خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية-دراسات تحليلية
| الملخص التنفيذي تتتبع هذه الورقة مخطط “إمارة الخليل” عبر جولتين موثقتين: الجولة الأولى (يوليو 2025) حين كشفت صحيفة وول ستريت جورنال عن رسالة وجهها خمس شخصيات من الخليل لوزير الاقتصاد الإسرائيلي نير بركات؛ والجولة الثانية (يونيو 2026) حين أقدم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش على إلغاء أحادي فعلي لبروتوكول الخليل لعام 1997، بالتزامن مع جلسة استماع في الكنيست روّج فيها الوزيران بركات وأميحاي شيكلي للنموذج العشائري بديلاً عن السلطة الفلسطينية. وتخلص الورقة إلى أن الافتراض السابق بأن المخطط “سيفشل تنفيذياً بالضرورة” يحتاج تعديلاً: فرغم استحالة قيام “إمارة” رسمية معلنة، فإن عناصر من المخطط بدأت تُنفَّذ فعلياً وتدريجياً وأحادياً (انتزاع صلاحيات التخطيط في منطقة الحرم الإبراهيمي)، بصرف النظر عن استمرار الرفض العشائري الفلسطيني الموثق ومعارضة الشاباك والجيش الإسرائيليين للمخطط الكلي. وتخلص الورقة إلى أن هذا “التنفيذ الزاحف” يستوجب رداً فلسطينياً موثقاً قانونياً ودبلوماسياً فورياً، لا انتظار فشل المخطط الكلي، لأن الضرر يتراكم من خلال الخطوات الجزئية نفسها. |
أولاً: مدخل — السياق الفكري والسياسي لطرح “إمارة الخليل”
لا يمكن فهم مخطط “إمارة الخليل” بمعزل عن أطروحة أكاديمية-سياسية إسرائيلية أقدم منه، عرفت باسم “حل الدول الثماني” أو “الإمارات الفلسطينية”، التي يروّج لها منذ عام 2012 الباحث الإسرائيلي مردخاي كيدار، المحاضر السابق في قسم اللغة العربية بجامعة بار إيلان والباحث في مركز بيغن-السادات.
تقوم هذه الأطروحة على افتراض أن البنية الاجتماعية الفلسطينية عشائرية بالأساس، وتقترح إقامة “إمارة” أو “دولة-مدينة” في كل من مدن الضفة الكبرى، على أن تحتفظ السلطات الإسرائيلية بالسيطرة الأمنية والحدودية الكاملة على الفضاء الفاصل بينها، وحين تكشفت رسالة شخصيات الخليل في يوليو 2025، وصفها كيدار نفسه بأنها “نقطة تحول”، مؤكداً أنه يروّج لهذا المفهوم لسنوات وأن الأمر الآن “بيد إسرائيل” وأجهزتها الأمنية لتفعيله ميدانياً.
يخدم هذا الطرح هدفاً سياسياً محدداً: سحب الاعتراف بالتمثيل السياسي للفلسطينيين، وتحويل الطموح الوطني من مشروع تحرر وسيادة إلى مطالب خدماتية وبلدية مُدارة محلياً بالتنسيق مع الاحتلال، وقد وجدت هذه الأطروحة، بعد عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023 وتصاعد نفوذ اليمين الاستيطاني بقيادة بتسلئيل سموتريتش وإيتامار بن غفير داخل الحكومة الإسرائيلية، بيئة سياسية أكثر ملاءمة لإعادة طرحها عملياً وليس نظرياً فقط.
الجدير بالذكر أن هذا النمط من التفكير ليس جديداً كلياً على المستوى العملي أيضاً؛ فقد سبق للسلطات الإسرائيلية تجربة مشابهة في “روابط القرى” (1978) انطلاقاً من الخليل تحديداً، وهي سابقة تاريخية نعرض لها بالتفصيل والمقارنة البنيوية في القسم الخامس من هذه الورقة، باعتبارها المفتاح الأهم لفهم حدود ومآلات المشروع الحالي.
وقد تسارع طرح “إمارة الخليل” تحديداً في عام 2025 في توقيت لافت: بالتزامن مع تصاعد نية عدد من الدول الغربية، بينها فرنسا وبريطانيا وأستراليا، الاعتراف بالدولة الفلسطينية خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025.
هذا التزامن يشير إلى أن المخطط لم يُطرح فقط كأداة تفكيك داخلي، بل كذلك كـ”ورقة مضادة” في مواجهة زخم الاعتراف الدولي المتصاعد بالدولة الفلسطينية، وهو ما تأكد لاحقاً في الجولة الثانية من المخطط في يونيو 2026 (القسم السادس).
ثانياً: الجولة الأولى (يونيو 2025) — رسالة الشخصيات ووقائعها الموثقة
استندت نسخة “إمارة الخليل” الأولى إلى وقائع ميدانية محددة كشف عنها تحقيق لصحيفة وول ستريت جورنال الأميركية نُشر مساء السبت 5 يوليو 2025، ونقلت عنه وتوسعت فيه صحف ومواقع إسرائيلية وأميركية عديدة، من بينها هآرتس و”تايمز أوف إسرائيل” وجيروزاليم بوست وJTA*.
1. الفاعلون والتوقيت
- وجّه خمس شخصيات من الخليل وجبلها رسالة لوزير الاقتصاد الإسرائيلي نير بركات، تصدرهم وديع الجعبري “أبو سند”، طلبوا فيها من بركات إحالتها لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو..
- استضاف بركات الجعبري وآخرين في منزله في القدس “عشرات المرات” منذ فبراير 2025 بحسب جيروزاليم بوست، أو “نحو اثنتي عشرة مرة خلال خمسة أشهر” بحسب JTA.
- أكد يوسي داغان، رئيس مجلس المستوطنات في السامرة (الضفة الشمالية)، لصحيفة وول ستريت جورنال أنه شريك رسمي في المبادرة، وأنه يعرف الجعبري منذ 13 عاماً .
- حسب مصدر نقلته ynet، كان رئيس الوزراء نتنياهو على علم بالمبادرة ويدعمها “بحذر”، بانتظار تطورها .
- نفى ممثلون آخرون في عائلة الجعبري صحة تمثيل وديع الجعبري لهم، ووصفته عائلته لصحيفة هآرتس بأنه معروف بعلاقاته مع المستوطنين والمؤسسات الإسرائيلية التي “تخدم بالأساس مصالحه الشخصية والتجارية”، وفي أعقاب تصاعد الجدل، أُحرقت سيارة الجعبري في القدس الشرقية، فيما اعتبر على نطاق واسع رد فعل احتجاجياً على مبادرته.
2. مضمون المبادرة المطروحة
- اعتراف متبادل: تعترف “إمارة الخليل” بإسرائيل “دولة قومية للشعب اليهودي”، مقابل اعتراف إسرائيلي بها “ممثلاً للسكان العرب في قضاء الخليل”.
- انضمام مباشر إلى اتفاقيات أبراهام، وترتيب بديل يحل محل اتفاقية أوسلو “التي لم تجلب سوى الضرر والموت والكارثة الاقتصادية والدمار” بحسب نص الرسالة كما نقلته الصحف.
- إقامة منطقة صناعية مشتركة عند خط التماس، على أن يبدأ تشغيل نحو 1000 عامل فلسطيني في مرحلة تجريبية، ترتفع إلى 5 آلاف، ثم يمكن أن تصل – بحسب ما نقله الجعبري عن وعد بركات – إلى 50 ألف عامل.
تجدر الإشارة إلى أن هذا العدد “خمس شخصيات “أو “خمسة مشايخ” هو الرقم الذي أكدته جميع التغطيات الأميركية والإسرائيلية القريبة من المصدر الأصلي، في حين تحدثت مصادر عربية ثانوية عن رقم أعلى بكثير (“21 شيخاً” يمثلون أكثر من 550 ألف نسمة) دون إسناد رسمي واضح.
وقد حسمت هآرتس هذا الجدل لاحقاً (يونيو 2026): نقلت الصحيفة عن مصادر أمنية إسرائيلية أن معظم الشخصيات المعروضة كـ”مؤثرة” لا تملك مكانة عامة حقيقية في الخليل، ولا يُعترف بها كمراكز نفوذ فعلية في المدينة— وهذا يؤكد، من مصدر إسرائيلي أمني وليس فلسطينياً، أن حجم التمثيل العشائري المُدَّعى مبالغ فيه بشكل كبير.
وتحتفظ الخليل بخصوصية استيطانية وأمنية معقدة تجعلها بيئة “اختبار” ملائمة لهذا النمط من المخططات: فهي المحافظة الوحيدة في الضفة (باستثناء القدس) التي يقيم في قلب مدينتها التاريخية مستوطنون تحت حماية عسكرية مباشرة، بموجب تقسيم المدينة إلى منطقتي H1 (تحت السيطرة المدنية والأمنية الفلسطينية، ويقطنه بين 130 و166 ألف فلسطيني على نحو 80% من مساحة المدينة) وH2 (تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة، ويقطنه ما بين 33 و40 ألف فلسطيني إلى جانب المستوطنين، على نحو 20% من المساحة، وتضم البلدة القديمة والمسجد الإبراهيمي/الحرم الإبراهيمي) بموجب بروتوكول الخليل لعام 1997.
وتمثل الخليل العصب الاقتصادي الأكبر في الضفة الغربية، ما يجعل نجاح هندسة كيان منفصل فيها أداة محتملة لشل الحركة الاقتصادية للضفة ككل وربطها مباشرة بالمنظومة الإسرائيلية.
ثالثاً: الرفض الفلسطيني المحلي — التوثيق
قوبل الكشف عن المبادرة برفض عشائري ووطني فوري وموثق، لا بمجرد تصريحات عامة:
- أصدرت عشيرة آل الجعبري بياناً رسمياً في 6 يوليو 2025 عقب اجتماع لوجهائها، أعلنت فيه “براءتها التامة واستنكارها واستهجانها” لما أقدم عليه “أحد أفراد العائلة غير المعروف لدى العشيرة”، مؤكدة التزامها بـ”حقوق شعبنا في تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف”.
- نقل موقع ميدل إيست آي عن سكان وقيادات سياسية في الخليل وصفهم لـ”المشايخ” المذكورين في تقرير وول ستريت جورنال بأنهم “شخصيات مجهولة تماماً، بلا حضور سياسي أو مكانة اجتماعية أو روابط عائلية أو اعتراف مجتمعي”، وأن لا فصيل ولا عشيرة فلسطينية تعترف بهم كفاعلين ذوي وزن حقيقي.
- عقد مجلس عائلة الجعبري مؤتمراً صحفياً نفى فيه معرفته بالشيخ وديع الجعبري أصلاً باعتباره “شيخهم”، ووصف رئيس صندوق تنمية القدس سامر سنيقرة المبادرة بأنها “غير عملية ولا جدية، ولا تمثل إرادة عشيرة الجعبري”.
- وصفت وكالة صدى الإخبارية موقف عشائر الخليل بأنه سيبقى ضمن “دائرة النضال والكرامة”، ورفض أي تحالف مع الاحتلال أو محاولات تطبيع تتجاوز الإرادة الشعبية.
هذا الرفض السريع والمباشر، الموثق بمصادر فلسطينية وإسرائيلية على حد سواء، يقلل من فرص أي زخم شعبي حقيقي للمخطط في صورته الأولى، لكنه لا يُسقط أهميته التحليلية: فالمبادرة لم تُطرح أصلاً من داخل الحاضنة الشعبية، بل صيغت ورُوّجت من الجانب الإسرائيلي (بركات وداغان) بالبحث عن “شريك محلي” ولو كان هامشياً، وهو ما يفسر هشاشتها الاجتماعية منذ لحظة الإعلان عنها.
رابعاً: انقسام المؤسسة الإسرائيلية — لماذا تعارض الأجهزة الأمنية المخطط؟
خلافاً لتصوير المخطط كموقف حكومي إسرائيلي موحد، تُظهر التغطيات القريبة من المصدر أن المبادرة تنطلق من دائرة سياسية-استيطانية محددة (بركات وداغان وشركاء لهما) وتصطدم بمعارضة صريحة من المؤسسة الأمنية:
- ذكرت جيروزاليم بوست أن الشاباك والجيش الإسرائيلي “يفضلان العدو الذي يعرفانه على العدو الذي لا يعرفانه”، ويخشيان أن يؤدي قيام “كونفدرالية إمارات” رخوة في الضفة إلى وضع يصعب إدارته، بل وقد يؤدي إلى “حرب أهلية فلسطينية” لا يمكن التنبؤ بمسارها.
- أكدت مدونة على تايمز أوف إسرائيل (يوليو 2025) أن كلاً من الجيش والشاباك يعارضان المبادرة، ويفضلان استمرار التنسيق الأمني القائم مع السلطة الفلسطينية التي ساعدت قواتها تاريخياً في إحباط عمليات واعتقال عناصر مسلحة.
- في التصعيد اللاحق (يونيو 2026)، نقلت هآرتس أن مسؤولين أمنيين إسرائيليين حذّروا رسمياً من أن الخطة “غير قابلة للتطبيق لا عملياً ولا سياسياً”، وقد تجر الكيان الإسرائيلي إلى تدخل عسكري مباشر في اقتتال داخلي فلسطيني في الضفة الغربية.
- في المقابل، أبدى وزير الشتات الإسرائيلي أميحاي شيكلي، خلال جلسة استماع في لجنة الخارجية والأمن بالكنيست، دعماً كاملاً للمبادرة، ووصف نموذج “الإمارة” بأنه “مستقبل الضفة الغربية” وأبرز بديل يُطرح حتى الآن أمام السلطة الفلسطينية، معتبراً أن البنية العشائرية المحلية قد توفر أساساً أكثر استقراراً من مؤسسات السلطة.
- حذّر مصدر أمني إسرائيلي آخر تحدث لهآرتس من أن “إحضار الوزراء للمشايخ إلى الكنيست ومنحهم منصة رسمية وتقديمهم كبديل حكومي للسلطة الفلسطينية لم يعد مجرد استعراض إعلامي، بل بات له تبعات مباشرة على الأرض”.
هذا الانقسام مهم تحليلياً لسببين: أولاً، لأنه يعني أن المخطط ليس سياسة إسرائيلية رسمية متفقاً عليها بل مشروع فصيل سياسي داخل الحكومة (بركات وسموتريتش وشيكلي) يسعى لفرضه تدريجياً على مؤسسة الأمن، وهذا يفتح مساحة حقيقية للتوظيف الفلسطيني والدولي لتعميق هذا الخلاف بدل التعامل مع المخطط كأمر واقع. وثانياً، لأن أسباب معارضة الأمن الإسرائيلي عملية بحتة (خشية الفوضى وحرب أهلية فلسطينية، وفقدان أداة التنسيق الأمني)، وهو ما يعني أن هذه المعارضة قابلة للتآكل التدريجي إذا واصل الغطاء السياسي (كما حدث فعلاً في يونيو 2026، القسم السادس) التوسع رغمها.
خامساً: الجذر التاريخي—“روابط القرى” (1978) ومنطق التكرار
يمثل مخطط “إمارة الخليل” استنساخاً شبه حرفي لتجربة “روابط القرى”، وهو ما لاحظته تغطيات فلسطينية عديدة عند الإعلان عن المبادرة.
بدأت فكرة الروابط تتبلور عام 1976 حين طرحها الجنرال إيغال كرمون، الحاكم العسكري لمدينة الخليل (1974-1976)، فتبنّاها مناحم ميلسون، مستشار الشؤون العربية في الحكم العسكري الإسرائيلي، ودعمها سياسياً وزير الحرب آنذاك عيزر وايزمن، وأسفرت اتصالات ميلسون وكرمون مع مصطفى دودين، الوزير الأردني السابق وابن بلدة دورا في جبل الخليل، عن الإعلان رسمياً في 20 يوليو 1978 عن قيام “رابطة قرى محافظة الخليل” برئاسته، لتُعمَّم لاحقاً التجربة على مناطق أخرى في الضفة.
التطابق بين التجربتين، الفاصل بينهما نحو خمسة عقود، لافت في ثلاث ركائز:
- الهدف السياسي المشترك: في الحالتين، كان الهدف المعلن أو الضمني سحب البساط من تحت التمثيل الوطني— منظمة التحرير في السبعينيات، والسلطة الفلسطينية اليوم — عبر خلق تمثيل “بلدي” أو “عشائري” بديل يتفاوض مباشرة مع الاحتلال بمعزل عن أي أفق سياسي وطني جامع.
- المعادلة الاستعمارية الكلاسيكية: منح صلاحيات خدماتية واقتصادية (تصاريح عمل، تسهيلات، مناطق صناعية مشتركة) لقيادات محلية موالية، مقابل إسقاط المطالب السياسية الوطنية — وهي معادلة “الأمن والمعيشة مقابل السياسة” ذاتها في التجربتين.
- البحث عن “شريك طيّع”: اعتماد الاحتلال في الحالتين على شخصيات محلية محدودة العدد ومثيرة للجدل (مصطفى دودين آنذاك، ووديع الجعبري اليوم) لتصوير مبادرته على أنها نابعة من الداخل الفلسطيني لا مفروضة عليه من الخارج.
والفارق الأهم الذي يميز النسخة الحالية هو غطاء التطبيع الإقليمي غير المتاح في السبعينيات: محاولة تسويق “إمارة الخليل” كشريك طبيعي في اتفاقيات أبراهام للحصول على شرعية وتمويل إقليمي ودولي بديل، وهو ما نتناوله في القسم التالي.
أما عن مآل التجربة الأولى، فقد انهارت روابط القرى خلال سنوات قليلة تحت وطأة المقاطعة الشعبية والاجتماعية الشاملة لقياداتها، إذ عُزلت هذه القيادات اجتماعياً واعتُبرت أدوات للاحتلال، وتعرض بعض المتعاونين معها لعزل ومحاسبة مجتمعية صارمة اضطرت سلطات الاحتلال معها لتوفير حماية أمنية دائمة لهم قبل أن تتخلى عنها نهائياً بحلول منتصف الثمانينيات.
هذه السابقة التاريخية هي أساس تقييم الأجهزة الأمنية الإسرائيلية الحالية للمخطط بوصفه “غير قابل للتطبيق” (القسم الرابع)، لكنها لا تعني بالضرورة أن النسخة الجديدة ستفشل بالسرعة أو بالطريقة ذاتها، نظراً لاختلاف السياق الإقليمي والدولي عما كان عليه قبل خمسة عقود.
سادساً: الجولة الثانية (يونيو 2026) — من “الطرح” إلى “التنفيذ الزاحف”
بعد نحو عام من الرفض العشائري والتحفظ الأمني، لم يُطوَ ملف “إمارة الخليل”؛ بل شهد في يونيو 2026 تصعيداً نوعياً غيّر طبيعة الملف من “مبادرة مطروحة” إلى “خطوات تنفيذ أحادية على الأرض”:
- في 16 يونيو 2026، أعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إلغاء بروتوكول الخليل لعام 1997 من طرف واحد، واستولى على صلاحيات التخطيط والبناء في منطقة الحرم الإبراهيمي/الحرم الإبراهيمي (المسجد الإبراهيمي وقبر الآباء) من البلدية الفلسطينية، ووصف الخطوة بأنها “أكثر بكثير من إجراء تخطيطي، إنها خطوة سيادة وحكم فعلي”.
- بالتزامن، وفي ما وصفته هآرتس بأنه “خطة منسقة”، استضاف وزير الاقتصاد نير بركات جلسة استماع في لجنة الخارجية والأمن بالكنيست، أحضر إليها الشيوخ الخمسة أنفسهم من رسالة 2025، وقدّمهم بصفتهم مستعدين لتحمل مسؤولية إدارة مناطقهم عبر نموذج “القيادة القبلية”.
- طرح الشيوخ خلال الجلسة مطالب تفصيلية للجيش والأجهزة الأمنية الإسرائيلية: الامتناع عن أي نشاط عسكري ضدهم وضد سكان مناطقهم، وتقليص الاعتقالات، ووقف تفتيش أراضي عائلاتهم بحثاً عن السلاح.
- رد رئيس بلدية الخليل الفلسطيني، يوسف الجعبري، على قرار سموتريتش بوصفه “قراراً عنصرياً يهدف لتجريد بلدية الخليل من صلاحياتها”، مؤكداً أن “الخليل يحكمها الشرعية الفلسطينية ولا أحد غيرها”، وأن للشعب الفلسطيني كامل القدرة على اختيار قيادته رغم التدخل الإسرائيلي المستمر.
يمثل هذا التصعيد نقلة نوعية عن الجولة الأولى: فبينما اقتصرت مبادرة 2025 على رسالة ونوايا معلنة قوبلت برفض فلسطيني وتحفظ أمني إسرائيلي أبقياها حبراً على ورق، فإن خطوة سموتريتش في يونيو 2026 غيّرت واقعاً قانونياً وإدارياً فعلياً على الأرض (نزع صلاحيات مباشرة من بلدية منتخبة)، بمعزل عن استمرار معارضة الجيش والشاباك للمخطط الأوسع ورفض غالبية الفلسطينيين في الخليل الاعتراف بالشيوخ المعنيين، وهذا يستدعي مراجعة الافتراض السابق بأن “فشل الاعتراف الشعبي بالمخطط” يكفي لضمان عدم تحقق أي من عناصره على الأرض؛ فسموتريتش لم ينتظر توفر غطاء شعبي فلسطيني، بل نفّذ الخطوة إدارياً بصرف النظر عنه.
سابعاً: الوظيفة السياسية للمخطط— إعادة تقييم بعد التصعيد
يقتضي هذا التطور إعادة صياغة التمييز التحليلي المركزي في هذه الورقة، لا إلغاءه: فالفارق الحاسم لم يعد بين “نجاح تنفيذي كامل” و”فشل تنفيذي كامل”، بل بين مستويين متزامنين من الواقع:
المستوى الأول: قيام “إمارة” رسمية معلنة ومعترف بها دولياً
هذا الاحتمال يبقى ضعيفاً جداً، بناءً على المعطيات الموثقة في هذه الورقة: الرفض العشائري الفوري والمعلن من غالبية أهل الخليل ومن عائلة الجعبري نفسها، ومعارضة الشاباك والجيش الإسرائيليين المعلنة لأي نموذج كونفدرالي كامل، وسابقة الفشل التاريخي لتجربة روابط القرى المشابهة.
المستوى الثاني: انتزاع صلاحيات وسيادة فعلية بشكل تدريجي وجزئي، بمعزل عن أي اعتراف شعبي أو دولي
هذا المستوى بدأ يتحقق فعلياً، كما يوثق القسم السادس: إلغاء بروتوكول الخليل وانتزاع صلاحيات التخطيط في الحرم الإبراهيمي، ومنح منصة رسمية في الكنيست لأفراد لا يملكون تمثيلاً شعبياً حقيقياً (وهو ما أقرت به مصادر أمنية إسرائيلية نفسها)، وتحويل “البالون الاختباري” تدريجياً إلى سياسة حكومية فعلية تنفذها وزارة المالية مباشرة، وكما حذر مصدر أمني إسرائيلي لصحيفة هآرتس، فإن منح هذا النموذج منصة رسمية “لم يعد مجرد استعراض إعلامي، بل بات له تبعات مباشرة على الأرض”.
بهذا المعنى، فإن الخطر الحقيقي لمخطط “إمارة الخليل” لا يكمن في احتمال ضعيف لقيام كيان سياسي معلن، بل في تراكم خطوات تنفيذية جزئية وأحادية (كإلغاء بروتوكول كامل بقرار وزاري واحد) تُغيّر الوقائع على الأرض تدريجياً دون أن تنتظر أي شرعية شعبية أو اعتراف دولي — وهو ما يجعل “انتظار فشل المخطط الكلي” استراتيجية فلسطينية غير كافية بمفردها، ويُلزم برد فوري على كل خطوة جزئية على حدة، لا الاكتفاء برصد الاتجاه العام.
ثامناً: الانعكاسات على مستقبل السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير
يمثل استمرار طرح هذا النمط من المشاريع تهديداً تراكمياً لا آنياً لمكانة السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، من ثلاث زوايا رئيسية:
تجريد السلطة من وظيفتها السياسية: إذا نجحت السلطات الإسرائيلية ولو جزئياً في انتزاع بعض الصلاحيات الإدارية والاقتصادية في مناطق بعينها (كالخليل) وإسنادها لإدارات محلية موازية، فإن ذلك يفرغ تدريجياً مفهوم “الولاية الجغرافية المتواصلة” من مضمونه، حتى دون إعلان رسمي عن انفصال.
تصفية التمثيل الفلسطيني: تسويق فكرة أن الفلسطينيين يمكن تمثيلهم عبر كيانات عشائرية أو بلدية منفصلة يخدم محاولة إسرائيلية لإقناع الشركاء الدوليين والإقليميين بأن المنظمة لم تعد الممثل الشرعي الوحيد، وهو ما يُضعف موقعها التفاوضي دولياً.
تغذية أزمة الشرعية الداخلية: يترافق ترويج هذه البدائل مع استمرار الحصار المالي الإسرائيلي على أموال المقاصة، ما يخلق بيئة موضوعية (لا شرعية شعبية) قد تجعل بعض الفئات المتضررة اقتصادياً أكثر تقبلاً لبدائل خدماتية محلية، حتى لو ظلت مرفوضة وطنياً على مستوى الخطاب العام.
تاسعا: أدوات المواجهة الفلسطينية— من العموميات إلى توصيات عملية
تملك قيادة المنظمة والسلطة الفلسطينية أوراقاً قانونية ودبلوماسية معتبرة نظرياً: صفة “الدولة المراقب غير العضو” في الأمم المتحدة، والعضوية في المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، وفتوى محكمة العدل الدولية بشأن عدم شرعية الاحتلال، إضافة إلى تمسك الدول العربية الموقّعة على اتفاقيات التطبيع، رسمياً على الأقل، بشرط قيام الدولة الفلسطينية، لكن الفجوة بين توفر هذه الأدوات وفاعليتها الفعلية تظل واسعة، بسبب الانقسام الداخلي، وتآكل الشرعية الشعبية جراء غياب الانتخابات لسنوات طويلة، والاختناق المالي الناتج عن احتجاز أموال المقاصة.
انطلاقاً من التمييز الوارد في القسم السابع بين ضعف احتمال قيام “إمارة” رسمية معلنة واستمرار خطر “التنفيذ الزاحف” الجزئي (وهو ما تجسّد فعلياً في قرار سموتريتش بإلغاء بروتوكول الخليل، القسم السادس)، تقترح هذه الورقة أن يتجاوز الرد الفلسطيني الاكتفاء بانتظار فشل المخطط الكلي، عبر خطوات عملية محددة:
- طعن قانوني فوري ومحدد ضد قرار إلغاء بروتوكول الخليل تحديداً: رفع شكوى رسمية موثقة لدى الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية تتناول قرار سموتريتش (16 يونيو 2026) بوصفه انتهاكاً منفرداً لاتفاق موقّع، لا مجرد تصريح سياسي عام، مرفقاً برد رئيس بلدية الخليل الرسمي كوثيقة مساندة.
- توثيق قانوني رسمي فوري لبيانات الرفض العشائري: تحويل بيان عشيرة الجعبري (6 يوليو 2025) ومؤتمر مجلس العائلة الصحفي إلى وثائق مصدَّقة رسمياً عبر وزارة الخارجية الفلسطينية ومحافظة الخليل، ترافق أي مراسلة فلسطينية مستقبلية مع الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي بخصوص هذا الملف.
- استثمار الانقسام داخل المؤسسة الإسرائيلية والاعتراف الأمني الإسرائيلي نفسه بضعف تمثيل “الشيوخ”: توظيف تصريحات المصادر الأمنية لهآرتس (القسم السادس) في الخطاب الدبلوماسي الفلسطيني الموجّه للإدارات الغربية، بصيغة “حتى الاستخبارات الإسرائيلية تؤكد أن هذه الشخصيات لا تمثل أحداً”، بدل حصر النقاش في الإطار الأخلاقي أو الحقوقي فقط.
- ربط ملف الخليل مباشرة بمسار الاعتراف الدولي المتصاعد: تنسيق فلسطيني مباشر مع الدول التي اعترفت أو تعتزم الاعتراف بالدولة الفلسطينية (فرنسا، بريطانيا، أستراليا وغيرها) لإدراج رفض صريح لنماذج “الكانتونات العشائرية” وقرارات الإلغاء الأحادية كشرط مصاحب لأي خطوة اعتراف أو دعم اقتصادي لاحق.
- تحصين الجبهة الداخلية: الدفع باتجاه تفعيل قرارات المجلسين الوطني والمركزي الفلسطيني ذات الصلة بإعادة بناء التمثيل الوطني الموحد، بما يشمل مساراً واضحاً لإنهاء الانقسام بين فتح وحماس، باعتبار أن الثغرة الأساسية التي تستثمرها هذه المخططات هي غياب جبهة داخلية صلبة تسند أي تحرك دبلوماسي خارجي.
خلاصة القول: إن المعطيات الموثقة في هذه الورقة تُظهر أن مخطط “إمارة الخليل”، في صورته الكاملة كـ”إمارة” معلنة ومعترف بها، يظل هشاً تنفيذياً ومحكوماً عليه بمصير مشابه لتجربة روابط القرى التي سبقته، غير أن الجولة الثانية من المخطط (يونيو 2026) تثبت أن أجزاء منه قابلة للتنفيذ الفعلي بمعزل عن أي شرعية شعبية، عبر قرارات إدارية أحادية تنتزع صلاحيات فعلية على الأرض، وهذا يستوجب رداً فلسطينياً فورياً ومحدداً على كل خطوة جزئية، لا اكتفاءً برصد هشاشة المشروع الكلي والتعويل على انهياره الذاتي.
© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية يوليو 2026 — جميع الحقوق محفوظة
* وكالة أنباء دولية متخصصة في الأخبار والتحليلات المتعلقة بالشؤون اليهودية والكيان الإسرائيلي والمجتمعات اليهودية حول العالم.



