أ. ابراهيم الحواجري
خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية-تقدير موقف
| الملخص التنفيذي يشكّل حل الكنيست الخامس والعشرين، وتحديد 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 موعداً لانتخابات الكنيست السادس والعشرين منعطفاً سياسياً في مسار النظام الإسرائيلي، بعد أن أقر الكنيست حلّ نفسه فجر 17 يوليو/تموز بأغلبية 62 صوتاً ضمن قانون تمويل الأحزاب، في ظل أزمة ثقة متصاعدة يعكسها تراجع الليكود إلى 20 مقعداً في أحدث استطلاعات الرأي، مقابل تصدّر حزب “يشار” بزعامة غادي أيزنكوت، وتتنافس القوى السياسية على 120 مقعداً وفق نظام التمثيل النسبي، مع عتبة حسم 3.25% وحاجة أي ائتلاف حاكم إلى 61 نائباً على الأقل. تنطلق الورقة من أن الانتخابات لن تكون تنافساً حزبياً عادياً، بل استفتاءً على أداء نتنياهو خلال الحرب، وعلى مستقبله السياسي والقضائي في ظل محاكمته المستمرة بتهم فساد منذ 2020، وتخلص إلى أن السيناريو الأرجح هو استمرار تعادل حاد بين المعسكرين مع تقدم طفيف للمعارضة، لكن دون أن يعني ذلك تحولاً جذرياً في المواقف الإسرائيلية الجوهرية تجاه الاستيطان والقدس والدولة الفلسطينية، بينما قد تتأثر أساليب إدارة الحرب على غزة والعلاقة مع واشنطن. |
مقدمة
تكتسب انتخابات 27 أكتوبر 2026 أهمية استثنائية لتزامنها مع تحولات إقليمية ودولية متسارعة، وضغوط أمريكية وأوروبية لبلورة ترتيبات اليوم التالي في قطاع غزة، إلى جانب توتر متصاعد في الضفة الغربية والقدس، وجدل داخلي إسرائيلي حاد حول كلفة الحرب البشرية والاقتصادية.
تسعى هذه الورقة إلى تحليل الخلفيات السياسية والتشريعية التي أدت إلى حل الكنيست الخامس والعشرين، وقراءة الخريطة الحزبية بأحدث بيانات استطلاعات الرأي المتاحة، واستشراف انعكاسات النتائج على الحرب في غزة ومستقبل القضية الفلسطينية، وصولاً إلى سيناريوهات محتملة وتوصيات عملية لصانع القرار الفلسطيني.
أولاً: السياق السياسي والتشريعي لحل الكنيست
لم يكن حل الكنيست الخامس والعشرين نتيجة أزمة مفاجئة، بل تتويجاً لتراكم خلافات داخل الائتلاف الحاكم امتدت لأشهر. فبعد أن أنهى الكنيست دورته الصيفية في 17 يوليو/تموز 2026، ودخل الكيان الإسرائيلي عملياً مرحلة الاستحقاق الانتخابي، صادق النواب فجر ذلك اليوم على حل الكنيست بأغلبية 62 صوتاً دون معارضة، ضمن مشروع قانون تمويل الأحزاب الذي تضمّن بنداً لتبكير موعد الانتخابات.
وجاء التصويت بعد ساعات من عدم اليقين، إثر خلاف بين رئيس حزب شاس أرييه درعي والمعارضة حول زيادة مخصصات تمويل الأحزاب، إذ رفض درعي دعم القانون دون تأييد المعارضة له تجنباً لتحمّل الانتقادات العامة منفرداً، وفي الجلسة الليلية ذاتها، مرّر الكنيست أيضاً قانوناً يؤجل خفض مدة الخدمة العسكرية الإلزامية خمس سنوات، وقانون الاتصالات بأغلبية 53 مقابل 48.
وشكّل ملف تجنيد الحريديم أحد أبرز عوامل التصدع داخل الائتلاف؛ فقبل الحل بأيام أقر الكنيست، في تصويت شهد انشقاقات داخل صفوف الليكود والصهيونية الدينية، قانوناً يجمّد إجراءات اعتقال المتهربين من التجنيد من طلاب المعاهد الدينية حتى 30 نوفمبر المقبل، بأغلبية 58 مقابل 54، وسط تحذيرات من المستشارة القانونية للكنيست ومن قيادة الجيش من أن القانون قد يكرّس إعفاءً دائماً بلا مقابل.
وقد استغلت المعارضة هذا الانقسام للضغط باتجاه انتخابات مبكرة، وسط احتجاجات متكررة من عائلات الأسرى السابقين وقطاعات شعبية واسعة غير راضية عن إدارة ملفي الحرب والاقتصاد.
أبرز العوامل التي أدت إلى حل الكنيست
| العامل | التأثير على المشهد السياسي |
| استمرار الحرب على غزة وكلفتها البشرية والاقتصادية | تراجع حاد في شعبية الائتلاف الحاكم، وأدنى مستوى لليكود منذ يونيو 2025 |
| الخلاف حول قانون تمويل الأحزاب بين شاس والمعارضة | التصويت المباشر الذي أفضى إلى حل الكنيست في 17 يوليو |
| قانون تجميد اعتقال المتهربين من التجنيد وانقسام الائتلاف بشأنه | انشقاقات داخل الليكود والصهيونية الدينية، وتهديد تماسك الحكومة |
| محاكمة نتنياهو بتهم الفساد وملف العفو الرئاسي | تشابك حساباته الشخصية مع قرار توقيت الانتخابات وإدارة الحرب |
| احتجاجات عائلات الأسرى السابقين والرأي العام | زيادة الضغط الشعبي نحو انتخابات مبكرة ومحاسبة سياسية |
محاكمة نتنياهو: عامل شخصي في توقيت الاستحقاق
يواجه نتنياهو منذ نهاية نوفمبر 2019 لوائح اتهام في ثلاثة ملفات فساد تشمل الرشوة وتلقي هدايا ثمينة “الملف 1000” ومحاولة الحصول على تغطية إعلامية مواتية مقابل تسهيلات “الملف 2000″، وتستمر جلسات محاكمته أمام المحكمة المركزية في تل أبيب منذ عام 2020 دون حسم، وتشير تقارير إسرائيلية إلى مساعٍ غير معلنة، برعاية الرئيس إسحاق هرتسوغ ومقربين من نتنياهو، لبحث تسوية عبر صفقة إقرار بالذنب مقابل تخفيف العقوبة، بعد أن رفض هرتسوغ حتى الآن طلب نتنياهو عفواً رئاسياً دون إقرار بالذنب، وسط ضغط أمريكي مباشر من إدارة ترامب لصالح العفو، وتجعل هذه التسوية المعلّقة من استمرار نتنياهو في الحكم شرطاً عملياً لحمايته من ملاحقة قضائية قد تطول بعد خروجه من السلطة، وهو ما يُدخل بعداً شخصياً مباشراً في حساباته المتعلقة بتوقيت إنهاء الحرب وإدارة المفاوضات الائتلافية.
الكلفة الاقتصادية للحرب: خلفية الغضب الشعبي
لا ينفصل تراجع شعبية الائتلاف عن الكلفة الاقتصادية المتصاعدة للحرب. فبحسب تقديرات “بنك إسرائيل المركزي”، بلغت خسائر الاقتصاد الإسرائيلي أكثر من 169 مليار دولار بين أكتوبر 2023 ونهاية 2025، أي ما يعادل نحو 11,250 دولاراً لكل مواطن إسرائيلي، فضلاً عن كلفة مباشرة على الموازنة العامة تقارب 112 مليار دولار للفترة نفسها (بما يشمل الدفاع وخدمة الاحتياط والتعويضات)، ويحذّر البنك من أن استمرار الحرب بعد 2026 سيُبطئ وتيرة التعافي ويزيد تعقيد إدارة السياسة المالية، وهو ما يفسر جزئياً تصاعد المطالب الشعبية بإنهاء الحرب أو تغيير القيادة التي تديرها.
ثانياً: التحولات في المشهد السياسي الإسرائيلي
أعادت الحرب على غزة ترتيب أولويات الناخب الإسرائيلي، فتصدرت القضايا الأمنية والعسكرية المنافسة الانتخابية على حساب الملفات الاقتصادية والقضائية التي هيمنت على انتخابات 2022. ومع ذلك، لم تُنهِ الحرب الانقسامات الحزبية بل أعادت إنتاجها حول أسلوب إدارتها لا حول أهدافها؛ إذ يبقى هناك توافق صهيوني واسع على أولوية الاعتبارات الأمنية، بينما ينحصر الخلاف الفعلي في وتيرة العمليات العسكرية، وملف الأسرى، والعلاقة مع واشنطن.
وقد سجّل أحدث استطلاع نشرته صحيفة معاريف بالتعاون مع مؤسسة لازار للأبحاث ومنصة Panel4ALL (24 يوليو 2026) تراجعاً إضافياً لليكود إلى 20 مقعداً، أكبر انخفاض له منذ يونيو 2025، مقابل تصدّر حزب “يشار” بزعامة رئيس الأركان الأسبق غادي أيزنكوت بـ23 مقعداً. وحافظت كتلة المعارضة الصهيونية على أغلبيتها بـ61 مقعداً مقابل 49 لائتلاف نتنياهو و10 للأحزاب العربية، في مؤشر على استقرار نسبي لتفوق المعارضة رغم تقلبات الاستطلاعات الأسبوعية.
وفي سباق رئاسة الحكومة، أظهر الاستطلاع ذاته تقدّم رئيس “بيحاد” نفتالي بينيت على نتنياهو بفارق 45% مقابل 42%، وتقدّم أيزنكوت عليه بفارق أوسع بلغ 46% مقابل 40%، بينما يتقدّم أيزنكوت على بينيت شخصياً بفارق كبير 38% مقابل 23%4، وهو ما يعكس تصدّع معسكر المعارضة نفسه حول قيادته المستقبلية بقدر ما يعكس تراجع الليكود.
ملاحظة منهجية: أُجري استطلاع معاريف/لازار المذكور أعلاه يومي 8 و9 يوليو بعينة من 500 مشارك يمثلون السكان البالغين في الكيان الإسرائيلي من اليهود والعرب، بهامش خطأ أقصى بلغ 4.4%، وهو هامش معتبر يستدعي عدم التعامل مع الفروق الصغيرة بين الأحزاب (كالفارق بين شاس ويهدوت هتوراة) كدلالة حاسمة، وللتحقق من اتساق الاتجاه العام، تجدر مقارنته باستطلاع مستقل نشرته هيئة البث الإسرائيلية (كان) في التوقيت نفسه تقريباً، والذي أظهر صورة قريبة من حيث الاتجاه العام (تفوق نسبي لمعسكر المعارضة) لكن بفروق أدق داخل الكتلتين: تراجع طفيف لـ”يشار” وتحسّن طفيف لليكود بمقعد واحد، إضافة إلى بيانات أكثر تفصيلاً للأحزاب العربية إذ خصّ الاستطلاع القائمة المشتركة (حداش-تعال) بخمسة مقاعد وحركة “رعام” بخمسة مقاعد أخرى ضمن كتلة العشرة، وتؤكد المقارنة بين الاستطلاعين أن اتجاه تراجع الائتلاف الحاكم ثابت نسبياً عبر مصادر متعددة، بينما تبقى التفاصيل الدقيقة لتوزيع المقاعد داخل كل معسكر متقلبة أسبوعياً.
ثالثاً: الخريطة الحزبية: من يقود الكنيست السادس والعشرين؟
تدخل الأحزاب الإسرائيلية الاستحقاق في ظل استقطاب حاد بين معسكر اليمين بقيادة الليكود ومعسكر معارضة صهيونية غير متجانسة يتقاسم قيادتها أيزنكوت وبينيت، بينما تبقى الأحزاب العربية كتلة ثابتة عند 10 مقاعد دون أن تُدرَج عادة ضمن ترشيحات الائتلاف الحاكم أو المعارضة الصهيونية.
الخريطة الحزبية والمواقع التقديرية للمقاعد (استطلاع معاريف، 24 يوليو 2026)
| الحزب / الكتلة | الزعيم | المقاعد التقديرية | الموقف من إدارة الحرب |
| الليكود | بنيامين نتنياهو | 20 | استمرار الضغط العسكري ورفض إقامة دولة فلسطينية |
| يشار | غادي أيزنكوت | 23 | انتقاد إدارة الحكومة للحرب وأولوية ملف الأسرى |
| بيحاد(بينيت–ليبرمان) | نفتالي بينيت | 17 | دعم عسكري مشروط بإدارة أكثر فاعلية |
| الديمقراطيون | يائير غولان | 11 | الدعوة إلى تسوية سياسية لإنهاء الحرب |
| إسرائيل بيتنا | أفيغدور ليبرمان | 10 | تأييد استمرار الضغط العسكري |
| شاس | أرييه درعي | 8 | أولوية الامتيازات الدينية ورفض التجنيد الإلزامي |
| يهدوت هتوراة | قيادة جماعية | 8 | رفض التجنيد الإلزامي بصيغته الحالية |
| عوتسما يهوديت | إيتمار بن غفير | 8 | استمرار العمليات ورفض أي انسحاب من غزة |
| الصهيونية الدينية | بتسلئيل سموتريتش | 5 | توسيع الاستيطان وفرض السيادة على الضفة |
| الأحزاب العربية مجتمعة | قيادات متعددة | 10 | الدعوة إلى وقف الحرب وحل سياسي |
ملاحظة منهجية: الأرقام تقديرات استطلاعية لحظية قابلة للتغير حتى موعد الاقتراع، ولا تعكس نتائج فعلية، ولم يتجاوز عتبة الحسم (3.25%) في هذا الاستطلاع كل من حزب “يسدوت إسرائيل” (2.9%) و”بلد” و”أزرق أبيض”، وهو ما قد يُحدث تغييراً في توزيع المقاعد إذا اندمجت هذه القوائم مع أحزاب أكبر قبل الإغلاق الرسمي للقوائم.
أبرز محاور برامج الأحزاب الرئيسية
الليكود: استمرار العمليات حتى تحقيق أهداف الحرب، رفض إقامة دولة فلسطينية، توسيع الاستيطان، الإبقاء على السيطرة الأمنية في غزة.
يشار وبيحاد (معسكر المعارضة الصهيونية): إعادة بناء الثقة بالمؤسسة الأمنية، أولوية لإعادة الأسرى، تحسين العلاقة مع واشنطن، دون تبنٍ صريح لتسوية سياسية مع الفلسطينيين.
الأحزاب الحريدية (شاس ويهدوت هتوراة): الحفاظ على الإعفاءات الدينية من التجنيد، زيادة مخصصات التعليم الديني، والمساومة على الدخول في أي ائتلاف مقبل.
الصهيونية الدينية وعوتسما يهوديت: توسيع الاستيطان، فرض السيادة على أجزاء واسعة من الضفة الغربية، ورفض أي انسحاب من غزة أو الضفة.
الأحزاب العربية: الدعوة إلى وقف الحرب وإعادة الإعمار، مع انقسام داخلي حول جدوى المشاركة في ائتلاف حكومي مقبل — إذ أظهر استطلاع معاريف أن 70% من ناخبيها يؤيدون انضمام حزب عربي إلى الحكومة المقبلة مقابل 10% يعارضون ذلك.
رابعاً: انعكاسات الانتخابات على الحرب في غزة ومستقبل القضية الفلسطينية
رغم حدة التنافس الحزبي، يبقى هناك إجماع صهيوني واسع على أولوية الأمن، مع اختلاف في أساليب إدارة الصراع لا في إنهائه، لذلك فإن أي تغيير حكومي سيكون غالباً في مستوى التكتيك السياسي أكثر منه في الأهداف الاستراتيجية. وتنعكس نتائج الانتخابات بصورة مباشرة على خمسة ملفات رئيسية:
- مستقبل الحرب على غزة
ستحدد الحكومة المقبلة مسار المرحلة التالية، بين استمرار العمليات العسكرية، أو الانتقال إلى عمليات أمنية محدودة مع الإبقاء على مناطق سيطرة، أو التوصل إلى ترتيبات أمنية برعاية أمريكية-إقليمية، أو التوسع في مناطق عازلة داخل القطاع، وفي جميع المسارات سيبقى غزة محوراً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية.
2. الاستيطان في الضفة الغربية
من المرجح أن يبقى الاستيطان ثابتاً رئيسياً في السياسة الإسرائيلية إذا حافظت أحزاب اليمين على نفوذها، عبر توسيع المستوطنات القائمة، وإنشاء بؤر جديدة، وفرض وقائع في المناطق المصنفة (ج)، وزيادة القيود على الحركة الفلسطينية.
3. القدس
ستواصل الحكومات الإسرائيلية، بدرجات متفاوتة، تعزيز السيطرة على القدس الشرقية وتغيير واقعها الديمغرافي، إذ تبقى القدس خارج أي تنازل سياسي في البرامج الانتخابية الرئيسية بصرف النظر عن الفائز.
4. السلطة الفلسطينية والأونروا
تشير المؤشرات إلى أن الحكومة المقبلة ستتعامل مع السلطة الفلسطينية من منظور أمني بالدرجة الأولى دون انخراط سياسي جاد في مفاوضات الحل النهائي، مع استمرار الضغط السياسي على الأونروا والسعي لإعادة تشكيل آليات تقديم الخدمات في غزة، بما ينعكس مباشرة على قضية اللاجئين.
5. الاعتراف بالدولة الفلسطينية
رغم تنامي الاعتراف الدولي بدولة فلسطين، لا تشير برامج الأحزاب الإسرائيلية الرئيسية — بما فيها أحزاب المعارضة الصهيونية — إلى قبول بإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة وفق قرارات الشرعية الدولية، ومن المرجح أن تواصل أي حكومة مقبلة رفض أي خطوات أحادية بهذا الاتجاه.
تقدير موقف المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
يرى المركز أن الانتخابات الإسرائيلية لن تُحدث تحولاً استراتيجياً في الموقف من القضية الفلسطينية، لأن غالبية القوى السياسية الإسرائيلية — بما فيها معسكر المعارضة الصهيونية الأوفر حظاً وفق الاستطلاعات الراهنة — تتفق على الحفاظ على التفوق الأمني والعسكري ورفض أي تسوية تُفضي إلى دولة فلسطينية كاملة السيادة وفق حدود 1967.
ويتركز الاختلاف بين الأحزاب في كيفية إدارة الصراع لا في إنهائه، وفي درجة الانفتاح على ترتيبات إقليمية-دولية لليوم التالي في غزة أكثر منه في جوهر السياسات تجاه الاستيطان والقدس والسيادة الأمنية.
كما يرى المركز أن التصدع داخل معسكر المعارضة نفسه — بين أيزنكوت وبينيت ولبيد — يحدّ من فرص تشكيل بديل متماسك قادر على إحداث تحول جوهري، حتى في حال تجاوزه عتبة 61 مقعداً، إذ يبقى تشكيل الحكومة رهناً بمفاوضات ائتلافية قد تفرض تنازلات تُبقي الاعتبارات الأمنية في صدارة السياسة تجاه الفلسطينيين.
غير أن هذا التقدير المركزي ليس محصّناً من النقاش، حيث يطرح محللون إسرائيليون قراءة مغايرة مفادها أن حجم الهزيمة المحتملة لليكود (تراجع من 64 إلى نحو 20 مقعداً خلال أربع سنوات) واتساع الفجوة الشخصية بين نتنياهو وكل من بينيت وأيزنكوت في استطلاعات رئاسة الحكومة، قد يمنحان حكومة معارضة صهيونية هامشاً سياسياً أوسع مما تقدّره هذه الورقة، خصوصاً إذا اقترن ذلك بضغط أمريكي-إقليمي متزايد لصالح ترتيبات ما بعد الحرب.
ويستند هذا الطرح إلى أن رحيل نتنياهو تحديداً — لا مجرد تغيّر الأغلبية البرلمانية — هو ما يفكّك العقدة الشخصية التي تربط استمرار الحرب بمصيره القضائي.
يقرّ المركز بوجاهة هذا الاحتمال جزئياً، لكنه يرى أن اختباره الفعلي مرهون بقدرة معسكر المعارضة المنقسم على تجاوز خلافاته الداخلية حول القيادة قبل الاقتراع، وهو ما لم يتحقق حتى تاريخ إعداد هذه الورقة.
خامساً: السيناريوهات المحتملة بعد انتخابات 2026
بنيت النسب المئوية أدناه على قراءة تحليلية للمركز تستند إلى ثلاثة معطيات: اتجاه استطلاعات معاريف المتعاقبة منذ أبريل 2026 وثباتها النسبي حول تفوق المعارضة بهامش ضيق (59-62 مقابل 48-53 مقعداً)، وسجل الانقسامات التاريخية داخل معسكر المعارضة الإسرائيلي حول القيادة، ومسار محاكمة نتنياهو وأثره المحتمل على قراره الترشح أو الانسحاب. وهي تقديرات احتمالية وليست تنبؤات قطعية.
السيناريو الأول: تشكيل حكومة معارضة صهيونية بقيادة أيزنكوت أو بينيت — احتمال 35-40%
- مرونة أكبر في إدارة الحرب وأولوية أعلى لملف العلاقة مع واشنطن.
- قبول محتمل بترتيبات إقليمية-أمريكية لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة.
- استمرار السياسات الأساسية تجاه الاستيطان والقدس دون تغيير جوهري.
السيناريو الثاني: استمرار معسكر اليمين بقيادة الليكود عبر ائتلاف بديل — احتمال 25-30%
- استمرار العمليات العسكرية ورفض الانسحاب الكامل من غزة.
- توسيع الاستيطان وتشديد الإجراءات في القدس واستمرار الضغط على الأونروا.
- اعتماد أكبر على الأحزاب الدينية والقومية المتشددة لتأمين الأغلبية.
السيناريو الثالث: حكومة وحدة وطنية أو ائتلاف واسع متعدد الكتل — احتمال 20-25%
- استقرار سياسي نسبي وتحسّن في صورة الكيان الإسرائيلي أمام المجتمع الدولي.
- إدارة أكثر تنسيقاً للحرب مع استمرار غياب أي أفق سياسي حقيقي للقضية الفلسطينية.
السيناريو الرابع: انسداد سياسي وتعذر تشكيل ائتلاف مستقر — احتمال 10-15%
- استمرار حكومة انتقالية أو الدعوة إلى جولة انتخابية إضافية.
- تأجيل القرارات الاستراتيجية وتصاعد نفوذ المؤسسة العسكرية في صناعة القرار.
الخلاصة
تمثل انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر 2026 محطة سياسية مهمة، نظراً لارتباطها المباشر باستمرار الحرب على غزة وبطبيعة الحكومة التي ستقود الكيان الإسرائيلي خلال المرحلة المقبلة.
غير أن أحدث البيانات المتاحة — من تفاصيل التصويت التشريعي الذي أدى إلى الحل، إلى استطلاعات الرأي المتعاقبة، إلى ملف محاكمة نتنياهو — تؤكد جميعها أن الخلاف بين القوى الإسرائيلية يتركز في إدارة الصراع مع الفلسطينيين لا في إنهائه.
وعليه، فإن المرحلة المقبلة تتطلب متابعة دقيقة ومستمرة للتحولات داخل الساحة السياسية الإسرائيلية، واستعداداً فلسطينياً مؤسسياً لمختلف السيناريوهات المحتملة، بما يعزز قدرة صانع القرار على استثمار أي هامش سياسي قد ينشأ عقب الانتخابات.
التوصيات
- تكليف وحدة متخصصة برصد أسبوعي لاستطلاعات معاريف والقناة 12/13 وتحليل اتجاهات مقاعد الكتل، بما يوفر تقديرات موقف محدّثة قبل موعد الاقتراع بثلاثة أشهر على الأقل.
- العمل عبر القنوات القائمة أصلاً مع الوسطاء الإقليميين (مصر، قطر) والإدارة الأمريكية — دون افتراض قدرة فلسطينية على “فرض” ترتيبات — على إدراج بند صريح في أي تفاهم لليوم التالي في غزة يُلزم الأطراف الضامنة، لا الحكومة الإسرائيلية المقبلة وحدها، بمرجعية الترتيب، بما يرفع كلفة أي تراجع إسرائيلي أحادي عنه بصرف النظر عن هوية الفائز في 27 أكتوبر.
- تكليف مراكز الأبحاث الفلسطينية، بإعداد ملفات موجزة (بروفايل) لكل من أيزنكوت وبينيت ولبيد وسموتريتش وبن غفير تحدّث دورياً، لدعم صانع القرار في التعامل مع أي تشكيلة حكومية محتملة.
- إعداد ثلاث خطط طوارئ متمايزة (يمين، معارضة صهيونية، وحدة وطنية) تحدد مسبقاً الموقف الفلسطيني الرسمي من كل سيناريو حكومي، بدل الاكتفاء بردود فعل لاحقة لنتائج الانتخابات.
- متابعة مسار محاكمة نتنياهو وملف العفو الرئاسي بوصفه متغيراً مؤثراً في توقيت القرارات المتعلقة بالحرب، عبر تكليف باحث متخصص بمتابعته ضمن نشرة دورية موجزة.
© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية يوليو 2026 — جميع الحقوق محفوظة



