرفع هذا إجمالي الدعم الأوروبي للأراضي الفلسطينية منذ اندلاع الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى نحو 1.65 مليار يورو، ما يجعل الاتحاد الأوروبي أكبر مانح دولي للفلسطينيين.
أبرز المؤشرات الرقمية للمبادرة وسياقها
| المؤشر | القيمة |
| تمويل “مبادرة فريق غزة” (13 تموز/يوليو 2026) | 883.6 مليون يورو (~مليار دولار) |
| عدد الشركاء في المبادرة | 15 شريكا (13 دولة + المفوضية + بنك الاستثمار الأوروبي) |
| إجمالي الدعم الأوروبي للفلسطينيين منذ أكتوبر 2023 | ≈1.65 مليار يورو |
| الاحتياج الكلي للتعافي والإعمار (عقد كامل) | 71.4 مليار دولار |
| الاحتياج العاجل (أول 18 شهرا) | 26.3 مليار دولار |
| الأضرار المادية بالبنية التحتية | 35.2 مليار دولار |
| الخسائر الاقتصادية والاجتماعية | 22.7 مليار دولار |
| الانكماش الاقتصادي في غزة | 84% |
| الوحدات السكنية المدمرة أو المتضررة | أكثر من 371,888 وحدة |
| النازحون | 1.9 مليون شخص |
| تعهدات صندوق “مجلس السلام” الأمريكي مقابل ما صُرف فعليا (حتى مايو 2026) | 17 مليار دولار متعهد بها، مقابل تمويل فعلي أقل من مليار دولار من 3 دول فقط |
ثانيا: من “الإغاثة” إلى “التشغيل الاقتصادي” – حدود التحول في الفلسفة الأوروبية
تكمن القيمة المضافة للمبادرة، بحسب الخطاب الأوروبي الرسمي، في الانتقال من منطق المساعدات الإغاثية الطارئة إلى “التعافي المبكر” الذي يستهدف إعادة تشغيل الحياة الاقتصادية والخدمية دون انتظار تسوية سياسية شاملة أو الشروع في مشاريع إعادة إعمار كبرى طويلة الأمد، ويتجلى ذلك إجرائيا في توجيه التمويل مباشرة نحو استكمال مشاريع قائمة أو مجمّدة كان يديرها البنك الدولي وبنك الاستثمار الأوروبي في غزة، وتقليص دورات الموافقة البيروقراطية المعتادة لإسراع تدفق الأموال، بدل بناء مشاريع من الصفر.
غير أن قراءة هذا “التحول” في سياقه المالي الأوسع تُظهر أن له بعدا وظيفيا إضافيا لا يقل أهمية عن بعده الخدمي: فربط دعم التعافي المبكر بآلية موازية لإنقاذ موازنة السلطة الفلسطينية (41.7 مليون يورو زائد 310 ملايين عبر PEGASE) يكشف أن بروكسل تستخدم حزمة التمويل أيضا كأداة لتثبيت السلطة الفلسطينية كطرف حاكم شرعي في مواجهة سيناريوهات الفراغ أو الحلول البديلة له، لا لدواعٍ إنسانية بحتة، وقد اشترطت شويسا صراحة الإفراج عن العائدات الضريبية الفلسطينية المحتجزة إسرائيليا باعتبارها ضرورة لاستمرار السلطة في دفع الرواتب وتقديم الخدمات، وهو ما يضع التمويل الاقتصادي في صلب معادلة سياسية-إدارية أوسع من مجرد “تشغيل اقتصادي” محايد.
ويكتسب هذا “التحول” دلالة أكبر عند مقارنته بمسار موازٍ فشل عمليا في تحقيق ما وعد به: فصندوق “مجلس السلام” الذي أنشأه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإدارة تمويل إعادة الإعمار، وتلقى تعهدات معلنة بلغت 17 مليار دولار في مؤتمر مانحين عُقد في شباط/فبراير 2026، ظل حتى أيار/مايو 2026 -بحسب تقرير لصحيفة فايننشال تايمز- بلا أي أموال فعلية تقريبا، إذ لم تساهم فيه سوى 3 دول من أصل 10 تعهدت بذلك، بإجمالي تمويل فعلي أقل من مليار دولار .
وفي هذا السياق، فإن سرعة الاتحاد الأوروبي في تحويل جزء من التزاماته المالية إلى تمويل مُعلن ومُهيكل خلال أشهر قليلة تشكل بالفعل تمايزا عمليا حقيقيا عن المسار الأمريكي، حتى لو ظل المبلغ الأوروبي متواضعا قياسا بحجم الاحتياج الكلي.
ثالثا: الأساس الفني للخطة – تقييم RDNA المشترك وحدوده
استندت المبادرة الأوروبية إلى التقييم النهائي للأضرار والاحتياجات في غزة (Rapid Damage and Needs Assessment – RDNA)، الذي نُشر في 20 نيسان/أبريل 2026 ، وخلافا لما قد يوحي به الخطاب الترويجي للمبادرة، فإن هذا التقييم ليس وثيقة أوروبية مستقلة، بل تقرير مُعدّ بشراكة ثلاثية متساوية بين الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والبنك الدولي، وهو ما يمنحه صفة “الأساس الفني المرجعي المشترك” الذي تستند إليه كل الأطراف الدولية -بما فيها واشنطن وتل أبيب ضمنيا- لا دليلا على امتلاك بروكسل رؤية تقنية منفصلة عن باقي الفاعلين الدوليين .
وقدّر التقييم الاحتياجات الكلية للتعافي وإعادة الإعمار على مدى العقد المقبل بنحو 71.4 مليار دولار، منها 26.3 مليار دولار مطلوبة بصفة عاجلة خلال الأشهر الـ18 الأولى. وسجلت الأضرار المادية في البنية التحتية نحو 35.2 مليار دولار، مقابل خسائر اقتصادية واجتماعية بلغت 22.7 مليار دولار، وسط انكماش اقتصادي بلغ 84%. ودُمر أو تضرر أكثر من 371.888 وحدة سكنية، وتوقف أكثر من 50% من المستشفيات عن الخدمة، وتضرر معظم المدارس، فيما نزح 1.9 مليون شخص وفقد أكثر من 60% من السكان منازلهم، في تراجع للتنمية البشرية قدره التقييم بـ77 عاما.
والدلالة الأدق لهذا الأساس الفني المشترك هي أنه يمنح الاتحاد الأوروبي غطاء تقنيا معترفا به دوليا يبرر تحركه السريع دون انتظار تسوية سياسية شاملة، لا أنه يعكس -كما قد يُفهم من الخطاب الترويجي- استقلالية أوروبية في التقييم أو التخطيط عن مسار واشنطن. فالإطاران التنفيذي والفني يستندان إلى الوثيقة نفسها التي شارك في صياغتها الأطراف الثلاثة جميعا.
رابعا: المسار الموازي لحوكمة غزة – من القاهرة إلى قبرص
سبق إعلان بروكسل مسار مواز لترتيب حوكمة القطاع بعد الحرب: عقدت اللجنة الوطنية لإدارة غزة (NCAG) ورشة عمل في القاهرة يومي 23-24 حزيران/يونيو 2026، أعقبتها سلسلة اجتماعات عمل مكثفة في قبرص أواخر حزيران/يونيو وأوائل تموز/يوليو، ضمت طواقم وخبراء ومستشاري “مجلس السلام”، ومكتب الممثل السامي للمجلس نيكولاي ميلادينوف، ومؤسسة توني بلير للتغيير العالمي.
وتناولت هذه الاجتماعات خطط إعادة الإعمار والأمن والحوكمة والترتيبات المؤسسية اللازمة لتلبية متطلبات المانحين.
وتزامن هذا المسار مع إعلان “لجنة الطوارئ الحكومية” التي كانت تدير الشؤون اليومية في غزة عن استعدادها الكامل لتسليم مسؤولياتها للجنة الوطنية، فيما نقلت تقارير صحفية -استنادا لمصادر مصرية لم تُسمَّ- أن الحكومة الإسرائيلية تعرقل عمليا دخول اللجنة الوطنية إلى القطاع لمباشرة مهامها الإدارية، في وقت تراجعت فيه أولوية الملف الفلسطيني على أجندة واشنطن الإقليمية لصالح ملفات أخرى.
هذا التعثر الميداني يحدّ عمليا من قدرة الإطار المؤسسي الفلسطيني على استثمار الغطاء المالي الأوروبي على الأرض، بصرف النظر عن حجم التمويل المعلن في بروكسل.
خامسا: قراءة السيناريوهات في ضوء وقائع بروكسل والمواقف الفلسطينية المتباينة
يمكن قراءة إعلان التمويل الأوروبي ضمن سيناريوهين متنافسين تكشف وقائع اجتماع بروكسل نفسه عن تداخل بينهما أكثر مما تدعم ترجيح أحدهما بشكل قاطع:
السيناريو الأول (مسار سياسي مستقل): يستند إلى تمسك البيان الأوروبي-الأممي المشترك بأن تنفيذ قرار مجلس الأمن 2803 والتقدم في الإعمار ومسار الدولتين “ليست مسارات متوازية بل مترابطة عضويا”، وإصرار بروكسل على أن يكون التعافي بـ”قيادة وملكية فلسطينية”، ورفضها الضمني تجاوز السلطة الفلسطينية.
السيناريو الثاني (مسار التنسيق والتبعية الوظيفية): يستند إلى مشاركة جاريد كوشنر هاتفيا في اجتماع بروكسل بصفته عضوا في المكتب التنفيذي لـ”مجلس السلام”؛ وتصريح شويسا الصريح بأن حضور ممثلي “مجلس السلام” يهدف إلى “ضمان التنسيق والتكامل في عملنا” ؛ واشتراطها الصريح نزع سلاح حماس -وهو مطلب أمريكي-إسرائيلي أساسا- لبدء “التعافي الفعلي”؛ فضلا عن أن أول مشروعين ملموسين اتُفق عليهما فعليا مع الحكومة الإسرائيلية (المياه والنفايات الصلبة) جاءا بموافقة إسرائيلية مسبقة ووفق منطق تجريبي محدود يقترب من فلسفة “الخطة البلدية” الأمريكية أكثر من كونهما جزءا من مشروع إعمار شامل غير مشروط.
ويضيف الموقف الفلسطيني المعلن طبقة أخرى لهذه القراءة: فقد وجّه القيادي في حركة حماس باسم نعيم انتقادات لاذعة لتصريحات ميلادينوف عقب اجتماع بروكسل، متهما إياه بـ”الانحياز للرواية الإسرائيلية” وتقديم “غطاء” لاستمرار سياسات الحصار، ومكذبا حديثه عن تحسن تدفق المساعدات الإنسانية مقارنة بالأرقام الميدانية الفعلية.
هذا الخلاف لا يغيّر مضمون حزمة التمويل الأوروبية بحد ذاتها، لكنه يكشف أن الإطار السياسي الذي يُدار من خلاله الملف (مجلس السلام بقيادة أمريكية، وميلادينوف كممثل سامٍ له) يواجه اعتراضا فلسطينيا صريحا على حياديته، وهو ما يقوّي فرضية أن “القيادة الفلسطينية” التي يتحدث عنها البيان الأوروبي مقصورة عمليا على السلطة الفلسطينية واللجنة الوطنية، دون أن تشمل توافقا فلسطينيا داخليا أوسع.
القراءة الأكثر دقة، بناء على هذه المعطيات مجتمعة، ليست ترجيح أحد المسارين بشكل مطلق، بل توصيف العلاقة بينهما بأنها “تنسيق مشروط”: تنفيذ ميداني متزامن مع الشروط الأمنية والسياسية التي تضعها واشنطن وتل أبيب (نزع السلاح، الموافقة الإسرائيلية على كل مشروع على حدة، البدء بنماذج محدودة كرفح)، مقابل احتفاظ بروكسل بخطاب سياسي مستقل شكليا (حل الدولتين، الربط بالقرار 2803) توظفه كأداة نفوذ تفاوضي طويل الأمد أكثر من كونه مسار تنفيذ فعلي منفصل على الأرض في المدى القريب، وبعبارة أخرى: الاستقلالية أوروبية في الخطاب السياسي، والتبعية وظيفية في آليات التنفيذ الميداني، وسط اعتراض فلسطيني داخلي على شرعية بعض أطراف هذا الإطار التنفيذي نفسه.
الخلاصة والنتائج
- تمويل “فريق غزة” خطوة مهمة كميا (نحو مليار دولار) ومتقدمة زمنيا مقارنة بصندوق “مجلس السلام” الأمريكي شبه الفارغ رغم تعهدات أكبر بستة عشر ضعفا تقريبا، لكنها تظل محدودة قياسا بالاحتياج العاجل المقدر بـ26.3 مليار دولار خلال 18 شهرا.
- الأساس الفني للمبادرة (تقييم RDNA) مشترك دوليا لا أوروبي حصري، وقيمته في توفير غطاء تقني موحد للتحرك السريع، لا في كونه رؤية أوروبية منفصلة.
- التعثر الميداني المرجَّح في تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من دخول القطاع يشكل عنق الزجاجة الفعلي الذي قد يفرغ الغطاء المالي الأوروبي من أثره العملي، بصرف النظر عن حجم التمويل.
- العلاقة بين المسار الأوروبي والمسار الأمريكي-الإسرائيلي أقرب إلى “تنسيق مشروط” منها إلى استقلال كامل أو تبعية كاملة، في ظل اعتراض فلسطيني داخلي (حماس) على حياد بعض أطراف الإطار التنفيذي المُدار أمريكيا.
وخلاصة الورقة أن إعلان “فريق غزة” يمثل محطة مهمة في مسار التعافي المبكر، لكن قيمته الحقيقية لن تُقاس بحجم التمويل المعلن في بروكسل، بل بمدى قدرة الأطراف الفلسطينية والعربية على ترجمة هذا الغطاء المالي إلى نفوذ سياسي فعلي يعيد التوازن لمسار يبدو، في وقائعه الميدانية الراهنة، أقرب إلى التنسيق المشروط مع أولويات واشنطن وتل أبيب منه إلى مسار أوروبي مستقل بالكامل.
التوصيات
1. للسلطة الفلسطينية واللجنة الوطنية لإدارة غزة: العمل على تحويل الغطاء المالي الأوروبي إلى ضغط سياسي متبادل يشترط ربط أي صرف للأموال بتمكين اللجنة الوطنية فعليا من دخول القطاع ومباشرة مهامها، بدل قبول دور تنفيذي محدود على الأرض بينما تُدار قرارات الدخول والتوقيت من أطراف أخرى.
2. للجهات العربية والدولية الداعمة: بلورة موقف موحد يسند تحديدا الشق السياسي في الموقف الأوروبي (الربط بقرار 2803)، بوصفه الرافعة الوحيدة القادرة على منع تحول “التعافي المبكر” إلى غطاء إنساني لتكريس حلول جزئية أو بلدية دائمة على غرار نموذج رفح.
3. للاتحاد الأوروبي: ترجمة تمسكه الخطابي بالقيادة الفلسطينية إلى ضغط فعلي على الحكومة الإسرائيلية لإزالة العوائق أمام دخول اللجنة الوطنية للقطاع، باعتبار ذلك اختبارا حقيقيا لمصداقية “الاستقلالية” السياسية التي يعلنها، لا مجرد بند في بيان ختامي.
4. لصناع القرار والباحثين الفلسطينيين: متابعة نموذج رفح التجريبي (مشروعا المياه والنفايات) عن كثب بوصفه المؤشر العملي الأقرب لتحديد أي السيناريوهين سيسود فعليا، إذ إن توسيع هذا النموذج تدريجيا لبقية القطاع سيرجّح مسار “التنسيق التابع”، بينما تجميده أو تجاوزه نحو خطة إعمار شاملة سيرجّح المسار السياسي الأوروبي المستقل.
© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية يوليو 2026 — جميع الحقوق محفوظة



